إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس من بين أكثر البلدان استهلاكا بمعدّل 241 لترا للفرد الواحد سنويا..  قطاع المياه المعدنية حيوي ويحتاج إلى اهتمام أكبر  

 

 

تونس - الصباح

ضبطت وزارة التجارة هوامش الربح والأسعار القصوى لبيع المياه المعدنية المعلبة، في قرارات جديدة أعقبت نقصا مباغتا في التزوّد بالمياه المعدنية، تجاوز ذروة الاستهلاك الموسمي الذي يشهد عادة نقصا استثنائيا في التزوّد، ليصبح في المدة الأخيرة وضعا يوميا خلق طوابير أمام نقاط التزوّد بالمياه المعدنية بالجملة وفي الفضاءات التجارية الكبرى، حيث تم فرض كمية محددة للبيع.

 

وقد تم ضبط هامش الربح الخام الأقصى في المياه المعدنية المعلبة بـ15 مليما للقارورة على مستوى التوزيع بالجملة، و15 مليما على مستوى التوزيع بالتفصيل. كما حدّدت الوزارة الأسعار القصوى للبيع للعموم وفق سعة القارورة، ودعت إلى التعامل عبر مسالك التوزيع المنظمة، وتسوية الوضعيات الجبائية، والالتزام بواجب الفوترة واحترام شروطها القانونية وبياناتها الوجوبية، والاستظهار بالفواتير عند أول طلب خلال كل عملية مراقبة بمحلات البيع والخزن ووسائل النقل.

إلا أن الأزمة في التزوّد بدت أبعد من الارتفاع المفاجئ في الطلب خلال موجات الحر، بما يولّد ضغطا مؤقتا على شركات تعليب المياه المعدنية، حيث باتت اليوم عدة أسئلة تُطرح حول هذا القطاع، في علاقة بشركات التعليب، والاستثمار في المياه الجوفية، ومسالك التوزيع، وجودة هذه المياه وقدرتها التنافسية، وبعض الممارسات الاحتكارية التي يشهدها القطاع وتضرب مبدأ المنافسة والجودة أحيانا.

 

سوق استهلاكية مهمة

يعدّ قطاع المياه المعدنية في تونس قطاعا حيويا ومتطورا، حيث يضم 31 مصنعا لتعليب المياه موزعة على مختلف جهات الجمهورية، ويشرف على القطاع الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.

وهناك اليوم سوق استهلاكية ضخمة للمياه المعلبة، حيث أشارت بيانات الديوان الوطني للمياه المعدنية إلى أن متوسط استهلاك الفرد التونسي من المياه المعلبة يقدّر بنحو 241 لترا سنويا في 2024، ما يضع تونس ضمن أكثر البلدان استهلاكا للمياه المعلبة عالميا. كما بلغ الاستهلاك الوطني خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 نحو 2.1 مليار لتر، بقيمة قاربت 790 مليون دينار، بزيادة قدرها 8 % مقارنة بالفترة نفسها من 2024.

وأدّى الجفاف في السنوات الأخيرة وتراجع الأمطار إلى استنزاف الموارد المائية الجوفية، مما تسبّب في تراجع تدفق العيون والآبار بسبب انخفاض مخزون الموائد المائية الجوفية تحت تأثير قلة الأمطار والتغيرات المناخية، وهو ما أدّى إلى تراجع قدرة مصانع تعبئة المياه المعدنية على الإنتاج. وتزامن ذلك مع ارتفاع كبير في الطلب الاستهلاكي صيفا، بما نتج عنه اضطرابات باتت مألوفة في السنوات الأخيرة ونقص في تزويد الأسواق بقوارير المياه المعدنية.

وقطاع المياه المعدنية يواجه تحديات أخرى، مثل الضغط الاستهلاكي من خلال ارتفاع الطلب المحلي على المياه المعبأة بنسب قياسية خلال موجات الحر الصيفية وحتى خارج الصيف، بسبب التراجع الكبير في جودة مياه الحنفية، إلى جانب اضطراب الإنتاج بسبب تأثر نسق تعبئة وتوزيع المياه بنقص الإمدادات وانقطاعات الطاقة أحيانا. كما واجهت بعض العلامات التجارية مشاكل على مستوى الجودة، من خلال احتمالية تغير تركيز الأملاح والمعادن في بعض الآبار نتيجة تراجع المخزون الجوفي.

ولكن رغم كل هذه التحديات، ما زال قطاع المياه المعدنية من بين أهم القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، والتي تحقق أرباحا مهمة، حيث تؤكد المعطيات الرسمية للديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه أن القطاع عرف خلال السنوات الأخيرة نموا متواصلا، إذ بلغ إنتاج المياه المعلبة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 نحو 2.1 مليار لتر، فيما تعمل 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 500 ألف قارورة في الساعة.

وأسهم تطور قطاع المياه المعدنية في ارتفاع استهلاك الفرد للمياه المعلبة من 879 مليون لتر في عام 2010 إلى 3.275 مليار لتر للفرد الواحد في 2022، وتأتي تونس في المرتبة الرابعة عالميا من حيث استهلاك المياه المعدنية.

 

تنوّع الاستعمال بين الشرب والاستشفاء

يشرف الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه على هذا القطاع، وتتمثل مهمته في تنفيذ سياسة الحكومة في قطاع الاستشفاء بالمياه وقطاع المياه المعلبة. ويشمل قطاع الاستشفاء بالمياه الاستشفاء بالمياه المعدنية، والمعالجة بمياه البحر، والاستشفاء بالمياه العذبة، كما يشمل قطاع المياه المعلبة المياه المعدنية الطبيعية والمياه المعبأة المعدة للاستهلاك البشري.

وتعتبر وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري الجهة المانحة لرخص الحفر، بينما يكتفي الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه بمهمة رقابية تقنية للمياه، قبل أن تُسحب المهمة الرقابية من الديوان الوطني للمياه وتُسند إلى الهيئة الوطنية للسلامة الصحية على المنتجات الغذائية التي تأسست في 2019.

وتمنح الدولة لزمات لاستغلال الملك العمومي للمياه، ذات الاستعمال غير الفلاحي، بمعلوم سنوي يضبطه قرار مشترك بين كل من وزير الاقتصاد والمالية ووزير الفلاحة، صادر في 03 نوفمبر 2014. ويقدّر هذا المعلوم بخمسين مليما للمتر المكعب الواحد المرخّص فيه، مع مبلغ أدنى قدره مائة وخمسة وعشرون دينارا، وذلك بالنسبة إلى المياه ذات الاستعمال غير الفلاحي، مثل استخراج المياه الجوفية وتعليبها، ما يعني أن كلفة استخراج المياه في المتر المكعب الواحد لا تتجاوز 600 دينار، وهو رقم لا يُقارن بحجم الأرباح التي تجنيها الشركات المعلبة للمياه.

واستعمال المياه المعدنية تجاوز الشرب إلى استعمالات علاجية، حيث برز في السنوات الأخيرة العلاج باستعمال المياه الغنية بالمعادن، مثل المياه الجوفية الساخنة والمشبعة بالمعادن والغنية بالأملاح المعدنية. ويكون العلاج ضمن المحطات الاستشفائية التي تعتبر علاجا تكميليا لبعض العلاجات كالجراحة، وعلاجا وقائيا لحماية صحة المواطن من التدهور، وذلك بسبب المزايا العلاجية للمياه المعدنية وقدرتها على الشفاء في العديد من الأمراض.

وقد كانت هذه المزايا للمياه المعدنية معروفة منذ قرون لدى الإغريق في معالجة الأمراض الجلدية، وتحولت مواقع ينابيع المياه المعدنية إلى مواطن للنشاط الاقتصادي والتجاري، حيث كانت مواقع الينابيع الحارة مركز جذب للنشاط والاستيطان البشري منذ أقدم العصور، بفعل دورها في حماية صحة الإنسان من الأمراض. وازدادت أهمية الينابيع المعدنية في أوقات الغزوات والحروب والأوبئة، قبل أن تصبح اليوم من ركائز العلاجات البديلة أو التكميلية في أمراض مختلفة وصعبة.

 

مخاطر وممارسات احتكارية

يعدّ قطاع المياه ثاني أكثر قطاع عرضة للخطر بعد القطاع الفلاحي، وذلك بسبب سنوات الجفاف الأخيرة التي شهدتها بلادنا، ومع ارتفاع معدل سحب موارد المياه العذبة وانخفاض قدرة السدود، مع درجة ضعف عالية ناتجة عن انخفاض قدرة هذا القطاع على التكيف مع تغير المناخ.

فارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار وتطرّف المناخ له انعكاسات سلبية على المحاصيل وموارد المياه والتربة، سواء من حيث الكمية أو النوعية، وينبغي على تونس وضع سياسات للتكيف مع تغير المناخ الذي يهدد بتفاقم الوضع الاقتصادي، وفق أغلب المختصين.

فوفقا للمعايير الدولية التي تحدد الحد الأدنى لاحتياجات البلاد من المياه عند 1000 متر مكعب لكل ساكن سنويا، فإن تونس تحت خط الفقر المائي بأقل من 500 متر مكعب لكل ساكن سنويا.

في 2020، تجاوزت تعاملات شركات تعليب المياه 850 مليون دينار، بترويج 2.7 مليار لتر من المياه المعلبة، وزادت مبيعاتها عن 3.2 مليار لتر في 2022، محققة رقم تعاملات يزيد على مليار دينار، وفق الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.

وبوجود 31 مصنعا وشركة تعليب في سوق استهلاكية مهمة كالسوق التونسية، فإن ذلك لا يخلو من وجود بعض الخروقات والممارسات الاحتكارية. ورغم أن وزارة التجارة وتنمية الصادرات أعلنت أول أمس عن أسعار جديدة لبيع المياه المعدنية المعلبة، في خطوة تستهدف ضبط الأسعار وهوامش الربح ووضع حد للممارسات التي رافقت اضطراب التزويد المسجل في الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يجتث بشكل نهائي الخروقات التي يشهدها هذا القطاع.

وتتمسّك وزارة التجارة بالتأكيد على أن الاضطرابات المسجلة تعود أساسا إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب وعمليات شراء مكثفة غذّتها الشائعات، حيث إن تونس تضم 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 520 ألف قارورة في الساعة، في حين يبلغ الطلب خلال فترات الذروة نحو 10 ملايين لتر يوميا، وفق بيانات وزارة التجارة.

وفي ذات السياق، يؤكد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريحات إعلامية مختلفة، أن النقص الحالي في المياه المعدنية ليس بسبب أزمة في الموارد أو القدرة الإنتاجية، بل هو أزمة توزيع وسلسلة إمداد. ويرى أن الاضطراب يعود إلى مشاكل في تصنيع القوارير البلاستيكية وانقطاعات التيار الكهربائي، بالإضافة إلى تزايد الطلب خلال فصل الصيف وتراجع الثقة في مياه الحنفية، مشيرا إلى أن التوصيف الخاطئ للأزمة أدى إلى تهافت العائلات على تخزين كميات كبيرة من المياه، مما راكم الضغط على السوق.

منية العرفاوي

 

تونس من بين أكثر البلدان استهلاكا بمعدّل 241 لترا للفرد الواحد سنويا..   قطاع المياه المعدنية حيوي ويحتاج إلى اهتمام أكبر   

 

 

تونس - الصباح

ضبطت وزارة التجارة هوامش الربح والأسعار القصوى لبيع المياه المعدنية المعلبة، في قرارات جديدة أعقبت نقصا مباغتا في التزوّد بالمياه المعدنية، تجاوز ذروة الاستهلاك الموسمي الذي يشهد عادة نقصا استثنائيا في التزوّد، ليصبح في المدة الأخيرة وضعا يوميا خلق طوابير أمام نقاط التزوّد بالمياه المعدنية بالجملة وفي الفضاءات التجارية الكبرى، حيث تم فرض كمية محددة للبيع.

 

وقد تم ضبط هامش الربح الخام الأقصى في المياه المعدنية المعلبة بـ15 مليما للقارورة على مستوى التوزيع بالجملة، و15 مليما على مستوى التوزيع بالتفصيل. كما حدّدت الوزارة الأسعار القصوى للبيع للعموم وفق سعة القارورة، ودعت إلى التعامل عبر مسالك التوزيع المنظمة، وتسوية الوضعيات الجبائية، والالتزام بواجب الفوترة واحترام شروطها القانونية وبياناتها الوجوبية، والاستظهار بالفواتير عند أول طلب خلال كل عملية مراقبة بمحلات البيع والخزن ووسائل النقل.

إلا أن الأزمة في التزوّد بدت أبعد من الارتفاع المفاجئ في الطلب خلال موجات الحر، بما يولّد ضغطا مؤقتا على شركات تعليب المياه المعدنية، حيث باتت اليوم عدة أسئلة تُطرح حول هذا القطاع، في علاقة بشركات التعليب، والاستثمار في المياه الجوفية، ومسالك التوزيع، وجودة هذه المياه وقدرتها التنافسية، وبعض الممارسات الاحتكارية التي يشهدها القطاع وتضرب مبدأ المنافسة والجودة أحيانا.

 

سوق استهلاكية مهمة

يعدّ قطاع المياه المعدنية في تونس قطاعا حيويا ومتطورا، حيث يضم 31 مصنعا لتعليب المياه موزعة على مختلف جهات الجمهورية، ويشرف على القطاع الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.

وهناك اليوم سوق استهلاكية ضخمة للمياه المعلبة، حيث أشارت بيانات الديوان الوطني للمياه المعدنية إلى أن متوسط استهلاك الفرد التونسي من المياه المعلبة يقدّر بنحو 241 لترا سنويا في 2024، ما يضع تونس ضمن أكثر البلدان استهلاكا للمياه المعلبة عالميا. كما بلغ الاستهلاك الوطني خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 نحو 2.1 مليار لتر، بقيمة قاربت 790 مليون دينار، بزيادة قدرها 8 % مقارنة بالفترة نفسها من 2024.

وأدّى الجفاف في السنوات الأخيرة وتراجع الأمطار إلى استنزاف الموارد المائية الجوفية، مما تسبّب في تراجع تدفق العيون والآبار بسبب انخفاض مخزون الموائد المائية الجوفية تحت تأثير قلة الأمطار والتغيرات المناخية، وهو ما أدّى إلى تراجع قدرة مصانع تعبئة المياه المعدنية على الإنتاج. وتزامن ذلك مع ارتفاع كبير في الطلب الاستهلاكي صيفا، بما نتج عنه اضطرابات باتت مألوفة في السنوات الأخيرة ونقص في تزويد الأسواق بقوارير المياه المعدنية.

وقطاع المياه المعدنية يواجه تحديات أخرى، مثل الضغط الاستهلاكي من خلال ارتفاع الطلب المحلي على المياه المعبأة بنسب قياسية خلال موجات الحر الصيفية وحتى خارج الصيف، بسبب التراجع الكبير في جودة مياه الحنفية، إلى جانب اضطراب الإنتاج بسبب تأثر نسق تعبئة وتوزيع المياه بنقص الإمدادات وانقطاعات الطاقة أحيانا. كما واجهت بعض العلامات التجارية مشاكل على مستوى الجودة، من خلال احتمالية تغير تركيز الأملاح والمعادن في بعض الآبار نتيجة تراجع المخزون الجوفي.

ولكن رغم كل هذه التحديات، ما زال قطاع المياه المعدنية من بين أهم القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، والتي تحقق أرباحا مهمة، حيث تؤكد المعطيات الرسمية للديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه أن القطاع عرف خلال السنوات الأخيرة نموا متواصلا، إذ بلغ إنتاج المياه المعلبة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 نحو 2.1 مليار لتر، فيما تعمل 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 500 ألف قارورة في الساعة.

وأسهم تطور قطاع المياه المعدنية في ارتفاع استهلاك الفرد للمياه المعلبة من 879 مليون لتر في عام 2010 إلى 3.275 مليار لتر للفرد الواحد في 2022، وتأتي تونس في المرتبة الرابعة عالميا من حيث استهلاك المياه المعدنية.

 

تنوّع الاستعمال بين الشرب والاستشفاء

يشرف الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه على هذا القطاع، وتتمثل مهمته في تنفيذ سياسة الحكومة في قطاع الاستشفاء بالمياه وقطاع المياه المعلبة. ويشمل قطاع الاستشفاء بالمياه الاستشفاء بالمياه المعدنية، والمعالجة بمياه البحر، والاستشفاء بالمياه العذبة، كما يشمل قطاع المياه المعلبة المياه المعدنية الطبيعية والمياه المعبأة المعدة للاستهلاك البشري.

وتعتبر وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري الجهة المانحة لرخص الحفر، بينما يكتفي الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه بمهمة رقابية تقنية للمياه، قبل أن تُسحب المهمة الرقابية من الديوان الوطني للمياه وتُسند إلى الهيئة الوطنية للسلامة الصحية على المنتجات الغذائية التي تأسست في 2019.

وتمنح الدولة لزمات لاستغلال الملك العمومي للمياه، ذات الاستعمال غير الفلاحي، بمعلوم سنوي يضبطه قرار مشترك بين كل من وزير الاقتصاد والمالية ووزير الفلاحة، صادر في 03 نوفمبر 2014. ويقدّر هذا المعلوم بخمسين مليما للمتر المكعب الواحد المرخّص فيه، مع مبلغ أدنى قدره مائة وخمسة وعشرون دينارا، وذلك بالنسبة إلى المياه ذات الاستعمال غير الفلاحي، مثل استخراج المياه الجوفية وتعليبها، ما يعني أن كلفة استخراج المياه في المتر المكعب الواحد لا تتجاوز 600 دينار، وهو رقم لا يُقارن بحجم الأرباح التي تجنيها الشركات المعلبة للمياه.

واستعمال المياه المعدنية تجاوز الشرب إلى استعمالات علاجية، حيث برز في السنوات الأخيرة العلاج باستعمال المياه الغنية بالمعادن، مثل المياه الجوفية الساخنة والمشبعة بالمعادن والغنية بالأملاح المعدنية. ويكون العلاج ضمن المحطات الاستشفائية التي تعتبر علاجا تكميليا لبعض العلاجات كالجراحة، وعلاجا وقائيا لحماية صحة المواطن من التدهور، وذلك بسبب المزايا العلاجية للمياه المعدنية وقدرتها على الشفاء في العديد من الأمراض.

وقد كانت هذه المزايا للمياه المعدنية معروفة منذ قرون لدى الإغريق في معالجة الأمراض الجلدية، وتحولت مواقع ينابيع المياه المعدنية إلى مواطن للنشاط الاقتصادي والتجاري، حيث كانت مواقع الينابيع الحارة مركز جذب للنشاط والاستيطان البشري منذ أقدم العصور، بفعل دورها في حماية صحة الإنسان من الأمراض. وازدادت أهمية الينابيع المعدنية في أوقات الغزوات والحروب والأوبئة، قبل أن تصبح اليوم من ركائز العلاجات البديلة أو التكميلية في أمراض مختلفة وصعبة.

 

مخاطر وممارسات احتكارية

يعدّ قطاع المياه ثاني أكثر قطاع عرضة للخطر بعد القطاع الفلاحي، وذلك بسبب سنوات الجفاف الأخيرة التي شهدتها بلادنا، ومع ارتفاع معدل سحب موارد المياه العذبة وانخفاض قدرة السدود، مع درجة ضعف عالية ناتجة عن انخفاض قدرة هذا القطاع على التكيف مع تغير المناخ.

فارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار وتطرّف المناخ له انعكاسات سلبية على المحاصيل وموارد المياه والتربة، سواء من حيث الكمية أو النوعية، وينبغي على تونس وضع سياسات للتكيف مع تغير المناخ الذي يهدد بتفاقم الوضع الاقتصادي، وفق أغلب المختصين.

فوفقا للمعايير الدولية التي تحدد الحد الأدنى لاحتياجات البلاد من المياه عند 1000 متر مكعب لكل ساكن سنويا، فإن تونس تحت خط الفقر المائي بأقل من 500 متر مكعب لكل ساكن سنويا.

في 2020، تجاوزت تعاملات شركات تعليب المياه 850 مليون دينار، بترويج 2.7 مليار لتر من المياه المعلبة، وزادت مبيعاتها عن 3.2 مليار لتر في 2022، محققة رقم تعاملات يزيد على مليار دينار، وفق الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.

وبوجود 31 مصنعا وشركة تعليب في سوق استهلاكية مهمة كالسوق التونسية، فإن ذلك لا يخلو من وجود بعض الخروقات والممارسات الاحتكارية. ورغم أن وزارة التجارة وتنمية الصادرات أعلنت أول أمس عن أسعار جديدة لبيع المياه المعدنية المعلبة، في خطوة تستهدف ضبط الأسعار وهوامش الربح ووضع حد للممارسات التي رافقت اضطراب التزويد المسجل في الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يجتث بشكل نهائي الخروقات التي يشهدها هذا القطاع.

وتتمسّك وزارة التجارة بالتأكيد على أن الاضطرابات المسجلة تعود أساسا إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب وعمليات شراء مكثفة غذّتها الشائعات، حيث إن تونس تضم 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 520 ألف قارورة في الساعة، في حين يبلغ الطلب خلال فترات الذروة نحو 10 ملايين لتر يوميا، وفق بيانات وزارة التجارة.

وفي ذات السياق، يؤكد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريحات إعلامية مختلفة، أن النقص الحالي في المياه المعدنية ليس بسبب أزمة في الموارد أو القدرة الإنتاجية، بل هو أزمة توزيع وسلسلة إمداد. ويرى أن الاضطراب يعود إلى مشاكل في تصنيع القوارير البلاستيكية وانقطاعات التيار الكهربائي، بالإضافة إلى تزايد الطلب خلال فصل الصيف وتراجع الثقة في مياه الحنفية، مشيرا إلى أن التوصيف الخاطئ للأزمة أدى إلى تهافت العائلات على تخزين كميات كبيرة من المياه، مما راكم الضغط على السوق.

منية العرفاوي