تدخل العلاقات الاقتصادية التونسية المصرية مرحلة جديدة تتجه فيها الشراكة الثنائية نحو توسيع مجالات التعاون والاستثمار، بالتوازي مع تطور المبادلات التجارية وتكثيف الاتصالات بين الهياكل والمؤسسات في البلدين. ولم يعد الرهان يقتصر على تنشيط التجارة البينية، بل أصبح يرتبط أكثر بقدرة تونس ومصر على تطوير مشاريع مشتركة واستثمار نقاط القوة المتاحة لفتح أسواق جديدة، وخاصة في القارة الإفريقية.
ويأتي هذا التوجه في سياق مساعٍ متواصلة لتفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المبرمة بين البلدين، وتحويلها إلى شراكات ومشاريع اقتصادية ملموسة قادرة على تعزيز حضور المؤسسات التونسية والمصرية في الأسواق الإفريقية.
وفي هذا الإطار، يندرج اللقاء الأخير بين المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والمكلّف بتسيير الهيئة التونسية للاستثمار، جلال الطبيب، وسفير مصر بتونس، بحضور المستشار الأول بالسفارة المصرية، أسامة شكري، ومديرة التسويق الدولي بالوكالة والمفوّضة العامة لمنتدى تونس للاستثمار 2026، ثريا الخياطي.
ولم يقتصر اللقاء على التأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، بل ركّز على مسائل اقتصادية عملية تتعلق بكيفية الرفع من مستوى الاستثمار المصري في تونس، وبحث إمكانات بناء شراكات بين المؤسسات التونسية والمصرية، بما يسمح باستهداف أسواق أخرى، وخاصة الأسواق الإفريقية.
إمكانات أكبر للاستثمار
أشار الجانب التونسي خلال اللقاء إلى وجود 13 مؤسسة ذات مساهمة مصرية تنشط حاليًا في القطاع الصناعي في تونس، معتبرا أن هذا الحضور، رغم أهميته، لا يعكس بعد حجم الإمكانات المتاحة لتعزيز الاستثمار المتبادل.
في المقابل، أكد الجانب المصري استعداد الشركات المصرية لتطوير علاقاتها مع المؤسسات التونسية، ولا سيما من خلال شراكات تستهدف الأسواق الإفريقية، وهو توجه من شأنه أن يفتح أمام التعاون الثنائي آفاقا أوسع من حدود السوقين التونسية والمصرية.
وتكشف الأرقام التجارية بدورها عن تطور لافت في حجم المبادلات. فقد بلغت المبادلات بين تونس ومصر خلال سنة 2025 نحو 490 مليون دولار، مقابل 434.5 مليون دولار سنة 2024، أي بزيادة قدرها 12.8 بالمائة.
كما ارتفعت الصادرات التونسية إلى مصر بنسبة 53.1 بالمائة، لتبلغ 76.5 مليون دولار. غير أن هذا التحسن لم يغير بصورة جوهرية طبيعة الميزان التجاري، إذ ظل يميل لفائدة مصر، بعجز تونسي يقارب 337 مليون دولار، وفق المعطيات التي أعلنها مركز النهوض بالصادرات في جوان 2026.
من زيادة المبادلات إلى تنويعها
ورغم أهمية نمو المبادلات، فإن الرهان المقبل لا يتمثل فقط في رفع قيمتها، وإنما أيضًا في تنويعها وتحسين قدرة المؤسسات التونسية على النفاذ إلى السوق المصرية.
وتشير المعطيات التونسية إلى أن نحو 70 بالمائة من الصادرات التونسية نحو مصر تتركز في مكونات ومعدات كهربائية، من أسلاك وكابلات، إضافة إلى المنتجات الكيميائية. وهو ما يجعل تنويع قاعدة المنتجات والخدمات المصدرة أحد المحاور التي يمكن أن تمنح العلاقات التجارية مزيدا من التوازن والاستدامة.
وفي هذا السياق، وضعت الحكومتان هدفا طموحا يتمثل في مضاعفة المبادلات التجارية لتبلغ مليار دولار خلال عامين، مقارنة بنحو 500 مليون دولار آنذاك، وذلك خلال الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة التونسية المصرية، التي انعقدت في القاهرة في سبتمبر 2025.
ولم يكن هذا الهدف منفصلا عن مسار أوسع شمل تشجيع الاستثمارات المتبادلة وإقامة شراكات بين رجال الأعمال في البلدين، بما في ذلك مشاريع يمكن تنفيذها في دول إفريقية.
شراكة تتجاوز حدود السوقين
هنا تبرز نقطة التحول الأساسية في العلاقة الاقتصادية بين تونس ومصر. فالمطلوب لم يعد مقتصرا فقط على مبادلات تجارية بين البلدين، وإنما أن تنتقل المؤسسات في البلدين تدريجيا نحو الإنتاج المشترك والتمويل المشترك والتسويق المشترك. ومن شأن هذا التحول أن يعطي معنى أعمق لفكرة التكامل الاقتصادي، خاصة أن كلا البلدين يمتلك مؤسسات وخبرات وشبكات أعمال يمكن أن تستفيد من بعضها البعض في الأسواق الخارجية.
وفي هذا الإطار، تم وضع عدد من الأطر المؤسساتية التي يمكن أن تدعم هذا المسار. ففي ديسمبر 2025، عقدت اللجنة الفنية المصرية التونسية للتعاون الاستثماري اجتماعها الرابع، تفعيلا لمذكرة التفاهم الموقعة سنة 2022 لتعزيز العلاقات الاستثمارية الثنائية.
وشملت المباحثات تبادل الخبرات في مجال الاستثمار والتعرف على التجربة المصرية في المناطق الحرة والمناطق الاستثمارية والخدمات الموجهة للمستثمرين، كما اتفق الجانبان على عقد الدورة الخامسة للجنة خلال سنة 2026.
كما شهدت الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة، في سبتمبر 2025، توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية في مجالات تنمية الصادرات وتطوير المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمتناهية الصغر، والصحة، وحماية المستهلك، والرقابة على الأسواق، وغيرها من المجالات.
وتؤكد هذه الخطوات أن الإطار القانوني والمؤسساتي للتعاون أصبح متوفرًا بدرجة مهمة، وأن التحدي الأساسي ينتقل الآن من مرحلة الاتفاقات إلى مرحلة التنفيذ، وتحويلها إلى مشاريع واستثمارات وشراكات فعلية.
إفريقيا.. المجال الأوسع للشراكة
لكن العامل الذي يمكن أن يغير طبيعة التعاون التونسي المصري خلال المرحلة المقبلة هو الحضور المتزايد للقارة الإفريقية في الحسابات الاقتصادية للبلدين.
فخلال لقاءات الاستثمار الأخيرة، لم يعد الحديث مقتصرا على جذب شركة مصرية إلى تونس أو تسهيل دخول مؤسسة تونسية إلى مصر، وإنما برزت فكرة إقامة شراكات بين شركات من البلدين تستهدف أسواق القارة.
وتقوم هذه المقاربة على الاستفادة من نقاط القوة المختلفة لدى الطرفين، خاصة في ظل ما سبق للجانب المصري أن طرحه من اعتبار تونس بوابة نحو غرب إفريقيا، ومصر بوابة نحو شرق القارة، بما يتيح إمكانات أوسع للتكامل في الانتشار والوصول إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى المؤسسات التونسية، يمكن للشراكة مع نظيرتها المصرية أن تفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرات والشبكات والأسواق الجديدة. وفي المقابل، تستطيع المؤسسات المصرية الاستفادة من موقع تونس وعلاقاتها الاقتصادية مع أسواق شمال وغرب إفريقيا.
أما المشاريع المشتركة، فقد تكون أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يوسع آفاق التعاون من تجارة ثنائية إلى شراكة موجهة نحو سوق قارية واسعة.
التعاون المالي.. حلقة أساسية
ولا يقتصر هذا المسار على التجارة والاستثمار. ففي جوان 2026، بحث محافظا البنكين المركزيين التونسي والمصري تعزيز التعاون بين المؤسستين، استنادًا إلى مذكرة تفاهم موقعة في سبتمبر 2024.
وتشمل مجالات التعاون الاستقرار المالي، والسياسة النقدية، والرقابة المصرفية، والشمول المالي، والرقمنة، والأمن السيبراني، ومكافحة غسل الأموال.
وتكتسي هذه الجوانب أهمية مباشرة بالنسبة إلى المؤسسات التي ترغب في الاستثمار والتجارة عبر الحدود، باعتبار أن سهولة التمويل والتحويلات والخدمات المصرفية تمثل عناصر أساسية لتوسيع النشاط الاقتصادي وبناء شراكات مستدامة.
قطاعات جديدة وقيمة مضافة أعلى
وسيكون اختيار القطاعات ذات القيمة المضافة العالية عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة. فالمنتدى الاقتصادي المشترك الذي انعقد في القاهرة سنة 2025 ركز على قطاعات الصناعة، والنقل، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والبيئة، والطاقات المتجددة، والمؤسسات الناشئة، مع التشديد على الابتكار ونقل المعرفة ورفع المحتوى التكنولوجي للشراكات.
ويعكس ذلك توجها مهما، إذ إن بلوغ هدف المليار دولار في المبادلات أو زيادة حجم الاستثمارات لن يتحقق فقط عبر توسيع التجارة في المنتجات التقليدية، وإنما يحتاج أيضًا إلى قطاعات جديدة ومشاريع ذات قيمة مضافة أعلى، قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز التنافسية وفتح أسواق خارجية.
تبدو الشراكة التونسية المصرية أمام فرصة للانتقال من منطق المبادلات الثنائية إلى منطق التكامل الاقتصادي والانفتاح المشترك على الأسواق الإفريقية، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية، وتوفير آليات التمويل، وتسهيل حركة المؤسسات والاستثمارات، بما يجعل من تونس ومصر شريكين في الإنتاج والتصدير، وليس فقط في التبادل التجاري.
جهاد الكلبوسي
تونس - الصباح
تدخل العلاقات الاقتصادية التونسية المصرية مرحلة جديدة تتجه فيها الشراكة الثنائية نحو توسيع مجالات التعاون والاستثمار، بالتوازي مع تطور المبادلات التجارية وتكثيف الاتصالات بين الهياكل والمؤسسات في البلدين. ولم يعد الرهان يقتصر على تنشيط التجارة البينية، بل أصبح يرتبط أكثر بقدرة تونس ومصر على تطوير مشاريع مشتركة واستثمار نقاط القوة المتاحة لفتح أسواق جديدة، وخاصة في القارة الإفريقية.
ويأتي هذا التوجه في سياق مساعٍ متواصلة لتفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المبرمة بين البلدين، وتحويلها إلى شراكات ومشاريع اقتصادية ملموسة قادرة على تعزيز حضور المؤسسات التونسية والمصرية في الأسواق الإفريقية.
وفي هذا الإطار، يندرج اللقاء الأخير بين المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والمكلّف بتسيير الهيئة التونسية للاستثمار، جلال الطبيب، وسفير مصر بتونس، بحضور المستشار الأول بالسفارة المصرية، أسامة شكري، ومديرة التسويق الدولي بالوكالة والمفوّضة العامة لمنتدى تونس للاستثمار 2026، ثريا الخياطي.
ولم يقتصر اللقاء على التأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، بل ركّز على مسائل اقتصادية عملية تتعلق بكيفية الرفع من مستوى الاستثمار المصري في تونس، وبحث إمكانات بناء شراكات بين المؤسسات التونسية والمصرية، بما يسمح باستهداف أسواق أخرى، وخاصة الأسواق الإفريقية.
إمكانات أكبر للاستثمار
أشار الجانب التونسي خلال اللقاء إلى وجود 13 مؤسسة ذات مساهمة مصرية تنشط حاليًا في القطاع الصناعي في تونس، معتبرا أن هذا الحضور، رغم أهميته، لا يعكس بعد حجم الإمكانات المتاحة لتعزيز الاستثمار المتبادل.
في المقابل، أكد الجانب المصري استعداد الشركات المصرية لتطوير علاقاتها مع المؤسسات التونسية، ولا سيما من خلال شراكات تستهدف الأسواق الإفريقية، وهو توجه من شأنه أن يفتح أمام التعاون الثنائي آفاقا أوسع من حدود السوقين التونسية والمصرية.
وتكشف الأرقام التجارية بدورها عن تطور لافت في حجم المبادلات. فقد بلغت المبادلات بين تونس ومصر خلال سنة 2025 نحو 490 مليون دولار، مقابل 434.5 مليون دولار سنة 2024، أي بزيادة قدرها 12.8 بالمائة.
كما ارتفعت الصادرات التونسية إلى مصر بنسبة 53.1 بالمائة، لتبلغ 76.5 مليون دولار. غير أن هذا التحسن لم يغير بصورة جوهرية طبيعة الميزان التجاري، إذ ظل يميل لفائدة مصر، بعجز تونسي يقارب 337 مليون دولار، وفق المعطيات التي أعلنها مركز النهوض بالصادرات في جوان 2026.
من زيادة المبادلات إلى تنويعها
ورغم أهمية نمو المبادلات، فإن الرهان المقبل لا يتمثل فقط في رفع قيمتها، وإنما أيضًا في تنويعها وتحسين قدرة المؤسسات التونسية على النفاذ إلى السوق المصرية.
وتشير المعطيات التونسية إلى أن نحو 70 بالمائة من الصادرات التونسية نحو مصر تتركز في مكونات ومعدات كهربائية، من أسلاك وكابلات، إضافة إلى المنتجات الكيميائية. وهو ما يجعل تنويع قاعدة المنتجات والخدمات المصدرة أحد المحاور التي يمكن أن تمنح العلاقات التجارية مزيدا من التوازن والاستدامة.
وفي هذا السياق، وضعت الحكومتان هدفا طموحا يتمثل في مضاعفة المبادلات التجارية لتبلغ مليار دولار خلال عامين، مقارنة بنحو 500 مليون دولار آنذاك، وذلك خلال الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة التونسية المصرية، التي انعقدت في القاهرة في سبتمبر 2025.
ولم يكن هذا الهدف منفصلا عن مسار أوسع شمل تشجيع الاستثمارات المتبادلة وإقامة شراكات بين رجال الأعمال في البلدين، بما في ذلك مشاريع يمكن تنفيذها في دول إفريقية.
شراكة تتجاوز حدود السوقين
هنا تبرز نقطة التحول الأساسية في العلاقة الاقتصادية بين تونس ومصر. فالمطلوب لم يعد مقتصرا فقط على مبادلات تجارية بين البلدين، وإنما أن تنتقل المؤسسات في البلدين تدريجيا نحو الإنتاج المشترك والتمويل المشترك والتسويق المشترك. ومن شأن هذا التحول أن يعطي معنى أعمق لفكرة التكامل الاقتصادي، خاصة أن كلا البلدين يمتلك مؤسسات وخبرات وشبكات أعمال يمكن أن تستفيد من بعضها البعض في الأسواق الخارجية.
وفي هذا الإطار، تم وضع عدد من الأطر المؤسساتية التي يمكن أن تدعم هذا المسار. ففي ديسمبر 2025، عقدت اللجنة الفنية المصرية التونسية للتعاون الاستثماري اجتماعها الرابع، تفعيلا لمذكرة التفاهم الموقعة سنة 2022 لتعزيز العلاقات الاستثمارية الثنائية.
وشملت المباحثات تبادل الخبرات في مجال الاستثمار والتعرف على التجربة المصرية في المناطق الحرة والمناطق الاستثمارية والخدمات الموجهة للمستثمرين، كما اتفق الجانبان على عقد الدورة الخامسة للجنة خلال سنة 2026.
كما شهدت الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة، في سبتمبر 2025، توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية في مجالات تنمية الصادرات وتطوير المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمتناهية الصغر، والصحة، وحماية المستهلك، والرقابة على الأسواق، وغيرها من المجالات.
وتؤكد هذه الخطوات أن الإطار القانوني والمؤسساتي للتعاون أصبح متوفرًا بدرجة مهمة، وأن التحدي الأساسي ينتقل الآن من مرحلة الاتفاقات إلى مرحلة التنفيذ، وتحويلها إلى مشاريع واستثمارات وشراكات فعلية.
إفريقيا.. المجال الأوسع للشراكة
لكن العامل الذي يمكن أن يغير طبيعة التعاون التونسي المصري خلال المرحلة المقبلة هو الحضور المتزايد للقارة الإفريقية في الحسابات الاقتصادية للبلدين.
فخلال لقاءات الاستثمار الأخيرة، لم يعد الحديث مقتصرا على جذب شركة مصرية إلى تونس أو تسهيل دخول مؤسسة تونسية إلى مصر، وإنما برزت فكرة إقامة شراكات بين شركات من البلدين تستهدف أسواق القارة.
وتقوم هذه المقاربة على الاستفادة من نقاط القوة المختلفة لدى الطرفين، خاصة في ظل ما سبق للجانب المصري أن طرحه من اعتبار تونس بوابة نحو غرب إفريقيا، ومصر بوابة نحو شرق القارة، بما يتيح إمكانات أوسع للتكامل في الانتشار والوصول إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى المؤسسات التونسية، يمكن للشراكة مع نظيرتها المصرية أن تفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرات والشبكات والأسواق الجديدة. وفي المقابل، تستطيع المؤسسات المصرية الاستفادة من موقع تونس وعلاقاتها الاقتصادية مع أسواق شمال وغرب إفريقيا.
أما المشاريع المشتركة، فقد تكون أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يوسع آفاق التعاون من تجارة ثنائية إلى شراكة موجهة نحو سوق قارية واسعة.
التعاون المالي.. حلقة أساسية
ولا يقتصر هذا المسار على التجارة والاستثمار. ففي جوان 2026، بحث محافظا البنكين المركزيين التونسي والمصري تعزيز التعاون بين المؤسستين، استنادًا إلى مذكرة تفاهم موقعة في سبتمبر 2024.
وتشمل مجالات التعاون الاستقرار المالي، والسياسة النقدية، والرقابة المصرفية، والشمول المالي، والرقمنة، والأمن السيبراني، ومكافحة غسل الأموال.
وتكتسي هذه الجوانب أهمية مباشرة بالنسبة إلى المؤسسات التي ترغب في الاستثمار والتجارة عبر الحدود، باعتبار أن سهولة التمويل والتحويلات والخدمات المصرفية تمثل عناصر أساسية لتوسيع النشاط الاقتصادي وبناء شراكات مستدامة.
قطاعات جديدة وقيمة مضافة أعلى
وسيكون اختيار القطاعات ذات القيمة المضافة العالية عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة. فالمنتدى الاقتصادي المشترك الذي انعقد في القاهرة سنة 2025 ركز على قطاعات الصناعة، والنقل، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والبيئة، والطاقات المتجددة، والمؤسسات الناشئة، مع التشديد على الابتكار ونقل المعرفة ورفع المحتوى التكنولوجي للشراكات.
ويعكس ذلك توجها مهما، إذ إن بلوغ هدف المليار دولار في المبادلات أو زيادة حجم الاستثمارات لن يتحقق فقط عبر توسيع التجارة في المنتجات التقليدية، وإنما يحتاج أيضًا إلى قطاعات جديدة ومشاريع ذات قيمة مضافة أعلى، قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز التنافسية وفتح أسواق خارجية.
تبدو الشراكة التونسية المصرية أمام فرصة للانتقال من منطق المبادلات الثنائية إلى منطق التكامل الاقتصادي والانفتاح المشترك على الأسواق الإفريقية، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية، وتوفير آليات التمويل، وتسهيل حركة المؤسسات والاستثمارات، بما يجعل من تونس ومصر شريكين في الإنتاج والتصدير، وليس فقط في التبادل التجاري.