إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

جريمة غيبها المشرع.. "التنمر" ..معاناة اجتماعية دفعت بالضحايا إلى الانتحار

تونس-الصباح

التنمر هو أحد أشكال العنف الذي يمارسه شخص أو مجموعة من الأطفال ضد شخص أخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة. وقد يأخذ التنمر أشكالا متعددة كنشر الإشاعات، أو التهديد، أو مهاجمة المُتنمَّر عليه بدنيا أو لفظيا أو عزل شخص ما بقصد الإيذاء أو حركات وأفعال أخرى تحدث بشكل غير ملحوظ.. وبات التنمر يشكل تهديدا حقيقيا يمس من سلامة الأشخاص ويزعزع استقرار المجتمعات خاصة وأن ضحايا التنمر أصبحوا يهربون من المتنمرين محاولين تفادي استفزازاتهم وقد يصل الهروب حد الانتحار.

مفيدة القيزاني

كشفت دراسات أن ضحايا التنمر لديهم احتمال أكبر في التفكير أو الانتحار من أولئك الذين لا يتعرضون للتنمر..

 آخر ضحايا التنمر تلميذ بكالوريا شعبة الإعلامية يدرس بمعهد أبو القاسم الشابي بجهة تاجروين بالكاف أنهى حياته شنقا. 

الضحية دخل في حالة نفسية صعبة بسبب تعرّضه للتنمر في الفترة الأخيرة، فيما شهد له أساتذته وزملاؤه بحسن الأخلاق والاجتهاد والتميّز في الدراسة.

وأفادت في وقت سابق المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط أن تلميذا عمره 15 عاما أقدم على الانتحار بمنطقة هبيرة من ولاية المهدية.

وأوضحت المنظمة أن التلميذ ياسين عيفة انتحر بسبب تعرّضه للتنمر، حيث أضرم النار في جسده وتوفي بالمستشفى متأثرا بإصابته البليغة.

 الضحية كان من ذوي الاحتياجات الخصوصية (مصاب بالتوحّد)، وقد تعرض للتنمّر اللفظي والمادي من قبيل العبث بأغراضه والاعتداء بالعنف عليه. 

وشرعت المنظمة الدولية في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتتبعات القضائية ضد أولياء التلاميذ المتورّطين في أعمال التنمّر، استناداً إلى مسؤوليتهم القانونية في تقويم سلوك أبنائهم ومنع الإضرار بالغير، محمّلةً المؤسسة التربوية مسؤولية التقصير إن ثبت.

واعتبرت أنه من الملحّ إقرار خطة وطنية ملزمة لمكافحة التنمّر، تتضمن آليات تبليغ آمنة، ومرافقة نفسية قارة، وبرامج تكوين للإطار التربوي في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

التنمر جريمة يعاقب عليها القانون..

التنمر هو شكل من أشكال الأذية الموجهة بغرض الإيذاء النفسي والإساءة غالبا ما تكون لفظيًة، لكن أحيانًا قد يرافقها بعض التعرّض أو الاستعراض أو التهجُّم الجسدي، والموجه للإيذاء النفسي من فرد أو مجموعة نحو فرد أو مجموعة أخرى غالبًا ما تكون ذات قدرات أضعف للدفاع عن نفسها.

وتخضع جريمة التنمر الى اجتهاد القاضي باعتبار ان المشرع التونسي لم يفردها بنصوص خاصة بها ولا يوجد أثر لمصطلح "تنمر" في القانون التونسي عدا نصوص متفرقة تتحدث عن هتك اعتبار شخص وهتك عرض شخص ودفع شخص الى الانتحار وهو ما يدعو الى تدخل المشرع الى وضع نص خاص بهذه الجريمة التي باتت تنخر المجتمع بسبب ما تتركه من اثار عميقة وسلبية في نفوس الضحايا. 

وقد تفشت ظاهرة التنمر خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت وحتى أن بعض الضحايا ظهروا للعلن ليتحدثوا عن معاناتهم مع هذه السلوكيات المنحرفة ولكن كثيرون هم من يتعرضون للتنمر وتكون ردة فعلهم "الصمت" ما يشير الى أن الحالات التي تلقى رواجا على مواقع التواصل الاجتماعي لا تكشف كامل الحقيقة وانما تخفي أرقاما صادمة لضحايا التنمر الذين يعانون من هرسلة المتنمرين في صمت الى أن ينتهي بهم المطاف الى الهروب من الحياة الى الموت.

وقد أقر الدستور التونسي الحق في حماية كرامة الذات البشرية وعلى الرغم من أن المشرع لم يفرد جريمة التنمر بنص خاص ومستقل فقد جرم الأفعال التي يمكن ان نعتبرها شكلا من أشكال التنمر.

وينص الفصـل 86 مـن مجلـة الاتصالات علـى أنـه "يعاقـب بالسـجن لمـدة تتـراوح بيـن سـنة واحـدة وسـنتين وبخطيـة مـن مئـة إلـى ألـف دينـار كل مـن يتعمـد الإساءة إلـى الغيـر أو إزعـاج راحتهـم عبـر الشـبكات العموميـة للاتصالات.

ويعــد هــذا الفصــل الأكثر تطبيقــا فــي إطــار القضايــا المتعلقــة بالتنمــر الالكتروني خاصــة وأن مصطلحــي"الاساءة " و"الازعاج" يمكـن أن يسـتوعبا العديـد مـن أشـكال التنمـر الالكتروني.

كذلك القسم المتعلق بـ"هتك شرف الإنسان وعرضه" المنصوص عليه بالفصلين 245 و246 من المجلة الجزائية حيث ينص الفصل 245 من نفس المجلة على أنه "يحصل القذف بكل إدعاء أو نسبة أمر لدى العموم فيه هتك شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسمية".

ويمكن إثبات الأمر الحاصل منه القذف في الصور المقرّرة بالفصل 57 من مجلة الصحافة.

وينص الفصل 246 على أنه تحصل النميمة إذا ظهر بوجه عدلي أن ما وقع به القذف ليس بثابت وإذا لم يمكن للقاذف أن يثبت القذف عندما يسمح له القانون بذلك.

والنميمة موجبة للعقاب ولو كان وقوعها بكتابة لم تنشر لدى العموم ولكن وقع اطلاع شخصين فأكثر عليها أو أنها أرسلت إليهم.

وللإشارة فإن من يدفع غيره الى الانتحار يعاقب طبق أحكام الفصل 206 من المجلة الجزائية الذي ينص على أنه يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه.

 

التنمر المؤدي للانتحار..

يعد التنمر المدرسي خطر انتشر بشكل ملحوظ وأصبح يهدد حياة الأفراد وبدأت تسترعى انتباه دول ومنظمات دولية عدة، ووفقا لإحصائيات صادرة عن منظمة اليونسكو فإن ما يناهز مليار طفل يتعرضون للتنمر سنويا حول العالم.

وتشير العديد من الإحصائيات إلى خطورة التنمر المدرسي الذي أصبح ظاهرة تنتقل بصورة سريعة، ووفقا لآخر إحصاء على ويكيبيديا بحسب مركز دراسة الأمراض أن ما يقرب من 45000 حالة وفاة تحدث بسبب الانتحار كل عام، وأن أكثر من %14 من الطلاب في المدرسة الثانوية يفكرون في الانتحار وحوالي %7 منهم يحاولون الانتحار، وأن الطلاب الذين يتعرضون للتنمر المدرسي هم أكثر عرضة للتفكير في الانتحار.

كما ان ما يقارب 30٪ من الطلاب هم إما ضحايا لتنمر الآخرين أو التنمر على أنفسهم، وأن 160 ألف طفل يبقون في منازلهم من المدرسة يوميا لأنهم خائفون من التعرض للتنمر.

 ويحتل الانتحار المرتبة الثانية في الأسباب الرئيسية للوفاة للأفراد البالغ عمرهم بين 10 إلى 24 عاما أما انتحار الأطفال فقد وصل عدد المنتحرين منهم سنويا إلى 220 ألفا، وكان الأطفال الذكور الذين يتم التنمر عليهم أكثر عرضة لمحاولة الانتحار من الفتيات.

التنمر القاتل.. 

يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الأطفال ينتحرون شنقاً أو قفزاً من الأسطح أو ابتلاعاً للأدوية، تاركين وراءهم علامات استفهام موجعة: ماذا يحدث داخل بيوت أهاليهم؟ وكيف وصل الألم الطفولي إلى هذه الدرجة من اليأس؟

ويضيف عز الدين لا توجد إلى اليوم إحصاءات رسمية دقيقة ومفصلة، لكن تقارير الجمعيات والمنظمات الاجتماعية تشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في حالات ومحاولات انتحار الأطفال والمراهقين في تونس.

وقد تم تسجيل أكثر من 300 محاولة انتحار سنة 2023، منها نسبة متزايدة تخصّ أطفالاً دون سن الخامسة عشرة.

أما في سنة 2024، فقد سُجلت عشرات الحالات التي هزّت الرأي العام، من بينها أطفال في مدنين وسيدي بوزيد والقيروان وتونس العاصمة، أغلبهم ينتمون إلى أوساط اجتماعية فقيرة أو هشة.

ماذا تقول السوسيولوجيا؟

إميل دوركايم، في كتابه الكلاسيكي “الانتحار”، اعتبر أن كل انتحار هو نتيجة خلل في الروابط الاجتماعية بين الفرد والمجتمع، سواء بسبب التفكك أو الاندماج المفرط. لكنه لم يتطرق إلى انتحار الأطفال، لأن المجتمع في زمنه لم يعرف هذه الظاهرة.

اليوم، يحتاج علم الاجتماع إلى توسيع مفاهيمه:

فالطفل المنتحر ليس “فرداً كاملاً” اجتماعياً، بل هو نتاج لعلاقات أسرية، تعليمية، رقمية، وإعلامية متشابكة. انتحاره هو مرآة لمجتمع فقد توازنه، حيث العائلة لم تعد حضناً، والمدرسة لم تعد فضاءً آمناً، والإنترنت صار مربياً بديلاً.

من هذا المنظور، لا يمكن فهم انتحار الأطفال إلا كنتاج لعوامل اجتماعية وثقافية ونفسية متداخلة، لا كخيار فردي.

التمثلات الاجتماعية: بين الصدمة والإنكار

رغم انتشار هذه الممارسة الخطيرة، ما زال المجتمع التونسي يميل إلى إنكارها أو تفسيرها دينياً، فالانتحار يُعتبر “حراماً”، لذلك تُخفى الكثير من الحالات ولا تُعلن، أو تُقدَّم على أنها “حادث عرضي”.

لكن هذا الإنكار لا يُخفي سوى هشاشة جماعية في التعامل مع الألم النفسي، خاصة لدى الأطفال.

في أذهان كثيرين، “الطفل لا يمكن أن ينتحر”، لأنه “لا يدرك معنى الموت”، إلا أن الواقع يكذّب هذه الصورة: فالأطفال اليوم يعيشون في بيئة مشبعة بالصور والمشاهد الدرامية والعنيفة التي تُبكّر نضجهم النفسي وتشوّه تصوراتهم عن الحياة والموت.

التأثر بالعالم الرقمي.. 

المثير أن طرق الانتحار لدى الأطفال أصبحت متأثرة بالعالم الرقمي، من خلال ألعاب الموت مثل “الحوت الأزرق” أو “مريم”، أو من خلال مشاهد العنف والاكتئاب التي تبثّها الشبكات الاجتماعية، في ظل غياب المرافقة الأسرية والنفسية.

وقد يبدو انتحار طفل حدثاً معزولاً أو مأساة خاصة، لكن تكرارها وانتشارها الجغرافي والطبقي قد يحوّلها إلى ظاهرة اجتماعية في صورة تسارع وتيرتها وزيادة كثافتها.

الأطفال الذين يقدمون على الانتحار لا ينتمون كلهم إلى الطبقات الفقيرة، وإن كانت الغالبية كذلك..بعضهم يعيش في أسر متوسطة ظاهرياً، لكنها مفككة وجدانياً، يسيطر عليها العنف اللفظي أو الجسدي، والإهمال العاطفي.

إنها صرخة ألم جماعية تعبّر عن أزمة أعمق: أزمة المعنى، وانهيار الحماية الاجتماعية والنفسية التي كانت الأسرة والمدرسة والمجتمع يؤمّنونها.

السياقات المحيطة :

لفهم انتحار الأطفال، لا بد من النظر إلى السياقات الأوسع:

- الأزمة الاقتصادية والاجتماعية: الفقر والبطالة والعنف الأسري وضغط المعيشة كلها عوامل تُنتج شعوراً باللاجدوى.

- الأزمة التعليمية: المدرسة فقدت دورها في الاحتواء والتنشئة، وصارت فضاءً للتوتر والعنف أكثر مما هي فضاء للمعنى.

- الأزمة الرقمية: الأطفال يعيشون أكثر في العالم الافتراضي، حيث يجدون الانتماء والاعتراف الذي يفقدونه في الواقع، لكنهم في المقابل يتعرضون لمخاطر التنمر والإيحاءات السلبية.

- الأزمة النفسية: غياب خدمات الصحة النفسية للأطفال داخل المؤسسات التعليمية والاجتماعية يجعل من كل ألم بسيط كرة ثلج تتضخم بصمت.

تداعيات تتجاوز الفرد:

انتحار الأطفال ليس فقط مأساة أسرية، بل صدع في نسيج المجتمع. إنه مؤشر على فقدان الثقة الجماعية في المستقبل، وعلى تحوّل الطفولة من فضاء للأمل إلى فضاء للخيبة.

يؤدي تكرار هذه الحالات إلى انتشار الخوف والقلق بين الأولياء، ويُضعف ثقة الأطفال بأنفسهم وبالآخرين، كما يكرّس لدى الأجيال الناشئة فكرة أن الموت هو الحل، لا المقاومة أو التعبير أو الحوار.

 

جريمة  غيبها المشرع..  "التنمر" ..معاناة اجتماعية دفعت بالضحايا إلى الانتحار

تونس-الصباح

التنمر هو أحد أشكال العنف الذي يمارسه شخص أو مجموعة من الأطفال ضد شخص أخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة. وقد يأخذ التنمر أشكالا متعددة كنشر الإشاعات، أو التهديد، أو مهاجمة المُتنمَّر عليه بدنيا أو لفظيا أو عزل شخص ما بقصد الإيذاء أو حركات وأفعال أخرى تحدث بشكل غير ملحوظ.. وبات التنمر يشكل تهديدا حقيقيا يمس من سلامة الأشخاص ويزعزع استقرار المجتمعات خاصة وأن ضحايا التنمر أصبحوا يهربون من المتنمرين محاولين تفادي استفزازاتهم وقد يصل الهروب حد الانتحار.

مفيدة القيزاني

كشفت دراسات أن ضحايا التنمر لديهم احتمال أكبر في التفكير أو الانتحار من أولئك الذين لا يتعرضون للتنمر..

 آخر ضحايا التنمر تلميذ بكالوريا شعبة الإعلامية يدرس بمعهد أبو القاسم الشابي بجهة تاجروين بالكاف أنهى حياته شنقا. 

الضحية دخل في حالة نفسية صعبة بسبب تعرّضه للتنمر في الفترة الأخيرة، فيما شهد له أساتذته وزملاؤه بحسن الأخلاق والاجتهاد والتميّز في الدراسة.

وأفادت في وقت سابق المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط أن تلميذا عمره 15 عاما أقدم على الانتحار بمنطقة هبيرة من ولاية المهدية.

وأوضحت المنظمة أن التلميذ ياسين عيفة انتحر بسبب تعرّضه للتنمر، حيث أضرم النار في جسده وتوفي بالمستشفى متأثرا بإصابته البليغة.

 الضحية كان من ذوي الاحتياجات الخصوصية (مصاب بالتوحّد)، وقد تعرض للتنمّر اللفظي والمادي من قبيل العبث بأغراضه والاعتداء بالعنف عليه. 

وشرعت المنظمة الدولية في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتتبعات القضائية ضد أولياء التلاميذ المتورّطين في أعمال التنمّر، استناداً إلى مسؤوليتهم القانونية في تقويم سلوك أبنائهم ومنع الإضرار بالغير، محمّلةً المؤسسة التربوية مسؤولية التقصير إن ثبت.

واعتبرت أنه من الملحّ إقرار خطة وطنية ملزمة لمكافحة التنمّر، تتضمن آليات تبليغ آمنة، ومرافقة نفسية قارة، وبرامج تكوين للإطار التربوي في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

التنمر جريمة يعاقب عليها القانون..

التنمر هو شكل من أشكال الأذية الموجهة بغرض الإيذاء النفسي والإساءة غالبا ما تكون لفظيًة، لكن أحيانًا قد يرافقها بعض التعرّض أو الاستعراض أو التهجُّم الجسدي، والموجه للإيذاء النفسي من فرد أو مجموعة نحو فرد أو مجموعة أخرى غالبًا ما تكون ذات قدرات أضعف للدفاع عن نفسها.

وتخضع جريمة التنمر الى اجتهاد القاضي باعتبار ان المشرع التونسي لم يفردها بنصوص خاصة بها ولا يوجد أثر لمصطلح "تنمر" في القانون التونسي عدا نصوص متفرقة تتحدث عن هتك اعتبار شخص وهتك عرض شخص ودفع شخص الى الانتحار وهو ما يدعو الى تدخل المشرع الى وضع نص خاص بهذه الجريمة التي باتت تنخر المجتمع بسبب ما تتركه من اثار عميقة وسلبية في نفوس الضحايا. 

وقد تفشت ظاهرة التنمر خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت وحتى أن بعض الضحايا ظهروا للعلن ليتحدثوا عن معاناتهم مع هذه السلوكيات المنحرفة ولكن كثيرون هم من يتعرضون للتنمر وتكون ردة فعلهم "الصمت" ما يشير الى أن الحالات التي تلقى رواجا على مواقع التواصل الاجتماعي لا تكشف كامل الحقيقة وانما تخفي أرقاما صادمة لضحايا التنمر الذين يعانون من هرسلة المتنمرين في صمت الى أن ينتهي بهم المطاف الى الهروب من الحياة الى الموت.

وقد أقر الدستور التونسي الحق في حماية كرامة الذات البشرية وعلى الرغم من أن المشرع لم يفرد جريمة التنمر بنص خاص ومستقل فقد جرم الأفعال التي يمكن ان نعتبرها شكلا من أشكال التنمر.

وينص الفصـل 86 مـن مجلـة الاتصالات علـى أنـه "يعاقـب بالسـجن لمـدة تتـراوح بيـن سـنة واحـدة وسـنتين وبخطيـة مـن مئـة إلـى ألـف دينـار كل مـن يتعمـد الإساءة إلـى الغيـر أو إزعـاج راحتهـم عبـر الشـبكات العموميـة للاتصالات.

ويعــد هــذا الفصــل الأكثر تطبيقــا فــي إطــار القضايــا المتعلقــة بالتنمــر الالكتروني خاصــة وأن مصطلحــي"الاساءة " و"الازعاج" يمكـن أن يسـتوعبا العديـد مـن أشـكال التنمـر الالكتروني.

كذلك القسم المتعلق بـ"هتك شرف الإنسان وعرضه" المنصوص عليه بالفصلين 245 و246 من المجلة الجزائية حيث ينص الفصل 245 من نفس المجلة على أنه "يحصل القذف بكل إدعاء أو نسبة أمر لدى العموم فيه هتك شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسمية".

ويمكن إثبات الأمر الحاصل منه القذف في الصور المقرّرة بالفصل 57 من مجلة الصحافة.

وينص الفصل 246 على أنه تحصل النميمة إذا ظهر بوجه عدلي أن ما وقع به القذف ليس بثابت وإذا لم يمكن للقاذف أن يثبت القذف عندما يسمح له القانون بذلك.

والنميمة موجبة للعقاب ولو كان وقوعها بكتابة لم تنشر لدى العموم ولكن وقع اطلاع شخصين فأكثر عليها أو أنها أرسلت إليهم.

وللإشارة فإن من يدفع غيره الى الانتحار يعاقب طبق أحكام الفصل 206 من المجلة الجزائية الذي ينص على أنه يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه.

 

التنمر المؤدي للانتحار..

يعد التنمر المدرسي خطر انتشر بشكل ملحوظ وأصبح يهدد حياة الأفراد وبدأت تسترعى انتباه دول ومنظمات دولية عدة، ووفقا لإحصائيات صادرة عن منظمة اليونسكو فإن ما يناهز مليار طفل يتعرضون للتنمر سنويا حول العالم.

وتشير العديد من الإحصائيات إلى خطورة التنمر المدرسي الذي أصبح ظاهرة تنتقل بصورة سريعة، ووفقا لآخر إحصاء على ويكيبيديا بحسب مركز دراسة الأمراض أن ما يقرب من 45000 حالة وفاة تحدث بسبب الانتحار كل عام، وأن أكثر من %14 من الطلاب في المدرسة الثانوية يفكرون في الانتحار وحوالي %7 منهم يحاولون الانتحار، وأن الطلاب الذين يتعرضون للتنمر المدرسي هم أكثر عرضة للتفكير في الانتحار.

كما ان ما يقارب 30٪ من الطلاب هم إما ضحايا لتنمر الآخرين أو التنمر على أنفسهم، وأن 160 ألف طفل يبقون في منازلهم من المدرسة يوميا لأنهم خائفون من التعرض للتنمر.

 ويحتل الانتحار المرتبة الثانية في الأسباب الرئيسية للوفاة للأفراد البالغ عمرهم بين 10 إلى 24 عاما أما انتحار الأطفال فقد وصل عدد المنتحرين منهم سنويا إلى 220 ألفا، وكان الأطفال الذكور الذين يتم التنمر عليهم أكثر عرضة لمحاولة الانتحار من الفتيات.

التنمر القاتل.. 

يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الأطفال ينتحرون شنقاً أو قفزاً من الأسطح أو ابتلاعاً للأدوية، تاركين وراءهم علامات استفهام موجعة: ماذا يحدث داخل بيوت أهاليهم؟ وكيف وصل الألم الطفولي إلى هذه الدرجة من اليأس؟

ويضيف عز الدين لا توجد إلى اليوم إحصاءات رسمية دقيقة ومفصلة، لكن تقارير الجمعيات والمنظمات الاجتماعية تشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في حالات ومحاولات انتحار الأطفال والمراهقين في تونس.

وقد تم تسجيل أكثر من 300 محاولة انتحار سنة 2023، منها نسبة متزايدة تخصّ أطفالاً دون سن الخامسة عشرة.

أما في سنة 2024، فقد سُجلت عشرات الحالات التي هزّت الرأي العام، من بينها أطفال في مدنين وسيدي بوزيد والقيروان وتونس العاصمة، أغلبهم ينتمون إلى أوساط اجتماعية فقيرة أو هشة.

ماذا تقول السوسيولوجيا؟

إميل دوركايم، في كتابه الكلاسيكي “الانتحار”، اعتبر أن كل انتحار هو نتيجة خلل في الروابط الاجتماعية بين الفرد والمجتمع، سواء بسبب التفكك أو الاندماج المفرط. لكنه لم يتطرق إلى انتحار الأطفال، لأن المجتمع في زمنه لم يعرف هذه الظاهرة.

اليوم، يحتاج علم الاجتماع إلى توسيع مفاهيمه:

فالطفل المنتحر ليس “فرداً كاملاً” اجتماعياً، بل هو نتاج لعلاقات أسرية، تعليمية، رقمية، وإعلامية متشابكة. انتحاره هو مرآة لمجتمع فقد توازنه، حيث العائلة لم تعد حضناً، والمدرسة لم تعد فضاءً آمناً، والإنترنت صار مربياً بديلاً.

من هذا المنظور، لا يمكن فهم انتحار الأطفال إلا كنتاج لعوامل اجتماعية وثقافية ونفسية متداخلة، لا كخيار فردي.

التمثلات الاجتماعية: بين الصدمة والإنكار

رغم انتشار هذه الممارسة الخطيرة، ما زال المجتمع التونسي يميل إلى إنكارها أو تفسيرها دينياً، فالانتحار يُعتبر “حراماً”، لذلك تُخفى الكثير من الحالات ولا تُعلن، أو تُقدَّم على أنها “حادث عرضي”.

لكن هذا الإنكار لا يُخفي سوى هشاشة جماعية في التعامل مع الألم النفسي، خاصة لدى الأطفال.

في أذهان كثيرين، “الطفل لا يمكن أن ينتحر”، لأنه “لا يدرك معنى الموت”، إلا أن الواقع يكذّب هذه الصورة: فالأطفال اليوم يعيشون في بيئة مشبعة بالصور والمشاهد الدرامية والعنيفة التي تُبكّر نضجهم النفسي وتشوّه تصوراتهم عن الحياة والموت.

التأثر بالعالم الرقمي.. 

المثير أن طرق الانتحار لدى الأطفال أصبحت متأثرة بالعالم الرقمي، من خلال ألعاب الموت مثل “الحوت الأزرق” أو “مريم”، أو من خلال مشاهد العنف والاكتئاب التي تبثّها الشبكات الاجتماعية، في ظل غياب المرافقة الأسرية والنفسية.

وقد يبدو انتحار طفل حدثاً معزولاً أو مأساة خاصة، لكن تكرارها وانتشارها الجغرافي والطبقي قد يحوّلها إلى ظاهرة اجتماعية في صورة تسارع وتيرتها وزيادة كثافتها.

الأطفال الذين يقدمون على الانتحار لا ينتمون كلهم إلى الطبقات الفقيرة، وإن كانت الغالبية كذلك..بعضهم يعيش في أسر متوسطة ظاهرياً، لكنها مفككة وجدانياً، يسيطر عليها العنف اللفظي أو الجسدي، والإهمال العاطفي.

إنها صرخة ألم جماعية تعبّر عن أزمة أعمق: أزمة المعنى، وانهيار الحماية الاجتماعية والنفسية التي كانت الأسرة والمدرسة والمجتمع يؤمّنونها.

السياقات المحيطة :

لفهم انتحار الأطفال، لا بد من النظر إلى السياقات الأوسع:

- الأزمة الاقتصادية والاجتماعية: الفقر والبطالة والعنف الأسري وضغط المعيشة كلها عوامل تُنتج شعوراً باللاجدوى.

- الأزمة التعليمية: المدرسة فقدت دورها في الاحتواء والتنشئة، وصارت فضاءً للتوتر والعنف أكثر مما هي فضاء للمعنى.

- الأزمة الرقمية: الأطفال يعيشون أكثر في العالم الافتراضي، حيث يجدون الانتماء والاعتراف الذي يفقدونه في الواقع، لكنهم في المقابل يتعرضون لمخاطر التنمر والإيحاءات السلبية.

- الأزمة النفسية: غياب خدمات الصحة النفسية للأطفال داخل المؤسسات التعليمية والاجتماعية يجعل من كل ألم بسيط كرة ثلج تتضخم بصمت.

تداعيات تتجاوز الفرد:

انتحار الأطفال ليس فقط مأساة أسرية، بل صدع في نسيج المجتمع. إنه مؤشر على فقدان الثقة الجماعية في المستقبل، وعلى تحوّل الطفولة من فضاء للأمل إلى فضاء للخيبة.

يؤدي تكرار هذه الحالات إلى انتشار الخوف والقلق بين الأولياء، ويُضعف ثقة الأطفال بأنفسهم وبالآخرين، كما يكرّس لدى الأجيال الناشئة فكرة أن الموت هو الحل، لا المقاومة أو التعبير أو الحوار.