إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

على ركح مسرح قرطاج الأثري.. نبيهة كراولي تختصر 16 عاما من الغياب في ليلة للمرأة والذاكرة والأصالة

* عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج، هي عودة تجربة كاملة إلى ركح يمثل في الذاكرة الفنية التونسية محطة اعتراف وتقييم.

* فنانة تحمل معها ما يكفي من الأصالة لتظل حاضرة، وما يكفي من الرغبة في التجديد حتى لا تتحول ذاكرتها إلى مجرد حنين.

تونس - الصباح

في ليلة 13 أوت، الموعد الذي اختاره مهرجان قرطاج الدولي للاحتفاء بالمرأة التونسية، استعاد المسرح الأثري بقرطاج صوت نبيهة كراولي بعد غياب دام 16 عاما، في سهرة جمعت بين البعد الاحتفالي بالمناسبة الوطنية وبين استعادة مسيرة فنية ارتبطت منذ بداياتها بالتراث والهوية وقضايا المرأة. وكانت السهرة، التي تندرج ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مناسبة لحضور عدد من المسؤولين، تقدمتهم وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، أسماء الجابري ورئيس مجلس نواب الشعب ابراهيم بودربالة، في موعد أراد له المهرجان أن يكون تحية للمرأة التونسية، فيما اختارت نبيهة كراولي أن تمنحه من صوتها ومسيرتها ما يجعل المناسبة تتجاوز الاحتفال الظرفي إلى استعادة جانب من الذاكرة الموسيقية التونسية.

إيمان عبد اللطيف

ومنذ اللحظات الأولى للعرض، كان واضحا أن عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج لن تقوم على استعادة الماضي فقط، فقد سبقت انطلاق الغناء لفتة رمزية تمثلت في عرض أسماء وصور نساء تونسيات ملهمات من أجيال ومجالات مختلفة على الشاشة الكبرى للمسرح، قبل أن تتوجه الفنانة إلى المرأة التونسية بكلمات تحيي صمودها ونضالها، وتختزل مكانتها في عبارة "نايا الزين والقد والأصالة، نايا المرأة التونسية".

وفي هذا السياق، بدا ركح قرطاج وكأنه يجمع بين مسارين: مسار امرأة تونسية تحتفي بما تحقق من مكاسب، ومسار فنانة تعود إلى أحد أهم مسارح البلاد بعد أكثر من عقد ونصف، وهي تحمل معها ذاكرة جيل كامل من المستمعين. وبقيادة المايسترو خالد بن عيسى، الذي رافق الفرقة الموسيقية بعد تحضيرات امتدت لعدة أشهر، افتتحت كراولي العرض بأغنية «متشوقة»، ثم توالت الأعمال التي يعرفها جمهورها ويحفظ تفاصيلها، من «كان قلبي يطاوعني» و«محلاها» إلى «إيجا انقلك» و«شفتك مرة» و«هز عيونك» و«تناديني وناديك» و«واش» و«ليام والمكتوب» و«مبروكة» و«قالولي جاي» و«يا لالالي»، وهي أعمال أعادت إلى المدرجات جزءا من أجواء مرحلة ارتبطت فيها الأغنية التونسية بأصوات ظلت حاضرة في الذاكرة رغم تغير المشهد الموسيقي ووسائل الاستماع.

غير أن نبيهة كراولي لم ترد لعودتها إلى قرطاج أن تكون حفلا لاستعادة الأرشيف، لذلك أدخلت إلى البرنامج عددا من أعمالها الجديدة، من بينها «هذا الي بيك» و«مازلت يا ليام» و«آش خص»، لتضع تجربتها أمام اختبار يتعلق بقدرتها على التواصل مع جمهور اليوم، لا جمهور الأمس فقط. وهو خيار يكتسب أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي مؤشرا سريعا على الانتشار، وأصبحت الأغنية مطالبة بأن تجد لنفسها مكانا في فضاء سريع الاستهلاك. وقد أكدت نبيهة كراولي خلال ندوة صحفية بعد العرض أن علاقتها بالجمهور لا تقوم على إعادة تقديم الماضي، وأن الفنان مطالب بمواصلة البحث عن الجديد، شرط أن تتوفر فيه عناصر أساسية من بينها جودة الكلمة واللحن، مشيرة إلى أن التفاعل على المنصات الرقمية لا يعكس دائما حجم التفاعل الحقيقي مع الأغنية.

وعلى ركح قرطاج، كان الاختبار مختلفا، إذ وجدت الأعمال الجديدة أيضا جمهورا يصغي إليها، إلى جانب أغانيها القديمة التي رددها معها. ومن هنا تبرز إحدى أهم خصائص تجربة نبيهة كراولي، وهي قدرتها على الجمع بين الوفاء للذاكرة والرغبة في التجديد، وهي معادلة تعود إلى طبيعة تكوينها ومسارها الفني. فابنة قفصة التي نشأت في الجنوب الغربي التونسي حملت معها ملامح بيئة موسيقية وثقافية غنية، بما فيها الموروث الشعبي والإيقاعات والأشكال الغنائية التي شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية للجنوب. غير أن علاقتها بهذا الموروث لم تقف عند حدود الانتماء الجغرافي، فقد اختارت أن تدعم موهبتها بالتكوين الأكاديمي، بعد أن درست الموسيقى وتحصلت على الأستاذية من المعهد العالي للموسيقى بتونس، لتجمع بين ما تمنحه البيئة من معرفة بالموروث وما يوفره التكوين من أدوات موسيقية. ومنذ ظهورها اللافت في عرض «القنطرة» سنة 1989، بدأت تتشكل ملامح تجربة ستجعل من البحث في الذاكرة الموسيقية أحد أبرز عناصرها، حيث لم تتعامل مع التراث بوصفه مادة محفوظة في الماضي، وإنما باعتباره رصيدا يمكن إعادة تقديمه ضمن صياغات جديدة. ولذلك فإن حضور عدد من الأعمال التراثية في سهرة قرطاج كان امتدادا لمسار جعل من الأغنية التونسية وموروثها أحد أهم مصادر التجربة. وبين قفصة وقرطاج، انتقلت الأغنية من فضائها الشعبي إلى ركح أثري كبير ومن الذاكرة المحلية إلى جمهور واسع، من دون أن تفقد ملامحها الأصلية. وفي هذا المعنى، فإن ما تقدمه نبيهة كراولي يتجاوز الغناء إلى نوع من المحافظة على الذاكرة من خلال إعادة إنتاجها، وهي مهمة تصبح أكثر تعقيدا في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتعدد فيه المضامين التي تنافس على انتباه الجمهور. لكن التراث في تجربتها لا ينفصل عن الإنسان الذي أنتجه، ولذلك حضرت المرأة في سهرة 13 أوت باعتبارها جزءا من هذه الذاكرة، لا مجرد عنوان للمناسبة.

فمن خلال الصور التي قدمت لنساء تونسيات ملهمات، ومن خلال الكلمة التي توجهت بها الفنانة إلى المرأة، انتقلت السهرة من الاحتفال الرمزي إلى استحضار مسار طويل من الصمود والعمل والإنجاز. وهو مسار اقتربت منه كراولي فنيا قبل سنوات، من خلال أعمال حملت قضايا اجتماعية تتعلق بالمرأة، ومن بينها "مبروكة" التي ارتبطت بطرح قضية العنف الزوجي، بما يؤكد أن حضور المرأة في تجربتها لم يكن وليد مناسبة 13 أوت. ولعل أكثر لحظات السهرة خصوصية جاءت مع أغنية «يمّه» التي أدتها نبيهة كراولي لأول مرة بمرافقة الأوركسترا، وهي أغنية كتبت كلماتها بنفسها وأهدتها إلى والدتها الراحلة. وقد بدت هذه اللحظة امتدادا لمسحة من الحزن رافقت الفنانة خلال جانب كبير من السهرة، وظهرت في ملامحها وطريقة أدائها، خاصة أن فترة التحضيرات للعرض تزامنت مع وعكة صحية كان لها أثر نفسي عليها. لذلك بدا بعض أدائها مثقلا بشيء من التأثر، وهو ما منح «يمّه» تحديدا بعدا أكثر حميمية، فتحولت صورة المرأة من موضوع عام إلى صورة الأم، وتحول الاحتفاء الجماعي إلى استعادة شخصية للغياب والذاكرة. كما اختارت نبيهة كراولي أن تقدم «بلادي» بمشاركة كورال «سيدي سامي» من الأطفال واليافعين، لتفتح من خلال هذا العمل نافذة على سؤال الهوية والانتماء. ولم تكن مشاركة الأطفال مجرد عنصر إضافي في العرض، بل حملت دلالة مرتبطة بقناعة الفنانة بضرورة نقل معنى الانتماء والارتباط بالهوية إلى الأجيال الجديدة، خاصة في عالم مفتوح تتدفق فيه الثقافات والموسيقى والصور من كل اتجاه.

ولعل هذه الفكرة تلخص جانبا مهما من تجربة نبيهة كراولي: أن تكون وفية للتراث من دون أن تتحول إلى أسيرة له، وأن تستعيد الأغنية التي يعرفها الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن أغنية أخرى تخاطب الحاضر، وأن تتحدث عن المرأة في مناسبة عيدها، ولكن من خلال رصيد فني سبق أن حمل قضاياها. ولذلك فإن عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج لم تكن عودة صوت فقط، وإنما عودة تجربة كاملة إلى ركح يمثل في الذاكرة الفنية التونسية محطة اعتراف وتقييم. وقد اكتسب هذا المعنى بعدا إضافيا مع تكريم مؤسسة التلفزة الوطنية التونسية للفنانة بمناسبة العيد الوطني للمرأة، وبالتزامن مع احتفال المؤسسة بستينيتها، في تكريم يلتقي فيه الاعتراف الرسمي مع الاعتراف الجماهيري الذي عكسته مدرجات المسرح الأثري.

وعلى مدى ساعتين تقريبا، بدا أن الرهان قد تحقق: جمهور كثيف، أعمال قديمة لا تزال حاضرة، أعمال جديدة تجد طريقها إلى المستمع، وتراث يعاد تقديمه في صياغة أوركسترالية، إلى جانب حضور المرأة والوطن والذاكرة في أكثر من محطة. وهي ليست المرة الأولى التي تثبت فيها نبيهة كراولي قدرتها على جذب الجمهور في هذا السياق، فقد سبق أن حققت نجاحا في الموعد نفسه العام الماضي على ركح مهرجان الحمامات الدولي، بما يؤكد أن حضورها لم يعد مرتبطا بمجرد استعادة النوستالجيا، وإنما بقدرتها على بناء علاقة متجددة مع جمهور يعرف رصيدها وينتظر منها في الوقت نفسه ما هو جديد.

لقد اختصرت سهرة 13 أوت في قرطاج ثلاثية واضحة المعالم: زمن مرّ لكنه لم يمح الذاكرة، وأرض جنوبية ظلت حاضرة في الصوت والأغنية، وامرأة تونسية تحولت من موضوع للاحتفاء إلى صوت وقضية ومسار. وبين هذه العناصر، بدت نبيهة كراولي وكأنها تستعيد مكانها لا باعتبارها فنانة تنتمي إلى الماضي، وإنما باعتبارها فنانة استطاعت أن تعبر من زمن إلى آخر وهي تحمل معها ما يكفي من الأصالة لتظل حاضرة، وما يكفي من الرغبة في التجديد حتى لا تتحول ذاكرتها إلى مجرد حنين.

 

على ركح مسرح قرطاج الأثري.. نبيهة كراولي تختصر 16 عاما من الغياب في ليلة للمرأة والذاكرة والأصالة

* عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج، هي عودة تجربة كاملة إلى ركح يمثل في الذاكرة الفنية التونسية محطة اعتراف وتقييم.

* فنانة تحمل معها ما يكفي من الأصالة لتظل حاضرة، وما يكفي من الرغبة في التجديد حتى لا تتحول ذاكرتها إلى مجرد حنين.

تونس - الصباح

في ليلة 13 أوت، الموعد الذي اختاره مهرجان قرطاج الدولي للاحتفاء بالمرأة التونسية، استعاد المسرح الأثري بقرطاج صوت نبيهة كراولي بعد غياب دام 16 عاما، في سهرة جمعت بين البعد الاحتفالي بالمناسبة الوطنية وبين استعادة مسيرة فنية ارتبطت منذ بداياتها بالتراث والهوية وقضايا المرأة. وكانت السهرة، التي تندرج ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مناسبة لحضور عدد من المسؤولين، تقدمتهم وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، أسماء الجابري ورئيس مجلس نواب الشعب ابراهيم بودربالة، في موعد أراد له المهرجان أن يكون تحية للمرأة التونسية، فيما اختارت نبيهة كراولي أن تمنحه من صوتها ومسيرتها ما يجعل المناسبة تتجاوز الاحتفال الظرفي إلى استعادة جانب من الذاكرة الموسيقية التونسية.

إيمان عبد اللطيف

ومنذ اللحظات الأولى للعرض، كان واضحا أن عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج لن تقوم على استعادة الماضي فقط، فقد سبقت انطلاق الغناء لفتة رمزية تمثلت في عرض أسماء وصور نساء تونسيات ملهمات من أجيال ومجالات مختلفة على الشاشة الكبرى للمسرح، قبل أن تتوجه الفنانة إلى المرأة التونسية بكلمات تحيي صمودها ونضالها، وتختزل مكانتها في عبارة "نايا الزين والقد والأصالة، نايا المرأة التونسية".

وفي هذا السياق، بدا ركح قرطاج وكأنه يجمع بين مسارين: مسار امرأة تونسية تحتفي بما تحقق من مكاسب، ومسار فنانة تعود إلى أحد أهم مسارح البلاد بعد أكثر من عقد ونصف، وهي تحمل معها ذاكرة جيل كامل من المستمعين. وبقيادة المايسترو خالد بن عيسى، الذي رافق الفرقة الموسيقية بعد تحضيرات امتدت لعدة أشهر، افتتحت كراولي العرض بأغنية «متشوقة»، ثم توالت الأعمال التي يعرفها جمهورها ويحفظ تفاصيلها، من «كان قلبي يطاوعني» و«محلاها» إلى «إيجا انقلك» و«شفتك مرة» و«هز عيونك» و«تناديني وناديك» و«واش» و«ليام والمكتوب» و«مبروكة» و«قالولي جاي» و«يا لالالي»، وهي أعمال أعادت إلى المدرجات جزءا من أجواء مرحلة ارتبطت فيها الأغنية التونسية بأصوات ظلت حاضرة في الذاكرة رغم تغير المشهد الموسيقي ووسائل الاستماع.

غير أن نبيهة كراولي لم ترد لعودتها إلى قرطاج أن تكون حفلا لاستعادة الأرشيف، لذلك أدخلت إلى البرنامج عددا من أعمالها الجديدة، من بينها «هذا الي بيك» و«مازلت يا ليام» و«آش خص»، لتضع تجربتها أمام اختبار يتعلق بقدرتها على التواصل مع جمهور اليوم، لا جمهور الأمس فقط. وهو خيار يكتسب أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي مؤشرا سريعا على الانتشار، وأصبحت الأغنية مطالبة بأن تجد لنفسها مكانا في فضاء سريع الاستهلاك. وقد أكدت نبيهة كراولي خلال ندوة صحفية بعد العرض أن علاقتها بالجمهور لا تقوم على إعادة تقديم الماضي، وأن الفنان مطالب بمواصلة البحث عن الجديد، شرط أن تتوفر فيه عناصر أساسية من بينها جودة الكلمة واللحن، مشيرة إلى أن التفاعل على المنصات الرقمية لا يعكس دائما حجم التفاعل الحقيقي مع الأغنية.

وعلى ركح قرطاج، كان الاختبار مختلفا، إذ وجدت الأعمال الجديدة أيضا جمهورا يصغي إليها، إلى جانب أغانيها القديمة التي رددها معها. ومن هنا تبرز إحدى أهم خصائص تجربة نبيهة كراولي، وهي قدرتها على الجمع بين الوفاء للذاكرة والرغبة في التجديد، وهي معادلة تعود إلى طبيعة تكوينها ومسارها الفني. فابنة قفصة التي نشأت في الجنوب الغربي التونسي حملت معها ملامح بيئة موسيقية وثقافية غنية، بما فيها الموروث الشعبي والإيقاعات والأشكال الغنائية التي شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية للجنوب. غير أن علاقتها بهذا الموروث لم تقف عند حدود الانتماء الجغرافي، فقد اختارت أن تدعم موهبتها بالتكوين الأكاديمي، بعد أن درست الموسيقى وتحصلت على الأستاذية من المعهد العالي للموسيقى بتونس، لتجمع بين ما تمنحه البيئة من معرفة بالموروث وما يوفره التكوين من أدوات موسيقية. ومنذ ظهورها اللافت في عرض «القنطرة» سنة 1989، بدأت تتشكل ملامح تجربة ستجعل من البحث في الذاكرة الموسيقية أحد أبرز عناصرها، حيث لم تتعامل مع التراث بوصفه مادة محفوظة في الماضي، وإنما باعتباره رصيدا يمكن إعادة تقديمه ضمن صياغات جديدة. ولذلك فإن حضور عدد من الأعمال التراثية في سهرة قرطاج كان امتدادا لمسار جعل من الأغنية التونسية وموروثها أحد أهم مصادر التجربة. وبين قفصة وقرطاج، انتقلت الأغنية من فضائها الشعبي إلى ركح أثري كبير ومن الذاكرة المحلية إلى جمهور واسع، من دون أن تفقد ملامحها الأصلية. وفي هذا المعنى، فإن ما تقدمه نبيهة كراولي يتجاوز الغناء إلى نوع من المحافظة على الذاكرة من خلال إعادة إنتاجها، وهي مهمة تصبح أكثر تعقيدا في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتعدد فيه المضامين التي تنافس على انتباه الجمهور. لكن التراث في تجربتها لا ينفصل عن الإنسان الذي أنتجه، ولذلك حضرت المرأة في سهرة 13 أوت باعتبارها جزءا من هذه الذاكرة، لا مجرد عنوان للمناسبة.

فمن خلال الصور التي قدمت لنساء تونسيات ملهمات، ومن خلال الكلمة التي توجهت بها الفنانة إلى المرأة، انتقلت السهرة من الاحتفال الرمزي إلى استحضار مسار طويل من الصمود والعمل والإنجاز. وهو مسار اقتربت منه كراولي فنيا قبل سنوات، من خلال أعمال حملت قضايا اجتماعية تتعلق بالمرأة، ومن بينها "مبروكة" التي ارتبطت بطرح قضية العنف الزوجي، بما يؤكد أن حضور المرأة في تجربتها لم يكن وليد مناسبة 13 أوت. ولعل أكثر لحظات السهرة خصوصية جاءت مع أغنية «يمّه» التي أدتها نبيهة كراولي لأول مرة بمرافقة الأوركسترا، وهي أغنية كتبت كلماتها بنفسها وأهدتها إلى والدتها الراحلة. وقد بدت هذه اللحظة امتدادا لمسحة من الحزن رافقت الفنانة خلال جانب كبير من السهرة، وظهرت في ملامحها وطريقة أدائها، خاصة أن فترة التحضيرات للعرض تزامنت مع وعكة صحية كان لها أثر نفسي عليها. لذلك بدا بعض أدائها مثقلا بشيء من التأثر، وهو ما منح «يمّه» تحديدا بعدا أكثر حميمية، فتحولت صورة المرأة من موضوع عام إلى صورة الأم، وتحول الاحتفاء الجماعي إلى استعادة شخصية للغياب والذاكرة. كما اختارت نبيهة كراولي أن تقدم «بلادي» بمشاركة كورال «سيدي سامي» من الأطفال واليافعين، لتفتح من خلال هذا العمل نافذة على سؤال الهوية والانتماء. ولم تكن مشاركة الأطفال مجرد عنصر إضافي في العرض، بل حملت دلالة مرتبطة بقناعة الفنانة بضرورة نقل معنى الانتماء والارتباط بالهوية إلى الأجيال الجديدة، خاصة في عالم مفتوح تتدفق فيه الثقافات والموسيقى والصور من كل اتجاه.

ولعل هذه الفكرة تلخص جانبا مهما من تجربة نبيهة كراولي: أن تكون وفية للتراث من دون أن تتحول إلى أسيرة له، وأن تستعيد الأغنية التي يعرفها الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن أغنية أخرى تخاطب الحاضر، وأن تتحدث عن المرأة في مناسبة عيدها، ولكن من خلال رصيد فني سبق أن حمل قضاياها. ولذلك فإن عودة نبيهة كراولي إلى قرطاج لم تكن عودة صوت فقط، وإنما عودة تجربة كاملة إلى ركح يمثل في الذاكرة الفنية التونسية محطة اعتراف وتقييم. وقد اكتسب هذا المعنى بعدا إضافيا مع تكريم مؤسسة التلفزة الوطنية التونسية للفنانة بمناسبة العيد الوطني للمرأة، وبالتزامن مع احتفال المؤسسة بستينيتها، في تكريم يلتقي فيه الاعتراف الرسمي مع الاعتراف الجماهيري الذي عكسته مدرجات المسرح الأثري.

وعلى مدى ساعتين تقريبا، بدا أن الرهان قد تحقق: جمهور كثيف، أعمال قديمة لا تزال حاضرة، أعمال جديدة تجد طريقها إلى المستمع، وتراث يعاد تقديمه في صياغة أوركسترالية، إلى جانب حضور المرأة والوطن والذاكرة في أكثر من محطة. وهي ليست المرة الأولى التي تثبت فيها نبيهة كراولي قدرتها على جذب الجمهور في هذا السياق، فقد سبق أن حققت نجاحا في الموعد نفسه العام الماضي على ركح مهرجان الحمامات الدولي، بما يؤكد أن حضورها لم يعد مرتبطا بمجرد استعادة النوستالجيا، وإنما بقدرتها على بناء علاقة متجددة مع جمهور يعرف رصيدها وينتظر منها في الوقت نفسه ما هو جديد.

لقد اختصرت سهرة 13 أوت في قرطاج ثلاثية واضحة المعالم: زمن مرّ لكنه لم يمح الذاكرة، وأرض جنوبية ظلت حاضرة في الصوت والأغنية، وامرأة تونسية تحولت من موضوع للاحتفاء إلى صوت وقضية ومسار. وبين هذه العناصر، بدت نبيهة كراولي وكأنها تستعيد مكانها لا باعتبارها فنانة تنتمي إلى الماضي، وإنما باعتبارها فنانة استطاعت أن تعبر من زمن إلى آخر وهي تحمل معها ما يكفي من الأصالة لتظل حاضرة، وما يكفي من الرغبة في التجديد حتى لا تتحول ذاكرتها إلى مجرد حنين.