إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس والدنمارك..  من التقارب «الهادئ» إلى الشراكة الفاعلة  

 

تونس - الصباح

من شمال أوروبا، حيث رسخت الدنمارك مكانتها كإحدى الدول المرجعية في مجالات التحول الطاقي والتنمية المستدامة والابتكار، تتبلور ملامح مسار تعاون ثنائي جديد. ومسارٌ وإن يبدو هادئا نسبيا، إلا أنه يحمل في طياته مؤشرات تعكس رغبة البلدين في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى أكثر فاعلية، خاصة مع وجود عدد من الاستحقاقات الثنائية المرتقبة التي من شأنها أن تحوّل التقارب السياسي إلى مشاريع وشراكات ملموسة.

 

قد لا تتصدر العلاقات التونسية الدنماركية واجهة المشهد الدبلوماسي مقارنة بالزخم الذي يرافق بعض الشراكات التقليدية لتونس مع مختلف شركائها الأوروبيين، غير أن مسار التعاون خلال الأشهر الأخيرة كشف عن انتقال لافت للبلدين إلى مرحلة جديدة تقوم على إرادة سياسية متبادلة لإضفاء بُعد أكثر عمقا وفاعلية على مسار التعاون الثنائي. فبعيدا عن سياسة اللقاءات البروتوكولية، بدأ التعاون الثنائي يكتسب ديناميكية جديدة تؤشر إلى رغبة البلدين في ولوج محطة مختلفة من التعاون، بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والطاقية والبيئية التي يشهدها العالم.

في هذا الخصوص، يمثل قرار مملكة الدنمارك افتتاح سفارة بتونس لأول مرة محطة مهمة تعكس في جوهرها أن العلاقات الثنائية بين البلدين مرجح أن تبلغ في قادم الأيام مستوى أعلى من التنسيق والتعاون، باعتبار أن التواجد المباشر يؤشر إلى نجاعة أكبر في مواكبة المشاريع الثنائية واستكشاف فرص الاستثمار والتنسيق السياسي.

ويأتي هذا التطور في مسار التعاون الثنائي امتدادا للزيارة التي أداها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، إلى كوبنهاغن في جوان 2025، والتي شكلت هي الأخرى محطة مهمة في إعادة تفعيل مسار العلاقات الثنائية، لا سيما بعد الاتفاق على إحداث لجنة تعاون اقتصادي مشتركة، بما يعكس رغبة البلدين في الانتقال من التعاون الظرفي إلى تعاون مؤطر بآليات دائمة وقابلة للتطوير.

 

لجنة اقتصادية مشتركة

واليوم، ومع استعداد البلدين لإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة، فإن هذه الآلية تمثل فرصة لتطوير العلاقات الثنائية، باعتبارها توفر إطارا منتظما لتقييم المشاريع، وتحديد الأولويات، ومعالجة جملة الإشكاليات التي قد تعترض المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين، فضلاً عن استشراف مجالات تعاون جديدة. وهو ما يعني أن العلاقات بين تونس والدنمارك أصبحت تتجه تدريجياً نحو بناء أجندة عمل واضحة.

من جانب آخر، جدير بالذكر أن هذه الديناميكية التي ترافق مسار العلاقات التونسية الدنماركية تتقاطع في جوهرها مع التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية، والتي تقوم - بتوجيهات مباشرة من الدولة في أعلى هرمها - على تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على مختلف التجارب الاقتصادية الناجحة، بما يخدم الأولويات الوطنية في مجالات التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

ومن هذا المنطلق، فإن مجالات التعاون التي تم الاتفاق عليها تعتبر استراتيجية، فهي لا تقتصر على المبادلات التجارية فقط، وإنما تمتد إلى قطاعات تعتبر اليوم من أكثر القطاعات ارتباطا بمستقبل الاقتصاد العالمي، على غرار الطاقات المتجددة، والفلاحة المستدامة، والصحة، والصناعات الصيدلية، والتكوين المهني.

فالدانمارك تعد من الدول الأوروبية الرائدة في مجال الانتقال الطاقي والطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، كما راكمت خبرة كبيرة في إدارة النفايات واستخدام الطاقة وتطوير التقنيات البيئية. وفي المقابل، تعمل تونس على تنفيذ برامج وطنية تهدف إلى الحد من التبعية الطاقية واستعمال الطاقات المتجددة، وهو ما يجعل التعاون بين البلدين قائما على تكامل حقيقي بين الخبرة الدنماركية والحاجيات التنموية التونسية.

ولا يقتصر هذا التكامل على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد أيضا إلى الفلاحة المستدامة، في ظل التحديات المناخية التي تواجهها تونس، كما سائر دول العالم، وما تفرضه من البحث عن حلول مبتكرة في إدارة الموارد المائية، وتحسين الإنتاجية، وتطوير التقنيات الزراعية الحديثة. كما يبرز قطاع الصناعات الصيدلية باعتباره أحد المجالات الواعدة، خاصة مع ما حققته تونس خلال السنوات الأخيرة من تطور في هذه الصناعة، وهو ما يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات في البحث والتطوير والتصنيع.

أما في المجال الاقتصادي، فرغم أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين ما يزال دون الإمكانيات المتاحة، فإن المؤشرات الحالية تؤشر إلى إمكانية تحقيق نقلة نوعية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا ما تمكنت اللجنة الاقتصادية المشتركة من تجسيم التوافق السياسي في مشاريع عملية وشراكات استثمارية ملموسة.

 

وتبقى السوق الدنماركية قادرة على استيعاب عدد أكبر من المنتجات التونسية ذات القيمة المضافة، في حين يمكن لتونس أن تستفيد من التكنولوجيا الدنماركية في عدد من القطاعات الصناعية والبيئية، بما يساهم في دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواكبة التحولات العالمية.

 

التعليم.. شراكة بعيدة المدى

وفي السياق ذاته، يكتسي التعاون في مجال التعليم والتكوين المهني أهمية خاصة، باعتباره يمثل أحد المفاتيح الأساسية لبناء شراكات بعيدة المدى. فالاستثمار في الرصيد البشري أصبح اليوم من المسائل البارزة ضمن أجندة التعاون في مختلف العلاقات الدولية، باعتبار أن الشراكات اليوم تترجم بقدرتها على نقل المعرفة، وتطوير الكفاءات، وتعزيز الابتكار.

 

أما على الصعيد الدبلوماسي، فيحمل افتتاح سفارة دنماركية بتونس رسالة سياسية تعكس المكانة التي تحظى بها تونس لدى كوبنهاغن، باعتبارها شريكا مستقرا في منطقة شمال إفريقيا، فضلا عن دورها في الفضاء المتوسطي والإفريقي. فوجود بعثة دبلوماسية مقيمة من شأنه أن يعزز وتيرة التشاور السياسي، وييسر متابعة الملفات الثنائية والإقليمية، ويمنح العلاقات زخما أكبر على مستوى التواصل.

كما أن هذا الحضور الدبلوماسي المباشر قد يسهم في تشجيع الفاعلين الاقتصاديين الدنماركيين على استكشاف فرص الاستثمار في تونس، خاصة في ظل الإصلاحات التي تعمل الدولة على تنفيذها لتحسين مناخ الأعمال وتطوير البنية التحتية الاقتصادية.

وفي المقابل، تمثل هذه المرحلة الجديدة فرصة أمام الدبلوماسية التونسية لتكثيف الحضور داخل دول شمال أوروبا، التي تعد من أكثر المناطق الأوروبية تقدما في مجالات الابتكار والاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الحديثة، بما ينسجم مع توجه تونس نحو تنويع شركائها والانفتاح على نماذج اقتصادية جديدة.

 

وبالنظر إلى مختلف المؤشرات سالفة الذكر، ومع الاستحقاقات الثنائية المرتقبة، تبدو العلاقات التونسية الدنماركية أمام مرحلة جديدة تتجاوز منطق التعاون التقليدي نحو شراكة أكثر فاعلية ونجاعة. فمختلف الخطوات التي تم اتخاذها خلال الفترة الأخيرة، من تعزيز الحضور الدبلوماسي إلى إرساء آليات جديدة للتعاون الاقتصادي وتوسيع مجالات الشراكة، تعكس إرادة سياسية مشتركة لإضفاء مزيد من النجاعة والديناميكية على هذه العلاقات، وتحويل فرص التقارب إلى مشاريع ملموسة ونتائج عملية، بما يفتح أمام تونس والدنمارك آفاقا لتعاون أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة للاستحقاقات المقبلة.

منال الحرزي

 

تونس والدنمارك..   من التقارب «الهادئ» إلى الشراكة الفاعلة   

 

تونس - الصباح

من شمال أوروبا، حيث رسخت الدنمارك مكانتها كإحدى الدول المرجعية في مجالات التحول الطاقي والتنمية المستدامة والابتكار، تتبلور ملامح مسار تعاون ثنائي جديد. ومسارٌ وإن يبدو هادئا نسبيا، إلا أنه يحمل في طياته مؤشرات تعكس رغبة البلدين في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى أكثر فاعلية، خاصة مع وجود عدد من الاستحقاقات الثنائية المرتقبة التي من شأنها أن تحوّل التقارب السياسي إلى مشاريع وشراكات ملموسة.

 

قد لا تتصدر العلاقات التونسية الدنماركية واجهة المشهد الدبلوماسي مقارنة بالزخم الذي يرافق بعض الشراكات التقليدية لتونس مع مختلف شركائها الأوروبيين، غير أن مسار التعاون خلال الأشهر الأخيرة كشف عن انتقال لافت للبلدين إلى مرحلة جديدة تقوم على إرادة سياسية متبادلة لإضفاء بُعد أكثر عمقا وفاعلية على مسار التعاون الثنائي. فبعيدا عن سياسة اللقاءات البروتوكولية، بدأ التعاون الثنائي يكتسب ديناميكية جديدة تؤشر إلى رغبة البلدين في ولوج محطة مختلفة من التعاون، بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والطاقية والبيئية التي يشهدها العالم.

في هذا الخصوص، يمثل قرار مملكة الدنمارك افتتاح سفارة بتونس لأول مرة محطة مهمة تعكس في جوهرها أن العلاقات الثنائية بين البلدين مرجح أن تبلغ في قادم الأيام مستوى أعلى من التنسيق والتعاون، باعتبار أن التواجد المباشر يؤشر إلى نجاعة أكبر في مواكبة المشاريع الثنائية واستكشاف فرص الاستثمار والتنسيق السياسي.

ويأتي هذا التطور في مسار التعاون الثنائي امتدادا للزيارة التي أداها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، إلى كوبنهاغن في جوان 2025، والتي شكلت هي الأخرى محطة مهمة في إعادة تفعيل مسار العلاقات الثنائية، لا سيما بعد الاتفاق على إحداث لجنة تعاون اقتصادي مشتركة، بما يعكس رغبة البلدين في الانتقال من التعاون الظرفي إلى تعاون مؤطر بآليات دائمة وقابلة للتطوير.

 

لجنة اقتصادية مشتركة

واليوم، ومع استعداد البلدين لإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة، فإن هذه الآلية تمثل فرصة لتطوير العلاقات الثنائية، باعتبارها توفر إطارا منتظما لتقييم المشاريع، وتحديد الأولويات، ومعالجة جملة الإشكاليات التي قد تعترض المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين، فضلاً عن استشراف مجالات تعاون جديدة. وهو ما يعني أن العلاقات بين تونس والدنمارك أصبحت تتجه تدريجياً نحو بناء أجندة عمل واضحة.

من جانب آخر، جدير بالذكر أن هذه الديناميكية التي ترافق مسار العلاقات التونسية الدنماركية تتقاطع في جوهرها مع التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية، والتي تقوم - بتوجيهات مباشرة من الدولة في أعلى هرمها - على تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على مختلف التجارب الاقتصادية الناجحة، بما يخدم الأولويات الوطنية في مجالات التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

ومن هذا المنطلق، فإن مجالات التعاون التي تم الاتفاق عليها تعتبر استراتيجية، فهي لا تقتصر على المبادلات التجارية فقط، وإنما تمتد إلى قطاعات تعتبر اليوم من أكثر القطاعات ارتباطا بمستقبل الاقتصاد العالمي، على غرار الطاقات المتجددة، والفلاحة المستدامة، والصحة، والصناعات الصيدلية، والتكوين المهني.

فالدانمارك تعد من الدول الأوروبية الرائدة في مجال الانتقال الطاقي والطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، كما راكمت خبرة كبيرة في إدارة النفايات واستخدام الطاقة وتطوير التقنيات البيئية. وفي المقابل، تعمل تونس على تنفيذ برامج وطنية تهدف إلى الحد من التبعية الطاقية واستعمال الطاقات المتجددة، وهو ما يجعل التعاون بين البلدين قائما على تكامل حقيقي بين الخبرة الدنماركية والحاجيات التنموية التونسية.

ولا يقتصر هذا التكامل على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد أيضا إلى الفلاحة المستدامة، في ظل التحديات المناخية التي تواجهها تونس، كما سائر دول العالم، وما تفرضه من البحث عن حلول مبتكرة في إدارة الموارد المائية، وتحسين الإنتاجية، وتطوير التقنيات الزراعية الحديثة. كما يبرز قطاع الصناعات الصيدلية باعتباره أحد المجالات الواعدة، خاصة مع ما حققته تونس خلال السنوات الأخيرة من تطور في هذه الصناعة، وهو ما يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات في البحث والتطوير والتصنيع.

أما في المجال الاقتصادي، فرغم أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين ما يزال دون الإمكانيات المتاحة، فإن المؤشرات الحالية تؤشر إلى إمكانية تحقيق نقلة نوعية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا ما تمكنت اللجنة الاقتصادية المشتركة من تجسيم التوافق السياسي في مشاريع عملية وشراكات استثمارية ملموسة.

 

وتبقى السوق الدنماركية قادرة على استيعاب عدد أكبر من المنتجات التونسية ذات القيمة المضافة، في حين يمكن لتونس أن تستفيد من التكنولوجيا الدنماركية في عدد من القطاعات الصناعية والبيئية، بما يساهم في دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواكبة التحولات العالمية.

 

التعليم.. شراكة بعيدة المدى

وفي السياق ذاته، يكتسي التعاون في مجال التعليم والتكوين المهني أهمية خاصة، باعتباره يمثل أحد المفاتيح الأساسية لبناء شراكات بعيدة المدى. فالاستثمار في الرصيد البشري أصبح اليوم من المسائل البارزة ضمن أجندة التعاون في مختلف العلاقات الدولية، باعتبار أن الشراكات اليوم تترجم بقدرتها على نقل المعرفة، وتطوير الكفاءات، وتعزيز الابتكار.

 

أما على الصعيد الدبلوماسي، فيحمل افتتاح سفارة دنماركية بتونس رسالة سياسية تعكس المكانة التي تحظى بها تونس لدى كوبنهاغن، باعتبارها شريكا مستقرا في منطقة شمال إفريقيا، فضلا عن دورها في الفضاء المتوسطي والإفريقي. فوجود بعثة دبلوماسية مقيمة من شأنه أن يعزز وتيرة التشاور السياسي، وييسر متابعة الملفات الثنائية والإقليمية، ويمنح العلاقات زخما أكبر على مستوى التواصل.

كما أن هذا الحضور الدبلوماسي المباشر قد يسهم في تشجيع الفاعلين الاقتصاديين الدنماركيين على استكشاف فرص الاستثمار في تونس، خاصة في ظل الإصلاحات التي تعمل الدولة على تنفيذها لتحسين مناخ الأعمال وتطوير البنية التحتية الاقتصادية.

وفي المقابل، تمثل هذه المرحلة الجديدة فرصة أمام الدبلوماسية التونسية لتكثيف الحضور داخل دول شمال أوروبا، التي تعد من أكثر المناطق الأوروبية تقدما في مجالات الابتكار والاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الحديثة، بما ينسجم مع توجه تونس نحو تنويع شركائها والانفتاح على نماذج اقتصادية جديدة.

 

وبالنظر إلى مختلف المؤشرات سالفة الذكر، ومع الاستحقاقات الثنائية المرتقبة، تبدو العلاقات التونسية الدنماركية أمام مرحلة جديدة تتجاوز منطق التعاون التقليدي نحو شراكة أكثر فاعلية ونجاعة. فمختلف الخطوات التي تم اتخاذها خلال الفترة الأخيرة، من تعزيز الحضور الدبلوماسي إلى إرساء آليات جديدة للتعاون الاقتصادي وتوسيع مجالات الشراكة، تعكس إرادة سياسية مشتركة لإضفاء مزيد من النجاعة والديناميكية على هذه العلاقات، وتحويل فرص التقارب إلى مشاريع ملموسة ونتائج عملية، بما يفتح أمام تونس والدنمارك آفاقا لتعاون أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة للاستحقاقات المقبلة.

منال الحرزي