إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إدماج الاقتصاد الموازي..  رهان قانون المالية لسنة 2027 لتوسيع الاقتصاد الرسمي ودعم النمو  

 

تونس – الصباح

يمثل إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة أحد الملفات الاقتصادية المهمة التي تفرض نفسها في تونس، خاصة مع إعداد قانون المالية لسنة 2027، ولا يتعلق الأمر فقط بالبحث عن موارد جبائية إضافية، وإنما برهان اقتصادي أوسع يتمثل في توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي وتحسين شروط المنافسة ودعم المؤسسات الصغرى وتسهيل النفاذ إلى التمويل وتحويل عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية إلى أنشطة أكثر إنتاجية وتنظيمًا.

 

ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع حجم الأنشطة التي تتم خارج الأطر المنظمة، سواء في التجارة أو الخدمات أو الحرف أو بعض الأنشطة الفردية، وتشير تقديرات ومعطيات متداولة إلى وجود كتلة مهمة من الناشطين الاقتصاديين خارج الاقتصاد الرسمي.

وبصرف النظر عن اختلاف التقديرات من مصدر إلى آخر ومنهجية القياس، فإن المؤكد هو أن الاقتصاد الموازي يمثل جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي وسوق الشغل في تونس، وهو ما يجعل التعامل معه ضرورة اقتصادية وليس مجرد خيار جبائي.

المقاربة الأكثر فاعلية تقتضي أولًا تغيير زاوية النظر إلى الاقتصاد الموازي، فهذا القطاع لا يتكون فقط من أنشطة مخالفة للقانون، وإنما يضم أيضًا آلاف الأنشطة الصغيرة التي توفر دخلًا وتشغيلًا وتلبي حاجيات السوق، لكنها لم تدخل بشكل كامل إلى المنظومة الرسمية، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إخراج هذه الأنشطة من القطاع غير المنظم، بل في توفير الظروف التي تجعل انتقالها إلى الاقتصاد الرسمي مفيدًا وممكنًا.

ومن هذه الزاوية، فإن إدماج الاقتصاد الموازي يجب ألا يتحول إلى عملية هدفها الأساسي توسيع الوعاء الجبائي، فالضغط على الأنشطة الصغيرة لإدخالها إلى المنظومة الرسمية دون معالجة أسباب بقائها خارجها قد لا يؤدي إلى النتائج المطلوبة، أما إذا ارتبط الإدماج بتسهيل الإجراءات وتحسين الوصول إلى التمويل، وتوفير الحماية الاجتماعية وفتح فرص جديدة للتعامل مع المؤسسات والأسواق، فإن الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي يصبح له فوائد مباشرة بالنسبة إلى صاحب النشاط والدولة في الوقت نفسه.

 

تسهيل الإجراءات لتعزيز الإدماج الاقتصادي

 

وتحتل المؤسسات الصغرى والأنشطة الفردية موقعًا أساسيًا في هذه المعادلة، فصاحب مشروع صغير لا يملك الإمكانيات نفسها التي تتوفر للمؤسسات الكبرى، ولا يستطيع تحمل إجراءات إدارية معقدة أو تكاليف امتثال مرتفعة، ولذلك فإن نجاح سياسة الإدماج يتطلب نظامًا مبسطًا يتناسب مع حجم النشاط ويتيح لصاحبه الانتقال تدريجيًا إلى الاقتصاد المنظم دون أن يتحول ذلك إلى عبء يهدد استمرارية مشروعه.

ويكتسي التمويل أهمية خاصة في هذا المسار، فالنشاط غير المنظم يجد صعوبة في الوصول إلى القروض والخدمات البنكية بسبب غياب البيانات المالية المنتظمة وصعوبة تقييم رقم معاملاته وقدرته على السداد. وعندما يدخل النشاط إلى المنظومة الرسمية يصبح بإمكانه بناء سجل مالي وتجاري واضح، وهو ما يمكن أن يحسن فرصه في الحصول على التمويل، لذلك فإن إدماج الاقتصاد الموازي يجب أن يكون مرتبطًا بسياسة تمويل حقيقية للمؤسسات الصغرى تمكنها من اقتناء المعدات وتطوير الإنتاج، واعتماد التكنولوجيا وتوسيع نشاطها.

 

تحسين شروط المنافسة داخل السوق

 

كما أن الإدماج يمكن أن يساهم في تحسين شروط المنافسة داخل السوق. فالمؤسسات المنظمة تتحمل أعباء جبائية واجتماعية وإدارية لا يتحملها النشاط غير المنظم بالدرجة نفسها، وهو ما يؤدي إلى تفاوت في كلفة ممارسة النشاط، وهذه الوضعية يمكن أن تضعف قدرة المؤسسات الملتزمة بالقانون على الاستثمار والتوسع. ومن ثم، فإن توسيع الاقتصاد الرسمي يساعد تدريجيًا على إقامة منافسة أكثر عدالة، تكون فيها الإنتاجية والجودة والكفاءة عناصر أساسية للمنافسة، وليس اختلاف درجة الالتزام بالقواعد القانونية.

وتبرز الرقمنة بدورها كأداة مهمة لتسهيل عملية الإدماج، فكلما أصبحت إجراءات التسجيل والتصريح والدفع والحصول على الوثائق أكثر سرعة وبساطة، انخفضت كلفة الدخول إلى الاقتصاد الرسمي. ويمكن للدفع الإلكتروني و"الفوترة" الرقمية والتصريح عن بعد وربط البيانات بين الإدارات أن تقلل من الإجراءات وتحد من التعامل النقدي، لكن نجاح هذه الأدوات يبقى مرتبطًا بمدى سهولة استعمالها بالنسبة إلى أصحاب الأنشطة الصغيرة، فالرقمنة يجب أن تكون وسيلة لتبسيط العلاقة بين الإدارة والناشط الاقتصادي، وليس مجرد وسيلة إضافية للمراقبة.

ولا يمكن فصل إدماج الاقتصاد الموازي عن مسألة التشغيل والحماية الاجتماعية، فالعامل الذي ينشط خارج المنظومة الرسمية يواجه مخاطر اقتصادية واجتماعية أكبر، كما أن صاحب النشاط نفسه يفتقر إلى عدد من الآليات التي يوفرها الاقتصاد المنظم. ولذلك فإن الانتقال إلى القطاع الرسمي يجب أن يمنح العامل وصاحب النشاط فوائد واضحة، من بينها التغطية الاجتماعية والتقاعد والحماية المرتبطة بالعمل، حتى لا ينظر إلى المساهمات الاجتماعية باعتبارها تكلفة فقط، وإنما باعتبارها مقابلًا لحماية اجتماعية حقيقية.

 

قانون المالية لسنة 2027.. إطار جديد لإدماج الاقتصاد الموازي

 

وفي هذا السياق، يكتسب قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، لأنه يمكن أن يوفر إطارًا جديدًا للتعامل مع ملف الاقتصاد الموازي، والمطلوب هو اعتماد مقاربة تقوم على توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي بدل زيادة الضغط على المؤسسات الموجودة أصلًا داخله. فكلما ارتفع عدد الأنشطة والمؤسسات المنظمة، أمكن توسيع قاعدة المساهمين وتوزيع العبء بصورة أكثر عدالة، بدل الاعتماد بصورة متزايدة على نفس المؤسسات والمكلفين.

كما أن الحوافز يمكن أن تكون أكثر فاعلية من الردع في إدماج الأنشطة الصغيرة، فإقرار إجراءات مبسطة وفترة انتقالية ونظام جبائي واضح وربط الوضعية القانونية بإمكانية الحصول على التمويل والخدمات والحماية الاجتماعية يمكن أن يجعل الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية.

وفي المقابل، فإن الأنشطة المرتبطة بالتهريب والتهرب المنظم والمخالفات الاقتصادية الخطيرة تحتاج إلى رقابة أكثر صرامة، وهو ما يفرض التمييز بين النشاط الصغير القابل للإدماج والأنشطة التي تقوم على مخالفة القانون بشكل متعمد ومنظم.

 

عملية إدماج الاقتصاد الموازي ضمن المنظومة القانونية تساعد في رفع الإنتاجية

 

والنتيجة الأهم التي يمكن أن تحققها عملية الإدماج هي رفع الإنتاجية، فالنشاط المنظم تكون أمامه فرص أكبر للوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والتكوين والأسواق، كما يصبح قادرًا على التعامل مع مؤسسات أخرى والانضمام إلى سلاسل الإنتاج والتوزيع. وبذلك يمكن أن يتحول نشاط محدود إلى مؤسسة قابلة للنمو وخلق القيمة المضافة ومواطن الشغل. وهذا مكسب اقتصادي يتجاوز بكثير حجم الضرائب التي يمكن تحصيلها في المدى القصير.

ومن هذه الزاوية، فإن توسيع القاعدة الجبائية يجب أن يكون نتيجة لتوسيع الاقتصاد المنتج، فزيادة عدد المؤسسات المنظمة واتساع حجم المعاملات والاستثمار والتشغيل ستؤدي تدريجيًا إلى توسيع الموارد الجبائية، أما التركيز على رفع الإيرادات من خلال زيادة الضغط على القاعدة الحالية، دون توسيعها، فقد يحد من قدرة المؤسسات على الاستثمار ويزيد من كلفة النشاط الرسمي.

لذلك يمكن أن يقوم توجه قانون المالية لسنة 2027 على مجموعة من الأولويات الواضحة مثل: تبسيط إجراءات التسجيل، اعتماد نظام جبائي يتناسب مع حجم النشاط، تسهيل الوصول إلى التمويل، توسيع الحماية الاجتماعية، تسريع الرقمنة وتحسين شروط المنافسة، والأهم من ذلك هو ربط كل هذه الإجراءات بهدف اقتصادي واضح، وهو تحويل الأنشطة غير المنظمة إلى مؤسسات أكثر إنتاجية وقابلية للنمو.

 

إدماج الاقتصاد الموازي فرصة لتوسيع الاقتصاد الوطني

 

إن إدماج الاقتصاد الموازي في تونس يجب أن ينظر إليه باعتباره فرصة لتوسيع الاقتصاد الوطني وليس مجرد حملة لتوسيع الجباية. فكل نشاط ينتقل إلى الاقتصاد الرسمي يمكن أن يتحول إلى مؤسسة قابلة للتمويل، وكل مؤسسة تتوسع يمكن أن تخلق مواطن شغل جديدة، وكل استثمار جديد يمكن أن يرفع الإنتاج والقيمة المضافة.

إن الرهان الحقيقي أمام قانون المالية 2027 لا يتمثل فقط في معرفة حجم الموارد التي يمكن استخلاصها من الاقتصاد الموازي، وإنما في معرفة كيف يمكن تحويل هذه الكتلة الاقتصادية إلى قوة إنتاج واستثمار وتشغيل داخل الاقتصاد الرسمي. فإذا نجحت الدولة في جعل التنظيم أقل كلفة وأكثر فائدة، فإن الانتقال من الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد المنظم سيصبح خيارًا اقتصاديًا منطقيًا بالنسبة إلى الناشط، ومكسبًا للدولة والمؤسسات والاقتصاد الوطني في آن واحد.

جهاد الكلبوسي

 

 

إدماج الاقتصاد الموازي..   رهان قانون المالية لسنة 2027 لتوسيع الاقتصاد الرسمي ودعم النمو   

 

تونس – الصباح

يمثل إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة أحد الملفات الاقتصادية المهمة التي تفرض نفسها في تونس، خاصة مع إعداد قانون المالية لسنة 2027، ولا يتعلق الأمر فقط بالبحث عن موارد جبائية إضافية، وإنما برهان اقتصادي أوسع يتمثل في توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي وتحسين شروط المنافسة ودعم المؤسسات الصغرى وتسهيل النفاذ إلى التمويل وتحويل عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية إلى أنشطة أكثر إنتاجية وتنظيمًا.

 

ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع حجم الأنشطة التي تتم خارج الأطر المنظمة، سواء في التجارة أو الخدمات أو الحرف أو بعض الأنشطة الفردية، وتشير تقديرات ومعطيات متداولة إلى وجود كتلة مهمة من الناشطين الاقتصاديين خارج الاقتصاد الرسمي.

وبصرف النظر عن اختلاف التقديرات من مصدر إلى آخر ومنهجية القياس، فإن المؤكد هو أن الاقتصاد الموازي يمثل جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي وسوق الشغل في تونس، وهو ما يجعل التعامل معه ضرورة اقتصادية وليس مجرد خيار جبائي.

المقاربة الأكثر فاعلية تقتضي أولًا تغيير زاوية النظر إلى الاقتصاد الموازي، فهذا القطاع لا يتكون فقط من أنشطة مخالفة للقانون، وإنما يضم أيضًا آلاف الأنشطة الصغيرة التي توفر دخلًا وتشغيلًا وتلبي حاجيات السوق، لكنها لم تدخل بشكل كامل إلى المنظومة الرسمية، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إخراج هذه الأنشطة من القطاع غير المنظم، بل في توفير الظروف التي تجعل انتقالها إلى الاقتصاد الرسمي مفيدًا وممكنًا.

ومن هذه الزاوية، فإن إدماج الاقتصاد الموازي يجب ألا يتحول إلى عملية هدفها الأساسي توسيع الوعاء الجبائي، فالضغط على الأنشطة الصغيرة لإدخالها إلى المنظومة الرسمية دون معالجة أسباب بقائها خارجها قد لا يؤدي إلى النتائج المطلوبة، أما إذا ارتبط الإدماج بتسهيل الإجراءات وتحسين الوصول إلى التمويل، وتوفير الحماية الاجتماعية وفتح فرص جديدة للتعامل مع المؤسسات والأسواق، فإن الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي يصبح له فوائد مباشرة بالنسبة إلى صاحب النشاط والدولة في الوقت نفسه.

 

تسهيل الإجراءات لتعزيز الإدماج الاقتصادي

 

وتحتل المؤسسات الصغرى والأنشطة الفردية موقعًا أساسيًا في هذه المعادلة، فصاحب مشروع صغير لا يملك الإمكانيات نفسها التي تتوفر للمؤسسات الكبرى، ولا يستطيع تحمل إجراءات إدارية معقدة أو تكاليف امتثال مرتفعة، ولذلك فإن نجاح سياسة الإدماج يتطلب نظامًا مبسطًا يتناسب مع حجم النشاط ويتيح لصاحبه الانتقال تدريجيًا إلى الاقتصاد المنظم دون أن يتحول ذلك إلى عبء يهدد استمرارية مشروعه.

ويكتسي التمويل أهمية خاصة في هذا المسار، فالنشاط غير المنظم يجد صعوبة في الوصول إلى القروض والخدمات البنكية بسبب غياب البيانات المالية المنتظمة وصعوبة تقييم رقم معاملاته وقدرته على السداد. وعندما يدخل النشاط إلى المنظومة الرسمية يصبح بإمكانه بناء سجل مالي وتجاري واضح، وهو ما يمكن أن يحسن فرصه في الحصول على التمويل، لذلك فإن إدماج الاقتصاد الموازي يجب أن يكون مرتبطًا بسياسة تمويل حقيقية للمؤسسات الصغرى تمكنها من اقتناء المعدات وتطوير الإنتاج، واعتماد التكنولوجيا وتوسيع نشاطها.

 

تحسين شروط المنافسة داخل السوق

 

كما أن الإدماج يمكن أن يساهم في تحسين شروط المنافسة داخل السوق. فالمؤسسات المنظمة تتحمل أعباء جبائية واجتماعية وإدارية لا يتحملها النشاط غير المنظم بالدرجة نفسها، وهو ما يؤدي إلى تفاوت في كلفة ممارسة النشاط، وهذه الوضعية يمكن أن تضعف قدرة المؤسسات الملتزمة بالقانون على الاستثمار والتوسع. ومن ثم، فإن توسيع الاقتصاد الرسمي يساعد تدريجيًا على إقامة منافسة أكثر عدالة، تكون فيها الإنتاجية والجودة والكفاءة عناصر أساسية للمنافسة، وليس اختلاف درجة الالتزام بالقواعد القانونية.

وتبرز الرقمنة بدورها كأداة مهمة لتسهيل عملية الإدماج، فكلما أصبحت إجراءات التسجيل والتصريح والدفع والحصول على الوثائق أكثر سرعة وبساطة، انخفضت كلفة الدخول إلى الاقتصاد الرسمي. ويمكن للدفع الإلكتروني و"الفوترة" الرقمية والتصريح عن بعد وربط البيانات بين الإدارات أن تقلل من الإجراءات وتحد من التعامل النقدي، لكن نجاح هذه الأدوات يبقى مرتبطًا بمدى سهولة استعمالها بالنسبة إلى أصحاب الأنشطة الصغيرة، فالرقمنة يجب أن تكون وسيلة لتبسيط العلاقة بين الإدارة والناشط الاقتصادي، وليس مجرد وسيلة إضافية للمراقبة.

ولا يمكن فصل إدماج الاقتصاد الموازي عن مسألة التشغيل والحماية الاجتماعية، فالعامل الذي ينشط خارج المنظومة الرسمية يواجه مخاطر اقتصادية واجتماعية أكبر، كما أن صاحب النشاط نفسه يفتقر إلى عدد من الآليات التي يوفرها الاقتصاد المنظم. ولذلك فإن الانتقال إلى القطاع الرسمي يجب أن يمنح العامل وصاحب النشاط فوائد واضحة، من بينها التغطية الاجتماعية والتقاعد والحماية المرتبطة بالعمل، حتى لا ينظر إلى المساهمات الاجتماعية باعتبارها تكلفة فقط، وإنما باعتبارها مقابلًا لحماية اجتماعية حقيقية.

 

قانون المالية لسنة 2027.. إطار جديد لإدماج الاقتصاد الموازي

 

وفي هذا السياق، يكتسب قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، لأنه يمكن أن يوفر إطارًا جديدًا للتعامل مع ملف الاقتصاد الموازي، والمطلوب هو اعتماد مقاربة تقوم على توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي بدل زيادة الضغط على المؤسسات الموجودة أصلًا داخله. فكلما ارتفع عدد الأنشطة والمؤسسات المنظمة، أمكن توسيع قاعدة المساهمين وتوزيع العبء بصورة أكثر عدالة، بدل الاعتماد بصورة متزايدة على نفس المؤسسات والمكلفين.

كما أن الحوافز يمكن أن تكون أكثر فاعلية من الردع في إدماج الأنشطة الصغيرة، فإقرار إجراءات مبسطة وفترة انتقالية ونظام جبائي واضح وربط الوضعية القانونية بإمكانية الحصول على التمويل والخدمات والحماية الاجتماعية يمكن أن يجعل الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية.

وفي المقابل، فإن الأنشطة المرتبطة بالتهريب والتهرب المنظم والمخالفات الاقتصادية الخطيرة تحتاج إلى رقابة أكثر صرامة، وهو ما يفرض التمييز بين النشاط الصغير القابل للإدماج والأنشطة التي تقوم على مخالفة القانون بشكل متعمد ومنظم.

 

عملية إدماج الاقتصاد الموازي ضمن المنظومة القانونية تساعد في رفع الإنتاجية

 

والنتيجة الأهم التي يمكن أن تحققها عملية الإدماج هي رفع الإنتاجية، فالنشاط المنظم تكون أمامه فرص أكبر للوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والتكوين والأسواق، كما يصبح قادرًا على التعامل مع مؤسسات أخرى والانضمام إلى سلاسل الإنتاج والتوزيع. وبذلك يمكن أن يتحول نشاط محدود إلى مؤسسة قابلة للنمو وخلق القيمة المضافة ومواطن الشغل. وهذا مكسب اقتصادي يتجاوز بكثير حجم الضرائب التي يمكن تحصيلها في المدى القصير.

ومن هذه الزاوية، فإن توسيع القاعدة الجبائية يجب أن يكون نتيجة لتوسيع الاقتصاد المنتج، فزيادة عدد المؤسسات المنظمة واتساع حجم المعاملات والاستثمار والتشغيل ستؤدي تدريجيًا إلى توسيع الموارد الجبائية، أما التركيز على رفع الإيرادات من خلال زيادة الضغط على القاعدة الحالية، دون توسيعها، فقد يحد من قدرة المؤسسات على الاستثمار ويزيد من كلفة النشاط الرسمي.

لذلك يمكن أن يقوم توجه قانون المالية لسنة 2027 على مجموعة من الأولويات الواضحة مثل: تبسيط إجراءات التسجيل، اعتماد نظام جبائي يتناسب مع حجم النشاط، تسهيل الوصول إلى التمويل، توسيع الحماية الاجتماعية، تسريع الرقمنة وتحسين شروط المنافسة، والأهم من ذلك هو ربط كل هذه الإجراءات بهدف اقتصادي واضح، وهو تحويل الأنشطة غير المنظمة إلى مؤسسات أكثر إنتاجية وقابلية للنمو.

 

إدماج الاقتصاد الموازي فرصة لتوسيع الاقتصاد الوطني

 

إن إدماج الاقتصاد الموازي في تونس يجب أن ينظر إليه باعتباره فرصة لتوسيع الاقتصاد الوطني وليس مجرد حملة لتوسيع الجباية. فكل نشاط ينتقل إلى الاقتصاد الرسمي يمكن أن يتحول إلى مؤسسة قابلة للتمويل، وكل مؤسسة تتوسع يمكن أن تخلق مواطن شغل جديدة، وكل استثمار جديد يمكن أن يرفع الإنتاج والقيمة المضافة.

إن الرهان الحقيقي أمام قانون المالية 2027 لا يتمثل فقط في معرفة حجم الموارد التي يمكن استخلاصها من الاقتصاد الموازي، وإنما في معرفة كيف يمكن تحويل هذه الكتلة الاقتصادية إلى قوة إنتاج واستثمار وتشغيل داخل الاقتصاد الرسمي. فإذا نجحت الدولة في جعل التنظيم أقل كلفة وأكثر فائدة، فإن الانتقال من الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد المنظم سيصبح خيارًا اقتصاديًا منطقيًا بالنسبة إلى الناشط، ومكسبًا للدولة والمؤسسات والاقتصاد الوطني في آن واحد.

جهاد الكلبوسي