إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  إلغاء مفاجئ لعروض.. وحضور يفوق أحيانا طاقة الاستيعاب.. وفوضى تتكرر في التنظيم..  من يملك سلطة القرار في المهرجانات التونسية؟

 

إذا أصبحت البرمجة تقاس أساسا بقدرة الفنان على بيع التذاكر وبعدد الجماهير والعائدات، فأي مكانة للثقافة والفنون في كل هذا؟

كيف تتم برمجة المهرجانات وهل توجد بالفعل دراسات جدوى تسبق اختيار فنان معين؟

تونس - الصباح

لم تعد الإشكاليات التي تطرحها المهرجانات التونسية في موسمها الصيفي مرتبطة فقط بنوعية الفنانين الذين تتم برمجتهم أو بمدى نجاح العروض فنيا وجماهيريا، وإنما بدأت تتجه أكثر فأكثر نحو سؤال جوهري يتعلق بكيفية صناعة القرار داخل هذه التظاهرات: من يختار الفنانين؟ وفق أي معايير تتم البرمجة؟ وهل تستند الاختيارات إلى معطيات ودراسات فعلية حول الجمهور المنتظر وطاقة استيعاب الفضاءات والمردودية الاقتصادية والتنظيمية؟ ومن يتحمل مسؤولية الاخلالات عندما يتجاوز الإقبال الجماهيري قدرة المسرح أو عندما تتحول البرمجة المعلنة إلى عرض قابل للإلغاء؟ ثم، في مستوى أكثر حساسية، من يملك القرار النهائي في المهرجان عندما تتقاطع مسؤوليات الهيئة المنظمة مع مصالح المتعهدين؟

إيمان عبد اللطيف

أسئلة عادت بقوة إلى الواجهة هذه الأيام انطلاقا من واقعتين تبدوان مختلفتين في تفاصيلهما، لكنهما تلتقيان في كشفهما هشاشة بعض حلقات إدارة المهرجانات: الأولى مع سهرة الفنان آدم في مهرجان الحمامات الدولي ليلة 11 أوت الجاري وما رافقها من إقبال جماهيري كبير فاق طاقة استيعاب مسرح الهواء الطلق القصوى، والثانية مع إلغاء عرض الفنانة أمينة فاخت ضمن مهرجان صفاقس الدولي بعد أن أعلم متعهد الحفل إدارة المهرجان بإلغاء العرض المبرمج يوم 13 أوت الجاري والموافق للاحتفال بعيد المرأة التونسية.

ففي الحمامات، كان المشهد مناقضا تماما للصورة التي كثيرا ما تشكو منها المهرجانات من عزوف الجمهور، إذ تحولت السهرة إلى موعد جماهيري استقطب أعدادا كبيرة وهائلة، لكن النجاح الجماهيري نفسه كشف جانبا آخر من المشكلة، عندما يصبح عدد الراغبين في حضور الحفل أكبر من قدرة الفضاء على استيعابهم، وما ينجر عن ذلك من طوابير طويلة واكتظاظ وصعوبة في الحركة ومشاكل في الجلوس وانتقادات مرتبطة بتنظيم الدخول والتذاكر، فضلا عن الحديث عن إعادة بيع بعض التذاكر بأسعار مرتفعة. وهنا لا يعود السؤال: لماذا حضر الجمهور؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل كان من الممكن توقع هذا الحجم من الإقبال؟ وهل تدخل طاقة استيعاب المسرح ضمن عناصر القرار عند برمجة فنان جماهيري؟ فحين تختار إدارة مهرجان اسما معروفا بقدرته على استقطاب أعداد كبيرة، يفترض أن تكون نجومية الفنان نقطة ضمن منظومة أوسع من الحسابات، لا معيارا وحيدا للقرار. إذ ينبغي أن تسبق البرمجة، نظريا على الأقل، قراءة لحجم الجمهور المحتمل، والاستناد إلى أرقام الحضور في الدورات السابقة، ومعرفة طبيعة جمهور الفنان، ومقارنة هذه المعطيات بطاقة استيعاب الفضاء وإمكاناته التنظيمية والأمنية، إلى جانب تقدير حجم الطلب على التذاكر وكيفية التحكم في عملية البيع والدخول والخروج، ومن هذا المنطلق تضع هيئة المهرجان نفسها في حالة تأهب قصوى لإدارة تدفق الجمهور ومنع تجاوزات التسرب بطرق معروفة لدى القاصي والداني. ومن هنا تبرز الإشكالية الأولى: كيف تتم برمجة المهرجانات التونسية؟ هل توجد بالفعل دراسات جدوى تسبق اختيار فنان معين؟ وهل تملك الهيئات المنظمة معطيات دقيقة تساعدها على معرفة ما إذا كان مسرح معين قادرا على استيعاب جمهور فنان بعينه؟ أم أن البرمجة لا تزال، في بعض الحالات، تتحرك أساسا وفق شهرة الاسم وقدرته المتوقعة على بيع التذاكر؟

لا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة النجاح الجماهيري، بل على العكس، فالجمهور الكبير هو الهدف الطبيعي لأي مهرجان، لكن النجاح يتحول إلى مفارقة عندما يصبح حجم الإقبال نفسه سببا في اضطراب التنظيم.

 

فالجمهور لا ينبغي أن يكون رقما يظهر بعد انتهاء السهرة في حصيلة الحضور، وإنما يجب أن يكون عنصرا أساسيا في القرار البرمجي منذ لحظة اختيار الفنان والفضاء وفتح باب بيع التذاكر. ومن هذه الزاوية، فإن ما حدث في الحمامات يعيد طرح العلاقة بين نجومية الفنان، وحجم الإقبال المتوقع، وطاقة المسرح الاستيعابية والقدرة على التحكم في تدفق الجمهور بطريقة قانونية لا تشوبها شائبة، وهي علاقة يفترض أن تكون في صلب التخطيط لأي مهرجان يريد أن يقدم نفسه باعتباره مؤسسة ثقافية قادرة على إدارة عروض جماهيرية كبرى.

وإذا كانت الواقعة الأولى تطرح سؤال التخطيط والقدرة على الاستيعاب، فإن واقعة صفاقس تنقل النقاش إلى مستوى آخر وأكثر حساسية: من يتحكم في القرار؟ فقد أعلنت هيئة مهرجان صفاقس الدولي، في بلاغ رسمي، أن متعهد الفنانة أمينة فاخت أعلم إدارة المهرجان بإلغاء العرض المبرمج بتاريخ 13 أوت، وذلك استنادا إلى طلب رسمي مقدم إلى إدارة المهرجان بتاريخ 8 أوت 2026، مؤكدة في المقابل أن الإلغاء تم رغم إيفائها بتعهداتها وبكافة التزاماتها التنظيمية واللوجستية والإدارية والإشهارية، وحرصها على توفير جميع الظروف والإمكانيات اللازمة لإقامة الحفل في موعده وإنجاحه.

وبصرف النظر عن الأسباب التعاقدية أو الفنية التي تقف وراء هذا الإلغاء، فإن الواقعة تفتح سؤالا ضروريا حول حدود سلطة المتعهد داخل المهرجان: هل هو مجرد شريك في تنظيم العرض والتفاوض بشأنه، أم أن بإمكانه في مرحلة معينة أن يصبح صاحب القرار الفعلي في مصير عرض مبرمج ومعلن للجمهور؟ وما طبيعة العلاقة التعاقدية التي تربط المتعهد بالهيئة المنظمة؟ وما هي الشروط التي تسمح بالإلغاء؟ ومن يتحمل تبعاته؟ وأين تبدأ مسؤولية المتعهد وأين تنتهي مسؤولية إدارة المهرجان؟

لا شك أن صناعة الحفلات أصبحت ترتكز بدرجة كبيرة على المتعهدين، وأن هؤلاء يمثلون طرفا أساسيا في التفاوض مع الفنانين وفي توفير العروض، لكن الشراكة التجارية لا يفترض أن تعني بالضرورة انتقال القرار الثقافي والتنظيمي من الهيئة المنظمة إلى طرف آخر. فالمهرجان الذي يعلن عن برنامج محدد يوجه رسالة واضحة إلى الجمهور، ويصبح هذا الإعلان في حد ذاته نوعا من الالتزام تجاه من اقتنى تذكرة أو اختار موعدا أو خطط لحضور عرض بعينه، وخاصة إذا ما ارتبط بمناسبة وطنية. ومن هنا يبرز السؤال الثالث: هل البرمجة التزام أم احتمال؟ ماذا يعني أن يعلن مهرجان عن فنان وموعد محدد، ثم يصبح العرض قابلا للإلغاء قبل أيام قليلة من موعده؟ وهل تملك الهيئات المنظمة الآليات التي تمكنها من حماية برمجتها وعلاقتها بالجمهور؟ أم أن الجمهور يظل في نهاية المطاف الحلقة الأضعف، فلا يعرف حقيقة ما يجري إلا بعد صدور قرار الإلغاء؟

إن المسألة لا تتعلق فقط بعرض أمينة فاخت أو بسهرة آدم، وإنما بما تكشفه الواقعتان عن جدية المهرجانات كمنظومة مؤسساتية. فهل نحن أمام تظاهرات لها رؤية واضحة، وبرامج مدروسة، وعقود دقيقة، ومسؤوليات محددة، أم أمام برمجة تظل عرضة لتغيرات اللحظة وللحسابات التجارية ولقرارات أطراف متعددة قد لا تكون صلاحياتها واضحة للجمهور؟ وهنا يطرح السؤال الثقافي نفسه بقوة: إذا أصبحت البرمجة تقاس أساسا بقدرة الفنان على بيع التذاكر، وأصبح نجاح المهرجان يقاس بعدد الجماهير والعائدات، وأصبحت الاعتبارات التجارية قادرة على التأثير في مصير العروض، فأي مكانة للثقافة والفنون في كل هذا؟ فالمسألة لا تعني أن الثقافة والفنون فقدت قيمتها في المطلق، وإنما أن طريقة إدارة بعض التظاهرات قد توحي بأنه لم يعد للثقافة والفنون أي قيمة عندما تختزل وظيفة المهرجان في استقطاب النجوم وملء المقاعد وتحقيق المردودية، بينما تتراجع الرؤية الثقافية والاختيارات الفنية إلى الصفوف الخلفية.

فالمهرجان، مهما كان جماهيريا، لا يفترض أن يكون مجرد سوق مفتوحة للحفلات، لأن قيمته لا تتحدد فقط بحجم الجمهور الذي يدخل المسرح، وإنما أيضا بما يضيفه إلى المشهد الثقافي والفني، وبنوعية الاختيارات التي يقدمها، وبقدرته على بناء علاقة مستدامة مع الجمهور لا تقوم فقط على أسماء النجوم. ولعل الحاجة اليوم ليست إلى مهاجمة المتعهدين أو تحميل إدارات المهرجانات وحدها مسؤولية كل ما يحدث، وإنما إلى إعادة ترتيب العلاقة بين جميع المتدخلين على أساس أكثر وضوحا، بما يجعل البرمجة عملية مؤسساتية تستند إلى معايير معلنة، من بينها حجم الجمهور المتوقع، وطاقة الفضاء، وكلفة العرض، والمردودية المنتظرة، وشروط السلامة، وطبيعة الجمهور، والتوازن بين البعد التجاري والبعد الثقافي.

   إلغاء مفاجئ لعروض.. وحضور يفوق أحيانا طاقة الاستيعاب.. وفوضى تتكرر في التنظيم..   من يملك سلطة القرار في المهرجانات التونسية؟

 

إذا أصبحت البرمجة تقاس أساسا بقدرة الفنان على بيع التذاكر وبعدد الجماهير والعائدات، فأي مكانة للثقافة والفنون في كل هذا؟

كيف تتم برمجة المهرجانات وهل توجد بالفعل دراسات جدوى تسبق اختيار فنان معين؟

تونس - الصباح

لم تعد الإشكاليات التي تطرحها المهرجانات التونسية في موسمها الصيفي مرتبطة فقط بنوعية الفنانين الذين تتم برمجتهم أو بمدى نجاح العروض فنيا وجماهيريا، وإنما بدأت تتجه أكثر فأكثر نحو سؤال جوهري يتعلق بكيفية صناعة القرار داخل هذه التظاهرات: من يختار الفنانين؟ وفق أي معايير تتم البرمجة؟ وهل تستند الاختيارات إلى معطيات ودراسات فعلية حول الجمهور المنتظر وطاقة استيعاب الفضاءات والمردودية الاقتصادية والتنظيمية؟ ومن يتحمل مسؤولية الاخلالات عندما يتجاوز الإقبال الجماهيري قدرة المسرح أو عندما تتحول البرمجة المعلنة إلى عرض قابل للإلغاء؟ ثم، في مستوى أكثر حساسية، من يملك القرار النهائي في المهرجان عندما تتقاطع مسؤوليات الهيئة المنظمة مع مصالح المتعهدين؟

إيمان عبد اللطيف

أسئلة عادت بقوة إلى الواجهة هذه الأيام انطلاقا من واقعتين تبدوان مختلفتين في تفاصيلهما، لكنهما تلتقيان في كشفهما هشاشة بعض حلقات إدارة المهرجانات: الأولى مع سهرة الفنان آدم في مهرجان الحمامات الدولي ليلة 11 أوت الجاري وما رافقها من إقبال جماهيري كبير فاق طاقة استيعاب مسرح الهواء الطلق القصوى، والثانية مع إلغاء عرض الفنانة أمينة فاخت ضمن مهرجان صفاقس الدولي بعد أن أعلم متعهد الحفل إدارة المهرجان بإلغاء العرض المبرمج يوم 13 أوت الجاري والموافق للاحتفال بعيد المرأة التونسية.

ففي الحمامات، كان المشهد مناقضا تماما للصورة التي كثيرا ما تشكو منها المهرجانات من عزوف الجمهور، إذ تحولت السهرة إلى موعد جماهيري استقطب أعدادا كبيرة وهائلة، لكن النجاح الجماهيري نفسه كشف جانبا آخر من المشكلة، عندما يصبح عدد الراغبين في حضور الحفل أكبر من قدرة الفضاء على استيعابهم، وما ينجر عن ذلك من طوابير طويلة واكتظاظ وصعوبة في الحركة ومشاكل في الجلوس وانتقادات مرتبطة بتنظيم الدخول والتذاكر، فضلا عن الحديث عن إعادة بيع بعض التذاكر بأسعار مرتفعة. وهنا لا يعود السؤال: لماذا حضر الجمهور؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل كان من الممكن توقع هذا الحجم من الإقبال؟ وهل تدخل طاقة استيعاب المسرح ضمن عناصر القرار عند برمجة فنان جماهيري؟ فحين تختار إدارة مهرجان اسما معروفا بقدرته على استقطاب أعداد كبيرة، يفترض أن تكون نجومية الفنان نقطة ضمن منظومة أوسع من الحسابات، لا معيارا وحيدا للقرار. إذ ينبغي أن تسبق البرمجة، نظريا على الأقل، قراءة لحجم الجمهور المحتمل، والاستناد إلى أرقام الحضور في الدورات السابقة، ومعرفة طبيعة جمهور الفنان، ومقارنة هذه المعطيات بطاقة استيعاب الفضاء وإمكاناته التنظيمية والأمنية، إلى جانب تقدير حجم الطلب على التذاكر وكيفية التحكم في عملية البيع والدخول والخروج، ومن هذا المنطلق تضع هيئة المهرجان نفسها في حالة تأهب قصوى لإدارة تدفق الجمهور ومنع تجاوزات التسرب بطرق معروفة لدى القاصي والداني. ومن هنا تبرز الإشكالية الأولى: كيف تتم برمجة المهرجانات التونسية؟ هل توجد بالفعل دراسات جدوى تسبق اختيار فنان معين؟ وهل تملك الهيئات المنظمة معطيات دقيقة تساعدها على معرفة ما إذا كان مسرح معين قادرا على استيعاب جمهور فنان بعينه؟ أم أن البرمجة لا تزال، في بعض الحالات، تتحرك أساسا وفق شهرة الاسم وقدرته المتوقعة على بيع التذاكر؟

لا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة النجاح الجماهيري، بل على العكس، فالجمهور الكبير هو الهدف الطبيعي لأي مهرجان، لكن النجاح يتحول إلى مفارقة عندما يصبح حجم الإقبال نفسه سببا في اضطراب التنظيم.

 

فالجمهور لا ينبغي أن يكون رقما يظهر بعد انتهاء السهرة في حصيلة الحضور، وإنما يجب أن يكون عنصرا أساسيا في القرار البرمجي منذ لحظة اختيار الفنان والفضاء وفتح باب بيع التذاكر. ومن هذه الزاوية، فإن ما حدث في الحمامات يعيد طرح العلاقة بين نجومية الفنان، وحجم الإقبال المتوقع، وطاقة المسرح الاستيعابية والقدرة على التحكم في تدفق الجمهور بطريقة قانونية لا تشوبها شائبة، وهي علاقة يفترض أن تكون في صلب التخطيط لأي مهرجان يريد أن يقدم نفسه باعتباره مؤسسة ثقافية قادرة على إدارة عروض جماهيرية كبرى.

وإذا كانت الواقعة الأولى تطرح سؤال التخطيط والقدرة على الاستيعاب، فإن واقعة صفاقس تنقل النقاش إلى مستوى آخر وأكثر حساسية: من يتحكم في القرار؟ فقد أعلنت هيئة مهرجان صفاقس الدولي، في بلاغ رسمي، أن متعهد الفنانة أمينة فاخت أعلم إدارة المهرجان بإلغاء العرض المبرمج بتاريخ 13 أوت، وذلك استنادا إلى طلب رسمي مقدم إلى إدارة المهرجان بتاريخ 8 أوت 2026، مؤكدة في المقابل أن الإلغاء تم رغم إيفائها بتعهداتها وبكافة التزاماتها التنظيمية واللوجستية والإدارية والإشهارية، وحرصها على توفير جميع الظروف والإمكانيات اللازمة لإقامة الحفل في موعده وإنجاحه.

وبصرف النظر عن الأسباب التعاقدية أو الفنية التي تقف وراء هذا الإلغاء، فإن الواقعة تفتح سؤالا ضروريا حول حدود سلطة المتعهد داخل المهرجان: هل هو مجرد شريك في تنظيم العرض والتفاوض بشأنه، أم أن بإمكانه في مرحلة معينة أن يصبح صاحب القرار الفعلي في مصير عرض مبرمج ومعلن للجمهور؟ وما طبيعة العلاقة التعاقدية التي تربط المتعهد بالهيئة المنظمة؟ وما هي الشروط التي تسمح بالإلغاء؟ ومن يتحمل تبعاته؟ وأين تبدأ مسؤولية المتعهد وأين تنتهي مسؤولية إدارة المهرجان؟

لا شك أن صناعة الحفلات أصبحت ترتكز بدرجة كبيرة على المتعهدين، وأن هؤلاء يمثلون طرفا أساسيا في التفاوض مع الفنانين وفي توفير العروض، لكن الشراكة التجارية لا يفترض أن تعني بالضرورة انتقال القرار الثقافي والتنظيمي من الهيئة المنظمة إلى طرف آخر. فالمهرجان الذي يعلن عن برنامج محدد يوجه رسالة واضحة إلى الجمهور، ويصبح هذا الإعلان في حد ذاته نوعا من الالتزام تجاه من اقتنى تذكرة أو اختار موعدا أو خطط لحضور عرض بعينه، وخاصة إذا ما ارتبط بمناسبة وطنية. ومن هنا يبرز السؤال الثالث: هل البرمجة التزام أم احتمال؟ ماذا يعني أن يعلن مهرجان عن فنان وموعد محدد، ثم يصبح العرض قابلا للإلغاء قبل أيام قليلة من موعده؟ وهل تملك الهيئات المنظمة الآليات التي تمكنها من حماية برمجتها وعلاقتها بالجمهور؟ أم أن الجمهور يظل في نهاية المطاف الحلقة الأضعف، فلا يعرف حقيقة ما يجري إلا بعد صدور قرار الإلغاء؟

إن المسألة لا تتعلق فقط بعرض أمينة فاخت أو بسهرة آدم، وإنما بما تكشفه الواقعتان عن جدية المهرجانات كمنظومة مؤسساتية. فهل نحن أمام تظاهرات لها رؤية واضحة، وبرامج مدروسة، وعقود دقيقة، ومسؤوليات محددة، أم أمام برمجة تظل عرضة لتغيرات اللحظة وللحسابات التجارية ولقرارات أطراف متعددة قد لا تكون صلاحياتها واضحة للجمهور؟ وهنا يطرح السؤال الثقافي نفسه بقوة: إذا أصبحت البرمجة تقاس أساسا بقدرة الفنان على بيع التذاكر، وأصبح نجاح المهرجان يقاس بعدد الجماهير والعائدات، وأصبحت الاعتبارات التجارية قادرة على التأثير في مصير العروض، فأي مكانة للثقافة والفنون في كل هذا؟ فالمسألة لا تعني أن الثقافة والفنون فقدت قيمتها في المطلق، وإنما أن طريقة إدارة بعض التظاهرات قد توحي بأنه لم يعد للثقافة والفنون أي قيمة عندما تختزل وظيفة المهرجان في استقطاب النجوم وملء المقاعد وتحقيق المردودية، بينما تتراجع الرؤية الثقافية والاختيارات الفنية إلى الصفوف الخلفية.

فالمهرجان، مهما كان جماهيريا، لا يفترض أن يكون مجرد سوق مفتوحة للحفلات، لأن قيمته لا تتحدد فقط بحجم الجمهور الذي يدخل المسرح، وإنما أيضا بما يضيفه إلى المشهد الثقافي والفني، وبنوعية الاختيارات التي يقدمها، وبقدرته على بناء علاقة مستدامة مع الجمهور لا تقوم فقط على أسماء النجوم. ولعل الحاجة اليوم ليست إلى مهاجمة المتعهدين أو تحميل إدارات المهرجانات وحدها مسؤولية كل ما يحدث، وإنما إلى إعادة ترتيب العلاقة بين جميع المتدخلين على أساس أكثر وضوحا، بما يجعل البرمجة عملية مؤسساتية تستند إلى معايير معلنة، من بينها حجم الجمهور المتوقع، وطاقة الفضاء، وكلفة العرض، والمردودية المنتظرة، وشروط السلامة، وطبيعة الجمهور، والتوازن بين البعد التجاري والبعد الثقافي.