في خطوة تتجاوز مجرد المعاينة الميدانية، تضع مجددا زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قابس ملفات البيئة والصحة والمؤسسات العمومية والمسؤولية الإدارية في صدارة النقاش الوطني. فمن شاطئ السلام، حيث عاين رئيس الدولة الوضع البيئي، إلى المستشفى الجامعي، ثم إلى الوادي الذي تراكمت فيه الفضلات لعقود، اختارت الزيارة أن تلامس الملفات على أرض الواقع، وأن تربط بين ما يعيشه المواطن يوميا وبين الخيارات والسياسات التي رافقت إدارة هذه الملفات على امتداد سنوات.
منال حرزي
وبهذا الطرح، تتحول قابس إلى عنوان لرهان كبير تقوده الدولة اليوم في أعلى هرمها، يتمثل في ضرورة استعادة زمام المبادرة في ملفات ظلت لسنوات عالقة بين التشخيص والوعود، والعمل على بناء مقاربة تجعل من حماية البيئة وتدعيم القطاع الصحي وإصلاح المؤسسات العمومية ومقاومة الفساد حلقات مترابطة ضمن مشروع واحد، عنوانه الأبرز إعادة الاعتبار للمرفق العمومي ولحق المواطن في العيش الكريم في محيط سليم.
في قابس، تتداخل البيئة مع السياسة، والصحة مع الاقتصاد، ومع وضع المؤسسات العمومية، وخاصة الخيارات التي رافقت إدارة الموارد الوطنية. لذلك بدت الزيارة، في جوهرها، محطة لتشخيص الواقع من جذوره في جملة من الملفات الحارقة. فحين يصرح رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن قابس لم تكن ضحية للتلوث البيئي فقط، وإنما أيضا لما وصفه بـ"التلوث السياسي"، فإنه يوسع دائرة النقاش إلى الأسباب التي أفضت إلى وضع بيئي كارثي استمر لسنوات طويلة، رغم جسامة تداعياته.
"التلوث السياسي"..
وهنا يعتبر اختيار رئيس الجمهورية عبارة "التلوث السياسي" إلى جانب التلوث البيئي بمثابة إشارة ضمنية إلى تراكم ممارسات سياسية وإدارية واقتصادية ساهمت في إبقاء بعض الملفات دون حل، أو سمحت باستثمار معاناة المواطنين في صراعات ومصالح ضيقة.
وفي هذا الإطار، جاء تأكيده أن الشعب يريد "تفكيك الفساد والمحاسبة العادلة"، بما يجعل الزيارة جزءا من رؤية سياسية تربط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بإعادة تعريف مفهوم المسؤولية.
وبالتالي، فإن تحميل المسؤولية لا يتوقف عند مرحلة اكتشاف الخلل، وإنما يمتد إلى تحديد من يتحمل مسؤولية عدم المعالجة، ومن قصر في أداء واجبه، ومن استفاد من بقاء دار لقمان على حالها.
قابس: قضية وطنية
أبرز ما حملته الزيارة هو إعادة تثبيت موقع قابس في صلب الأولويات الوطنية. فالتلوث في الجهة لم يعد، وفقا للمقاربة التي طرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، شأنا محليا يمكن اختزاله في مطالب الأهالي أو في معالجات ظرفية لبعض الوحدات الصناعية، وإنما أصبح قضية ترتبط بحق التونسيين في بيئة سليمة وبقدرة مؤسسات الدولة وهياكلها على حماية هذا الحق.
وهنا تكتسي عبارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن "قضية البيئة قضية وطنية" أهمية سياسية، بوصفها تنقل الملف من دائرة الاحتجاجات القطاعية والجهوية إلى دائرة المسؤولية الوطنية، حيث يرنو رئيس الدولة إلى إعادة بناء علاقة جديدة بين التنمية والبيئة، من خلال الموازنة بين المحافظة على النشاط الاقتصادي وضمان الحق في بيئة سليمة.
لا لسياسة التفويت
في حديثه عن المجمع الكيميائي، تعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى الخيارات الاقتصادية التي رافقت التعامل مع المؤسسات والمنشآت العمومية خلال السنوات الماضية. فقد شدد مرة أخرى على أن المؤسسات والمنشآت العمومية ليست للبيع أو للتفريط، مستنكرا في الإطار نفسه سياسة إضعاف المؤسسات ثم ترتيبها للتفويت فيها لاحقا بأثمان بخسة.
وهذه النقطة تحمل دلالات سياسية واقتصادية في الوقت نفسه، كونها تفتح مجددا النقاش حول وضعية القطاع العمومي وموقعه في الاقتصاد الوطني.
فالمطلوب اليوم، من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيّد، ليس فقط الحفاظ على المؤسسة باعتبارها ملكا عموميا، وإنما إصلاحها وتحديثها ورفع قدرتها على احترام المعايير البيئية، بما يؤشر إلى أن حماية المؤسسة العمومية لا تعني مطلقا الإبقاء عليها مهما بلغت درجة النقائص، وإنما إعادة تأهيلها حتى تكون قادرة على القيام بدورها الاقتصادي والاجتماعي دون تحميل المواطنين كلفة بيئية وصحية باهظة.
وفي هذا السياق، يتجلى تأكيد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الوحدات الملوثة لن يتم تشغيلها، مقابل الاقتصار على الوحدات التي تم إصلاحها، في إشارة إلى أن حماية البيئة لا تعني بالضرورة إلغاء النشاط الصناعي، وإنما إصلاحه وتطويره وربطه بشروط أكثر دقة وصرامة.
بين "زمن التشخيص" و"زمن العمل"
تعتبر عبارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن "التشخيص واضح، واليوم هو زمن العمل" من أكثر العبارات دلالة في الزيارة، باعتبار أن قابس ليست مجرد جهة تفتقر إلى الدراسات أو التقارير أو تشخيص مظاهر التلوث والنقائص في الخدمات، غير أن الإشكال الرئيسي يكمن في أهمية تحويل الإخلالات المرصودة إلى قرارات ومشاريع وإنجازات.
وفي هذا الاتجاه، يعكس انتقال رئيس الجمهورية قيس سعيّد بين أكثر من موقع ومعاينة الوضع البيئي والصحي والبنية التحتية توجها يقوم على اختبار الميدان بعيدا عن التقارير الإدارية المجردة.
وبالتالي، فإن زيارة قابس تمثل أيضا رسالة إلى الجهاز الإداري مفادها أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تنفيذ ومتابعة وتقييم، وأن المسؤولية لا تنتهي عند حدود إعداد الملفات أو عقد الاجتماعات.
من جهة أخرى، أضاف تنقل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى المستشفى الجامعي بقابس ومعاينة الاكتظاظ ونقص الإمكانيات بُعدا آخر للزيارة، يتمثل في الربط بين البيئة والصحة والخدمات العمومية المقدمة، باعتبار أن المواطن الذي يعيش في منطقة تعاني من ضغوطات بيئية يحتاج في المقابل إلى منظومة صحية قادرة على ملاءمة واقعها مع احتياجاته.
وهذه المعادلة تضع مجددا المستشفى العمومي في واجهة النقاش. فالحق في العلاج لا يمكن أن يكون مرتبطا بالموقع الجغرافي للمواطن أو بإمكانياته المالية، كما أن الجهات الداخلية والجنوبية لا يمكن أن تبقى في وضع يجعل سكانها مضطرين إلى البحث عن خدمات صحية أفضل خارج مناطقهم.
وهنا يستشف من تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد أن تحسين الوضع الصحي في قابس لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الاكتظاظ أو توفير تجهيزات إضافية، وإنما يقتضي الأمر استراتيجية شاملة تقوم على دعم المستشفى العمومي وتعزيز موارده البشرية والمادية، بما من شأنه تعزيز العدالة الاجتماعية وتدعيم مبدأ الصحة حق للجميع.
"حرب على كل الواجهات"
في مقر الولاية، صرح رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن تونس تخوض "حربا على كافة الواجهات"، رابطا ذلك بدرجة وعي الشعب التونسي. وهذه العبارة تخرج الزيارة من بعدها الجهوي إلى سياق سياسي وطني. ويستشف من هذا التصريح أن مسار الإصلاح لا يطال ملفا واحدا أو قطاعا واحدا، وإنما يشمل ملفات مترابطة: الفساد، والمؤسسات العمومية، والبيئة، والصحة، والإدارة، والملك العام.
في هذا الخضم، تجمع زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قابس بين أكثر من هدف وأكثر من رسالة: حماية البيئة، ورفض التفريط في المؤسسات العمومية، وتحسين الخدمات الصحية، وتنظيف الفضاء العام، ومكافحة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو الانتقال من مرحلة تشخيص العلل إلى مرحلة التعامل معها باعتبارها جملة من المسؤوليات التي يجب أن تجد طريقها إلى الحل والمعالجة الفورية.
ويعكس هذا التوجه، الذي أكد عليه رئيس الدولة، إرادة واضحة لإضفاء نسق جديد على العمل الميداني، قوامه سرعة الإنجاز، ومتابعة تنفيذ القرارات، وتحميل كل طرف مسؤولياته، بما يترجم الرؤية الإصلاحية إلى نتائج ملموسة. كما يرسخ هذا المسار أيضا توجها يقوم على تعزيز نجاعة مؤسسات الدولة وصون الملك العمومي، وضمان حق المواطنين في بيئة سليمة وخدمات عمومية ذات جودة، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة قوامها الإصلاح الفعلي والتنمية المستدامة.
استعادة الحق في بيئة سليمة
تتجلى زيارة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى قابس باعتبارها محطة تؤكد أن معالجة الملفات البيئية والاجتماعية والصحية لا يمكن أن تبقى رهينة التراكمات أو أن تقتصر على الحلول الظرفية، وإنما تقتضي رؤية متكاملة تضع الإصلاح الفعلي في صدارة الأولويات، وتربط بين حماية البيئة وتحسين الخدمات العمومية ودعم المؤسسات الوطنية وإرساء قواعد المسؤولية والمحاسبة. فالقضايا التي عاينها رئيس الدولة قيس سعيّد ميدانيا، من الوضع البيئي إلى ظروف المستشفى الجامعي والفضاءات التي تحتاج إلى التهيئة والتنظيف، تعكس في جانب منها حاجيات يومية للمواطن، لكنها في بعدها الشامل تمثل استحقاقات تتعلق بمدى قدرة الدولة على تجسيد خياراتها وتحويلها إلى واقع ملموس.
وفي هذا المسار، يكتسب تثمين رئيس الدولة قيس سعيّد للدور الذي لعبه أهالي قابس أهمية خاصة، باعتبار أن المواطن، وفقا لهذه المقاربة، يعتبر طرفا فاعلا في حماية المصلحة العامة والدفاع عن حق الجهة في بيئة سليمة وتنمية عادلة. وقد خصّ رئيس الجمهورية أهالي قابس بالتنويه لما أبدوه من وعي ومسؤولية في مواجهة محاولات استغلال معاناتهم، واعتبر أن ما قاموا به سيسجله التاريخ، بما يعكس تقديرا للدور الذي يمكن أن يضطلع به الوعي الشعبي في حماية مقدرات الدولة والتصدي لكل ما من شأنه المساس باستقرار البلاد أو مصالح المواطنين.
وهذا التثمين يحمل في طياته رسالة إيجابية مفادها أن صوت المواطن، حين يتحول إلى وعي ومسؤولية وتمسك بالمصلحة الوطنية، يصبح قوة دفع حقيقية لمسار الإصلاح. كما أن إشراك الأهالي في حماية محيطهم ومتابعة الملفات التي تمس حياتهم اليومية من شأنه أن يعزز العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الثقة والتعاون، ويجعل المواطن شريكا فعليا في صياغة الحلول.
فالدولة تراهن على وعي التونسيين وعلى قدرتهم على حماية الدولة ومقدراتها، في الوقت الذي تتحمل فيه مؤسساتها مسؤوليتها كاملة في الإصلاح والتنفيذ والمتابعة. وبين إرادة الدولة ووعي المواطن تتبلور اليوم مقومات نجاح أي مشروع إصلاحي حقيقي. وإذا كانت قابس قد دفعت ثمنا باهظا جراء تراكمات بيئية وتنموية، فإنها تمتلك اليوم فرصة لتحويل هذه التجربة إلى نقطة انطلاق نحو واقع جديد، تكون فيه البيئة رافعة للتنمية، والصحة حقا مكفولا، والفضاء العام عنوانا لحسن الإدارة والتصرف.
تونس - الصباح
في خطوة تتجاوز مجرد المعاينة الميدانية، تضع مجددا زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قابس ملفات البيئة والصحة والمؤسسات العمومية والمسؤولية الإدارية في صدارة النقاش الوطني. فمن شاطئ السلام، حيث عاين رئيس الدولة الوضع البيئي، إلى المستشفى الجامعي، ثم إلى الوادي الذي تراكمت فيه الفضلات لعقود، اختارت الزيارة أن تلامس الملفات على أرض الواقع، وأن تربط بين ما يعيشه المواطن يوميا وبين الخيارات والسياسات التي رافقت إدارة هذه الملفات على امتداد سنوات.
منال حرزي
وبهذا الطرح، تتحول قابس إلى عنوان لرهان كبير تقوده الدولة اليوم في أعلى هرمها، يتمثل في ضرورة استعادة زمام المبادرة في ملفات ظلت لسنوات عالقة بين التشخيص والوعود، والعمل على بناء مقاربة تجعل من حماية البيئة وتدعيم القطاع الصحي وإصلاح المؤسسات العمومية ومقاومة الفساد حلقات مترابطة ضمن مشروع واحد، عنوانه الأبرز إعادة الاعتبار للمرفق العمومي ولحق المواطن في العيش الكريم في محيط سليم.
في قابس، تتداخل البيئة مع السياسة، والصحة مع الاقتصاد، ومع وضع المؤسسات العمومية، وخاصة الخيارات التي رافقت إدارة الموارد الوطنية. لذلك بدت الزيارة، في جوهرها، محطة لتشخيص الواقع من جذوره في جملة من الملفات الحارقة. فحين يصرح رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن قابس لم تكن ضحية للتلوث البيئي فقط، وإنما أيضا لما وصفه بـ"التلوث السياسي"، فإنه يوسع دائرة النقاش إلى الأسباب التي أفضت إلى وضع بيئي كارثي استمر لسنوات طويلة، رغم جسامة تداعياته.
"التلوث السياسي"..
وهنا يعتبر اختيار رئيس الجمهورية عبارة "التلوث السياسي" إلى جانب التلوث البيئي بمثابة إشارة ضمنية إلى تراكم ممارسات سياسية وإدارية واقتصادية ساهمت في إبقاء بعض الملفات دون حل، أو سمحت باستثمار معاناة المواطنين في صراعات ومصالح ضيقة.
وفي هذا الإطار، جاء تأكيده أن الشعب يريد "تفكيك الفساد والمحاسبة العادلة"، بما يجعل الزيارة جزءا من رؤية سياسية تربط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بإعادة تعريف مفهوم المسؤولية.
وبالتالي، فإن تحميل المسؤولية لا يتوقف عند مرحلة اكتشاف الخلل، وإنما يمتد إلى تحديد من يتحمل مسؤولية عدم المعالجة، ومن قصر في أداء واجبه، ومن استفاد من بقاء دار لقمان على حالها.
قابس: قضية وطنية
أبرز ما حملته الزيارة هو إعادة تثبيت موقع قابس في صلب الأولويات الوطنية. فالتلوث في الجهة لم يعد، وفقا للمقاربة التي طرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، شأنا محليا يمكن اختزاله في مطالب الأهالي أو في معالجات ظرفية لبعض الوحدات الصناعية، وإنما أصبح قضية ترتبط بحق التونسيين في بيئة سليمة وبقدرة مؤسسات الدولة وهياكلها على حماية هذا الحق.
وهنا تكتسي عبارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن "قضية البيئة قضية وطنية" أهمية سياسية، بوصفها تنقل الملف من دائرة الاحتجاجات القطاعية والجهوية إلى دائرة المسؤولية الوطنية، حيث يرنو رئيس الدولة إلى إعادة بناء علاقة جديدة بين التنمية والبيئة، من خلال الموازنة بين المحافظة على النشاط الاقتصادي وضمان الحق في بيئة سليمة.
لا لسياسة التفويت
في حديثه عن المجمع الكيميائي، تعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى الخيارات الاقتصادية التي رافقت التعامل مع المؤسسات والمنشآت العمومية خلال السنوات الماضية. فقد شدد مرة أخرى على أن المؤسسات والمنشآت العمومية ليست للبيع أو للتفريط، مستنكرا في الإطار نفسه سياسة إضعاف المؤسسات ثم ترتيبها للتفويت فيها لاحقا بأثمان بخسة.
وهذه النقطة تحمل دلالات سياسية واقتصادية في الوقت نفسه، كونها تفتح مجددا النقاش حول وضعية القطاع العمومي وموقعه في الاقتصاد الوطني.
فالمطلوب اليوم، من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيّد، ليس فقط الحفاظ على المؤسسة باعتبارها ملكا عموميا، وإنما إصلاحها وتحديثها ورفع قدرتها على احترام المعايير البيئية، بما يؤشر إلى أن حماية المؤسسة العمومية لا تعني مطلقا الإبقاء عليها مهما بلغت درجة النقائص، وإنما إعادة تأهيلها حتى تكون قادرة على القيام بدورها الاقتصادي والاجتماعي دون تحميل المواطنين كلفة بيئية وصحية باهظة.
وفي هذا السياق، يتجلى تأكيد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الوحدات الملوثة لن يتم تشغيلها، مقابل الاقتصار على الوحدات التي تم إصلاحها، في إشارة إلى أن حماية البيئة لا تعني بالضرورة إلغاء النشاط الصناعي، وإنما إصلاحه وتطويره وربطه بشروط أكثر دقة وصرامة.
بين "زمن التشخيص" و"زمن العمل"
تعتبر عبارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن "التشخيص واضح، واليوم هو زمن العمل" من أكثر العبارات دلالة في الزيارة، باعتبار أن قابس ليست مجرد جهة تفتقر إلى الدراسات أو التقارير أو تشخيص مظاهر التلوث والنقائص في الخدمات، غير أن الإشكال الرئيسي يكمن في أهمية تحويل الإخلالات المرصودة إلى قرارات ومشاريع وإنجازات.
وفي هذا الاتجاه، يعكس انتقال رئيس الجمهورية قيس سعيّد بين أكثر من موقع ومعاينة الوضع البيئي والصحي والبنية التحتية توجها يقوم على اختبار الميدان بعيدا عن التقارير الإدارية المجردة.
وبالتالي، فإن زيارة قابس تمثل أيضا رسالة إلى الجهاز الإداري مفادها أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تنفيذ ومتابعة وتقييم، وأن المسؤولية لا تنتهي عند حدود إعداد الملفات أو عقد الاجتماعات.
من جهة أخرى، أضاف تنقل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى المستشفى الجامعي بقابس ومعاينة الاكتظاظ ونقص الإمكانيات بُعدا آخر للزيارة، يتمثل في الربط بين البيئة والصحة والخدمات العمومية المقدمة، باعتبار أن المواطن الذي يعيش في منطقة تعاني من ضغوطات بيئية يحتاج في المقابل إلى منظومة صحية قادرة على ملاءمة واقعها مع احتياجاته.
وهذه المعادلة تضع مجددا المستشفى العمومي في واجهة النقاش. فالحق في العلاج لا يمكن أن يكون مرتبطا بالموقع الجغرافي للمواطن أو بإمكانياته المالية، كما أن الجهات الداخلية والجنوبية لا يمكن أن تبقى في وضع يجعل سكانها مضطرين إلى البحث عن خدمات صحية أفضل خارج مناطقهم.
وهنا يستشف من تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد أن تحسين الوضع الصحي في قابس لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الاكتظاظ أو توفير تجهيزات إضافية، وإنما يقتضي الأمر استراتيجية شاملة تقوم على دعم المستشفى العمومي وتعزيز موارده البشرية والمادية، بما من شأنه تعزيز العدالة الاجتماعية وتدعيم مبدأ الصحة حق للجميع.
"حرب على كل الواجهات"
في مقر الولاية، صرح رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن تونس تخوض "حربا على كافة الواجهات"، رابطا ذلك بدرجة وعي الشعب التونسي. وهذه العبارة تخرج الزيارة من بعدها الجهوي إلى سياق سياسي وطني. ويستشف من هذا التصريح أن مسار الإصلاح لا يطال ملفا واحدا أو قطاعا واحدا، وإنما يشمل ملفات مترابطة: الفساد، والمؤسسات العمومية، والبيئة، والصحة، والإدارة، والملك العام.
في هذا الخضم، تجمع زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قابس بين أكثر من هدف وأكثر من رسالة: حماية البيئة، ورفض التفريط في المؤسسات العمومية، وتحسين الخدمات الصحية، وتنظيف الفضاء العام، ومكافحة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو الانتقال من مرحلة تشخيص العلل إلى مرحلة التعامل معها باعتبارها جملة من المسؤوليات التي يجب أن تجد طريقها إلى الحل والمعالجة الفورية.
ويعكس هذا التوجه، الذي أكد عليه رئيس الدولة، إرادة واضحة لإضفاء نسق جديد على العمل الميداني، قوامه سرعة الإنجاز، ومتابعة تنفيذ القرارات، وتحميل كل طرف مسؤولياته، بما يترجم الرؤية الإصلاحية إلى نتائج ملموسة. كما يرسخ هذا المسار أيضا توجها يقوم على تعزيز نجاعة مؤسسات الدولة وصون الملك العمومي، وضمان حق المواطنين في بيئة سليمة وخدمات عمومية ذات جودة، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة قوامها الإصلاح الفعلي والتنمية المستدامة.
استعادة الحق في بيئة سليمة
تتجلى زيارة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى قابس باعتبارها محطة تؤكد أن معالجة الملفات البيئية والاجتماعية والصحية لا يمكن أن تبقى رهينة التراكمات أو أن تقتصر على الحلول الظرفية، وإنما تقتضي رؤية متكاملة تضع الإصلاح الفعلي في صدارة الأولويات، وتربط بين حماية البيئة وتحسين الخدمات العمومية ودعم المؤسسات الوطنية وإرساء قواعد المسؤولية والمحاسبة. فالقضايا التي عاينها رئيس الدولة قيس سعيّد ميدانيا، من الوضع البيئي إلى ظروف المستشفى الجامعي والفضاءات التي تحتاج إلى التهيئة والتنظيف، تعكس في جانب منها حاجيات يومية للمواطن، لكنها في بعدها الشامل تمثل استحقاقات تتعلق بمدى قدرة الدولة على تجسيد خياراتها وتحويلها إلى واقع ملموس.
وفي هذا المسار، يكتسب تثمين رئيس الدولة قيس سعيّد للدور الذي لعبه أهالي قابس أهمية خاصة، باعتبار أن المواطن، وفقا لهذه المقاربة، يعتبر طرفا فاعلا في حماية المصلحة العامة والدفاع عن حق الجهة في بيئة سليمة وتنمية عادلة. وقد خصّ رئيس الجمهورية أهالي قابس بالتنويه لما أبدوه من وعي ومسؤولية في مواجهة محاولات استغلال معاناتهم، واعتبر أن ما قاموا به سيسجله التاريخ، بما يعكس تقديرا للدور الذي يمكن أن يضطلع به الوعي الشعبي في حماية مقدرات الدولة والتصدي لكل ما من شأنه المساس باستقرار البلاد أو مصالح المواطنين.
وهذا التثمين يحمل في طياته رسالة إيجابية مفادها أن صوت المواطن، حين يتحول إلى وعي ومسؤولية وتمسك بالمصلحة الوطنية، يصبح قوة دفع حقيقية لمسار الإصلاح. كما أن إشراك الأهالي في حماية محيطهم ومتابعة الملفات التي تمس حياتهم اليومية من شأنه أن يعزز العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الثقة والتعاون، ويجعل المواطن شريكا فعليا في صياغة الحلول.
فالدولة تراهن على وعي التونسيين وعلى قدرتهم على حماية الدولة ومقدراتها، في الوقت الذي تتحمل فيه مؤسساتها مسؤوليتها كاملة في الإصلاح والتنفيذ والمتابعة. وبين إرادة الدولة ووعي المواطن تتبلور اليوم مقومات نجاح أي مشروع إصلاحي حقيقي. وإذا كانت قابس قد دفعت ثمنا باهظا جراء تراكمات بيئية وتنموية، فإنها تمتلك اليوم فرصة لتحويل هذه التجربة إلى نقطة انطلاق نحو واقع جديد، تكون فيه البيئة رافعة للتنمية، والصحة حقا مكفولا، والفضاء العام عنوانا لحسن الإدارة والتصرف.