إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إزالة الكربون..  تونس تحوّل التحدي الأوروبي إلى فرصة لتعزيز تنافسية الصناعة  

 

تونس – الصباح

لم يعد إزالة الكربون بالنسبة إلى تونس مجرد استجابة للضغوط البيئية والمناخية العالمية، بل يتحول تدريجيًا إلى رهان اقتصادي وصناعي يرتبط مباشرة بقدرة المؤسسات التونسية على خفض كلفة الإنتاج، وتحسين كفاءتها، والحفاظ على حضورها في الأسواق الخارجية، وخاصة السوق الأوروبية.

وفي هذا السياق، تمثل خريطة الطريق الوطنية لإزالة الكربون، التي أُطلقت بالتعاون بين وزارتي الصناعة والبيئة، خطوة عملية لإدماج البعد الكربوني في القرار الصناعي، ومساعدة المؤسسات على تطوير أدوات القياس والنجاعة الطاقية والكفاءات اللازمة لمواكبة التحولات الجديدة في قواعد التجارة الدولية، فالرهان لم يعد فقط على إنتاج أقل انبعاثًا، وإنما على بناء صناعة أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر قدرة على المنافسة.

 

الكربون يدخل صميم المعادلة التجارية

 

تكتسي المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس بالنظر إلى قوة علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل السوق الرئيسية لجزء كبير من الصادرات التونسية، ومع تغير قواعد المنافسة الدولية وارتفاع أهمية الأداء البيئي للمنتجات، أصبحت البصمة الكربونية عاملًا إضافيًا في تحديد قدرة المؤسسات على النفاذ إلى الأسواق والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

ومن هنا تبرز أهمية الاستعداد لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، التي لا ينبغي النظر إليها حصرًا باعتبارها كلفة جديدة على الصادرات، بل أيضًا باعتبارها حافزًا لتحديث الصناعة التونسية، فالمؤسسة التي تبدأ مبكرًا في قياس انبعاثاتها واستهلاكها للطاقة ستكون في موقع أفضل لاكتشاف مصادر الهدر، وتحديد فرص الاقتصاد في الطاقة، وتحديث معداتها، وتوجيه استثماراتها نحو تكنولوجيات أكثر نجاعة، وبذلك يتحول الكربون من عنصر جديد في المعادلة التجارية إلى مؤشر من مؤشرات الأداء الاقتصادي للمؤسسة.

 

المحاسبة الكربونية من الالتزام إلى أداة للنجاعة

 

تضع خريطة الطريق المؤسسة في قلب عملية الانتقال، من خلال تطوير القدرات الوطنية في مجال احتساب الانبعاثات وإعداد البصمة الكربونية والتدقيق والمرافقة، ويمثل تكوين الخبراء والمدققين المحليين أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذا المسار، فبناء خبرة تونسية في المحاسبة والتدقيق الكربوني لا يساعد المؤسسات على الاستجابة للمتطلبات الجديدة فحسب، بل يفتح أيضًا مجالًا لنشوء خدمات واختصاصات جديدة ذات قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

وفي جانب التمويل، تتضمن الإجراءات المعلنة منحة من صندوق الانتقال الطاقي بنسبة 70 بالمائة، وبسقف أقصاه 70 ألف دينار للمساعدة على إعداد المحاسبة والبصمة الكربونية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي قد تمثل الكلفة الأولية لإعداد البصمة الكربونية عائقًا أمام الانطلاق في هذا المسار.

 

خفض الانبعاثات.. مدخل لتعزيز المردودية وخفض الكلفة

 

لا تقتصر أهمية المحاسبة الكربونية على قياس حجم الانبعاثات، بل تمتد إلى مساعدة المؤسسة على فهم العلاقة بين استهلاك الطاقة والموارد وعمليات الإنتاج، فمن خلال تحديد مصادر الانبعاثات ومواطن الاستهلاك المرتفع، يمكن للمؤسسة رصد مجالات الهدر وتحديد المعدات أو العمليات التي تحتاج إلى تحسين، بما يساعدها على توجيه استثماراتها نحو حلول أكثر نجاعة ومردودية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتقاطع الأهداف البيئية مع المصالح الاقتصادية، إذ يساهم تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الحد من الكلفة، فيما قد يؤدي تحديث التجهيزات إلى رفع الإنتاجية وتقليص استهلاك الموارد.

كما يمكن لتنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك تطوير استخدام الطاقات المتجددة، أن يساعد على الحد من التعرض لتقلبات أسعار الطاقة. وبالتوازي، يتيح تحسين الأداء الكربوني للمؤسسات المصدرة تعزيز جاهزيتها لمتطلبات الأسواق الدولية، ولا سيما الأوروبية، لذلك فإن إزالة الكربون، متى اقترنت باستثمارات مدروسة ومرافقة مناسبة، يمكن أن تتحول من مجرد استجابة لمتطلبات بيئية وتجارية إلى مسار لتعزيز المردودية ودعم تنافسية المؤسسة على المدى المتوسط والطويل.

 

الرقمنة تفتح الطريق أمام المؤسسات

 

ويعزز هذا التوجه إطلاق منصة «DecarboTech» الرقمية للتقييم الذاتي، التي توفر للمؤسسات أداة أولية لتقييم وضعيتها في مجال إزالة الكربون وتحديد المجالات التي تتطلب التدخل.

وتكمن أهمية المنصة في تقريب أدوات الانتقال الكربوني من المؤسسة، وعدم حصرها في الخبراء والهياكل المختصة. كما يمكن للرقمنة أن تساعد على نشر ثقافة جديدة داخل النسيج الاقتصادي تقوم على متابعة استهلاك الطاقة والانبعاثات واتخاذ القرارات على أساس بيانات أكثر دقة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تحتاج إلى أدوات بسيطة ومرحلية تمكنها من دخول مسار إزالة الكربون دون تحمل استثمارات تقنية كبيرة منذ البداية.

وفي موازاة ذلك، يتجه العمل إلى دعم المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية للحصول على الاعتماد الدولي اللازم لمصادقة تقارير الكربون داخل تونس، مع استهداف بلوغ هذه المرحلة في نهاية السنة الحالية أو بداية السنة المقبلة، وفق المعطيات المتاحة.

ويمثل هذا المسار عنصرًا مهمًا في بناء منظومة وطنية للقياس والتحقق والمصادقة، بما يعزز موثوقية التقارير الكربونية الصادرة عن المؤسسات التونسية ويقلل الحاجة إلى اللجوء إلى خدمات خارجية.

كما يمكن أن يؤدي تطوير هذه المنظومة إلى خلق سوق جديدة للخدمات المتخصصة، تشمل الخبراء والمدققين ومكاتب الاستشارة والمؤسسات العاملة في مجال القياس والتدقيق الكربوني.

وبذلك يتحول الانتقال الكربوني نفسه إلى قطاع اقتصادي قادر على خلق القيمة وفرص العمل والاستثمار والابتكار.

 

استراتيجية الطاقة.. إطار للتحول الصناعي وتعزيز التنافسية

 

تندرج جهود إزالة الكربون في تونس ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة في أفق 2035، التي تستهدف تحقيق اقتصاد في الاستهلاك الجملي للطاقة بنسبة 37 بالمائة، ورفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 50 بالمائة من إنتاج الكهرباء، إلى جانب خفض كثافة الكربون بنسبة 62 بالمائة، وتعكس هذه الأهداف توجهًا يتجاوز البعد البيئي للانتقال الطاقي نحو أبعاد اقتصادية وصناعية، باعتبار أن ترشيد استهلاك الطاقة وتوسيع الاعتماد على المصادر المتجددة يمكن أن يساهم في الحد من كلفة الطاقة وتعزيز أمن التزويد ودعم تنافسية المؤسسات.

كما يفتح الربط بين السياسة الطاقية والسياسة الصناعية المجال أمام تطوير استثمارات جديدة في التجهيزات المقتصدة للطاقة، والطاقة الشمسية، والحلول الرقمية والتكنولوجيات النظيفة، بما يدعم تحديث النسيج الصناعي ويفتح مجالات جديدة أمام المؤسسات التونسية في قطاعات مرتبطة بالتحول الطاقي والاقتصاد منخفض الكربون.

ومن أبرز الرهانات المقبلة تطوير مناطق صناعية مستدامة، بما يساعد على رفع النجاعة الطاقية وتحسين تنافسية المؤسسات.

ويتيح هذا التوجه الانتقال من معالجة استهلاك الطاقة والانبعاثات على مستوى المؤسسة الواحدة إلى بناء منظومات صناعية متكاملة يمكن أن تتشارك فيها المؤسسات في إنتاج الطاقة واستهلاكها وإدارة الموارد وتثمين النفايات.

وتحمل المناطق الصناعية المستدامة، في هذا السياق، فرصة لتحويل فضاءات الإنتاج التقليدية إلى منصات متكاملة للنجاعة والابتكار والطاقة النظيفة، بما يمكن أن يعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات الباحثة عن بيئات إنتاج تتلاءم مع المعايير البيئية الدولية.

 

فرصة لتجديد الصناعة التونسية

 

لا يقتصر رهان إزالة الكربون على خفض الانبعاثات، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لتحديث المؤسسة الصناعية وتعزيز قدرتها على الإنتاج والمنافسة. فالمؤسسة التي تعمل على تقليص استهلاك الطاقة والانبعاثات ستكون مدفوعة إلى تطوير تجهيزاتها، وتحديث أساليب الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد، والاستفادة من الحلول الرقمية، بما يساعدها في النهاية على رفع الإنتاجية والتحكم بشكل أفضل في تكاليفها.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي التعامل مع إزالة الكربون باعتبارها ملفًا بيئيًا منفصلًا عن السياسة الصناعية، وإنما كجزء من مسار أوسع لتجديد النسيج الصناعي. فالتحول نحو إنتاج أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعزز قدرة المؤسسات على مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج والتغيرات في الأسواق، ويدعم قدرتها على الحفاظ على مواقعها ضمن سلاسل التوريد الدولية.

 

المتطلبات الأوروبية تحدٍّ يدفع نحو التحديث

 

وتفرض التحولات في القواعد التجارية الأوروبية على المؤسسات التونسية الاستعداد مبكرًا للمتطلبات الجديدة المرتبطة بالانبعاثات الكربونية. ولا يتعلق الأمر فقط بالامتثال لمعايير جديدة، بل بتهيئة المؤسسات، وخاصة المصدرة منها، لمرحلة تصبح فيها البيانات المتعلقة بالانبعاثات والأداء البيئي أكثر حضورًا في العلاقات التجارية.

وكلما بادرت المؤسسات إلى قياس انبعاثاتها ومراجعة استهلاكها للطاقة، زادت قدرتها على تحديد مواطن الهدر واتخاذ الإجراءات المناسبة لتقليص الكلفة وتحسين الإنتاج. كما يمنحها ذلك وقتًا أطول لتحديث تجهيزاتها وتطوير قدراتها الفنية والاستجابة تدريجيًا لمتطلبات الأسواق الأوروبية، بدل الانتظار إلى حين تحول هذه المتطلبات إلى ضغط مباشر على الصادرات.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية من تحدٍّ تجاري إلى عامل يدفع نحو الاستثمار والتحديث الصناعي، شرط توفير المرافقة الفنية والتمويل والتكوين، وتعزيز التنسيق بين الدولة والمؤسسات والهياكل المهنية والقطاع المالي. ويظل الهدف الأساسي هو تحويل المتطلبات البيئية الجديدة إلى فرصة لتطوير الصناعة التونسية ورفع قدرتها على المنافسة، وليس الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها كلفة إضافية على المؤسسة.

 

التنافسية الجديدة.. طاقة أقل وكفاءة أكبر

 

تتجمع اليوم عدة أدوات يمكن أن تشكل أساسًا لمنظومة وطنية متكاملة لإزالة الكربون: المحاسبة الكربونية توفر البيانات، والتكوين يوفر الكفاءات، والمنح تخفف كلفة الانطلاق، والمنصة الرقمية تسهل التقييم، والاعتماد الدولي يعزز المصداقية، فيما توفر استراتيجية الطاقة الإطار الأوسع للتحول.

لكن الاختبار الحقيقي يبقى في تحويل هذه الأدوات إلى نتائج اقتصادية ملموسة داخل المؤسسة: استهلاك أقل للطاقة، كلفة إنتاج أفضل، معدات أكثر نجاعة، إنتاجية أعلى، انبعاثات أقل، وقدرة أكبر على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

ويمكن أن تعيد إزالة الكربون تعريف مفهوم التنافسية الصناعية التونسية. فالمنافسة لم تعد تقوم فقط على السعر والكلفة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالكفاءة والابتكار والاستدامة والقدرة على احترام المعايير الدولية.

وتونس، في هذا المسار، لا تواجه خيارًا بين البيئة والاقتصاد، بل أمام فرصة لربط الاثنين، فإذا نجحت في تحويل المتطلبات الكربونية إلى استثمارات في الطاقة والتكنولوجيا والكفاءات والرقمنة، فإن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يمكن أن يصبح أحد مداخل تجديد الصناعة التونسية وتعزيز قدرتها على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

جهاد الكلبوسي

إزالة الكربون..   تونس تحوّل التحدي الأوروبي إلى فرصة لتعزيز تنافسية الصناعة   

 

تونس – الصباح

لم يعد إزالة الكربون بالنسبة إلى تونس مجرد استجابة للضغوط البيئية والمناخية العالمية، بل يتحول تدريجيًا إلى رهان اقتصادي وصناعي يرتبط مباشرة بقدرة المؤسسات التونسية على خفض كلفة الإنتاج، وتحسين كفاءتها، والحفاظ على حضورها في الأسواق الخارجية، وخاصة السوق الأوروبية.

وفي هذا السياق، تمثل خريطة الطريق الوطنية لإزالة الكربون، التي أُطلقت بالتعاون بين وزارتي الصناعة والبيئة، خطوة عملية لإدماج البعد الكربوني في القرار الصناعي، ومساعدة المؤسسات على تطوير أدوات القياس والنجاعة الطاقية والكفاءات اللازمة لمواكبة التحولات الجديدة في قواعد التجارة الدولية، فالرهان لم يعد فقط على إنتاج أقل انبعاثًا، وإنما على بناء صناعة أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر قدرة على المنافسة.

 

الكربون يدخل صميم المعادلة التجارية

 

تكتسي المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس بالنظر إلى قوة علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل السوق الرئيسية لجزء كبير من الصادرات التونسية، ومع تغير قواعد المنافسة الدولية وارتفاع أهمية الأداء البيئي للمنتجات، أصبحت البصمة الكربونية عاملًا إضافيًا في تحديد قدرة المؤسسات على النفاذ إلى الأسواق والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

ومن هنا تبرز أهمية الاستعداد لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، التي لا ينبغي النظر إليها حصرًا باعتبارها كلفة جديدة على الصادرات، بل أيضًا باعتبارها حافزًا لتحديث الصناعة التونسية، فالمؤسسة التي تبدأ مبكرًا في قياس انبعاثاتها واستهلاكها للطاقة ستكون في موقع أفضل لاكتشاف مصادر الهدر، وتحديد فرص الاقتصاد في الطاقة، وتحديث معداتها، وتوجيه استثماراتها نحو تكنولوجيات أكثر نجاعة، وبذلك يتحول الكربون من عنصر جديد في المعادلة التجارية إلى مؤشر من مؤشرات الأداء الاقتصادي للمؤسسة.

 

المحاسبة الكربونية من الالتزام إلى أداة للنجاعة

 

تضع خريطة الطريق المؤسسة في قلب عملية الانتقال، من خلال تطوير القدرات الوطنية في مجال احتساب الانبعاثات وإعداد البصمة الكربونية والتدقيق والمرافقة، ويمثل تكوين الخبراء والمدققين المحليين أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذا المسار، فبناء خبرة تونسية في المحاسبة والتدقيق الكربوني لا يساعد المؤسسات على الاستجابة للمتطلبات الجديدة فحسب، بل يفتح أيضًا مجالًا لنشوء خدمات واختصاصات جديدة ذات قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

وفي جانب التمويل، تتضمن الإجراءات المعلنة منحة من صندوق الانتقال الطاقي بنسبة 70 بالمائة، وبسقف أقصاه 70 ألف دينار للمساعدة على إعداد المحاسبة والبصمة الكربونية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي قد تمثل الكلفة الأولية لإعداد البصمة الكربونية عائقًا أمام الانطلاق في هذا المسار.

 

خفض الانبعاثات.. مدخل لتعزيز المردودية وخفض الكلفة

 

لا تقتصر أهمية المحاسبة الكربونية على قياس حجم الانبعاثات، بل تمتد إلى مساعدة المؤسسة على فهم العلاقة بين استهلاك الطاقة والموارد وعمليات الإنتاج، فمن خلال تحديد مصادر الانبعاثات ومواطن الاستهلاك المرتفع، يمكن للمؤسسة رصد مجالات الهدر وتحديد المعدات أو العمليات التي تحتاج إلى تحسين، بما يساعدها على توجيه استثماراتها نحو حلول أكثر نجاعة ومردودية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتقاطع الأهداف البيئية مع المصالح الاقتصادية، إذ يساهم تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الحد من الكلفة، فيما قد يؤدي تحديث التجهيزات إلى رفع الإنتاجية وتقليص استهلاك الموارد.

كما يمكن لتنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك تطوير استخدام الطاقات المتجددة، أن يساعد على الحد من التعرض لتقلبات أسعار الطاقة. وبالتوازي، يتيح تحسين الأداء الكربوني للمؤسسات المصدرة تعزيز جاهزيتها لمتطلبات الأسواق الدولية، ولا سيما الأوروبية، لذلك فإن إزالة الكربون، متى اقترنت باستثمارات مدروسة ومرافقة مناسبة، يمكن أن تتحول من مجرد استجابة لمتطلبات بيئية وتجارية إلى مسار لتعزيز المردودية ودعم تنافسية المؤسسة على المدى المتوسط والطويل.

 

الرقمنة تفتح الطريق أمام المؤسسات

 

ويعزز هذا التوجه إطلاق منصة «DecarboTech» الرقمية للتقييم الذاتي، التي توفر للمؤسسات أداة أولية لتقييم وضعيتها في مجال إزالة الكربون وتحديد المجالات التي تتطلب التدخل.

وتكمن أهمية المنصة في تقريب أدوات الانتقال الكربوني من المؤسسة، وعدم حصرها في الخبراء والهياكل المختصة. كما يمكن للرقمنة أن تساعد على نشر ثقافة جديدة داخل النسيج الاقتصادي تقوم على متابعة استهلاك الطاقة والانبعاثات واتخاذ القرارات على أساس بيانات أكثر دقة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تحتاج إلى أدوات بسيطة ومرحلية تمكنها من دخول مسار إزالة الكربون دون تحمل استثمارات تقنية كبيرة منذ البداية.

وفي موازاة ذلك، يتجه العمل إلى دعم المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية للحصول على الاعتماد الدولي اللازم لمصادقة تقارير الكربون داخل تونس، مع استهداف بلوغ هذه المرحلة في نهاية السنة الحالية أو بداية السنة المقبلة، وفق المعطيات المتاحة.

ويمثل هذا المسار عنصرًا مهمًا في بناء منظومة وطنية للقياس والتحقق والمصادقة، بما يعزز موثوقية التقارير الكربونية الصادرة عن المؤسسات التونسية ويقلل الحاجة إلى اللجوء إلى خدمات خارجية.

كما يمكن أن يؤدي تطوير هذه المنظومة إلى خلق سوق جديدة للخدمات المتخصصة، تشمل الخبراء والمدققين ومكاتب الاستشارة والمؤسسات العاملة في مجال القياس والتدقيق الكربوني.

وبذلك يتحول الانتقال الكربوني نفسه إلى قطاع اقتصادي قادر على خلق القيمة وفرص العمل والاستثمار والابتكار.

 

استراتيجية الطاقة.. إطار للتحول الصناعي وتعزيز التنافسية

 

تندرج جهود إزالة الكربون في تونس ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة في أفق 2035، التي تستهدف تحقيق اقتصاد في الاستهلاك الجملي للطاقة بنسبة 37 بالمائة، ورفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 50 بالمائة من إنتاج الكهرباء، إلى جانب خفض كثافة الكربون بنسبة 62 بالمائة، وتعكس هذه الأهداف توجهًا يتجاوز البعد البيئي للانتقال الطاقي نحو أبعاد اقتصادية وصناعية، باعتبار أن ترشيد استهلاك الطاقة وتوسيع الاعتماد على المصادر المتجددة يمكن أن يساهم في الحد من كلفة الطاقة وتعزيز أمن التزويد ودعم تنافسية المؤسسات.

كما يفتح الربط بين السياسة الطاقية والسياسة الصناعية المجال أمام تطوير استثمارات جديدة في التجهيزات المقتصدة للطاقة، والطاقة الشمسية، والحلول الرقمية والتكنولوجيات النظيفة، بما يدعم تحديث النسيج الصناعي ويفتح مجالات جديدة أمام المؤسسات التونسية في قطاعات مرتبطة بالتحول الطاقي والاقتصاد منخفض الكربون.

ومن أبرز الرهانات المقبلة تطوير مناطق صناعية مستدامة، بما يساعد على رفع النجاعة الطاقية وتحسين تنافسية المؤسسات.

ويتيح هذا التوجه الانتقال من معالجة استهلاك الطاقة والانبعاثات على مستوى المؤسسة الواحدة إلى بناء منظومات صناعية متكاملة يمكن أن تتشارك فيها المؤسسات في إنتاج الطاقة واستهلاكها وإدارة الموارد وتثمين النفايات.

وتحمل المناطق الصناعية المستدامة، في هذا السياق، فرصة لتحويل فضاءات الإنتاج التقليدية إلى منصات متكاملة للنجاعة والابتكار والطاقة النظيفة، بما يمكن أن يعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات الباحثة عن بيئات إنتاج تتلاءم مع المعايير البيئية الدولية.

 

فرصة لتجديد الصناعة التونسية

 

لا يقتصر رهان إزالة الكربون على خفض الانبعاثات، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لتحديث المؤسسة الصناعية وتعزيز قدرتها على الإنتاج والمنافسة. فالمؤسسة التي تعمل على تقليص استهلاك الطاقة والانبعاثات ستكون مدفوعة إلى تطوير تجهيزاتها، وتحديث أساليب الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد، والاستفادة من الحلول الرقمية، بما يساعدها في النهاية على رفع الإنتاجية والتحكم بشكل أفضل في تكاليفها.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي التعامل مع إزالة الكربون باعتبارها ملفًا بيئيًا منفصلًا عن السياسة الصناعية، وإنما كجزء من مسار أوسع لتجديد النسيج الصناعي. فالتحول نحو إنتاج أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعزز قدرة المؤسسات على مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج والتغيرات في الأسواق، ويدعم قدرتها على الحفاظ على مواقعها ضمن سلاسل التوريد الدولية.

 

المتطلبات الأوروبية تحدٍّ يدفع نحو التحديث

 

وتفرض التحولات في القواعد التجارية الأوروبية على المؤسسات التونسية الاستعداد مبكرًا للمتطلبات الجديدة المرتبطة بالانبعاثات الكربونية. ولا يتعلق الأمر فقط بالامتثال لمعايير جديدة، بل بتهيئة المؤسسات، وخاصة المصدرة منها، لمرحلة تصبح فيها البيانات المتعلقة بالانبعاثات والأداء البيئي أكثر حضورًا في العلاقات التجارية.

وكلما بادرت المؤسسات إلى قياس انبعاثاتها ومراجعة استهلاكها للطاقة، زادت قدرتها على تحديد مواطن الهدر واتخاذ الإجراءات المناسبة لتقليص الكلفة وتحسين الإنتاج. كما يمنحها ذلك وقتًا أطول لتحديث تجهيزاتها وتطوير قدراتها الفنية والاستجابة تدريجيًا لمتطلبات الأسواق الأوروبية، بدل الانتظار إلى حين تحول هذه المتطلبات إلى ضغط مباشر على الصادرات.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية من تحدٍّ تجاري إلى عامل يدفع نحو الاستثمار والتحديث الصناعي، شرط توفير المرافقة الفنية والتمويل والتكوين، وتعزيز التنسيق بين الدولة والمؤسسات والهياكل المهنية والقطاع المالي. ويظل الهدف الأساسي هو تحويل المتطلبات البيئية الجديدة إلى فرصة لتطوير الصناعة التونسية ورفع قدرتها على المنافسة، وليس الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها كلفة إضافية على المؤسسة.

 

التنافسية الجديدة.. طاقة أقل وكفاءة أكبر

 

تتجمع اليوم عدة أدوات يمكن أن تشكل أساسًا لمنظومة وطنية متكاملة لإزالة الكربون: المحاسبة الكربونية توفر البيانات، والتكوين يوفر الكفاءات، والمنح تخفف كلفة الانطلاق، والمنصة الرقمية تسهل التقييم، والاعتماد الدولي يعزز المصداقية، فيما توفر استراتيجية الطاقة الإطار الأوسع للتحول.

لكن الاختبار الحقيقي يبقى في تحويل هذه الأدوات إلى نتائج اقتصادية ملموسة داخل المؤسسة: استهلاك أقل للطاقة، كلفة إنتاج أفضل، معدات أكثر نجاعة، إنتاجية أعلى، انبعاثات أقل، وقدرة أكبر على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

ويمكن أن تعيد إزالة الكربون تعريف مفهوم التنافسية الصناعية التونسية. فالمنافسة لم تعد تقوم فقط على السعر والكلفة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالكفاءة والابتكار والاستدامة والقدرة على احترام المعايير الدولية.

وتونس، في هذا المسار، لا تواجه خيارًا بين البيئة والاقتصاد، بل أمام فرصة لربط الاثنين، فإذا نجحت في تحويل المتطلبات الكربونية إلى استثمارات في الطاقة والتكنولوجيا والكفاءات والرقمنة، فإن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يمكن أن يصبح أحد مداخل تجديد الصناعة التونسية وتعزيز قدرتها على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

جهاد الكلبوسي