إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الاقتصاد التونسي يستعيد نسق النمو..  صندوق النقد العربي يتوقع نموًا بـ2.6% في 2026 و2.7% في 2027  

 

تونس - الصباح

توقع صندوق النقد العربي أن يحافظ الاقتصاد التونسي على وتيرة نمو تقارب 2.6 في المائة خلال سنة 2026، مدعومًا بتحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب تحسن نمو قطاع الخدمات، وخاصة الأنشطة المرتبطة بالسياحة.

وتأتي هذه التوقعات في سياق مواصلة الاقتصاد التونسي جهوده لتعزيز قدرته الإنتاجية ودعم مقومات النمو، بالتوازي مع إجراءات تستهدف تدعيم الأمن، وتشمل هذه الإجراءات تعزيز طاقات التخزين، ودعم توفير مستلزمات الإنتاج، ولا سيما البذور والأسمدة، إلى جانب تحسين منظومة التوزيع، بما من شأنه دعم استقرار الإنتاج الفلاحي وتوفير مدخلات منتظمة للصناعات الغذائية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة اضطرابات الإمدادات والضغوط على كلفة الإنتاج.

وبحسب معطيات صندوق النقد العربي، يُنتظر أن يواصل الاقتصاد التونسي مسار التحسن خلال السنة المقبلة، مع توقع ارتفاع معدل النمو إلى نحو 2.7 في المائة في سنة 2027، بدعم من الإجراءات المنتظر تنفيذها في إطار مخطط التنمية للفترة 2026–2030.

 

تحسن متوقع في أداء القطاعات الإنتاجية

يرتبط التحسن المتوقع في معدل النمو الاقتصادي خلال سنة 2026 بتحسن القيمة المضافة لعدد من القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والكهربائية.

ويأتي القطاع الفلاحي في مقدمة القطاعات المرشحة للمساهمة في دعم النمو، خاصة في ظل الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الإنتاج. ويكتسي أداء القطاع الفلاحي أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، بالنظر إلى ارتباطه بعدد من الأنشطة الصناعية والخدماتية، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية.

كما يُنتظر أن تستفيد الصناعات الغذائية من تحسن توفر المنتجات الفلاحية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج، بما يدعم القيمة المضافة للقطاع الصناعي ويساهم في تنشيط سلاسل الإنتاج المرتبطة بالقطاع الفلاحي.

وفي السياق ذاته، يُرتقب أن تواصل الصناعات الميكانيكية والكهربائية مساهمتها في دعم النشاط الاقتصادي، باعتبارها من أبرز مكونات النسيج الصناعي التونسي، في وقت تتجه فيه الجهود إلى تعزيز القدرة الإنتاجية وتحسين تنافسية المؤسسات ودعم حضورها في الأسواق.

ولا يقتصر التحسن المتوقع على القطاعين الفلاحي والصناعي، إذ تشير توقعات صندوق النقد العربي إلى تحسن نمو قطاع الخدمات، مع مساهمة ملحوظة للأنشطة المرتبطة بالسياحة، بما يعزز دور هذا القطاع في دعم النمو وتنشيط الدورة الاقتصادية.

 

السياحة تواصل دعم الخدمات

وتحتل السياحة موقعًا مهمًا في توقعات النمو الاقتصادي التونسي، بالنظر إلى اتساع تأثيرها على عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

فالنشاط السياحي لا يقتصر على المؤسسات الفندقية، وإنما يمتد تأثيره إلى النقل والمطاعم والتجارة والخدمات وغيرها من الأنشطة التي تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من حركة السياح.

ومن شأن استمرار تحسن القطاع السياحي أن يدعم النشاط الاقتصادي خلال 2026، ويوفر دفعة إضافية لقطاع الخدمات، إلى جانب مساهمته في تنشيط الطلب وتحسين أداء عدد من المؤسسات المرتبطة بالسياحة.

ويأتي ذلك في إطار تحسن متوقع لمجمل الخدمات، وهو ما من شأنه أن يعزز مساهمة القطاع الثالث في النمو الاقتصادي إلى جانب الزراعة والصناعة.

 

البنك المركزي يتمسّك بسياسة نقدية حذرة

على الصعيد النقدي، يواصل البنك المركزي التونسي اعتماد سياسة نقدية حذرة، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بتطورات الأسعار والضغوط التضخمية. وقد أبقى البنك المركزي سعر الفائدة المديرية عند مستوى 7 بالمائة، في إطار توجه يستهدف الحفاظ على استقرار الأسعار والحد من مخاطر عودة التضخم إلى مسار تصاعدي. وفي أحدث اجتماع لمجلس إدارته في جوان 2026، أكد البنك مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية عن كثب، مع التشديد على ضرورة اعتماد سياسة نقدية حذرة للمحافظة على استقرار الأسعار وكبح توقعات التضخم.

وتأتي هذه السياسة في وقت أظهرت فيه المؤشرات الأخيرة استقرار معدل التضخم السنوي عند 5 بالمائة في مارس 2026، بعد أن شهد مسار تراجع التضخم بعض التباطؤ، فيما واصلت أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية تسجيل زيادات متفاوتة. ووفق المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 6.8 بالمائة على أساس سنوي خلال مارس، بما يعكس استمرار الضغوط على بعض مكونات سلة الاستهلاك، رغم استقرار التضخم العام عند مستوى 5 بالمائة.

ويعكس الإبقاء على سعر الفائدة عند 7 بالمائة محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء الضغوط التضخمية من جهة، وعدم زيادة الأعباء على تمويل الاقتصاد من جهة أخرى. فارتفاع كلفة الاقتراض يمكن أن يؤثر في قرارات الاستثمار والتمويل بالنسبة إلى المؤسسات، في حين يمثل استقرار الأسعار شرطًا أساسيًا لحماية القدرة الشرائية للأسر والحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية.

وفي هذا السياق، تظل السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة، إذ يتعين على البنك المركزي مراقبة تطورات الأسعار وتوقعات التضخم من دون إغفال حاجيات الاقتصاد إلى التمويل ودعم الاستثمار والنشاط الإنتاجي. كما أن تطورات الأسعار العالمية للمواد الأولية والمواد الغذائية تمثل بدورها أحد مصادر المخاطر التي يمكن أن تنعكس على الأسعار المحلية، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على درجة مرتفعة من اليقظة والاستعداد لتعديل أدواته النقدية وفق تطورات الظرف الاقتصادي.

ويؤكد هذا التوجه أن استقرار الأسعار سيظل أحد أبرز محددات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل سعي الاقتصاد التونسي إلى الحفاظ على مسار النمو واستعادة نسق أعلى من النشاط والاستثمار، كما أن قدرة البنك المركزي على الموازنة بين متطلبات استقرار الأسعار وحاجيات الاقتصاد إلى التمويل ستبقى عنصرًا مهمًا في دعم التعافي الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

وبالنسبة إلى سنة 2027، يتوقع صندوق النقد العربي أن يرتفع نمو الاقتصاد التونسي إلى 2.7 في المائة، مدفوعًا بتنفيذ الإجراءات والإصلاحات المرتبطة بمخطط التنمية للفترة 2026–2030.

وتستهدف الخطة مجموعة من الأولويات الاقتصادية والتنموية، من بينها تبسيط الإجراءات الإدارية، ودعم أصحاب المشاريع ورواد الأعمال، وخفض معدلات البطالة، وتسريع تنفيذ المشاريع المحلية، وتحسين البنية التحتية.

ويُنظر إلى هذه المحاور باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على تحقيق نمو أكثر استدامة، خاصة أن رفع معدلات النمو لا يرتبط فقط بأداء القطاعات الاقتصادية القائمة، وإنما يتطلب أيضًا تحسين بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار وخلق مشاريع جديدة.

 

تبسيط الإدارة.. مدخل لتحسين مناخ الاستثمار

يبرز تبسيط الإجراءات الإدارية كأحد المحاور المهمة في مخطط التنمية، بالنظر إلى تأثير سرعة المعاملات ووضوح المسارات الإدارية في مناخ الاستثمار وقدرة المؤسسات على إنجاز مشاريعها في الآجال والتكاليف المبرمجة. ومن شأن تقليص التعقيدات الإدارية وتيسير النفاذ إلى الخدمات والتراخيص أن يساهم في تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع المبادرة الخاصة، ودعم المؤسسات القائمة على توسيع أنشطتها.

ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المشاريع، باعتبار أن كلفة الإجراءات وطول آجالها يمكن أن يمثلا عاملين مؤثرين في قرارات الاستثمار والتوسع. ومن هذا المنطلق، فإن تحسين الأداء الإداري لا يرتبط فقط بتسهيل بعث المؤسسات، وإنما يمثل أيضًا عنصرًا من عناصر رفع القدرة التنافسية للاقتصاد وتحسين جاذبيته للاستثمار.

 

دعم ريادة الأعمال رهان على الاستثمار والتشغيل

ويراهن مخطط التنمية كذلك على دعم أصحاب المشاريع ورواد الأعمال، باعتبارهم أحد مكونات النسيج الاقتصادي القادرة على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل. ويأتي هذا التوجه في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل، وتوسيع قاعدة المؤسسات المنتجة.

ولا يرتبط الحد من البطالة بزيادة عدد الوظائف فحسب، وإنما يتطلب أيضًا توفير بيئة اقتصادية تسمح بإنشاء مشاريع جديدة وقابلة للاستمرار، إلى جانب تمكين المؤسسات القائمة من النمو والاستثمار. ويمكن لدعم ريادة الأعمال أن يساهم في تنويع النسيج الاقتصادي وتوسيع قاعدة المؤسسات، خاصة على المستوى الجهوي والمحلي، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويفتح مجالات جديدة للتشغيل.

 

تسريع المشاريع المحلية.. من البرمجة إلى الإنجاز

ويولي مخطط التنمية أهمية كذلك لتسريع تنفيذ المشاريع المحلية، باعتبار أن تحويل المشاريع المبرمجة إلى إنجازات فعلية يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق أثر اقتصادي وتنموي ملموس.

فالمشاريع المحلية يمكن أن تساهم في تحريك الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، فضلًا عن دعم التنمية الجهوية والحد من التفاوت بين المناطق، كما أن تسريع نسق الإنجاز يتيح الاستفادة في وقت أقرب من الاستثمارات المبرمجة، ويحول الاعتمادات والبرامج التنموية إلى نشاط اقتصادي فعلي ينعكس على المؤسسات والعمال والمناطق المعنية.

 

البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد

وتشكل البنية التحتية بدورها أحد المحاور الأساسية في مسار التنمية، بالنظر إلى دورها في تحسين ظروف النشاط الاقتصادي وتعزيز تنافسية المؤسسات والجهات.

كما أن إنشاء وصيانة شبكات النقل والمرافق والخدمات الأساسية يساهم في تحسين الربط بين المناطق، وتسهيل حركة الأشخاص والسلع، والحد من كلفة النقل واللوجستيك، كما يمكن أن يعزز قدرة الجهات على استقطاب الاستثمارات وإحداث مشاريع جديدة.

ولا يقتصر أثر الاستثمار في البنية التحتية على فترة إنجاز المشاريع، بل يمتد إلى المدى المتوسط والطويل من خلال تحسين جودة الخدمات وتوفير ظروف أفضل للمؤسسات والمستثمرين. ولذلك، يمثل تطوير البنية التحتية أحد العناصر الداعمة للنمو، خاصة عندما يترافق مع تحسين مناخ الأعمال وتسريع إنجاز المشاريع.

 

بين التعافي والإصلاح، رهانات المرحلة المقبلة

تشير توقعات صندوق النقد العربي إلى أن الاقتصاد التونسي يتجه إلى مواصلة مسار التعافي التدريجي، مع نمو متوقع في حدود 2.6 بالمائة خلال سنة 2026 وارتفاعه إلى نحو 2.7 بالمائة في سنة 2027، مدفوعًا بتحسن أداء عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والميكانيكية والكهربائية، إلى جانب الخدمات والسياحة، غير أن تثبيت هذا المسار وتعزيزه يظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على رفع الاستثمار والإنتاجية ودعم القطاعات المنتجة ومواصلة الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال ومعالجة العراقيل التي تحد من نسق النشاط الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تمثل خطة التنمية 2026–2030 فرصة لتعزيز هذه الديناميكية من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية ودعم المؤسسات ورواد الأعمال وتسريع تنفيذ المشاريع المحلية وتحسين البنية التحتية. كما ستظل المحافظة على استقرار الأسعار ومواكبة السياسة النقدية للتطورات الاقتصادية من العوامل المهمة في المرحلة المقبلة.

وبقدر ما تنجح هذه الإصلاحات في الانتقال من مستوى التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، يمكن لتونس أن تعزز مسار النمو وتوفر ظروفًا أفضل للاستثمار وخلق فرص العمل، بما يدعم نموًا أكثر استدامة وتوازنًا ويعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف الجهات.

جهاد الكلبوسي

الاقتصاد التونسي يستعيد نسق النمو..   صندوق النقد العربي يتوقع نموًا بـ2.6% في 2026 و2.7% في 2027   

 

تونس - الصباح

توقع صندوق النقد العربي أن يحافظ الاقتصاد التونسي على وتيرة نمو تقارب 2.6 في المائة خلال سنة 2026، مدعومًا بتحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب تحسن نمو قطاع الخدمات، وخاصة الأنشطة المرتبطة بالسياحة.

وتأتي هذه التوقعات في سياق مواصلة الاقتصاد التونسي جهوده لتعزيز قدرته الإنتاجية ودعم مقومات النمو، بالتوازي مع إجراءات تستهدف تدعيم الأمن، وتشمل هذه الإجراءات تعزيز طاقات التخزين، ودعم توفير مستلزمات الإنتاج، ولا سيما البذور والأسمدة، إلى جانب تحسين منظومة التوزيع، بما من شأنه دعم استقرار الإنتاج الفلاحي وتوفير مدخلات منتظمة للصناعات الغذائية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة اضطرابات الإمدادات والضغوط على كلفة الإنتاج.

وبحسب معطيات صندوق النقد العربي، يُنتظر أن يواصل الاقتصاد التونسي مسار التحسن خلال السنة المقبلة، مع توقع ارتفاع معدل النمو إلى نحو 2.7 في المائة في سنة 2027، بدعم من الإجراءات المنتظر تنفيذها في إطار مخطط التنمية للفترة 2026–2030.

 

تحسن متوقع في أداء القطاعات الإنتاجية

يرتبط التحسن المتوقع في معدل النمو الاقتصادي خلال سنة 2026 بتحسن القيمة المضافة لعدد من القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والكهربائية.

ويأتي القطاع الفلاحي في مقدمة القطاعات المرشحة للمساهمة في دعم النمو، خاصة في ظل الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الإنتاج. ويكتسي أداء القطاع الفلاحي أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، بالنظر إلى ارتباطه بعدد من الأنشطة الصناعية والخدماتية، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية.

كما يُنتظر أن تستفيد الصناعات الغذائية من تحسن توفر المنتجات الفلاحية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج، بما يدعم القيمة المضافة للقطاع الصناعي ويساهم في تنشيط سلاسل الإنتاج المرتبطة بالقطاع الفلاحي.

وفي السياق ذاته، يُرتقب أن تواصل الصناعات الميكانيكية والكهربائية مساهمتها في دعم النشاط الاقتصادي، باعتبارها من أبرز مكونات النسيج الصناعي التونسي، في وقت تتجه فيه الجهود إلى تعزيز القدرة الإنتاجية وتحسين تنافسية المؤسسات ودعم حضورها في الأسواق.

ولا يقتصر التحسن المتوقع على القطاعين الفلاحي والصناعي، إذ تشير توقعات صندوق النقد العربي إلى تحسن نمو قطاع الخدمات، مع مساهمة ملحوظة للأنشطة المرتبطة بالسياحة، بما يعزز دور هذا القطاع في دعم النمو وتنشيط الدورة الاقتصادية.

 

السياحة تواصل دعم الخدمات

وتحتل السياحة موقعًا مهمًا في توقعات النمو الاقتصادي التونسي، بالنظر إلى اتساع تأثيرها على عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

فالنشاط السياحي لا يقتصر على المؤسسات الفندقية، وإنما يمتد تأثيره إلى النقل والمطاعم والتجارة والخدمات وغيرها من الأنشطة التي تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من حركة السياح.

ومن شأن استمرار تحسن القطاع السياحي أن يدعم النشاط الاقتصادي خلال 2026، ويوفر دفعة إضافية لقطاع الخدمات، إلى جانب مساهمته في تنشيط الطلب وتحسين أداء عدد من المؤسسات المرتبطة بالسياحة.

ويأتي ذلك في إطار تحسن متوقع لمجمل الخدمات، وهو ما من شأنه أن يعزز مساهمة القطاع الثالث في النمو الاقتصادي إلى جانب الزراعة والصناعة.

 

البنك المركزي يتمسّك بسياسة نقدية حذرة

على الصعيد النقدي، يواصل البنك المركزي التونسي اعتماد سياسة نقدية حذرة، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بتطورات الأسعار والضغوط التضخمية. وقد أبقى البنك المركزي سعر الفائدة المديرية عند مستوى 7 بالمائة، في إطار توجه يستهدف الحفاظ على استقرار الأسعار والحد من مخاطر عودة التضخم إلى مسار تصاعدي. وفي أحدث اجتماع لمجلس إدارته في جوان 2026، أكد البنك مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية عن كثب، مع التشديد على ضرورة اعتماد سياسة نقدية حذرة للمحافظة على استقرار الأسعار وكبح توقعات التضخم.

وتأتي هذه السياسة في وقت أظهرت فيه المؤشرات الأخيرة استقرار معدل التضخم السنوي عند 5 بالمائة في مارس 2026، بعد أن شهد مسار تراجع التضخم بعض التباطؤ، فيما واصلت أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية تسجيل زيادات متفاوتة. ووفق المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 6.8 بالمائة على أساس سنوي خلال مارس، بما يعكس استمرار الضغوط على بعض مكونات سلة الاستهلاك، رغم استقرار التضخم العام عند مستوى 5 بالمائة.

ويعكس الإبقاء على سعر الفائدة عند 7 بالمائة محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء الضغوط التضخمية من جهة، وعدم زيادة الأعباء على تمويل الاقتصاد من جهة أخرى. فارتفاع كلفة الاقتراض يمكن أن يؤثر في قرارات الاستثمار والتمويل بالنسبة إلى المؤسسات، في حين يمثل استقرار الأسعار شرطًا أساسيًا لحماية القدرة الشرائية للأسر والحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية.

وفي هذا السياق، تظل السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة، إذ يتعين على البنك المركزي مراقبة تطورات الأسعار وتوقعات التضخم من دون إغفال حاجيات الاقتصاد إلى التمويل ودعم الاستثمار والنشاط الإنتاجي. كما أن تطورات الأسعار العالمية للمواد الأولية والمواد الغذائية تمثل بدورها أحد مصادر المخاطر التي يمكن أن تنعكس على الأسعار المحلية، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على درجة مرتفعة من اليقظة والاستعداد لتعديل أدواته النقدية وفق تطورات الظرف الاقتصادي.

ويؤكد هذا التوجه أن استقرار الأسعار سيظل أحد أبرز محددات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل سعي الاقتصاد التونسي إلى الحفاظ على مسار النمو واستعادة نسق أعلى من النشاط والاستثمار، كما أن قدرة البنك المركزي على الموازنة بين متطلبات استقرار الأسعار وحاجيات الاقتصاد إلى التمويل ستبقى عنصرًا مهمًا في دعم التعافي الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

وبالنسبة إلى سنة 2027، يتوقع صندوق النقد العربي أن يرتفع نمو الاقتصاد التونسي إلى 2.7 في المائة، مدفوعًا بتنفيذ الإجراءات والإصلاحات المرتبطة بمخطط التنمية للفترة 2026–2030.

وتستهدف الخطة مجموعة من الأولويات الاقتصادية والتنموية، من بينها تبسيط الإجراءات الإدارية، ودعم أصحاب المشاريع ورواد الأعمال، وخفض معدلات البطالة، وتسريع تنفيذ المشاريع المحلية، وتحسين البنية التحتية.

ويُنظر إلى هذه المحاور باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على تحقيق نمو أكثر استدامة، خاصة أن رفع معدلات النمو لا يرتبط فقط بأداء القطاعات الاقتصادية القائمة، وإنما يتطلب أيضًا تحسين بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار وخلق مشاريع جديدة.

 

تبسيط الإدارة.. مدخل لتحسين مناخ الاستثمار

يبرز تبسيط الإجراءات الإدارية كأحد المحاور المهمة في مخطط التنمية، بالنظر إلى تأثير سرعة المعاملات ووضوح المسارات الإدارية في مناخ الاستثمار وقدرة المؤسسات على إنجاز مشاريعها في الآجال والتكاليف المبرمجة. ومن شأن تقليص التعقيدات الإدارية وتيسير النفاذ إلى الخدمات والتراخيص أن يساهم في تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع المبادرة الخاصة، ودعم المؤسسات القائمة على توسيع أنشطتها.

ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المشاريع، باعتبار أن كلفة الإجراءات وطول آجالها يمكن أن يمثلا عاملين مؤثرين في قرارات الاستثمار والتوسع. ومن هذا المنطلق، فإن تحسين الأداء الإداري لا يرتبط فقط بتسهيل بعث المؤسسات، وإنما يمثل أيضًا عنصرًا من عناصر رفع القدرة التنافسية للاقتصاد وتحسين جاذبيته للاستثمار.

 

دعم ريادة الأعمال رهان على الاستثمار والتشغيل

ويراهن مخطط التنمية كذلك على دعم أصحاب المشاريع ورواد الأعمال، باعتبارهم أحد مكونات النسيج الاقتصادي القادرة على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل. ويأتي هذا التوجه في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل، وتوسيع قاعدة المؤسسات المنتجة.

ولا يرتبط الحد من البطالة بزيادة عدد الوظائف فحسب، وإنما يتطلب أيضًا توفير بيئة اقتصادية تسمح بإنشاء مشاريع جديدة وقابلة للاستمرار، إلى جانب تمكين المؤسسات القائمة من النمو والاستثمار. ويمكن لدعم ريادة الأعمال أن يساهم في تنويع النسيج الاقتصادي وتوسيع قاعدة المؤسسات، خاصة على المستوى الجهوي والمحلي، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويفتح مجالات جديدة للتشغيل.

 

تسريع المشاريع المحلية.. من البرمجة إلى الإنجاز

ويولي مخطط التنمية أهمية كذلك لتسريع تنفيذ المشاريع المحلية، باعتبار أن تحويل المشاريع المبرمجة إلى إنجازات فعلية يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق أثر اقتصادي وتنموي ملموس.

فالمشاريع المحلية يمكن أن تساهم في تحريك الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، فضلًا عن دعم التنمية الجهوية والحد من التفاوت بين المناطق، كما أن تسريع نسق الإنجاز يتيح الاستفادة في وقت أقرب من الاستثمارات المبرمجة، ويحول الاعتمادات والبرامج التنموية إلى نشاط اقتصادي فعلي ينعكس على المؤسسات والعمال والمناطق المعنية.

 

البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد

وتشكل البنية التحتية بدورها أحد المحاور الأساسية في مسار التنمية، بالنظر إلى دورها في تحسين ظروف النشاط الاقتصادي وتعزيز تنافسية المؤسسات والجهات.

كما أن إنشاء وصيانة شبكات النقل والمرافق والخدمات الأساسية يساهم في تحسين الربط بين المناطق، وتسهيل حركة الأشخاص والسلع، والحد من كلفة النقل واللوجستيك، كما يمكن أن يعزز قدرة الجهات على استقطاب الاستثمارات وإحداث مشاريع جديدة.

ولا يقتصر أثر الاستثمار في البنية التحتية على فترة إنجاز المشاريع، بل يمتد إلى المدى المتوسط والطويل من خلال تحسين جودة الخدمات وتوفير ظروف أفضل للمؤسسات والمستثمرين. ولذلك، يمثل تطوير البنية التحتية أحد العناصر الداعمة للنمو، خاصة عندما يترافق مع تحسين مناخ الأعمال وتسريع إنجاز المشاريع.

 

بين التعافي والإصلاح، رهانات المرحلة المقبلة

تشير توقعات صندوق النقد العربي إلى أن الاقتصاد التونسي يتجه إلى مواصلة مسار التعافي التدريجي، مع نمو متوقع في حدود 2.6 بالمائة خلال سنة 2026 وارتفاعه إلى نحو 2.7 بالمائة في سنة 2027، مدفوعًا بتحسن أداء عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والميكانيكية والكهربائية، إلى جانب الخدمات والسياحة، غير أن تثبيت هذا المسار وتعزيزه يظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على رفع الاستثمار والإنتاجية ودعم القطاعات المنتجة ومواصلة الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال ومعالجة العراقيل التي تحد من نسق النشاط الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تمثل خطة التنمية 2026–2030 فرصة لتعزيز هذه الديناميكية من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية ودعم المؤسسات ورواد الأعمال وتسريع تنفيذ المشاريع المحلية وتحسين البنية التحتية. كما ستظل المحافظة على استقرار الأسعار ومواكبة السياسة النقدية للتطورات الاقتصادية من العوامل المهمة في المرحلة المقبلة.

وبقدر ما تنجح هذه الإصلاحات في الانتقال من مستوى التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، يمكن لتونس أن تعزز مسار النمو وتوفر ظروفًا أفضل للاستثمار وخلق فرص العمل، بما يدعم نموًا أكثر استدامة وتوازنًا ويعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف الجهات.

جهاد الكلبوسي