إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مع بدء العد التنازلي لانطلاق الموسم الفلاحي.. الدولة تراهن على جودة الانتاج لتعزيز الأمن الغذائي

تونس-الصباح

تتصدر اليوم الاستعدادات لموسم الزراعات الكبرى ومتابعة منظومة الحبوب ودعم صغار الفلاحين وتطوير إنتاج زيت الزيتون والتمور والقوارص أولويات العمل الحكومي في إطار توجه سياسي يعتبر أن الأمن الغذائي ركيزة هامة من ركائز السيادة الوطنية. فمن خلال الاجتماعات الدورية والقرارات التي تتعلق بتأمين مستلزمات الإنتاج، وحماية الأراضي الفلاحية، ومقاومة الاحتكار، وتثمين المنتوج الوطني، يتبلور توجه يراهن على بناء اقتصاد وطني منتج يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الهزات الدولية، ويضع الفلاحة في صميم مشروع الدولة باعتبارها الضامن الأول لاستقلالية القرار الوطني وتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

 

وضمن هذه المقاربة، يندرج الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيد بالقطاع الفلاحي، حيث تحولت قضايا الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستعداد لمواسم الزراعات الكبرى ودعم صغار الفلاحين، إلى ملفات تُتابع على أعلى مستوى في الدولة. فالمقاربة التي برزت في مختلف المجالس الوزارية واللقاءات الرسمية تعتبر الفلاحة قطاعًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

تجاوز القطاع الفلاحي اليوم كونه مجرد قطاع إنتاجي ليصبح خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لرؤية الدولة في أعلى هرمها، ملفًا سياديًا يتصل مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فمنذ تولي رئيس الجمهورية قيس سعيد زمام المسؤولية، برز توجه واضح يقوم على إعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الدولة التي لا توفر غذاءها تظل حبيسة للتقلبات والتغيرات الخارجية والأسواق الدولية والأزمات الجيوسياسية. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تتصدر الاستعدادات لمواسم الزراعات الكبرى ومتابعة منظومة الحبوب ودعم صغار الفلاحين، وتطوير إنتاج زيت الزيتون والتمور والخضروات، جدول أعمال الدولة في مناسبات عديدة، في إطار رؤية تسعى إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء السيادة الغذائية.

 

الأمن الغذائي... سياسة دولة

 

وضمن هذا التمشي، تكررت دعوات رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة مضاعفة الإنتاج الوطني وحماية الأراضي الفلاحية، والتصدي لكل أشكال المضاربة والاحتكار، وتوفير الظروف الملائمة للفلاح، لا سيما صغار الفلاحين، حتى يتسنى لهم أداء مهامهم على الوجه المطلوب، باعتبارهم شريكًا استراتيجيًا في حماية الأمن الغذائي.

ويكتسي هذا الطرح أهمية قصوى في ظل التغيرات المناخية وارتفاع أسعار المواد الأولية عالميًا وتزايد المنافسة على الموارد الغذائية، وجميعها معطيات جعلت من الاستثمار في الفلاحة خيارًا سياسيًا واستراتيجيًا.

 

استعدادات لموسم ناجح

ويمثل موسم الزراعات الكبرى أحد أهم التحديات السنوية للدولة، لما للحبوب من مكانة جوهرية في سياسات الأمن الغذائي الوطني. وهو ما يفسر حرص الدولة على الاستعداد مبكرًا للموسم الفلاحي الجديد من خلال متابعة توفير البذور الممتازة، والأسمدة، والآلات الفلاحية، والاستعداد لمختلف المراحل المرتبطة بالزراعة والتجميع والخزن.

وتهدف هذه الإجراءات الاستباقية إلى ضمان أفضل الظروف الممكنة للفلاح قبل انطلاق الموسم الفلاحي، بما يوفر أرضية ملائمة لتحقيق إنتاج وفير ويحد من الصعوبات أو العراقيل التي عرفتها سابقًا بعض المواسم السابقة.

كما تعمل الدولة على تعزيز التنسيق بين وزارة الفلاحة والهياكل المهنية والمؤسسات العمومية ذات العلاقة المباشرة، بهدف توفير مناخ أكثر استقرارًا للإنتاج، وتذليل العراقيل التي قد تؤثر في مردودية الموسم الفلاحي.

 

معركة السيادة الغذائية

 

تبقى المنتوجات من قبيل القمح الصلب والقمح اللين والشعير في صدارة الأولويات الوطنية، باعتبارها منتجات استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي.

وفي هذا الإطار، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تم التشجيع على التوسع في المساحات المزروعة وتحسين جودة البذور وتطوير منظومة الإرشاد الفلاحي، إلى جانب دعم البحث العلمي لإنتاج أصناف أكثر مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية.

كما يمثل تحديث مراكز التجميع ومخازن الحبوب أحد المحاور الأساسية لتحسين جودة الإنتاج، هذا دون التغافل عن تطوير منظومة التصرف في المخزون الاستراتيجي.

وضمن هذا التوجه يحتل صغار الفلاحين مكانة خاصة في المقاربة الرسمية، باعتبارهم يشكلون جزءًا مهمًا من النسيج الفلاحي الوطني، ويساهمون في استمرارية النشاط الاقتصادي داخل المناطق الريفية.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد قد أقر جملة من الإجراءات لفائدة صغار الفلاحين تتجه نحو تحسين نفاذهم إلى التمويل، وتوفير مستلزمات الإنتاج، والإحاطة الفنية، وتشجيع العمل التعاوني، إلى جانب السعي إلى تبسيط الإجراءات الإدارية.

وهذه الإجراءات، على أهميتها، فإن الهدف منها لا يقع عند حدود تحسين منظومة الإنتاج، وإنما تمتد إلى مسائل جوهرية تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تجاوزها، تتعلق بالحد من الفوارق الجهوية ومقاومة الهجرة الداخلية، وتعزيز التنمية المحلية، بما يجعل دعم صغار الفلاحين يمثل استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي بقدر ما هو استثمار في الإنتاج.

 

زيت الزيتون... قوة اقتصادية صاعدة

 

لا يمكن الخوض في الاستعدادات للمواسم الفلاحية الكبرى دون التوقف عند زيت الزيتون، الذي يظل أحد أبرز نقاط القوة في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى المكانة المتقدمة التي تحتلها تونس بين كبار المنتجين والمصدرين عالميًا.

وهنا جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد ما انفك يشدد في أكثر من مناسبة على أهمية زيت الزيتون، باعتباره من أبرز مقومات الثروة الفلاحية الوطنية ومن المنتجات الاستراتيجية القادرة على تعزيز إشعاع تونس الاقتصادي في الخارج. وفي هذا الإطار، لم يقتصر الجهد على دعم الإنتاج وتحسين الجودة، بل شمل أيضًا تثمين المنتوج التونسي والتعريف به في الأسواق الدولية، حيث اضطلعت البعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج، بالتنسيق مع مختلف الهياكل الوطنية، بدور فاعل في الترويج لزيت الزيتون التونسي وفتح آفاق جديدة أمامه. وقد أثمرت هذه الجهود حضورًا لافتًا للمنتوج التونسي في العديد من الأسواق، إلى جانب تتويجه خلال السنة الجارية بعدد من الجوائز والتصنيفات الدولية المرموقة، بما يؤكد المكانة التي بات يحتلها زيت الزيتون التونسي من حيث الجودة والقدرة التنافسية العالية، بما أفضى إلى تعزيز صورته باعتباره أحد أهم سفراء تونس الاقتصاديين في العالم...

وتتواصل الجهود اليوم نحو الترفيع في القيمة المضافة للمنتوج من خلال تشجيع التعليب وتطوير العلامات التونسية، وتحسين الجودة، والولوج إلى أسواق جديدة على غرار السوق الآسيوية.

كما تعمل الدولة على مواصلة دعم هذا القطاع عبر تحديث المعاصر وتحسين تقنيات الجني والخزن، وتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية، بما يعزز قدرة زيت الزيتون التونسي على المنافسة في الأسواق الدولية.

 

التمور... نموذج للنجاح التصديري

 

وبعيدًا عن زيت الزيتون، يؤكد قطاع التمور أن الفلاح قادر على فرض حضوره في الأسواق العالمية عندما تتوفر ثلاثية: الجودة والتنظيم والاستثمار.

وفي هذا الإطار، تواصل الدولة استعدادًا للموسم القادم دعم الواحات وتحسين شبكات الري وتشجيع التصدير والبحث عن أسواق جديدة، إلى جانب تثمين الصناعات التحويلية المرتبطة بالتمور، على اعتبار أن هذا القطاع يمثل نموذجًا على أن الاستثمار في الفلاحة لا يقتصر على الإنتاج الأولي، بل يشمل أيضًا التصنيع الغذائي وخلق القيمة المضافة...

وبالتوازي مع التمور، يعد قطاع القوارص من المجالات الفلاحية ذات الأهمية الاقتصادية، خاصة في الوطن القبلي، حيث تواصل الدولة استعدادًا للموسم القادم العمل على دعم الإنتاج وتحسين الجودة والمحافظة على القدرة التنافسية للمنتوج التونسي.

كما تتجه الجهود نحو تطوير منظومات الري ومقاومة الأمراض النباتية، وتحسين عمليات التسويق، وفتح منافذ تصديرية جديدة، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.

من جانب آخر، تحظى زراعة الخضروات والإنتاج الحيواني بمتابعة متواصلة، نظرًا لارتباطهما المباشر بالقدرة الشرائية للمواطن.

وفي هذا الإطار، تعمل الدولة وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد على توفير الأعلاف، وتحسين إنتاجها محليًا، ومتابعة مسالك التوزيع، والتصدي للممارسات الاحتكارية، بما يسهم في تحقيق توازن السوق والحد من التقلبات الحادة في الأسعار.

ولأنه لا يمكن لأي سياسة فلاحية أن تنجح دون معالجة مسألة ندرة المياه، خاصة في ظل تواتر سنوات الجفاف، فإن الدولة في أعلى هرمها تسعى إلى التسريع في استكمال مشاريع السدود، وتحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتعميم تقنيات الري المقتصد للمياه، باعتبار أن حسن إدارة الموارد المائية يمثل شرطًا أساسيًا لديمومة.

 

مكافحة الاحتكار...

 

ويرى رئيس الجمهورية -من خلال ما عبّر عنه في مناسبات ولقاءات رسمية عديدة- أن حماية الإنتاج لا تنفصل عن حماية السوق، ولذلك تمثل مقاومة الاحتكار والمضاربة جزءًا من السياسة العامة للدولة، وهو ما جعل هذا الملف يحظى بمتابعة متواصلة من قبل الهياكل المختصة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن دعم الفلاح لا يقتصر على توفير مستلزمات الإنتاج وتحسين ظروف العمل، وإنما يشمل أيضًا ضمان مسالك توزيع شفافة وعادلة تحميه من هيمنة الوسطاء والمضاربين، وتضمن وصول المنتوج إلى المستهلك بأسعار تعكس الكلفة الحقيقية للإنتاج. كما تندرج هذه المقاربة ضمن رؤية شاملة تستهدف إصلاح منظومة التوزيع، والتصدي لكل الممارسات التي تخلّ بتوازن السوق، بما يحافظ على القدرة الشرائية للمواطن ويحفّز المنتجين على مواصلة الإنتاج، كما يعزز استقرار المنظومة الفلاحية باعتبارها إحدى ركائز الأمن الغذائي والسيادة الوطنية.

البحث العلمي... الاستثمار في المستقبل

 

لا يمكن للفلاحة أن تحقق قفزة نوعية دون تطوير البحث العلمي الزراعي. ومن هنا تتزايد أهمية مراكز البحث والمؤسسات الجامعية في تطوير البذور، وتحسين الإنتاجية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد الزراعية.

كما يشكل الابتكار أحد الآليات الأساسية لمواجهة تحديات التغير المناخي وضمان ديمومة الإنتاج، وهو ما تسعى اليوم الدولة إلى ترسيخه من خلال التشجيع على البحث العلمي والاستثمار في المجال الفلاحي...

 

نحو اقتصاد منتج

 

من خلال الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد دعمًا للقطاع الفلاحي، إلى جانب تصريحاته خلال لقاءاته مع المسؤولين في الخطوط الأولى عن المجال الفلاحي، يبرز توجه سياسي يقوم على إعادة الاعتبار للاقتصاد المنتج، والقطع مع منطق الاعتماد المفرط على التوريد في المواد الأساسية متى كان بالإمكان تعزيز الإنتاج المحلي.

ولا يعني ذلك الانغلاق الاقتصادي، وإنما بناء منظومة وطنية فلاحية أكثر قدرة على الصمود، بما ينسجم مع رؤية رئيس الدولة للقطاع الفلاحي، والتي تعتبر أن الفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي، وإنما هي إحدى ركائز الاستقلال الوطني.

في هذا الخضم، تكشف معظم حلقات الاستعدادات المتواصلة لموسم الزراعات الكبرى، والاهتمام المتزايد بمنظومة الحبوب، ودعم صغار الفلاحين، وتطوير المنتوجات الأساسية من قبيل زيت الزيتون والتمور والقوارص والإنتاج الحيواني، أن الفلاحة أصبحت تحتل موقعًا مركزيًا في السياسة التي تتبناها الدولة في أعلى هرمها. وإذا كانت التحديات المرتبطة بالمناخ والموارد المائية وكلفة الإنتاج ما تزال قائمة وتستوجب خططًا استباقية وسياسات أكثر مرونة وقدرة على التكيف، فإن الجهود الراهنة تقتضي المضي قدمًا في مسار الإصلاح الفلاحي، وتعزيز دور الفلاح باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق الأمن الغذائي، بما من شأنه أن يفضي إلى ترسيخ نموذج تنموي يجعل من الفلاحة رافعة للنمو الاقتصادي ومصدرًا لخلق الثروة ومواطن الشغل.

منال حرزي

 

مع بدء العد التنازلي لانطلاق الموسم الفلاحي.. الدولة تراهن على جودة الانتاج لتعزيز الأمن الغذائي

تونس-الصباح

تتصدر اليوم الاستعدادات لموسم الزراعات الكبرى ومتابعة منظومة الحبوب ودعم صغار الفلاحين وتطوير إنتاج زيت الزيتون والتمور والقوارص أولويات العمل الحكومي في إطار توجه سياسي يعتبر أن الأمن الغذائي ركيزة هامة من ركائز السيادة الوطنية. فمن خلال الاجتماعات الدورية والقرارات التي تتعلق بتأمين مستلزمات الإنتاج، وحماية الأراضي الفلاحية، ومقاومة الاحتكار، وتثمين المنتوج الوطني، يتبلور توجه يراهن على بناء اقتصاد وطني منتج يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الهزات الدولية، ويضع الفلاحة في صميم مشروع الدولة باعتبارها الضامن الأول لاستقلالية القرار الوطني وتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

 

وضمن هذه المقاربة، يندرج الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيد بالقطاع الفلاحي، حيث تحولت قضايا الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستعداد لمواسم الزراعات الكبرى ودعم صغار الفلاحين، إلى ملفات تُتابع على أعلى مستوى في الدولة. فالمقاربة التي برزت في مختلف المجالس الوزارية واللقاءات الرسمية تعتبر الفلاحة قطاعًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

تجاوز القطاع الفلاحي اليوم كونه مجرد قطاع إنتاجي ليصبح خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لرؤية الدولة في أعلى هرمها، ملفًا سياديًا يتصل مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فمنذ تولي رئيس الجمهورية قيس سعيد زمام المسؤولية، برز توجه واضح يقوم على إعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الدولة التي لا توفر غذاءها تظل حبيسة للتقلبات والتغيرات الخارجية والأسواق الدولية والأزمات الجيوسياسية. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تتصدر الاستعدادات لمواسم الزراعات الكبرى ومتابعة منظومة الحبوب ودعم صغار الفلاحين، وتطوير إنتاج زيت الزيتون والتمور والخضروات، جدول أعمال الدولة في مناسبات عديدة، في إطار رؤية تسعى إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء السيادة الغذائية.

 

الأمن الغذائي... سياسة دولة

 

وضمن هذا التمشي، تكررت دعوات رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة مضاعفة الإنتاج الوطني وحماية الأراضي الفلاحية، والتصدي لكل أشكال المضاربة والاحتكار، وتوفير الظروف الملائمة للفلاح، لا سيما صغار الفلاحين، حتى يتسنى لهم أداء مهامهم على الوجه المطلوب، باعتبارهم شريكًا استراتيجيًا في حماية الأمن الغذائي.

ويكتسي هذا الطرح أهمية قصوى في ظل التغيرات المناخية وارتفاع أسعار المواد الأولية عالميًا وتزايد المنافسة على الموارد الغذائية، وجميعها معطيات جعلت من الاستثمار في الفلاحة خيارًا سياسيًا واستراتيجيًا.

 

استعدادات لموسم ناجح

ويمثل موسم الزراعات الكبرى أحد أهم التحديات السنوية للدولة، لما للحبوب من مكانة جوهرية في سياسات الأمن الغذائي الوطني. وهو ما يفسر حرص الدولة على الاستعداد مبكرًا للموسم الفلاحي الجديد من خلال متابعة توفير البذور الممتازة، والأسمدة، والآلات الفلاحية، والاستعداد لمختلف المراحل المرتبطة بالزراعة والتجميع والخزن.

وتهدف هذه الإجراءات الاستباقية إلى ضمان أفضل الظروف الممكنة للفلاح قبل انطلاق الموسم الفلاحي، بما يوفر أرضية ملائمة لتحقيق إنتاج وفير ويحد من الصعوبات أو العراقيل التي عرفتها سابقًا بعض المواسم السابقة.

كما تعمل الدولة على تعزيز التنسيق بين وزارة الفلاحة والهياكل المهنية والمؤسسات العمومية ذات العلاقة المباشرة، بهدف توفير مناخ أكثر استقرارًا للإنتاج، وتذليل العراقيل التي قد تؤثر في مردودية الموسم الفلاحي.

 

معركة السيادة الغذائية

 

تبقى المنتوجات من قبيل القمح الصلب والقمح اللين والشعير في صدارة الأولويات الوطنية، باعتبارها منتجات استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي.

وفي هذا الإطار، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تم التشجيع على التوسع في المساحات المزروعة وتحسين جودة البذور وتطوير منظومة الإرشاد الفلاحي، إلى جانب دعم البحث العلمي لإنتاج أصناف أكثر مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية.

كما يمثل تحديث مراكز التجميع ومخازن الحبوب أحد المحاور الأساسية لتحسين جودة الإنتاج، هذا دون التغافل عن تطوير منظومة التصرف في المخزون الاستراتيجي.

وضمن هذا التوجه يحتل صغار الفلاحين مكانة خاصة في المقاربة الرسمية، باعتبارهم يشكلون جزءًا مهمًا من النسيج الفلاحي الوطني، ويساهمون في استمرارية النشاط الاقتصادي داخل المناطق الريفية.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد قد أقر جملة من الإجراءات لفائدة صغار الفلاحين تتجه نحو تحسين نفاذهم إلى التمويل، وتوفير مستلزمات الإنتاج، والإحاطة الفنية، وتشجيع العمل التعاوني، إلى جانب السعي إلى تبسيط الإجراءات الإدارية.

وهذه الإجراءات، على أهميتها، فإن الهدف منها لا يقع عند حدود تحسين منظومة الإنتاج، وإنما تمتد إلى مسائل جوهرية تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تجاوزها، تتعلق بالحد من الفوارق الجهوية ومقاومة الهجرة الداخلية، وتعزيز التنمية المحلية، بما يجعل دعم صغار الفلاحين يمثل استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي بقدر ما هو استثمار في الإنتاج.

 

زيت الزيتون... قوة اقتصادية صاعدة

 

لا يمكن الخوض في الاستعدادات للمواسم الفلاحية الكبرى دون التوقف عند زيت الزيتون، الذي يظل أحد أبرز نقاط القوة في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى المكانة المتقدمة التي تحتلها تونس بين كبار المنتجين والمصدرين عالميًا.

وهنا جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد ما انفك يشدد في أكثر من مناسبة على أهمية زيت الزيتون، باعتباره من أبرز مقومات الثروة الفلاحية الوطنية ومن المنتجات الاستراتيجية القادرة على تعزيز إشعاع تونس الاقتصادي في الخارج. وفي هذا الإطار، لم يقتصر الجهد على دعم الإنتاج وتحسين الجودة، بل شمل أيضًا تثمين المنتوج التونسي والتعريف به في الأسواق الدولية، حيث اضطلعت البعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج، بالتنسيق مع مختلف الهياكل الوطنية، بدور فاعل في الترويج لزيت الزيتون التونسي وفتح آفاق جديدة أمامه. وقد أثمرت هذه الجهود حضورًا لافتًا للمنتوج التونسي في العديد من الأسواق، إلى جانب تتويجه خلال السنة الجارية بعدد من الجوائز والتصنيفات الدولية المرموقة، بما يؤكد المكانة التي بات يحتلها زيت الزيتون التونسي من حيث الجودة والقدرة التنافسية العالية، بما أفضى إلى تعزيز صورته باعتباره أحد أهم سفراء تونس الاقتصاديين في العالم...

وتتواصل الجهود اليوم نحو الترفيع في القيمة المضافة للمنتوج من خلال تشجيع التعليب وتطوير العلامات التونسية، وتحسين الجودة، والولوج إلى أسواق جديدة على غرار السوق الآسيوية.

كما تعمل الدولة على مواصلة دعم هذا القطاع عبر تحديث المعاصر وتحسين تقنيات الجني والخزن، وتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية، بما يعزز قدرة زيت الزيتون التونسي على المنافسة في الأسواق الدولية.

 

التمور... نموذج للنجاح التصديري

 

وبعيدًا عن زيت الزيتون، يؤكد قطاع التمور أن الفلاح قادر على فرض حضوره في الأسواق العالمية عندما تتوفر ثلاثية: الجودة والتنظيم والاستثمار.

وفي هذا الإطار، تواصل الدولة استعدادًا للموسم القادم دعم الواحات وتحسين شبكات الري وتشجيع التصدير والبحث عن أسواق جديدة، إلى جانب تثمين الصناعات التحويلية المرتبطة بالتمور، على اعتبار أن هذا القطاع يمثل نموذجًا على أن الاستثمار في الفلاحة لا يقتصر على الإنتاج الأولي، بل يشمل أيضًا التصنيع الغذائي وخلق القيمة المضافة...

وبالتوازي مع التمور، يعد قطاع القوارص من المجالات الفلاحية ذات الأهمية الاقتصادية، خاصة في الوطن القبلي، حيث تواصل الدولة استعدادًا للموسم القادم العمل على دعم الإنتاج وتحسين الجودة والمحافظة على القدرة التنافسية للمنتوج التونسي.

كما تتجه الجهود نحو تطوير منظومات الري ومقاومة الأمراض النباتية، وتحسين عمليات التسويق، وفتح منافذ تصديرية جديدة، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.

من جانب آخر، تحظى زراعة الخضروات والإنتاج الحيواني بمتابعة متواصلة، نظرًا لارتباطهما المباشر بالقدرة الشرائية للمواطن.

وفي هذا الإطار، تعمل الدولة وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد على توفير الأعلاف، وتحسين إنتاجها محليًا، ومتابعة مسالك التوزيع، والتصدي للممارسات الاحتكارية، بما يسهم في تحقيق توازن السوق والحد من التقلبات الحادة في الأسعار.

ولأنه لا يمكن لأي سياسة فلاحية أن تنجح دون معالجة مسألة ندرة المياه، خاصة في ظل تواتر سنوات الجفاف، فإن الدولة في أعلى هرمها تسعى إلى التسريع في استكمال مشاريع السدود، وتحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتعميم تقنيات الري المقتصد للمياه، باعتبار أن حسن إدارة الموارد المائية يمثل شرطًا أساسيًا لديمومة.

 

مكافحة الاحتكار...

 

ويرى رئيس الجمهورية -من خلال ما عبّر عنه في مناسبات ولقاءات رسمية عديدة- أن حماية الإنتاج لا تنفصل عن حماية السوق، ولذلك تمثل مقاومة الاحتكار والمضاربة جزءًا من السياسة العامة للدولة، وهو ما جعل هذا الملف يحظى بمتابعة متواصلة من قبل الهياكل المختصة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن دعم الفلاح لا يقتصر على توفير مستلزمات الإنتاج وتحسين ظروف العمل، وإنما يشمل أيضًا ضمان مسالك توزيع شفافة وعادلة تحميه من هيمنة الوسطاء والمضاربين، وتضمن وصول المنتوج إلى المستهلك بأسعار تعكس الكلفة الحقيقية للإنتاج. كما تندرج هذه المقاربة ضمن رؤية شاملة تستهدف إصلاح منظومة التوزيع، والتصدي لكل الممارسات التي تخلّ بتوازن السوق، بما يحافظ على القدرة الشرائية للمواطن ويحفّز المنتجين على مواصلة الإنتاج، كما يعزز استقرار المنظومة الفلاحية باعتبارها إحدى ركائز الأمن الغذائي والسيادة الوطنية.

البحث العلمي... الاستثمار في المستقبل

 

لا يمكن للفلاحة أن تحقق قفزة نوعية دون تطوير البحث العلمي الزراعي. ومن هنا تتزايد أهمية مراكز البحث والمؤسسات الجامعية في تطوير البذور، وتحسين الإنتاجية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد الزراعية.

كما يشكل الابتكار أحد الآليات الأساسية لمواجهة تحديات التغير المناخي وضمان ديمومة الإنتاج، وهو ما تسعى اليوم الدولة إلى ترسيخه من خلال التشجيع على البحث العلمي والاستثمار في المجال الفلاحي...

 

نحو اقتصاد منتج

 

من خلال الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد دعمًا للقطاع الفلاحي، إلى جانب تصريحاته خلال لقاءاته مع المسؤولين في الخطوط الأولى عن المجال الفلاحي، يبرز توجه سياسي يقوم على إعادة الاعتبار للاقتصاد المنتج، والقطع مع منطق الاعتماد المفرط على التوريد في المواد الأساسية متى كان بالإمكان تعزيز الإنتاج المحلي.

ولا يعني ذلك الانغلاق الاقتصادي، وإنما بناء منظومة وطنية فلاحية أكثر قدرة على الصمود، بما ينسجم مع رؤية رئيس الدولة للقطاع الفلاحي، والتي تعتبر أن الفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي، وإنما هي إحدى ركائز الاستقلال الوطني.

في هذا الخضم، تكشف معظم حلقات الاستعدادات المتواصلة لموسم الزراعات الكبرى، والاهتمام المتزايد بمنظومة الحبوب، ودعم صغار الفلاحين، وتطوير المنتوجات الأساسية من قبيل زيت الزيتون والتمور والقوارص والإنتاج الحيواني، أن الفلاحة أصبحت تحتل موقعًا مركزيًا في السياسة التي تتبناها الدولة في أعلى هرمها. وإذا كانت التحديات المرتبطة بالمناخ والموارد المائية وكلفة الإنتاج ما تزال قائمة وتستوجب خططًا استباقية وسياسات أكثر مرونة وقدرة على التكيف، فإن الجهود الراهنة تقتضي المضي قدمًا في مسار الإصلاح الفلاحي، وتعزيز دور الفلاح باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق الأمن الغذائي، بما من شأنه أن يفضي إلى ترسيخ نموذج تنموي يجعل من الفلاحة رافعة للنمو الاقتصادي ومصدرًا لخلق الثروة ومواطن الشغل.

منال حرزي