إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اختيار معهد باستور مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة..  ثقة إفريقية تعيد الاعتبار للمرفق العمومي وتصنع إشعاعًا علميًا جديدًا  

 

تونس - الصباح

في خطوة تعكس حجم المكانة المهمة التي تحظى بها مؤسسات الصحة والبحث العلمي صلب المنظومة الصحية الإفريقية، أعلن، أمس، معهد باستور عن اختياره رسميًا من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها ليكون المركز الإقليمي لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة. 

وهذا التعيين، على أهميته، فإنه لا يعكس فقط اعترافًا بكفاءة مؤسسة بحثية وطنية عريقة بحجم معهد باستور، بل يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية تتجاوز الجانب العلمي لتلامس رهانات الأمن الصحي، والدبلوماسية العلمية، وإشعاع صورة تونس في الخارج. والأهم من ذلك أنه يمثل اعترافًا يعيد الاعتبار، في جوهره، إلى المرفق العمومي الصحي والمؤسسات الوطنية العمومية، مؤكدًا أنها ما تزال، رغم التحديات والإكراهات، قادرة على صناعة التميز وقيادة المبادرات الإقليمية والمنافسة الدولية الرفيعة المستوى.

كما يبرز هذا الاعتراف أيضًا أن الاستثمار المتواصل في البحث العلمي وفي المرفق العمومي من شأنه أن يتحول إلى رصيد استراتيجي يعزز مكانة تونس، ويكرس إشعاعها دوليًا كشريك موثوق يمتلك الخبرة والقدرة على المساهمة في مواجهة ومعالجة مختلف التحديات الصحية العابرة للحدود.

وفي هذا الخصوص، يمثل هذا الاختيار مؤشرًا على الثقة التي تحظى بها الخبرات والكفاءات التونسية في مدى قدرتها على قيادة مبادرات إقليمية في مجالات حيوية تلامس صحة الإنسان وسلامة البيئة. ومن هذا المنطلق، ينضاف هذا الإنجاز إلى سلسلة من الإنجازات والإشادات في مسار ترسيخ موقع تونس كشريك علمي موثوق وفاعل داخل القارة الإفريقية، ويمنحها فرصة إضافية لتعزيز حضورها الدولي من بوابة الابتكار والتميز العلمي.

كما تحمل هذه الإشادة قيمة استراتيجية مهمة، لأنها تمنح الدولة شرعية معرفية وثقة مؤسساتية لا تكتسبان إلا عبر سنوات طويلة من العمل العلمي والالتزام المهني. وضمن هذه المقاربة، فإن اختيار معهد باستور تونس من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ليكون المركز الإقليمي لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة يمثل لبنة جديدة في مسار ترسيخ صورة تونس باعتبارها دولة تمتلك من المقومات ما يؤهلها للقيام بأدوار إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وفي هذا السياق، يتخذ هذا الحدث بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الصحي، ليعكس حجم الثقة التي تحظى بها المؤسسات العلمية التونسية داخل المنظومتين الإفريقية والدولية.

اعتراف إفريقي

يشير أهل الاختصاص إلى أن اختيار معهد باستور مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها يستند، في جوهره، إلى معايير دقيقة تتعلق بالكفاءة العلمية، وجودة البنية التحتية، والخبرة المتراكمة، إلى جانب القدرة على إدارة شبكات التعاون الإقليمي.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن معهد باستور قد راكم، عبر عقود طويلة، رصيدًا علميًا مهمًا جعله أحد أبرز المؤسسات البحثية في شمال إفريقيا، سواء في مجالات علم الفيروسات أو البيولوجيا الجزيئية أو علم الجينوم. هذا، دون التغافل عن الدور الريادي الذي لعبه خلال جائحة كوفيد-19، من خلال مساهمته الفاعلة في عمليات التشخيص والتحليل الجيني وتتبع المتحورات، وهو ما عزز مصداقيته لدى المؤسسات الصحية الدولية.

وبالتالي، فإن هذا الاختيار يعد اعترافًا إفريقيًا صريحًا بأن تونس تمتلك من الإمكانيات البشرية والعلمية ما يؤهلها لقيادة جهود إقليمية في مجال بالغ الدقة يتعلق بالإنذار المبكر والوقاية من المخاطر الصحية.

الصحة... وجه آخر للدبلوماسية الحديثة

تكمن أهمية هذا الاختيار في أنه يعني، عمليًا، أن تونس ستتحول إلى منصة لتبادل البيانات والخبرات والتنسيق العلمي بين عدد من الدول، وهو ما من شأنه أن يمنحها حضورًا أكبر داخل المنظومة الإفريقية للصحة العمومية، ويعزز قدرتها على المساهمة في صياغة السياسات الصحية الإقليمية.

كما أن إدارة مركز إقليمي بهذا الحجم ستفتح المجال أمام استقطاب الخبراء والباحثين، وتنظيم المؤتمرات والدورات التدريبية والمشاريع المشتركة، وهو ما سيرسخ الحضور التونسي داخل الفضاء الإفريقي بطريقة مستدامة، كما سيساهم في إرساء مفهوم الدبلوماسية الصحية، التي تعتبر من الآليات الحديثة للعمل الدبلوماسي، باعتبار أن التعاون في مجالات الصحة والبحث العلمي بات مدخلًا لتعزيز الشراكات الاستراتيجية والثقة بين الدول.

ويستمد هذا الطرح شرعيته بالنظر إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات بحثية مرجعية وخبرات علمية متقدمة تعتبر أكثر قدرة على لعب أدوار إقليمية ودولية مؤثرة، عبر مساهمتها في صياغة السياسات الصحية وتنسيق جهود الوقاية والاستجابة للأزمات، وهو ما يعزز حضور تونس داخل الفضاء الإفريقي.

وفي هذا الخضم، يمكن اعتبار هذا التعيين أيضًا نجاحًا للدبلوماسية العلمية التونسية، بالنظر إلى أن التعاون العلمي بات مدخلًا أساسيًا لتعزيز الثقة بين الدول، وبناء شبكات الخبراء، وتبادل المعرفة، وإطلاق المشاريع المشتركة.

وكلما ازدادت قدرة دولة ما على تصدير خبراتها العلمية، تعززت قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي، وهو ما سينعكس بدوره على مكانتها السياسية والاقتصادية.

ومن المنتظر أن يساهم هذا المركز في تعزيز حضور تونس داخل الشبكات الإفريقية المتخصصة، وأن يجعلها طرفًا أكثر تأثيرًا في النقاشات والسياسات المتعلقة بالأمن الصحي والوقاية من المخاطر البيئية.

الاستثمار في الوقاية

قد يبدو مجال مراقبة مياه الصرف الصحي للبعض مجالًا تقنيًا محدودًا، لكنه، وبإجماع الخبراء، يعتبر من أكثر المجالات الصحية تطورًا خلال السنوات الأخيرة.

وبالتالي، فإن اختيار تونس لقيادة هذا المجال إقليميًا يعكس الثقة في قدرتها على إدارة منظومة تعتمد على أحدث التقنيات العلمية في المراقبة والتحليل والإنذار المبكر.

وينسجم هذا الاختيار، في جوهره، مع الجهود التي تبذلها الدولة اليوم لتعزيز حضور تونس داخل الفضاء الإفريقي في مجالات أخرى، على غرار التعاون الصحي والعلمي.

فالقارة الإفريقية تشهد اليوم تحولات متسارعة على مستوى السياسات الصحية، في ظل اهتمام متزايد بضرورة بناء قدرات محلية قادرة على مواجهة الأوبئة ومختلف التحديات المناخية والبيئية.

وفي هذا السياق، تمتلك تونس فرصة حقيقية لتصبح أحد أبرز ناقلي الخبرة الصحية والعلمية داخل القارة، خاصة في ظل ما تزخر به من جامعات، ومراكز بحث، ومستشفيات جامعية، وكفاءات معترف بها دوليًا، وهو ما من شأنه أن يفضي لاحقًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية والعمل متعدد الأطراف، فضلًا عن توفير أرضية جديدة لشراكات علمية شاملة بين تونس وعدد من الدول الإفريقية.

البحث العلمي... القوة الناعمة

توصف الجامعات، ومختلف مراكز البحث والمؤسسات العلمية، اليوم بأنها من أدوات القوة الناعمة، كونها تمثل إحدى أهم آليات التأثير الدولي.

وفي هذا الصدد، يمثل معهد باستور إحدى أعرق المؤسسات العلمية في المنطقة، إذ يضم كفاءات معترفًا بها دوليًا، وبالتالي فإن اختياره اليوم مركزًا إقليميًا من شأنه أن يعزز صورة البلاد كفضاء للإنتاج العلمي والابتكار والتكوين والبحث.

كما أن هذا الاعتراف يؤشر إلى تدعيم جاذبية تونس بالنسبة إلى الباحثين والطلبة وبرامج التعاون الدولي، بما سيشجع لاحقًا على إطلاق مشاريع بحثية مشتركة، واستقطاب تمويلات جديدة في مجالات الصحة والبيئة والعلوم.

وفي هذا الخضم، لا يمثل اختيار معهد باستور تونس مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة مجرد تتويج لمؤسسة علمية وطنية عريقة، بل يعكس أيضًا المكانة التي باتت تحتلها تونس داخل المنظومة الإفريقية للصحة والبحث العلمي. فهذا الاعتراف يؤكد أن الكفاءات الوطنية قادرة على المنافسة، وأن الاستثمار المتواصل في المعرفة والبحث يمكن أن يتحول إلى رصيد استراتيجي يعزز حضور الدولة في الخارج.

وفي مرحلة تتزايد فيها رهانات الأمن الصحي، وتتداخل فيها التحديات البيئية مع المخاطر الوبائية، تمتلك تونس فرصة حقيقية لترجمة هذا الاعتراف إلى نفوذ علمي مستدام، وإلى منصة إقليمية لإنتاج المعرفة، وتبادل الخبرات، وصياغة الحلول.

منال حرزي

 

اختيار معهد باستور مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة..   ثقة إفريقية تعيد الاعتبار للمرفق العمومي وتصنع إشعاعًا علميًا جديدًا   

 

تونس - الصباح

في خطوة تعكس حجم المكانة المهمة التي تحظى بها مؤسسات الصحة والبحث العلمي صلب المنظومة الصحية الإفريقية، أعلن، أمس، معهد باستور عن اختياره رسميًا من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها ليكون المركز الإقليمي لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة. 

وهذا التعيين، على أهميته، فإنه لا يعكس فقط اعترافًا بكفاءة مؤسسة بحثية وطنية عريقة بحجم معهد باستور، بل يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية تتجاوز الجانب العلمي لتلامس رهانات الأمن الصحي، والدبلوماسية العلمية، وإشعاع صورة تونس في الخارج. والأهم من ذلك أنه يمثل اعترافًا يعيد الاعتبار، في جوهره، إلى المرفق العمومي الصحي والمؤسسات الوطنية العمومية، مؤكدًا أنها ما تزال، رغم التحديات والإكراهات، قادرة على صناعة التميز وقيادة المبادرات الإقليمية والمنافسة الدولية الرفيعة المستوى.

كما يبرز هذا الاعتراف أيضًا أن الاستثمار المتواصل في البحث العلمي وفي المرفق العمومي من شأنه أن يتحول إلى رصيد استراتيجي يعزز مكانة تونس، ويكرس إشعاعها دوليًا كشريك موثوق يمتلك الخبرة والقدرة على المساهمة في مواجهة ومعالجة مختلف التحديات الصحية العابرة للحدود.

وفي هذا الخصوص، يمثل هذا الاختيار مؤشرًا على الثقة التي تحظى بها الخبرات والكفاءات التونسية في مدى قدرتها على قيادة مبادرات إقليمية في مجالات حيوية تلامس صحة الإنسان وسلامة البيئة. ومن هذا المنطلق، ينضاف هذا الإنجاز إلى سلسلة من الإنجازات والإشادات في مسار ترسيخ موقع تونس كشريك علمي موثوق وفاعل داخل القارة الإفريقية، ويمنحها فرصة إضافية لتعزيز حضورها الدولي من بوابة الابتكار والتميز العلمي.

كما تحمل هذه الإشادة قيمة استراتيجية مهمة، لأنها تمنح الدولة شرعية معرفية وثقة مؤسساتية لا تكتسبان إلا عبر سنوات طويلة من العمل العلمي والالتزام المهني. وضمن هذه المقاربة، فإن اختيار معهد باستور تونس من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ليكون المركز الإقليمي لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة يمثل لبنة جديدة في مسار ترسيخ صورة تونس باعتبارها دولة تمتلك من المقومات ما يؤهلها للقيام بأدوار إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وفي هذا السياق، يتخذ هذا الحدث بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الصحي، ليعكس حجم الثقة التي تحظى بها المؤسسات العلمية التونسية داخل المنظومتين الإفريقية والدولية.

اعتراف إفريقي

يشير أهل الاختصاص إلى أن اختيار معهد باستور مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة من قبل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها يستند، في جوهره، إلى معايير دقيقة تتعلق بالكفاءة العلمية، وجودة البنية التحتية، والخبرة المتراكمة، إلى جانب القدرة على إدارة شبكات التعاون الإقليمي.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن معهد باستور قد راكم، عبر عقود طويلة، رصيدًا علميًا مهمًا جعله أحد أبرز المؤسسات البحثية في شمال إفريقيا، سواء في مجالات علم الفيروسات أو البيولوجيا الجزيئية أو علم الجينوم. هذا، دون التغافل عن الدور الريادي الذي لعبه خلال جائحة كوفيد-19، من خلال مساهمته الفاعلة في عمليات التشخيص والتحليل الجيني وتتبع المتحورات، وهو ما عزز مصداقيته لدى المؤسسات الصحية الدولية.

وبالتالي، فإن هذا الاختيار يعد اعترافًا إفريقيًا صريحًا بأن تونس تمتلك من الإمكانيات البشرية والعلمية ما يؤهلها لقيادة جهود إقليمية في مجال بالغ الدقة يتعلق بالإنذار المبكر والوقاية من المخاطر الصحية.

الصحة... وجه آخر للدبلوماسية الحديثة

تكمن أهمية هذا الاختيار في أنه يعني، عمليًا، أن تونس ستتحول إلى منصة لتبادل البيانات والخبرات والتنسيق العلمي بين عدد من الدول، وهو ما من شأنه أن يمنحها حضورًا أكبر داخل المنظومة الإفريقية للصحة العمومية، ويعزز قدرتها على المساهمة في صياغة السياسات الصحية الإقليمية.

كما أن إدارة مركز إقليمي بهذا الحجم ستفتح المجال أمام استقطاب الخبراء والباحثين، وتنظيم المؤتمرات والدورات التدريبية والمشاريع المشتركة، وهو ما سيرسخ الحضور التونسي داخل الفضاء الإفريقي بطريقة مستدامة، كما سيساهم في إرساء مفهوم الدبلوماسية الصحية، التي تعتبر من الآليات الحديثة للعمل الدبلوماسي، باعتبار أن التعاون في مجالات الصحة والبحث العلمي بات مدخلًا لتعزيز الشراكات الاستراتيجية والثقة بين الدول.

ويستمد هذا الطرح شرعيته بالنظر إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات بحثية مرجعية وخبرات علمية متقدمة تعتبر أكثر قدرة على لعب أدوار إقليمية ودولية مؤثرة، عبر مساهمتها في صياغة السياسات الصحية وتنسيق جهود الوقاية والاستجابة للأزمات، وهو ما يعزز حضور تونس داخل الفضاء الإفريقي.

وفي هذا الخضم، يمكن اعتبار هذا التعيين أيضًا نجاحًا للدبلوماسية العلمية التونسية، بالنظر إلى أن التعاون العلمي بات مدخلًا أساسيًا لتعزيز الثقة بين الدول، وبناء شبكات الخبراء، وتبادل المعرفة، وإطلاق المشاريع المشتركة.

وكلما ازدادت قدرة دولة ما على تصدير خبراتها العلمية، تعززت قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي، وهو ما سينعكس بدوره على مكانتها السياسية والاقتصادية.

ومن المنتظر أن يساهم هذا المركز في تعزيز حضور تونس داخل الشبكات الإفريقية المتخصصة، وأن يجعلها طرفًا أكثر تأثيرًا في النقاشات والسياسات المتعلقة بالأمن الصحي والوقاية من المخاطر البيئية.

الاستثمار في الوقاية

قد يبدو مجال مراقبة مياه الصرف الصحي للبعض مجالًا تقنيًا محدودًا، لكنه، وبإجماع الخبراء، يعتبر من أكثر المجالات الصحية تطورًا خلال السنوات الأخيرة.

وبالتالي، فإن اختيار تونس لقيادة هذا المجال إقليميًا يعكس الثقة في قدرتها على إدارة منظومة تعتمد على أحدث التقنيات العلمية في المراقبة والتحليل والإنذار المبكر.

وينسجم هذا الاختيار، في جوهره، مع الجهود التي تبذلها الدولة اليوم لتعزيز حضور تونس داخل الفضاء الإفريقي في مجالات أخرى، على غرار التعاون الصحي والعلمي.

فالقارة الإفريقية تشهد اليوم تحولات متسارعة على مستوى السياسات الصحية، في ظل اهتمام متزايد بضرورة بناء قدرات محلية قادرة على مواجهة الأوبئة ومختلف التحديات المناخية والبيئية.

وفي هذا السياق، تمتلك تونس فرصة حقيقية لتصبح أحد أبرز ناقلي الخبرة الصحية والعلمية داخل القارة، خاصة في ظل ما تزخر به من جامعات، ومراكز بحث، ومستشفيات جامعية، وكفاءات معترف بها دوليًا، وهو ما من شأنه أن يفضي لاحقًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية والعمل متعدد الأطراف، فضلًا عن توفير أرضية جديدة لشراكات علمية شاملة بين تونس وعدد من الدول الإفريقية.

البحث العلمي... القوة الناعمة

توصف الجامعات، ومختلف مراكز البحث والمؤسسات العلمية، اليوم بأنها من أدوات القوة الناعمة، كونها تمثل إحدى أهم آليات التأثير الدولي.

وفي هذا الصدد، يمثل معهد باستور إحدى أعرق المؤسسات العلمية في المنطقة، إذ يضم كفاءات معترفًا بها دوليًا، وبالتالي فإن اختياره اليوم مركزًا إقليميًا من شأنه أن يعزز صورة البلاد كفضاء للإنتاج العلمي والابتكار والتكوين والبحث.

كما أن هذا الاعتراف يؤشر إلى تدعيم جاذبية تونس بالنسبة إلى الباحثين والطلبة وبرامج التعاون الدولي، بما سيشجع لاحقًا على إطلاق مشاريع بحثية مشتركة، واستقطاب تمويلات جديدة في مجالات الصحة والبيئة والعلوم.

وفي هذا الخضم، لا يمثل اختيار معهد باستور تونس مركزًا إقليميًا لشمال إفريقيا في مجال مراقبة مياه الصرف الصحي والبيئة مجرد تتويج لمؤسسة علمية وطنية عريقة، بل يعكس أيضًا المكانة التي باتت تحتلها تونس داخل المنظومة الإفريقية للصحة والبحث العلمي. فهذا الاعتراف يؤكد أن الكفاءات الوطنية قادرة على المنافسة، وأن الاستثمار المتواصل في المعرفة والبحث يمكن أن يتحول إلى رصيد استراتيجي يعزز حضور الدولة في الخارج.

وفي مرحلة تتزايد فيها رهانات الأمن الصحي، وتتداخل فيها التحديات البيئية مع المخاطر الوبائية، تمتلك تونس فرصة حقيقية لترجمة هذا الاعتراف إلى نفوذ علمي مستدام، وإلى منصة إقليمية لإنتاج المعرفة، وتبادل الخبرات، وصياغة الحلول.

منال حرزي