إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مخاطر بيئية تهدد الصحة والسياحة والصيد البحري.. الشواطئ التونسية تحت ضغط مياه الصرف الصحي...

تونس – الصباح

تفاجأ المصطافون، مؤخرًا، في عدد من السواحل التونسية بتسربات واضحة لمياه الصرف الصحي، ما اضطرهم إلى مغادرة البحر.

ريم سوودي

 

وكان أبرزها ما تم تسجيله في مناطق من ولاية نابل، حيث نقل عضو مجلس نواب الشعب ياسين مامي، منذ ثلاثة أيام، فيديو يوثق تدفق مياه الصرف الصحي من محطة التطهير المتمركزة بالقرب من شاطئ الياسمينة، وسط مدينة الحمامات، وقرب مقر البلدية. وأكد النائب أن الواقع لم يشهد أي تدخلات تُذكر.

وقبل ذلك بأيام، تم تداول صور مشابهة لتدفق كميات كبيرة من المياه إلى شاطئ ياسمين الحمامات. وفي الوقت الذي أكد فيه مصطافون أنها كانت ملوثة وذات رائحة كريهة، شدد الديوان الوطني للتطهير، في بلاغ له، على أنها مياه أمطار اتخذت مسارها نحو البحر، ولا علاقة لها بمياه شبكات التطهير، وأن ما يتم الترويج له لا أساس له من الصحة. وأفادت الإدارة الجهوية للتطهير بنابل بأن جميع منشآت التطهير بالمنطقة السياحية بالحمامات تعمل بشكل طبيعي ومنتظم، وبكامل طاقتها، دون تسجيل أي خلل أو تسرب.

ورغم تكرر هذه الحادثة في أكثر من مناسبة منذ بداية الصائفة، لم تعلن أي من الهياكل الرسمية المعنية بالصحة أو البيئة أي موقف أو تصدر بلاغات رسمية تفيد بمنع السباحة أو تقدم تطمينات بشأن وضعية مياه البحر، رغم أنها، خلال شهر جوان، أرفقت قائمة السواحل الممنوعة من السباحة بملاحظة أوضحت فيها أنها غير نهائية، وأنها ستواصل أعمال المراقبة وتحيين نوعية مياه الشواطئ بصفة منتظمة.

مع العلم أن "الصباح" سعت إلى أخذ تصريح من أحد مسؤولي الديوان الوطني للتطهير، لتوضيح واقع الأحداث الأخيرة وخطة عدم تكرارها، غير أنها لم توفق في ذلك.

وتخضع مراقبة جودة مياه البحر بالسواحل التونسية لبرنامج وطني لوزارة الصحة، عبر شبكة تضم 539 نقطة مراقبة ميدانية ومخبرية.

وأظهرت التقارير تصنيف نحو 49 نقطة مراقبة، وهو ما يمثل نسبة 9% من الشواطئ غير الصالحة للسباحة مؤقتًا، لموسم 2026، بسبب قربها من مصبات الأودية وقنوات الصرف، موزعة على ولايات تونس، وأريانة، وبن عروس، وبنزرت، ونابل (خمسة شواطئ)، وسوسة، وقابس.

وسنويًا، تحذر وزارة الصحة من تلوث عدد من الشواطئ بمياه الصرف الصحي، في ظل استمرار تصريف المياه المستعملة أو تسربها إلى البحر، سواء بسبب قدم شبكات التطهير، أو الأعطاب المتكررة، أو عدم قدرة محطات المعالجة على استيعاب الكميات المتزايدة من المياه، خاصة خلال فصل الصيف.

وتعد سواحل ولايات تونس، وبن عروس، وأريانة الأكثر تضررًا من مياه الصرف، حيث تحتكر أكثر من نصف الشواطئ الممنوعة من السباحة، في الوقت الذي كانت فيه، على سبيل المثال، المنطقة الساحلية الجنوبية للعاصمة، إلى غاية سنوات الألفين، تستقبل المصطافين بكثافة، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مصب للمياه الآسنة والملوثة.

كما تعرف الولايات الساحلية الكبرى، وهي تونس الكبرى، وبنزرت، ونابل، وسوسة، والمنستير، وصفاقس، ضغوطًا متزايدة على شبكات التطهير نتيجة الكثافة السكانية والارتفاع الكبير في عدد الوافدين خلال الموسم السياحي.

ويرى الخبير البيئي مهدي العبدلي أن تلوث مياه البحر لا يقتصر على تشويه المشهد الطبيعي فقط، بل يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة، نظرًا إلى أن مياه الصرف الصحي تحمل كميات كبيرة من الجراثيم والبكتيريا والفيروسات والطفيليات، التي قد تتسبب في الإصابة بأمراض جلدية، والتهابات في الأذن والعين، وأمراض الجهاز الهضمي، خاصة لدى الأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة.

وأشار إلى أن الأعطاب المتكررة، والانقطاعات الكهربائية، ونقص الموارد المالية الموجهة لقطاع الصرف الصحي، تؤدي، اضطرارًا، إلى تصريف كميات من المياه غير المطابقة للمواصفات في الأودية أو مباشرة في البحر، خاصة خلال فترات الأمطار الغزيرة أو فترات الذروة، عندما ترتفع الضغوط على الشبكات، ولا سيما خلال أشهر الصائفة.

ولا تؤثر هذه المياه في جودة مياه البحر فقط، وخروج عدد من الشواطئ من قائمة المسموح فيها بالسباحة، بل تؤثر أيضًا، حسب العبدلي، في المنظومات البحرية، حيث تتسبب في ظاهرة الإثراء الغذائي للمياه، عبر ارتفاع نسب المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور، وهو ما يساهم في تكاثر الطحالب بشكل مفرط، وانخفاض نسبة الأكسجين في المياه، الأمر الذي يهدد الثروة السمكية والكائنات البحرية، ويؤثر في التوازن البيئي للسواحل التونسية.

وتمتد تداعيات التلوث البحري إلى عدد من القطاعات الاقتصادية الوطنية، فالتراجع في جودة الشواطئ ينعكس مباشرة على صورة الوجهة السياحية، وعلى السياحة الشاطئية التي تعد أحد ركائز القطاع السياحي في تونس، ويتسبب في تدني مستوى جاذبيتها وتصنيفاتها ضمن أجمل الوجهات العالمية.

كما يتضرر الصيادون من تراجع جودة المياه وتأثيرها على المخزون السمكي، في حين تتكبد البلديات نفقات إضافية لتنظيف الشواطئ وإزالة النفايات والطحالب.

وللإشارة، يدعو ناشطون بيئيون إلى تعزيز دور المجتمع المدني في مراقبة السواحل، وتركيز نظام للإبلاغ عن مصادر التلوث، وإشراك المواطنين في حملات التوعية بأهمية المحافظة على البيئة البحرية، باعتبار أن حماية الشواطئ مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة، والجماعات المحلية، والمؤسسات، والمواطنون.

 

مخاطر بيئية تهدد الصحة والسياحة والصيد البحري.. الشواطئ التونسية تحت ضغط مياه الصرف الصحي...

تونس – الصباح

تفاجأ المصطافون، مؤخرًا، في عدد من السواحل التونسية بتسربات واضحة لمياه الصرف الصحي، ما اضطرهم إلى مغادرة البحر.

ريم سوودي

 

وكان أبرزها ما تم تسجيله في مناطق من ولاية نابل، حيث نقل عضو مجلس نواب الشعب ياسين مامي، منذ ثلاثة أيام، فيديو يوثق تدفق مياه الصرف الصحي من محطة التطهير المتمركزة بالقرب من شاطئ الياسمينة، وسط مدينة الحمامات، وقرب مقر البلدية. وأكد النائب أن الواقع لم يشهد أي تدخلات تُذكر.

وقبل ذلك بأيام، تم تداول صور مشابهة لتدفق كميات كبيرة من المياه إلى شاطئ ياسمين الحمامات. وفي الوقت الذي أكد فيه مصطافون أنها كانت ملوثة وذات رائحة كريهة، شدد الديوان الوطني للتطهير، في بلاغ له، على أنها مياه أمطار اتخذت مسارها نحو البحر، ولا علاقة لها بمياه شبكات التطهير، وأن ما يتم الترويج له لا أساس له من الصحة. وأفادت الإدارة الجهوية للتطهير بنابل بأن جميع منشآت التطهير بالمنطقة السياحية بالحمامات تعمل بشكل طبيعي ومنتظم، وبكامل طاقتها، دون تسجيل أي خلل أو تسرب.

ورغم تكرر هذه الحادثة في أكثر من مناسبة منذ بداية الصائفة، لم تعلن أي من الهياكل الرسمية المعنية بالصحة أو البيئة أي موقف أو تصدر بلاغات رسمية تفيد بمنع السباحة أو تقدم تطمينات بشأن وضعية مياه البحر، رغم أنها، خلال شهر جوان، أرفقت قائمة السواحل الممنوعة من السباحة بملاحظة أوضحت فيها أنها غير نهائية، وأنها ستواصل أعمال المراقبة وتحيين نوعية مياه الشواطئ بصفة منتظمة.

مع العلم أن "الصباح" سعت إلى أخذ تصريح من أحد مسؤولي الديوان الوطني للتطهير، لتوضيح واقع الأحداث الأخيرة وخطة عدم تكرارها، غير أنها لم توفق في ذلك.

وتخضع مراقبة جودة مياه البحر بالسواحل التونسية لبرنامج وطني لوزارة الصحة، عبر شبكة تضم 539 نقطة مراقبة ميدانية ومخبرية.

وأظهرت التقارير تصنيف نحو 49 نقطة مراقبة، وهو ما يمثل نسبة 9% من الشواطئ غير الصالحة للسباحة مؤقتًا، لموسم 2026، بسبب قربها من مصبات الأودية وقنوات الصرف، موزعة على ولايات تونس، وأريانة، وبن عروس، وبنزرت، ونابل (خمسة شواطئ)، وسوسة، وقابس.

وسنويًا، تحذر وزارة الصحة من تلوث عدد من الشواطئ بمياه الصرف الصحي، في ظل استمرار تصريف المياه المستعملة أو تسربها إلى البحر، سواء بسبب قدم شبكات التطهير، أو الأعطاب المتكررة، أو عدم قدرة محطات المعالجة على استيعاب الكميات المتزايدة من المياه، خاصة خلال فصل الصيف.

وتعد سواحل ولايات تونس، وبن عروس، وأريانة الأكثر تضررًا من مياه الصرف، حيث تحتكر أكثر من نصف الشواطئ الممنوعة من السباحة، في الوقت الذي كانت فيه، على سبيل المثال، المنطقة الساحلية الجنوبية للعاصمة، إلى غاية سنوات الألفين، تستقبل المصطافين بكثافة، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مصب للمياه الآسنة والملوثة.

كما تعرف الولايات الساحلية الكبرى، وهي تونس الكبرى، وبنزرت، ونابل، وسوسة، والمنستير، وصفاقس، ضغوطًا متزايدة على شبكات التطهير نتيجة الكثافة السكانية والارتفاع الكبير في عدد الوافدين خلال الموسم السياحي.

ويرى الخبير البيئي مهدي العبدلي أن تلوث مياه البحر لا يقتصر على تشويه المشهد الطبيعي فقط، بل يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة، نظرًا إلى أن مياه الصرف الصحي تحمل كميات كبيرة من الجراثيم والبكتيريا والفيروسات والطفيليات، التي قد تتسبب في الإصابة بأمراض جلدية، والتهابات في الأذن والعين، وأمراض الجهاز الهضمي، خاصة لدى الأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة.

وأشار إلى أن الأعطاب المتكررة، والانقطاعات الكهربائية، ونقص الموارد المالية الموجهة لقطاع الصرف الصحي، تؤدي، اضطرارًا، إلى تصريف كميات من المياه غير المطابقة للمواصفات في الأودية أو مباشرة في البحر، خاصة خلال فترات الأمطار الغزيرة أو فترات الذروة، عندما ترتفع الضغوط على الشبكات، ولا سيما خلال أشهر الصائفة.

ولا تؤثر هذه المياه في جودة مياه البحر فقط، وخروج عدد من الشواطئ من قائمة المسموح فيها بالسباحة، بل تؤثر أيضًا، حسب العبدلي، في المنظومات البحرية، حيث تتسبب في ظاهرة الإثراء الغذائي للمياه، عبر ارتفاع نسب المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور، وهو ما يساهم في تكاثر الطحالب بشكل مفرط، وانخفاض نسبة الأكسجين في المياه، الأمر الذي يهدد الثروة السمكية والكائنات البحرية، ويؤثر في التوازن البيئي للسواحل التونسية.

وتمتد تداعيات التلوث البحري إلى عدد من القطاعات الاقتصادية الوطنية، فالتراجع في جودة الشواطئ ينعكس مباشرة على صورة الوجهة السياحية، وعلى السياحة الشاطئية التي تعد أحد ركائز القطاع السياحي في تونس، ويتسبب في تدني مستوى جاذبيتها وتصنيفاتها ضمن أجمل الوجهات العالمية.

كما يتضرر الصيادون من تراجع جودة المياه وتأثيرها على المخزون السمكي، في حين تتكبد البلديات نفقات إضافية لتنظيف الشواطئ وإزالة النفايات والطحالب.

وللإشارة، يدعو ناشطون بيئيون إلى تعزيز دور المجتمع المدني في مراقبة السواحل، وتركيز نظام للإبلاغ عن مصادر التلوث، وإشراك المواطنين في حملات التوعية بأهمية المحافظة على البيئة البحرية، باعتبار أن حماية الشواطئ مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة، والجماعات المحلية، والمؤسسات، والمواطنون.