تسعى الدولة اليوم، في أعلى هرمها - وعلى مدار السنوات الأخيرة - إلى بلورة توجه يقوم على تعزيز التشاور السياسي بين مختلف الدول العربية، بما يفضي إلى بناء فضاء عربي أكثر تماسكًا في مواجهة التحديات الإقليمية وتنسيق المواقف إزاء مختلف القضايا الدولية.
منال حرزي
ولا تنطلق هذه الرؤية من منطق الاصطفافات أو سياسة إنشاء محاور ضيقة، وإنما من قناعة مفادها أن تعقّد الأزمات التي تشهدها المنطقة، وتسارع التحولات الجيوسياسية، يفرضان على الدول العربية تكثيف التشاور وتوحيد المواقف كلما تعلق الأمر بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، مع المحافظة في الآن ذاته على سيادة كل دولة واستقلالية قرارها الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الخارجية اليوم، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، تسعى إلى تثبيت معادلة تجمع بين تعزيز العمل العربي المشترك واحترام خصوصية الخيارات الوطنية، ضمن رؤية مشتركة تهدف إلى استقرار المنطقة وتجسيم مصالح شعوبها.
فالترفيع اليوم في درجة التنسيق والتشاور مع دول عربية شقيقة، وفي مقدمتها الجزائر ومصر، لا يعكس مطلقًا تحولًا في ثوابت السياسة الخارجية التونسية، وإنما يجسد رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد التي تقوم على أن التشاور الوثيق بين الدول العربية أصبح ضرورة تفرضها التحديات الراهنة، شريطة أن يبقى قائمًا على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن تعزيز العمل المشترك دون المساس بسيادة أي دولة أو استقلالية قرارها.
مقاربة عربية مشتركة
ضمن هذه المقاربة، لم يعد التشاور السياسي بين تونس وعدد من الدول العربية مجرد آلية تفرضها الأزمات أو تمليها التطورات الإقليمية، وإنما أصبح خيارًا ثابتًا يندرج ضمن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد للدبلوماسية، عبر بناء مقاربة عربية مشتركة تقوم على تكثيف التشاور وتنسيق المواقف، وتوحيد الرؤى كلما تعلق الأمر بالقضايا المصيرية التي تواجه المنطقة، دون المساس باستقلالية القرار الوطني لكل دولة.
وهذا الطرح تعكسه عديد المواقف التي عبر عنها رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة. فمنذ توليه زمام المسؤولية، شدد رئيس الدولة على توجه واضح يقوم على ترسيخ دبلوماسية عربية تقوم على التشاور، وتعتبر أن مواجهة التحديات الإقليمية تستوجب توحيد الرؤى كلما اقتضت الضرورة ذلك، مع التمسك في الوقت نفسه بخصوصية كل دولة وأحقيتها الكاملة في رسم سياساتها الوطنية والخارجية.
في هذا الاتجاه، فإنه يُستشف من النشاط الدبلوماسي لرئيس الجمهورية قيس سعيد أن التشاور مع مختلف القادة العرب بات سمة بارزة في إدارة السياسة الخارجية. فالعلاقات الثنائية مع الجزائر ومصر وليبيا، وعدد من الدول العربية الأخرى، تقوم على تواصل سياسي منتظم يؤشر إلى تبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا التي تشهدها المنطقة.
ويعكس هذا المنحى قناعة مفادها أن التحولات الجيوسياسية والتطورات الإقليمية والدولية أصبحت أكثر تعقيدًا، بحيث تجاوزت الأزمات حدودها الجغرافية أو السياسية الضيقة لتمتد تداعياتها إلى محيطها الإقليمي والدولي. فتعزيز الأمن وتدعيم الاقتصاد ومكافحة الهجرة غير النظامية، جميعها ملفات مترابطة تقتضي تضافر الجهود لمجابهتها.
وفي هذا السياق، يعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن التعامل مع هذه التحديات يستوجب تكثيف التشاور وتنسيق المواقف بين مختلف الدول العربية، بما يتيح استباق تداعيات الأزمات والحد من انعكاساتها، مع المحافظة في الوقت نفسه على استقلالية القرار الوطني.
وضمن هذا التمشي، مثلت المكالمة الهاتفية التي جمعت مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيد بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي مناسبة جديدة أكد من خلالها الطرفان أن العلاقات التونسية المصرية لم تعد حبيسة التواصل الظرفي الذي تفرضه مناسبات عابرة، وإنما أصبحت جزءًا من مسار سياسي ودبلوماسي يقوم على التشاور المستمر إزاء مختلف القضايا الإقليمية. فوفقًا لبيان رئاسة الجمهورية، عكست المكالمة رؤية شاملة لأهمية التنسيق العربي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة، حيث حضرت قضايا الأمن الإقليمي، والحرب على غزة، إلى جانب الوضع في ليبيا، وذلك ضمن تصور سياسي متكامل يقوم على التقارب في المواقف دون المساس باستقلالية القرار الوطني لكل دولة.
وفي هذا الإطار، تتجلى مصر بالنسبة إلى تونس كدولة ذات ثقل إقليمي، بما يجعل من التشاور معها ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة لإدارة ومعالجة الملفات والقضايا التي تمس الأمن العربي، وفي مقدمتها الأزمة في ليبيا، فضلًا عن التحولات التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط.
السيادة خط أحمر
من جانب آخر، وضمن هذا التمشي، تبرز العلاقات التونسية الجزائرية باعتبارها النموذج الأكثر تعبيرًا عن الرؤية التي تقوم عليها السياسة الخارجية للدولة في أعلى هرمها، ومفادها أن طبيعة التحديات العابرة للحدود تفرض على الدول المتجاورة الارتقاء بمستوى التشاور السياسي والتنسيق الأمني، إلى جانب توخي أعلى درجات اليقظة، بما يضمن حماية الاستقرار الإقليمي دون الإخلال بالمبادئ التي تحتكم إليها العلاقات بين الدول، وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية واستقلالية القرار الذاتي.
وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لتؤكد بوضوح أن استقرار تونس يمثل بالنسبة إلى الجزائر مسألة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها، وأن أي محاولة للمساس بأمنها أو زعزعة استقرارها لن يُسمح بها. ورغم الجدل الذي رافق هذه التصريحات، وما أثارته من قراءات متباينة استثمرها البعض في السجال السياسي الداخلي، فإنها قوبلت في المقابل بوثيقة وقعتها أمس شخصيات سياسية وبرلمانية وأكاديمية ومدنية تونسية، شددت فيها على متانة العلاقات التونسية الجزائرية، ونوهت بالمواقف الجزائرية الداعمة لاستقرار تونس، محذرة من محاولات توظيف هذه التصريحات لإقحام العلاقات بين البلدين في حسابات سياسية داخلية ضيقة.
وتنسجم هذه المقاربة مع ما أكده رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، من أن العلاقات بين تونس والجزائر لا تُختزل في اعتبارات الجوار الجغرافي، وإنما تستند إلى وحدة المصير وتشابك المصالح وتداخل التحديات، وهو ما يفسر الحرص المتبادل على الإبقاء على قنوات التشاور مفتوحة، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني والميداني.
وفي هذا الاتجاه، يفرض الواقع الجيوسياسي الذي تعيشه المنطقة، في ظل تصاعد مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهديدات العابرة للحدود، مستوى متقدمًا من التعاون بين الدول المتجاورة، باعتبار أن هذه التحديات لا يمكن لأي دولة، مهما كان حجم إمكاناتها، مواجهتها بصفة فردية. غير أن هذا التنسيق، وفقًا للتوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد، لا يمكن أن يكون مبررًا للمساس بسيادة الدول أو الانتقاص من استقلالية قرارها الوطني، إذ تظل السيادة خطًا أحمر لا يقبل أي تأويل أو استثناء.
ومن هذا المنطلق، يقوم التعاون بين تونس والجزائر على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يجعل التشاور والتنسيق وسيلتين ضروريتين لحماية المصالح المشتركة وتعزيز الأمن والاستقرار.
التقارب لا يعني مطلقًا الاصطفاف
قد يذهب البعض إلى التفكير بأن هذا النسق المتصاعد من التشاور مع دول بعينها قد يكون مقدمة لتشكيل محور سياسي عربي، غير أن الخطاب الرسمي للدولة يدحض بشدة هذه الفرضية.
فعلى مدار السنوات الأخيرة، يشدد رئيس الجمهورية قيس سعيد - من خلال المواقف الرسمية للدولة إزاء عدد من القضايا - على أن الدبلوماسية التونسية تتجاوز في منحاها سياسة الاصطفافات أو التحالفات والدوائر المغلقة، لتحافظ على توجه يرتكز على الانفتاح على مختلف الشركاء، مع الحرص على تطوير العلاقات العربية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لعمق تونس الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، فإن ما يتشكل اليوم هو أرضية عربية للتنسيق السياسي، فالتقارب في الرؤى بشأن قضية معينة أو تحديات إقليمية مشتركة لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى ووجهات النظر في جميع الملفات.
ولهذا، فإن التنسيق العربي، كما تطرحه مواقف الدولة الرسمية إزاء مختلف القضايا الراهنة، يهدف إلى خلق مساحة للحوار تسمح بتقريب وجهات النظر، مع محافظة كل دولة على استقلالية قرارها.
وهي معادلة تجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين، لكنهما في الواقع متكاملان: فكلما كانت السيادة الوطنية راسخة، بات التنسيق الإقليمي أكثر توازنًا وفاعلية ونجاعة.
القضايا المشتركة... بوابة لتعزيز التشاور
وبعيدًا عن دول الجوار وخصوصية التنسيق الذي تفرضه، فإن المنطقة العربية تواجه اليوم تحديات تتجاوز حدود معالجة كل دولة لتداعياتها على حدة، وهو ما يفسر الحضور المتكرر لعدد من الملفات في المشاورات السياسية التي تجريها تونس مع شركائها العرب.
وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه الملفات، باعتبارها القضية المركزية التي حافظت تونس على ثبات موقفها منها، إلى جانب الملف الليبي الذي يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الفضاء المغاربي، فضلًا عن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا الصدد، يبرز دور التشاور كآلية لتقريب وجهات النظر بشأن هذه القضايا، بما ينسجم مع احترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية.
في هذا الخضم، وانطلاقًا من الطرح السالف الذكر، تكشف السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة عن توجه يقوم على مضاعفة قنوات التواصل مع مختلف العواصم العربية، بعيدًا عن منطق إنشاء تكتلات جديدة، وإنما بهدف تكريس ثقافة التشاور المنتظم.
ويمنح هذا التوجه للدبلوماسية هامشًا أكبر للتحرك، إذ يجعلها تسجل حضورها بقوة في مختلف الملفات الإقليمية عبر الحوار والتنسيق، مع المحافظة على استقلالية قرارها.
كما يسمح لتونس بالاستفادة من العلاقات الثنائية وبناء مواقف متقاربة داخل الفضاء العربي، دون أن تتحول هذه العلاقات إلى اصطفاف يحد من حرية حركتها أو خياراتها الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد، ومن خلال هذه المقاربة، يبحث عن توازن دقيق بين مستويين متكاملين: الأول يتمثل في تعزيز التنسيق مع الدول العربية كلما تعلق الأمر بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، والثاني يتمثل في التشبث الصارم بسيادة القرار الوطني ورفض أي مساس باستقلالية الدولة، مهما كانت طبيعة التحديات والرهانات المطروحة.
وبذلك، تعمل الدولة في أعلى هرمها على ترسيخ شبكة متينة من العلاقات العربية، يكون قوامها التشاور المستمر، وتقاطع المصالح، واحترام سيادة الدول، بما يتيح للعالم العربي التعامل مع تحدياته من موقع أكثر تماسكًا، دون أن تفقد أي دولة خصوصية قرارها أو استقلالية خياراتها.
تونس-الصباح
تسعى الدولة اليوم، في أعلى هرمها - وعلى مدار السنوات الأخيرة - إلى بلورة توجه يقوم على تعزيز التشاور السياسي بين مختلف الدول العربية، بما يفضي إلى بناء فضاء عربي أكثر تماسكًا في مواجهة التحديات الإقليمية وتنسيق المواقف إزاء مختلف القضايا الدولية.
منال حرزي
ولا تنطلق هذه الرؤية من منطق الاصطفافات أو سياسة إنشاء محاور ضيقة، وإنما من قناعة مفادها أن تعقّد الأزمات التي تشهدها المنطقة، وتسارع التحولات الجيوسياسية، يفرضان على الدول العربية تكثيف التشاور وتوحيد المواقف كلما تعلق الأمر بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، مع المحافظة في الآن ذاته على سيادة كل دولة واستقلالية قرارها الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الخارجية اليوم، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، تسعى إلى تثبيت معادلة تجمع بين تعزيز العمل العربي المشترك واحترام خصوصية الخيارات الوطنية، ضمن رؤية مشتركة تهدف إلى استقرار المنطقة وتجسيم مصالح شعوبها.
فالترفيع اليوم في درجة التنسيق والتشاور مع دول عربية شقيقة، وفي مقدمتها الجزائر ومصر، لا يعكس مطلقًا تحولًا في ثوابت السياسة الخارجية التونسية، وإنما يجسد رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد التي تقوم على أن التشاور الوثيق بين الدول العربية أصبح ضرورة تفرضها التحديات الراهنة، شريطة أن يبقى قائمًا على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن تعزيز العمل المشترك دون المساس بسيادة أي دولة أو استقلالية قرارها.
مقاربة عربية مشتركة
ضمن هذه المقاربة، لم يعد التشاور السياسي بين تونس وعدد من الدول العربية مجرد آلية تفرضها الأزمات أو تمليها التطورات الإقليمية، وإنما أصبح خيارًا ثابتًا يندرج ضمن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد للدبلوماسية، عبر بناء مقاربة عربية مشتركة تقوم على تكثيف التشاور وتنسيق المواقف، وتوحيد الرؤى كلما تعلق الأمر بالقضايا المصيرية التي تواجه المنطقة، دون المساس باستقلالية القرار الوطني لكل دولة.
وهذا الطرح تعكسه عديد المواقف التي عبر عنها رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة. فمنذ توليه زمام المسؤولية، شدد رئيس الدولة على توجه واضح يقوم على ترسيخ دبلوماسية عربية تقوم على التشاور، وتعتبر أن مواجهة التحديات الإقليمية تستوجب توحيد الرؤى كلما اقتضت الضرورة ذلك، مع التمسك في الوقت نفسه بخصوصية كل دولة وأحقيتها الكاملة في رسم سياساتها الوطنية والخارجية.
في هذا الاتجاه، فإنه يُستشف من النشاط الدبلوماسي لرئيس الجمهورية قيس سعيد أن التشاور مع مختلف القادة العرب بات سمة بارزة في إدارة السياسة الخارجية. فالعلاقات الثنائية مع الجزائر ومصر وليبيا، وعدد من الدول العربية الأخرى، تقوم على تواصل سياسي منتظم يؤشر إلى تبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا التي تشهدها المنطقة.
ويعكس هذا المنحى قناعة مفادها أن التحولات الجيوسياسية والتطورات الإقليمية والدولية أصبحت أكثر تعقيدًا، بحيث تجاوزت الأزمات حدودها الجغرافية أو السياسية الضيقة لتمتد تداعياتها إلى محيطها الإقليمي والدولي. فتعزيز الأمن وتدعيم الاقتصاد ومكافحة الهجرة غير النظامية، جميعها ملفات مترابطة تقتضي تضافر الجهود لمجابهتها.
وفي هذا السياق، يعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن التعامل مع هذه التحديات يستوجب تكثيف التشاور وتنسيق المواقف بين مختلف الدول العربية، بما يتيح استباق تداعيات الأزمات والحد من انعكاساتها، مع المحافظة في الوقت نفسه على استقلالية القرار الوطني.
وضمن هذا التمشي، مثلت المكالمة الهاتفية التي جمعت مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيد بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي مناسبة جديدة أكد من خلالها الطرفان أن العلاقات التونسية المصرية لم تعد حبيسة التواصل الظرفي الذي تفرضه مناسبات عابرة، وإنما أصبحت جزءًا من مسار سياسي ودبلوماسي يقوم على التشاور المستمر إزاء مختلف القضايا الإقليمية. فوفقًا لبيان رئاسة الجمهورية، عكست المكالمة رؤية شاملة لأهمية التنسيق العربي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة، حيث حضرت قضايا الأمن الإقليمي، والحرب على غزة، إلى جانب الوضع في ليبيا، وذلك ضمن تصور سياسي متكامل يقوم على التقارب في المواقف دون المساس باستقلالية القرار الوطني لكل دولة.
وفي هذا الإطار، تتجلى مصر بالنسبة إلى تونس كدولة ذات ثقل إقليمي، بما يجعل من التشاور معها ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة لإدارة ومعالجة الملفات والقضايا التي تمس الأمن العربي، وفي مقدمتها الأزمة في ليبيا، فضلًا عن التحولات التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط.
السيادة خط أحمر
من جانب آخر، وضمن هذا التمشي، تبرز العلاقات التونسية الجزائرية باعتبارها النموذج الأكثر تعبيرًا عن الرؤية التي تقوم عليها السياسة الخارجية للدولة في أعلى هرمها، ومفادها أن طبيعة التحديات العابرة للحدود تفرض على الدول المتجاورة الارتقاء بمستوى التشاور السياسي والتنسيق الأمني، إلى جانب توخي أعلى درجات اليقظة، بما يضمن حماية الاستقرار الإقليمي دون الإخلال بالمبادئ التي تحتكم إليها العلاقات بين الدول، وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية واستقلالية القرار الذاتي.
وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لتؤكد بوضوح أن استقرار تونس يمثل بالنسبة إلى الجزائر مسألة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها، وأن أي محاولة للمساس بأمنها أو زعزعة استقرارها لن يُسمح بها. ورغم الجدل الذي رافق هذه التصريحات، وما أثارته من قراءات متباينة استثمرها البعض في السجال السياسي الداخلي، فإنها قوبلت في المقابل بوثيقة وقعتها أمس شخصيات سياسية وبرلمانية وأكاديمية ومدنية تونسية، شددت فيها على متانة العلاقات التونسية الجزائرية، ونوهت بالمواقف الجزائرية الداعمة لاستقرار تونس، محذرة من محاولات توظيف هذه التصريحات لإقحام العلاقات بين البلدين في حسابات سياسية داخلية ضيقة.
وتنسجم هذه المقاربة مع ما أكده رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، من أن العلاقات بين تونس والجزائر لا تُختزل في اعتبارات الجوار الجغرافي، وإنما تستند إلى وحدة المصير وتشابك المصالح وتداخل التحديات، وهو ما يفسر الحرص المتبادل على الإبقاء على قنوات التشاور مفتوحة، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني والميداني.
وفي هذا الاتجاه، يفرض الواقع الجيوسياسي الذي تعيشه المنطقة، في ظل تصاعد مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهديدات العابرة للحدود، مستوى متقدمًا من التعاون بين الدول المتجاورة، باعتبار أن هذه التحديات لا يمكن لأي دولة، مهما كان حجم إمكاناتها، مواجهتها بصفة فردية. غير أن هذا التنسيق، وفقًا للتوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد، لا يمكن أن يكون مبررًا للمساس بسيادة الدول أو الانتقاص من استقلالية قرارها الوطني، إذ تظل السيادة خطًا أحمر لا يقبل أي تأويل أو استثناء.
ومن هذا المنطلق، يقوم التعاون بين تونس والجزائر على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يجعل التشاور والتنسيق وسيلتين ضروريتين لحماية المصالح المشتركة وتعزيز الأمن والاستقرار.
التقارب لا يعني مطلقًا الاصطفاف
قد يذهب البعض إلى التفكير بأن هذا النسق المتصاعد من التشاور مع دول بعينها قد يكون مقدمة لتشكيل محور سياسي عربي، غير أن الخطاب الرسمي للدولة يدحض بشدة هذه الفرضية.
فعلى مدار السنوات الأخيرة، يشدد رئيس الجمهورية قيس سعيد - من خلال المواقف الرسمية للدولة إزاء عدد من القضايا - على أن الدبلوماسية التونسية تتجاوز في منحاها سياسة الاصطفافات أو التحالفات والدوائر المغلقة، لتحافظ على توجه يرتكز على الانفتاح على مختلف الشركاء، مع الحرص على تطوير العلاقات العربية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لعمق تونس الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، فإن ما يتشكل اليوم هو أرضية عربية للتنسيق السياسي، فالتقارب في الرؤى بشأن قضية معينة أو تحديات إقليمية مشتركة لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى ووجهات النظر في جميع الملفات.
ولهذا، فإن التنسيق العربي، كما تطرحه مواقف الدولة الرسمية إزاء مختلف القضايا الراهنة، يهدف إلى خلق مساحة للحوار تسمح بتقريب وجهات النظر، مع محافظة كل دولة على استقلالية قرارها.
وهي معادلة تجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين، لكنهما في الواقع متكاملان: فكلما كانت السيادة الوطنية راسخة، بات التنسيق الإقليمي أكثر توازنًا وفاعلية ونجاعة.
القضايا المشتركة... بوابة لتعزيز التشاور
وبعيدًا عن دول الجوار وخصوصية التنسيق الذي تفرضه، فإن المنطقة العربية تواجه اليوم تحديات تتجاوز حدود معالجة كل دولة لتداعياتها على حدة، وهو ما يفسر الحضور المتكرر لعدد من الملفات في المشاورات السياسية التي تجريها تونس مع شركائها العرب.
وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه الملفات، باعتبارها القضية المركزية التي حافظت تونس على ثبات موقفها منها، إلى جانب الملف الليبي الذي يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الفضاء المغاربي، فضلًا عن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا الصدد، يبرز دور التشاور كآلية لتقريب وجهات النظر بشأن هذه القضايا، بما ينسجم مع احترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية.
في هذا الخضم، وانطلاقًا من الطرح السالف الذكر، تكشف السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة عن توجه يقوم على مضاعفة قنوات التواصل مع مختلف العواصم العربية، بعيدًا عن منطق إنشاء تكتلات جديدة، وإنما بهدف تكريس ثقافة التشاور المنتظم.
ويمنح هذا التوجه للدبلوماسية هامشًا أكبر للتحرك، إذ يجعلها تسجل حضورها بقوة في مختلف الملفات الإقليمية عبر الحوار والتنسيق، مع المحافظة على استقلالية قرارها.
كما يسمح لتونس بالاستفادة من العلاقات الثنائية وبناء مواقف متقاربة داخل الفضاء العربي، دون أن تتحول هذه العلاقات إلى اصطفاف يحد من حرية حركتها أو خياراتها الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد، ومن خلال هذه المقاربة، يبحث عن توازن دقيق بين مستويين متكاملين: الأول يتمثل في تعزيز التنسيق مع الدول العربية كلما تعلق الأمر بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، والثاني يتمثل في التشبث الصارم بسيادة القرار الوطني ورفض أي مساس باستقلالية الدولة، مهما كانت طبيعة التحديات والرهانات المطروحة.
وبذلك، تعمل الدولة في أعلى هرمها على ترسيخ شبكة متينة من العلاقات العربية، يكون قوامها التشاور المستمر، وتقاطع المصالح، واحترام سيادة الدول، بما يتيح للعالم العربي التعامل مع تحدياته من موقع أكثر تماسكًا، دون أن تفقد أي دولة خصوصية قرارها أو استقلالية خياراتها.