إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين الاستماع إلى مشاغلهم وفتح آفاق جديدة أمامهم..  تطوير آليات التواصل مع أبناء الجالية التونسية بالخارج  

-رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة رياض جعيدان، لـ"الصباح": الاستثمار في الجالية التونسية ليس مجرد خيار اقتصادي بل هو خيار استراتيجي...

 

تونس – الصباح

يحظى ملف التونسيين المقيمين بالخارج باهتمام متزايد من مختلف مؤسسات الدولة، باعتبارهم عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم المالية، فضلًا عن مساهمتهم في نقل الخبرات والكفاءات والاستثمار وإحداث المشاريع.

وقد برز هذا الاهتمام بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة، من خلال سهر مؤسسات الدولة على تنظيم سلسلة من الندوات الوطنية والجهوية التي أشرف عليها ديوان التونسيين بالخارج، بالتنسيق مع السلط الجهوية ومختلف الإدارات والهياكل العمومية، بهدف تقريب الخدمات، والاستماع إلى مشاغل أبناء الجالية التونسية بالخارج، وفتح آفاق جديدة أمامهم للمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمختلف الجهات.

ولا يقتصر الاهتمام الرسمي بالتونسيين بالخارج على موسم العودة خلال الفترة الصيفية فقط، بل يندرج ضمن رؤية واسعة أكثر تقوم على تعزيز ارتباطهم بوطنهم، وتحويل كفاءاتهم ومدخراتهم إلى قوة اقتراح واستثمار، خاصة في ظل ما تزخر به الجالية التونسية من خبرات علمية ومهنية في مختلف الاختصاصات، وما يمكن أن توفره من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وتشكل الاستفادة من هذه الطاقات رافعة حقيقية لدعم التنمية، خاصة إذا ما تم توفير مناخ استثماري أكثر جاذبية، وإجراءات إدارية أكثر مرونة ونجاعة.

ويأتي هذا الحراك في سياق اهتمام متواصل من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد بملف التونسيين بالخارج، حيث أكد رئيس الجمهورية، في عديد المناسبات، أن أبناء الجالية هم مواطنون كاملو الحقوق، وأن الدولة مطالبة بخدمتهم أينما وجدوا، داعيًا إلى العمل على إزالة كل العراقيل التي تعترضهم، سواء داخل الإدارات أو عند عودتهم إلى أرض الوطن.

وشدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال عدد من لقاءاته، على ضرورة حسن استقبال التونسيين بالخارج، وتبسيط الإجراءات الإدارية لفائدتهم، مؤكدًا أن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن، لا أن تتحول إلى عائق أمامه، وأن كل مسؤول مطالب بتيسير الخدمات والإنصات إلى مشاغل المواطنين داخل تونس وخارجها.

كما دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى توفير أفضل الظروف لأبناء الجالية عند عودتهم إلى البلاد، مؤكدًا أن الدولة مطالبة بإيجاد حلول عملية للإشكاليات التي يطرحونها، خاصة تلك المتعلقة بالوثائق الإدارية والاستثمار والخدمات القنصلية، مع العمل على تطوير الإدارة والحد من التعقيدات.

وفي أكثر من مناسبة، ثمن رئيس الجمهورية دور الكفاءات التونسية المقيمة بالخارج، معتبرًا أنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وأن تونس في حاجة إلى خبراتها العلمية والتكنولوجية والمهنية، داعيًا إلى تهيئة المناخ الملائم لاستقطاب هذه الكفاءات وتشجيعها على المساهمة في المشاريع الوطنية ونقل المعرفة والخبرة إلى الداخل.

كما أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الاستثمار لا يمكن أن يتطور إلا في ظل إدارة ناجعة وشفافة، وأن تحسين مناخ الأعمال يمر عبر إزالة العراقيل الإدارية والقانونية، وتوفير المرافقة للمستثمرين، وهو ما ينسحب أيضًا على التونسيين بالخارج الراغبين في بعث مشاريع أو توسيع استثماراتهم داخل البلاد.

وتسعى الدولة التونسية، من خلال مختلف الهياكل المعنية، إلى تطوير آليات التواصل مع أبناء الجالية، ليس فقط خلال فترة العودة الصيفية، وإنما على امتداد السنة، عبر تنظيم لقاءات دورية والتعريف بالبرامج والامتيازات المتاحة للمستثمرين، فضلًا عن رقمنة عدد من الخدمات الإدارية لتقليص الآجال وتبسيط الإجراءات، بما يعزز ثقة التونسيين بالخارج في مؤسسات الدولة.

كما يؤكد عدد من الفاعلين الاقتصاديين على التوجه نحو تحويل أبناء الجالية إلى سفراء للاستثمار التونسي في بلدان الإقامة، من خلال استقطاب مستثمرين أجانب، وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات التونسية، وإقامة شراكات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية، وهو ما من شأنه أن يساهم في تنويع مصادر الاستثمار ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني.

ندوات متتالية في مختلف الجهات

وفي هذا الإطار، نظم ديوان التونسيين بالخارج، أول أمس الأربعاء 29 جويلية، بالعاصمة، ندوة لفائدة التونسيين المقيمين بالخارج أصيلي ولايات تونس الكبرى، خُصصت للتعريف بفرص الاستثمار في مختلف جهات البلاد، وعرض أفكار مشاريع واعدة ومتجددة، إلى جانب التعريف بآليات الإدماج المالي وتبادل المقترحات والأفكار الكفيلة بتشجيع أبناء الجالية على بعث مشاريعهم في تونس.

وشكلت الندوة فضاءً مباشرًا للحوار بين ممثلي الإدارات العمومية وأبناء الجالية، بما يسمح بالإجابة عن مختلف التساؤلات المتعلقة بالاستثمار والإجراءات الإدارية والامتيازات المتوفرة، فضلًا عن استعراض الإمكانيات الاقتصادية التي تزخر بها مختلف الولايات.

وتندرج هذه المبادرة ضمن برنامج وطني وضعه ديوان التونسيين بالخارج لتكثيف اللقاءات المباشرة مع أبناء الجالية، سواء داخل تونس خلال فترة العودة الصيفية أو عبر مختلف التمثيليات والهياكل المختصة، بهدف تعزيز الثقة وتوفير المعلومة الدقيقة حول فرص الاستثمار والتنمية.

تحسين الخدمات وتبسيط الإجراءات

وفي ولاية سوسة، احتضنت الجهة الندوة الجهوية للتونسيين بالخارج تحت شعار: "تعزيز جودة الخدمات ودعم التنمية الجهوية"، بإشراف والي سوسة سفيان التنفوري.

وأكد الوالي أن أبناء الجالية يمثلون سفراء لتونس في الخارج، ورصيدًا بشريًا واقتصاديًا مهمًا، بما يمتلكونه من خبرات وكفاءات قادرة على الإسهام في دفع الاستثمار والتنمية.

وأوضح أن تنظيم هذه الندوة يندرج في إطار تنفيذ سياسة الدولة الرامية إلى مزيد الإحاطة بالتونسيين بالخارج، وتحسين جودة الخدمات الإدارية المسداة لهم، وتبسيط الإجراءات، وتذليل الصعوبات التي قد تواجههم، بما يشجعهم على بعث المشاريع والمساهمة في التنمية الجهوية.

كما تم خلال اللقاء عرض قصة نجاح مهندس تونسي عاد للاستثمار بولاية سوسة عبر مشروع في مجال النقل الذكي، وهو نموذج يعكس قدرة الكفاءات التونسية بالخارج على نقل المعرفة والتكنولوجيا وخلق مشاريع مبتكرة داخل البلاد.

وشهدت الندوة كذلك نقاشًا مفتوحًا حول أبرز الإشكاليات التي تواجه أبناء الجالية، خاصة ما يتعلق بالإجراءات الإدارية، واستخراج الوثائق، وتطوير الخدمات الرقمية، مع التأكيد على ضرورة مزيد التنسيق بين مختلف الإدارات لضمان سرعة معالجة الملفات.

كما انتظمت بمدينة قفصة الندوة الجهوية للتونسيين المقيمين بالخارج أصيلي الجهة، مرفوقة بالشباك الموحد لتقريب الخدمات، تحت شعار: "الإدماج المالي وسبل التوظيف الأنجع للتحويلات المالية للتونسيين بالخارج".

وهدفت الندوة إلى تشجيع أبناء الجالية على بعث المشاريع والاستثمار بالجهة، وفتح المجال أمامهم للتواصل المباشر مع مختلف الهياكل والإدارات المختصة.

وأكد ممثل المندوبية الجهوية لديوان التونسيين بالخارج بقفصة، خالد بلحسن، أن اللقاء ركز بالأساس على التعريف بفرص الاستثمار المتاحة، خاصة في القطاعات الواعدة، مع تقديم الإحاطة اللازمة للراغبين في بعث مشاريع جديدة.

وفي إطار مواصلة هذا البرنامج، يحتضن أحد الفضاءات السياحية بمدينة بنزرت يوم 4 أوت المقبل الندوة الإقليمية الأولى للاستثمار لفائدة التونسيين المقيمين بالخارج أصيلي ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف.

وستخصص هذه الندوة للتعريف بفرص الاستثمار والمشاريع المتوفرة بهذه الولايات، مع توفير فضاءات للتواصل المباشر بين المستثمرين المحتملين وممثلي الإدارات والهياكل العمومية، بما يختصر الآجال ويقرب الخدمات من أبناء الجالية.

ويرى متابعون للشأن الوطني أن التحويلات المالية للتونسيين بالخارج لم تعد تمثل فقط موردًا مهمًا من العملة الصعبة، بل أصبحت عاملًا أساسيًا في دعم الاستثمار المحلي وتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة، خاصة إذا ما تم توفير آليات مرافقة فعالة، وتبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومة الاقتصادية والاستثمارية.

وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح": "إن الدولة التونسية أولت خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالتونسيين المقيمين بالخارج، سواء من خلال تحسين الخدمات القنصلية، أو اتخاذ إجراءات موسمية لتيسير عودتهم، أو عبر الاعتراف المتزايد بدورهم في دعم الاقتصاد الوطني، غير أن هذه الجهود، على أهميتها، ما تزال دون مستوى انتظارات الجالية التي تمثل قرابة مليوني تونسي وتونسية، وتختزن طاقات بشرية وعلمية واستثمارية هائلة".

مضيفًا بأن: "اليوم، لم يعد من المقبول أن يُنظر إلى التونسيين بالخارج فقط باعتبارهم مصدرًا للتحويلات المالية، بل يجب اعتبارهم شركاء حقيقيين في التنمية الوطنية وصنع القرار، فالجالية التونسية تمتلك خبرات دولية، وشبكات علاقات اقتصادية وعلمية، ورؤوس أموال يمكن أن تشكل رافعة قوية لتنمية البلاد إذا توفرت البيئة القانونية والمؤسساتية الملائمة".

ومن هذا المنطلق، يرى محدثنا أن الأولويات تتمثل في الإسراع بإصلاح مجلة الاستثمار وقانون الصرف لتشجيع المبادرة والاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإرساء منظومة رقمية متكاملة للتعامل مع الإدارة التونسية عن بعد، فضلًا عن وضع استراتيجية وطنية لاستقطاب الكفاءات التونسية بالخارج وربطها بمشاريع البحث والابتكار والتنمية.

كما أصبح من الضروري توفير إطار مؤسساتي يضمن مشاركة التونسيين بالخارج في صياغة السياسات العمومية التي تعنيهم، وهو ما تعمل عليه لجنة الشؤون الخارجية من خلال دعم المبادرات التشريعية الرامية إلى تعزيز تمثيلهم وإحداث آليات دائمة للحوار معهم، وفي مقدمتها مراجعة الإطار القانوني المنظم للمجلس الوطني للتونسيين المقيمين بالخارج.

وأضاف محدثنا بأن الاستثمار في الجالية التونسية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو خيار استراتيجي يعزز إشعاع تونس دوليًا، ويحول الهجرة من تحدٍ إلى فرصة، ومن نزيف للكفاءات إلى رافعة للتنمية ونقل المعرفة والاستثمار.

التونسيون بالخارج ليسوا امتدادًا لتونس فحسب، بل هم جزء أصيل من حاضرها ومستقبلها، وكل دينار يستثمرونه، وكل خبرة ينقلونها، وكل شراكة ينسجونها، هي استثمار مباشر في قوة الدولة التونسية واقتصادها ومكانتها الدولية.

كما أضاف رياض جعيدان: "في تقديري، لم يعد السؤال اليوم هو كيف نحافظ على علاقة التونسيين بالخارج بوطنهم، بل كيف نحوّلهم إلى شريك استراتيجي في التنمية وفي تعزيز النفوذ الدولي لتونس".

ولتحقيق ذلك، يؤكد جعيدان أن الاستراتيجية المثلى يجب أن تقوم على خمسة محاور أساسية، وهي:

أولًا، الانتقال من سياسة التعامل مع الجالية باعتبارها مصدرًا للتحويلات المالية إلى اعتبارها رصيدًا من الكفاءات والخبرات والعلاقات الدولية، فالتونسي المقيم بالخارج هو باحث، وقاضٍ، وأستاذ جامعي، وطبيب، ورجل أعمال، ومدير في شركات عالمية، ومسؤول في منظمات دولية، وكل هؤلاء يمثلون قيمة مضافة لتونس.

وثانيًا، وضع قاعدة بيانات وطنية للكفاءات التونسية بالخارج، تُحدَّث بصفة دورية، حتى تتمكن الدولة من التعرف على الخبرات الموجودة في مختلف المجالات، والاستفادة منها عند إعداد السياسات العمومية، أو عند تقديم الترشيحات للمناصب الدولية، أو عند إطلاق مشاريع وطنية كبرى.

وثالثًا، اعتماد استراتيجية وطنية لدعم الترشيحات التونسية للمناصب الإقليمية والدولية، عبر تعبئة الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية البرلمانية، والاستفادة من شبكة الكفاءات التونسية بالخارج، لأنها الأقدر على فتح قنوات التواصل داخل المؤسسات الدولية، وحشد الدعم للمرشحين التونسيين.

ورابعًا، إشراك الكفاءات التونسية بالخارج في صياغة السياسات العمومية، من خلال آليات مؤسساتية دائمة، وليس فقط عبر لقاءات ظرفية، فهذه الكفاءات تمتلك خبرات وتجارب ناجحة يمكن أن تساهم في تحديث الإدارة، ونقل التكنولوجيا، وجلب الاستثمار، وتعزيز البحث العلمي.

وخامسًا، إرساء دبلوماسية للكفاءات، بحيث تصبح الخبرة التونسية بالخارج إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة. فالدول الناجحة لا تكتفي بسفرائها الرسميين، بل تعتمد أيضًا على علمائها، وقضاتها، وخبرائها، ومديريها في المؤسسات الدولية، باعتبارهم سفراء غير رسميين لبلدانهم.

وقال محدثنا: "أعتقد أن تونس تمتلك كل المقومات للنجاح في هذا المجال، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وإلى رؤية وطنية واضحة، فمن غير المقبول أن نواصل العمل بمنطق المبادرات الفردية، في حين أن المنافسة على المناصب الدولية أصبحت اليوم جزءًا من التنافس بين الدول على النفوذ والتأثير".

وفي ختام تصريحه، قال رياض جعيدان إن الاستثمار في الكفاءات التونسية بالخارج ليس سياسة موجهة لفائدة الجالية، بل هو استثمار مباشر في الأمن القومي، وفي الاقتصاد، وفي إشعاع تونس، وفي قدرتها على الدفاع عن مصالحها داخل دوائر صنع القرار الدولي.

وختم محدثنا بالقول: "أعتبر أن أكبر ثروة تملكها تونس اليوم ليست فقط موقعها الجغرافي أو مواردها الطبيعية، وإنما رأسمالها البشري، وكل تونسي يصل إلى موقع تأثير في جامعة عالمية، أو محكمة دولية، أو منظمة أممية، أو شركة دولية كبرى، هو امتداد للقوة الناعمة لتونس. ودور الدولة ليس أن تكتفي بالاحتفاء بنجاحه بعد وصوله، بل أن تساعده على الوصول، وأن تجعل من نجاحه مكسبًا وطنيًا يخدم تونس ومصالحها".

أميرة الدريدي

 

 

بين الاستماع إلى مشاغلهم وفتح آفاق جديدة أمامهم..   تطوير آليات التواصل مع أبناء الجالية التونسية بالخارج   

-رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة رياض جعيدان، لـ"الصباح": الاستثمار في الجالية التونسية ليس مجرد خيار اقتصادي بل هو خيار استراتيجي...

 

تونس – الصباح

يحظى ملف التونسيين المقيمين بالخارج باهتمام متزايد من مختلف مؤسسات الدولة، باعتبارهم عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم المالية، فضلًا عن مساهمتهم في نقل الخبرات والكفاءات والاستثمار وإحداث المشاريع.

وقد برز هذا الاهتمام بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة، من خلال سهر مؤسسات الدولة على تنظيم سلسلة من الندوات الوطنية والجهوية التي أشرف عليها ديوان التونسيين بالخارج، بالتنسيق مع السلط الجهوية ومختلف الإدارات والهياكل العمومية، بهدف تقريب الخدمات، والاستماع إلى مشاغل أبناء الجالية التونسية بالخارج، وفتح آفاق جديدة أمامهم للمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمختلف الجهات.

ولا يقتصر الاهتمام الرسمي بالتونسيين بالخارج على موسم العودة خلال الفترة الصيفية فقط، بل يندرج ضمن رؤية واسعة أكثر تقوم على تعزيز ارتباطهم بوطنهم، وتحويل كفاءاتهم ومدخراتهم إلى قوة اقتراح واستثمار، خاصة في ظل ما تزخر به الجالية التونسية من خبرات علمية ومهنية في مختلف الاختصاصات، وما يمكن أن توفره من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وتشكل الاستفادة من هذه الطاقات رافعة حقيقية لدعم التنمية، خاصة إذا ما تم توفير مناخ استثماري أكثر جاذبية، وإجراءات إدارية أكثر مرونة ونجاعة.

ويأتي هذا الحراك في سياق اهتمام متواصل من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد بملف التونسيين بالخارج، حيث أكد رئيس الجمهورية، في عديد المناسبات، أن أبناء الجالية هم مواطنون كاملو الحقوق، وأن الدولة مطالبة بخدمتهم أينما وجدوا، داعيًا إلى العمل على إزالة كل العراقيل التي تعترضهم، سواء داخل الإدارات أو عند عودتهم إلى أرض الوطن.

وشدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال عدد من لقاءاته، على ضرورة حسن استقبال التونسيين بالخارج، وتبسيط الإجراءات الإدارية لفائدتهم، مؤكدًا أن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن، لا أن تتحول إلى عائق أمامه، وأن كل مسؤول مطالب بتيسير الخدمات والإنصات إلى مشاغل المواطنين داخل تونس وخارجها.

كما دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى توفير أفضل الظروف لأبناء الجالية عند عودتهم إلى البلاد، مؤكدًا أن الدولة مطالبة بإيجاد حلول عملية للإشكاليات التي يطرحونها، خاصة تلك المتعلقة بالوثائق الإدارية والاستثمار والخدمات القنصلية، مع العمل على تطوير الإدارة والحد من التعقيدات.

وفي أكثر من مناسبة، ثمن رئيس الجمهورية دور الكفاءات التونسية المقيمة بالخارج، معتبرًا أنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وأن تونس في حاجة إلى خبراتها العلمية والتكنولوجية والمهنية، داعيًا إلى تهيئة المناخ الملائم لاستقطاب هذه الكفاءات وتشجيعها على المساهمة في المشاريع الوطنية ونقل المعرفة والخبرة إلى الداخل.

كما أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الاستثمار لا يمكن أن يتطور إلا في ظل إدارة ناجعة وشفافة، وأن تحسين مناخ الأعمال يمر عبر إزالة العراقيل الإدارية والقانونية، وتوفير المرافقة للمستثمرين، وهو ما ينسحب أيضًا على التونسيين بالخارج الراغبين في بعث مشاريع أو توسيع استثماراتهم داخل البلاد.

وتسعى الدولة التونسية، من خلال مختلف الهياكل المعنية، إلى تطوير آليات التواصل مع أبناء الجالية، ليس فقط خلال فترة العودة الصيفية، وإنما على امتداد السنة، عبر تنظيم لقاءات دورية والتعريف بالبرامج والامتيازات المتاحة للمستثمرين، فضلًا عن رقمنة عدد من الخدمات الإدارية لتقليص الآجال وتبسيط الإجراءات، بما يعزز ثقة التونسيين بالخارج في مؤسسات الدولة.

كما يؤكد عدد من الفاعلين الاقتصاديين على التوجه نحو تحويل أبناء الجالية إلى سفراء للاستثمار التونسي في بلدان الإقامة، من خلال استقطاب مستثمرين أجانب، وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات التونسية، وإقامة شراكات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية، وهو ما من شأنه أن يساهم في تنويع مصادر الاستثمار ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني.

ندوات متتالية في مختلف الجهات

وفي هذا الإطار، نظم ديوان التونسيين بالخارج، أول أمس الأربعاء 29 جويلية، بالعاصمة، ندوة لفائدة التونسيين المقيمين بالخارج أصيلي ولايات تونس الكبرى، خُصصت للتعريف بفرص الاستثمار في مختلف جهات البلاد، وعرض أفكار مشاريع واعدة ومتجددة، إلى جانب التعريف بآليات الإدماج المالي وتبادل المقترحات والأفكار الكفيلة بتشجيع أبناء الجالية على بعث مشاريعهم في تونس.

وشكلت الندوة فضاءً مباشرًا للحوار بين ممثلي الإدارات العمومية وأبناء الجالية، بما يسمح بالإجابة عن مختلف التساؤلات المتعلقة بالاستثمار والإجراءات الإدارية والامتيازات المتوفرة، فضلًا عن استعراض الإمكانيات الاقتصادية التي تزخر بها مختلف الولايات.

وتندرج هذه المبادرة ضمن برنامج وطني وضعه ديوان التونسيين بالخارج لتكثيف اللقاءات المباشرة مع أبناء الجالية، سواء داخل تونس خلال فترة العودة الصيفية أو عبر مختلف التمثيليات والهياكل المختصة، بهدف تعزيز الثقة وتوفير المعلومة الدقيقة حول فرص الاستثمار والتنمية.

تحسين الخدمات وتبسيط الإجراءات

وفي ولاية سوسة، احتضنت الجهة الندوة الجهوية للتونسيين بالخارج تحت شعار: "تعزيز جودة الخدمات ودعم التنمية الجهوية"، بإشراف والي سوسة سفيان التنفوري.

وأكد الوالي أن أبناء الجالية يمثلون سفراء لتونس في الخارج، ورصيدًا بشريًا واقتصاديًا مهمًا، بما يمتلكونه من خبرات وكفاءات قادرة على الإسهام في دفع الاستثمار والتنمية.

وأوضح أن تنظيم هذه الندوة يندرج في إطار تنفيذ سياسة الدولة الرامية إلى مزيد الإحاطة بالتونسيين بالخارج، وتحسين جودة الخدمات الإدارية المسداة لهم، وتبسيط الإجراءات، وتذليل الصعوبات التي قد تواجههم، بما يشجعهم على بعث المشاريع والمساهمة في التنمية الجهوية.

كما تم خلال اللقاء عرض قصة نجاح مهندس تونسي عاد للاستثمار بولاية سوسة عبر مشروع في مجال النقل الذكي، وهو نموذج يعكس قدرة الكفاءات التونسية بالخارج على نقل المعرفة والتكنولوجيا وخلق مشاريع مبتكرة داخل البلاد.

وشهدت الندوة كذلك نقاشًا مفتوحًا حول أبرز الإشكاليات التي تواجه أبناء الجالية، خاصة ما يتعلق بالإجراءات الإدارية، واستخراج الوثائق، وتطوير الخدمات الرقمية، مع التأكيد على ضرورة مزيد التنسيق بين مختلف الإدارات لضمان سرعة معالجة الملفات.

كما انتظمت بمدينة قفصة الندوة الجهوية للتونسيين المقيمين بالخارج أصيلي الجهة، مرفوقة بالشباك الموحد لتقريب الخدمات، تحت شعار: "الإدماج المالي وسبل التوظيف الأنجع للتحويلات المالية للتونسيين بالخارج".

وهدفت الندوة إلى تشجيع أبناء الجالية على بعث المشاريع والاستثمار بالجهة، وفتح المجال أمامهم للتواصل المباشر مع مختلف الهياكل والإدارات المختصة.

وأكد ممثل المندوبية الجهوية لديوان التونسيين بالخارج بقفصة، خالد بلحسن، أن اللقاء ركز بالأساس على التعريف بفرص الاستثمار المتاحة، خاصة في القطاعات الواعدة، مع تقديم الإحاطة اللازمة للراغبين في بعث مشاريع جديدة.

وفي إطار مواصلة هذا البرنامج، يحتضن أحد الفضاءات السياحية بمدينة بنزرت يوم 4 أوت المقبل الندوة الإقليمية الأولى للاستثمار لفائدة التونسيين المقيمين بالخارج أصيلي ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف.

وستخصص هذه الندوة للتعريف بفرص الاستثمار والمشاريع المتوفرة بهذه الولايات، مع توفير فضاءات للتواصل المباشر بين المستثمرين المحتملين وممثلي الإدارات والهياكل العمومية، بما يختصر الآجال ويقرب الخدمات من أبناء الجالية.

ويرى متابعون للشأن الوطني أن التحويلات المالية للتونسيين بالخارج لم تعد تمثل فقط موردًا مهمًا من العملة الصعبة، بل أصبحت عاملًا أساسيًا في دعم الاستثمار المحلي وتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة، خاصة إذا ما تم توفير آليات مرافقة فعالة، وتبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومة الاقتصادية والاستثمارية.

وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح": "إن الدولة التونسية أولت خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالتونسيين المقيمين بالخارج، سواء من خلال تحسين الخدمات القنصلية، أو اتخاذ إجراءات موسمية لتيسير عودتهم، أو عبر الاعتراف المتزايد بدورهم في دعم الاقتصاد الوطني، غير أن هذه الجهود، على أهميتها، ما تزال دون مستوى انتظارات الجالية التي تمثل قرابة مليوني تونسي وتونسية، وتختزن طاقات بشرية وعلمية واستثمارية هائلة".

مضيفًا بأن: "اليوم، لم يعد من المقبول أن يُنظر إلى التونسيين بالخارج فقط باعتبارهم مصدرًا للتحويلات المالية، بل يجب اعتبارهم شركاء حقيقيين في التنمية الوطنية وصنع القرار، فالجالية التونسية تمتلك خبرات دولية، وشبكات علاقات اقتصادية وعلمية، ورؤوس أموال يمكن أن تشكل رافعة قوية لتنمية البلاد إذا توفرت البيئة القانونية والمؤسساتية الملائمة".

ومن هذا المنطلق، يرى محدثنا أن الأولويات تتمثل في الإسراع بإصلاح مجلة الاستثمار وقانون الصرف لتشجيع المبادرة والاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإرساء منظومة رقمية متكاملة للتعامل مع الإدارة التونسية عن بعد، فضلًا عن وضع استراتيجية وطنية لاستقطاب الكفاءات التونسية بالخارج وربطها بمشاريع البحث والابتكار والتنمية.

كما أصبح من الضروري توفير إطار مؤسساتي يضمن مشاركة التونسيين بالخارج في صياغة السياسات العمومية التي تعنيهم، وهو ما تعمل عليه لجنة الشؤون الخارجية من خلال دعم المبادرات التشريعية الرامية إلى تعزيز تمثيلهم وإحداث آليات دائمة للحوار معهم، وفي مقدمتها مراجعة الإطار القانوني المنظم للمجلس الوطني للتونسيين المقيمين بالخارج.

وأضاف محدثنا بأن الاستثمار في الجالية التونسية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو خيار استراتيجي يعزز إشعاع تونس دوليًا، ويحول الهجرة من تحدٍ إلى فرصة، ومن نزيف للكفاءات إلى رافعة للتنمية ونقل المعرفة والاستثمار.

التونسيون بالخارج ليسوا امتدادًا لتونس فحسب، بل هم جزء أصيل من حاضرها ومستقبلها، وكل دينار يستثمرونه، وكل خبرة ينقلونها، وكل شراكة ينسجونها، هي استثمار مباشر في قوة الدولة التونسية واقتصادها ومكانتها الدولية.

كما أضاف رياض جعيدان: "في تقديري، لم يعد السؤال اليوم هو كيف نحافظ على علاقة التونسيين بالخارج بوطنهم، بل كيف نحوّلهم إلى شريك استراتيجي في التنمية وفي تعزيز النفوذ الدولي لتونس".

ولتحقيق ذلك، يؤكد جعيدان أن الاستراتيجية المثلى يجب أن تقوم على خمسة محاور أساسية، وهي:

أولًا، الانتقال من سياسة التعامل مع الجالية باعتبارها مصدرًا للتحويلات المالية إلى اعتبارها رصيدًا من الكفاءات والخبرات والعلاقات الدولية، فالتونسي المقيم بالخارج هو باحث، وقاضٍ، وأستاذ جامعي، وطبيب، ورجل أعمال، ومدير في شركات عالمية، ومسؤول في منظمات دولية، وكل هؤلاء يمثلون قيمة مضافة لتونس.

وثانيًا، وضع قاعدة بيانات وطنية للكفاءات التونسية بالخارج، تُحدَّث بصفة دورية، حتى تتمكن الدولة من التعرف على الخبرات الموجودة في مختلف المجالات، والاستفادة منها عند إعداد السياسات العمومية، أو عند تقديم الترشيحات للمناصب الدولية، أو عند إطلاق مشاريع وطنية كبرى.

وثالثًا، اعتماد استراتيجية وطنية لدعم الترشيحات التونسية للمناصب الإقليمية والدولية، عبر تعبئة الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية البرلمانية، والاستفادة من شبكة الكفاءات التونسية بالخارج، لأنها الأقدر على فتح قنوات التواصل داخل المؤسسات الدولية، وحشد الدعم للمرشحين التونسيين.

ورابعًا، إشراك الكفاءات التونسية بالخارج في صياغة السياسات العمومية، من خلال آليات مؤسساتية دائمة، وليس فقط عبر لقاءات ظرفية، فهذه الكفاءات تمتلك خبرات وتجارب ناجحة يمكن أن تساهم في تحديث الإدارة، ونقل التكنولوجيا، وجلب الاستثمار، وتعزيز البحث العلمي.

وخامسًا، إرساء دبلوماسية للكفاءات، بحيث تصبح الخبرة التونسية بالخارج إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة. فالدول الناجحة لا تكتفي بسفرائها الرسميين، بل تعتمد أيضًا على علمائها، وقضاتها، وخبرائها، ومديريها في المؤسسات الدولية، باعتبارهم سفراء غير رسميين لبلدانهم.

وقال محدثنا: "أعتقد أن تونس تمتلك كل المقومات للنجاح في هذا المجال، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وإلى رؤية وطنية واضحة، فمن غير المقبول أن نواصل العمل بمنطق المبادرات الفردية، في حين أن المنافسة على المناصب الدولية أصبحت اليوم جزءًا من التنافس بين الدول على النفوذ والتأثير".

وفي ختام تصريحه، قال رياض جعيدان إن الاستثمار في الكفاءات التونسية بالخارج ليس سياسة موجهة لفائدة الجالية، بل هو استثمار مباشر في الأمن القومي، وفي الاقتصاد، وفي إشعاع تونس، وفي قدرتها على الدفاع عن مصالحها داخل دوائر صنع القرار الدولي.

وختم محدثنا بالقول: "أعتبر أن أكبر ثروة تملكها تونس اليوم ليست فقط موقعها الجغرافي أو مواردها الطبيعية، وإنما رأسمالها البشري، وكل تونسي يصل إلى موقع تأثير في جامعة عالمية، أو محكمة دولية، أو منظمة أممية، أو شركة دولية كبرى، هو امتداد للقوة الناعمة لتونس. ودور الدولة ليس أن تكتفي بالاحتفاء بنجاحه بعد وصوله، بل أن تساعده على الوصول، وأن تجعل من نجاحه مكسبًا وطنيًا يخدم تونس ومصالحها".

أميرة الدريدي