- جزء مهم من برمجة 2026 يقوم على ما يمكن تسميته بمهرجانات الذاكرة والأرض، أين تحوّلت المنتجات الفلاحية إلى عناوين ثقافية.
- يبقى السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الخارطة الثقافية الواسعة: إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه التظاهرات، وخاصة تلك المنتشرة في الجهات الداخلية، من مجرد مواعيد احتفالية موسمية إلى أدوات فعلية للتنمية المحلية والاقتصاد الاجتماعي؟
تونس - الصباح
لا يبدو الموسم الثقافي الصيفي لسنة 2026 مجرد موعد سنوي تتنافس خلاله المهرجانات على استقطاب الجمهور، بل يكشف عن مشهد أكثر تعقيدا واتساعا، يعكس تحولا في علاقة الثقافة بالمجال، وبالمواطن، وبالهوية المحلية. فخلف الرقم الإجمالي المتمثل في 277 تظاهرة ومهرجانا، موزعة على كامل ولايات الجمهورية الـ24 - أعلنت عنها منذ أيام قليلة وزارة الشؤون الثقافية على صفحتها الرسمية -، تبرز خارطة ثقافية متعددة المستويات تجمع بين المهرجانات الدولية ذات الإشعاع الخارجي، والأيام الثقافية التي تكرس مفهوم القرب، والتظاهرات التي تستمد خصوصيتها من التراث، والمنتجات الفلاحية، والذاكرة الجماعية لكل جهة.
وبينما تواصل الأسماء الكبرى، مثل مهرجان قرطاج، ومهرجان الحمامات، وصفاقس، وقابس، وبنزرت، وسوسة، والجم، وطبرقة، وغيرها من المهرجانات الدولية العريقة، قيادة المشهد باعتبارها واجهات أساسية للثقافة التونسية، فإن بقية الخارطة تكشف أن الفعل الثقافي لم يعد متمركزا في المدن الكبرى، بل أصبح يمتد إلى المعتمديات والمناطق الداخلية، حيث من المفترض أن تتحول الثقافة إلى أداة للتعريف بالجهات، وتحريك الاقتصاد المحلي، وصيانة الهوية.
ويظل مهرجان قرطاج الدولي، ومهرجان الحمامات الدولي، قطبي الموسم الصيفي، بالنظر إلى ما راكماه من تاريخ وإشعاع ومكانة داخل المشهد الثقافي العربي والدولي. فقرطاج حافظت على موقعها كمنصة كبرى تستقبل الإنتاجات الفنية العربية والعالمية، فيما يواصل مهرجان الحمامات تكريس خصوصيته القائمة على الانفتاح على التجارب الموسيقية والمسرحية المختلفة، وعلى تقديم عروض تجمع بين الجودة الفنية والبحث عن التجديد. غير أن أهمية موسم 2026 تكمن في أنه لا يختزل الثقافة الصيفية في هذين الموعدين، بل يقدم صورة أوسع يكون فيها لكل ولاية دورها وحضورها، وفق خصوصياتها، وعدد تظاهراتها، وطبيعة خياراتها الثقافية.
وتكشف الأرقام المتعلقة بتوزيع التظاهرات على الولايات أن خارطة الموسم لا تخضع فقط لمنطق الكثافة السكانية أو الثقل الاقتصادي، وإنما تعكس تنوعا في الرهانات الثقافية. وتتصدر ولاية صفاقس الترتيب بـ24 تظاهرة، لتؤكد مرة أخرى حضورها كواحدة من أكثر الجهات حركية ثقافية، بفضل تنوع برمجتها التي تجمع بين المهرجانات الكبرى والتظاهرات التراثية والفنية. وتأتي ولايتا تونس وقفصة في المرتبة الثانية بـ16 تظاهرة لكل منهما، وهو رقم يعكس، من جهة، مركزية العاصمة باعتبارها فضاء يحتضن العديد من الفعاليات، ومن جهة أخرى، قدرة ولاية قفصة على بناء مشهد ثقافي يستند إلى خصوصياتها التراثية والفلاحية.
وفي المرتبة التالية نجد بنزرت، وسيدي بوزيد، ونابل، والمنستير بـ14 تظاهرة لكل ولاية، وهو ما يكشف توازنا لافتا بين جهات تختلف في طبيعتها الجغرافية والثقافية. فبنزرت تراهن بقوة على الأيام الثقافية المنتشرة في عدد من معتمدياتها، بينما تستثمر نابل في مزيج يجمع بين مهرجانات الهوية الفلاحية والتظاهرات الفنية، وتحافظ المنستير على حضورها بفضل مهرجاناتها الدولية وارتباطها بالموروث التاريخي، في حين تعكس سيدي بوزيد توجها نحو تثبيت الحضور الثقافي في جهة داخلية ذات رمزية وطنية خاصة.
وتأتي القيروان والقصرين بـ13 تظاهرة لكل منهما، في مشهد يعكس اختلاف الرهانات بين ولايتين تحملان إرثا تاريخيا وثقافيا مهما. فالقيروان تستند إلى مكانتها الحضارية باعتبارها إحدى أهم المدن التاريخية في تونس، بينما تراهن القصرين على ثراء موروثها الطبيعي والفلاحي والتراثي، خاصة من خلال مهرجانات التفاح والفستق التي أصبحت جزءا من هوية الجهة الثقافية.
أما جندوبة، وقابس، وبن عروس، والمهدية، فتسجل كل منها 12 تظاهرة، وهو رقم يؤكد تنوع المشهد الثقافي فيها. فجندوبة تجمع بين التراث والمواقع الأثرية من خلال مهرجان بلاريجيا، ومهرجان شمتو للتراث والفنون، بينما تستثمر قابس خصوصيتها الصحراوية والتراثية من خلال مهرجان الحناء بشنني وغيره من التظاهرات. أما بن عروس فتستفيد من قربها من العاصمة ومن حضور مواقع أثرية مثل أوذنة، في حين تتميز المهدية بقدرتها على الجمع بين الموسيقى الرفيعة والتراث والمواقع التاريخية، خاصة مع المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم.
وتأتي سليانة وزغوان بـ11 تظاهرة لكل منهما، ثم قبلي وسوسة بـ10 تظاهرات، وهي أرقام تؤكد أن حجم الحضور الثقافي لا يقاس فقط بعدد السكان أو الموقع الجغرافي، وإنما بقدرة كل جهة على إنتاج تصورات خاصة بها. فسليانة تراهن على التراث، والأيام الثقافية، والمهرجانات المرتبطة بالموروث الفلاحي، بينما تستثمر زغوان موقعها التاريخي والأثري، خاصة من خلال مهرجان تيبوربوماجيس والمهرجان الصيفي بمعبد المياه. أما سوسة، رغم وجود مهرجانها الدولي العريق، فإن عدد التظاهرات يعكس طبيعة مختلفة تقوم على التركيز على مواعيد ذات إشعاع قوي.
وفي ذات السياق، تسجل تطاوين 9 تظاهرات، وأريانة ومنوبة 8 تظاهرات لكل منهما، فيما تأتي باجة ومدنين بـ7 تظاهرات، ثم توزر والكاف بـ5 تظاهرات لكل ولاية. ورغم انخفاض العدد مقارنة بولايات أخرى، فإن هذه الجهات تقدم خصوصيات ثقافية لا تقاس بالكم فقط، إذ ترتبط العديد من تظاهراتها بالتراث، والموروث المحلي، والمواقع التاريخية، وهو ما يجعل حضورها النوعي يتجاوز أحيانا حجمها العددي.
وإذا كانت هذه الأرقام تقدم صورة كمية عن انتشار المهرجانات، فإن القيمة الحقيقية للموسم الثقافي الصيفي تظهر في طبيعة هذه التظاهرات وتنوعها. فجزء مهم من برمجة 2026 يقوم على ما يمكن تسميته بمهرجانات الذاكرة والأرض، أين تحولت المنتجات الفلاحية إلى عناوين ثقافية. ففي القصرين يحتفي مهرجان التفاح الدولي بسبيبة، في دورته السادسة والأربعين، بهذه الثمرة التي أصبحت رمزا للجهة، كما يحتفي المهرجان الوطني للفستق بماجل بلعباس بهذا المنتوج في دورته العاشرة. وفي قفصة نجد مهرجان الفستق الثقافي بالقطار، في دورته التاسعة والثلاثين، ومهرجان الفستق بأولاد أحمد بن سعد، في دورته السادسة، لتصبح هذه الثمرة جزءا من الذاكرة الثقافية للجهة.
وفي نابل، يحافظ مهرجان العنب بقرمبالية، في دورته الرابعة والستين، على ارتباطه بهوية المنطقة الزراعية، بينما تحتفي باجة بمنتوج دجبة من خلال مهرجان الكرموس، في دورته العاشرة. وتواصل قابس تثمين خصوصيتها عبر مهرجان الحناء بشنني، في دورته الثانية والأربعين، فيما تراهن المهدية على العسل والتراث عبر مهرجان سيدي علوان المغاربي، وتحتفي سليانة بمواسم الحصاد من خلال مهرجان السنابل الذهبية بالكريب.
وفي مقابل هذا البعد الفلاحي، يحضر التراث بقوة باعتباره أحد المكونات الأساسية للمشهد الثقافي. وتتصدر صفاقس هذا المجال من خلال ثلاثة مهرجانات تراثية، هي: مهرجان التراث والأصالة بالزوايد، ومهرجان التراث بالجبارنة، ومهرجان سيدي امحمد بن عمر للتراث والأدب الشعبي، وهو ما يجعلها من أكثر الولايات اهتماما بهذا النوع من التظاهرات. كما تحضر جندوبة عبر مهرجان شمتو للتراث والفنون بوادي مليز، وسليانة عبر مهرجان سيدي حمادة للثقافة وإحياء التراث، والمهدية عبر مهرجان سيدي الناصر الدولي للعادات والتقاليد والفروسية، وزغوان عبر مهرجان الأصالة والتراث بالحمرة، وقبلي عبر المهرجان الوطني للثقافة والتراث بفطناسة، وقفصة عبر مهرجان سيدي عيش للثقافة والتراث.
ومن أبرز خصوصيات صيف 2026 أيضا عودة المواقع الأثرية إلى قلب المشهد الثقافي، إذ تتحول المعالم التاريخية إلى فضاءات حية للعروض. فالمسرح الأثري بالجم يحتضن المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية، ومهرجان موسيقى العالم، فيما يستقبل البرج الأثري بالمهدية عروض ليالي المهدية الدولية. وفي زغوان تحتضن المواقع الرومانية مهرجان تيبوربوماجيس والمهرجان الصيفي، بينما يمنح المسرح الأثري بأوذنة بعدا تاريخيا للمهرجان الدولي للفنون الشعبية، وتستثمر سوسة رباطها ومسرح سيدي الظاهر، كما ترتبط مهرجانات دقة، وبلاريجيا، ومكثر، والعبادلة بسبيطلة ارتباطا وثيقا بالمواقع الأثرية التي تحمل أسماءها.
ولا يغيب التخصص الفني عن هذه الخارطة، حيث يواصل المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم تقديم تجربة مختلفة، ويحافظ مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية، بصفاقس، على مكانته كموعد للفن التشكيلي، ويواصل مهرجان الجاز بطبرقة الحفاظ على هويته الموسيقية، بينما تمنح أيام قربة للمسرح، ومهرجان الأرجوان لمسرح الشباب والطفل بجربة، المسرح حضورا مهما داخل الموسم الصيفي.
ويبقى السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الخارطة الثقافية الواسعة: إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه التظاهرات، وخاصة تلك المنتشرة في الجهات الداخلية، من مجرد مواعيد احتفالية موسمية إلى أدوات فعلية للتنمية المحلية والاقتصاد الاجتماعي؟ فمن المفترض أن يتجاوز المهرجان وظيفته الثقافية، ليصبح جزءا من دورة اقتصادية جديدة داخل الجهة.
إيمان عبد اللطيف
- جزء مهم من برمجة 2026 يقوم على ما يمكن تسميته بمهرجانات الذاكرة والأرض، أين تحوّلت المنتجات الفلاحية إلى عناوين ثقافية.
- يبقى السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الخارطة الثقافية الواسعة: إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه التظاهرات، وخاصة تلك المنتشرة في الجهات الداخلية، من مجرد مواعيد احتفالية موسمية إلى أدوات فعلية للتنمية المحلية والاقتصاد الاجتماعي؟
تونس - الصباح
لا يبدو الموسم الثقافي الصيفي لسنة 2026 مجرد موعد سنوي تتنافس خلاله المهرجانات على استقطاب الجمهور، بل يكشف عن مشهد أكثر تعقيدا واتساعا، يعكس تحولا في علاقة الثقافة بالمجال، وبالمواطن، وبالهوية المحلية. فخلف الرقم الإجمالي المتمثل في 277 تظاهرة ومهرجانا، موزعة على كامل ولايات الجمهورية الـ24 - أعلنت عنها منذ أيام قليلة وزارة الشؤون الثقافية على صفحتها الرسمية -، تبرز خارطة ثقافية متعددة المستويات تجمع بين المهرجانات الدولية ذات الإشعاع الخارجي، والأيام الثقافية التي تكرس مفهوم القرب، والتظاهرات التي تستمد خصوصيتها من التراث، والمنتجات الفلاحية، والذاكرة الجماعية لكل جهة.
وبينما تواصل الأسماء الكبرى، مثل مهرجان قرطاج، ومهرجان الحمامات، وصفاقس، وقابس، وبنزرت، وسوسة، والجم، وطبرقة، وغيرها من المهرجانات الدولية العريقة، قيادة المشهد باعتبارها واجهات أساسية للثقافة التونسية، فإن بقية الخارطة تكشف أن الفعل الثقافي لم يعد متمركزا في المدن الكبرى، بل أصبح يمتد إلى المعتمديات والمناطق الداخلية، حيث من المفترض أن تتحول الثقافة إلى أداة للتعريف بالجهات، وتحريك الاقتصاد المحلي، وصيانة الهوية.
ويظل مهرجان قرطاج الدولي، ومهرجان الحمامات الدولي، قطبي الموسم الصيفي، بالنظر إلى ما راكماه من تاريخ وإشعاع ومكانة داخل المشهد الثقافي العربي والدولي. فقرطاج حافظت على موقعها كمنصة كبرى تستقبل الإنتاجات الفنية العربية والعالمية، فيما يواصل مهرجان الحمامات تكريس خصوصيته القائمة على الانفتاح على التجارب الموسيقية والمسرحية المختلفة، وعلى تقديم عروض تجمع بين الجودة الفنية والبحث عن التجديد. غير أن أهمية موسم 2026 تكمن في أنه لا يختزل الثقافة الصيفية في هذين الموعدين، بل يقدم صورة أوسع يكون فيها لكل ولاية دورها وحضورها، وفق خصوصياتها، وعدد تظاهراتها، وطبيعة خياراتها الثقافية.
وتكشف الأرقام المتعلقة بتوزيع التظاهرات على الولايات أن خارطة الموسم لا تخضع فقط لمنطق الكثافة السكانية أو الثقل الاقتصادي، وإنما تعكس تنوعا في الرهانات الثقافية. وتتصدر ولاية صفاقس الترتيب بـ24 تظاهرة، لتؤكد مرة أخرى حضورها كواحدة من أكثر الجهات حركية ثقافية، بفضل تنوع برمجتها التي تجمع بين المهرجانات الكبرى والتظاهرات التراثية والفنية. وتأتي ولايتا تونس وقفصة في المرتبة الثانية بـ16 تظاهرة لكل منهما، وهو رقم يعكس، من جهة، مركزية العاصمة باعتبارها فضاء يحتضن العديد من الفعاليات، ومن جهة أخرى، قدرة ولاية قفصة على بناء مشهد ثقافي يستند إلى خصوصياتها التراثية والفلاحية.
وفي المرتبة التالية نجد بنزرت، وسيدي بوزيد، ونابل، والمنستير بـ14 تظاهرة لكل ولاية، وهو ما يكشف توازنا لافتا بين جهات تختلف في طبيعتها الجغرافية والثقافية. فبنزرت تراهن بقوة على الأيام الثقافية المنتشرة في عدد من معتمدياتها، بينما تستثمر نابل في مزيج يجمع بين مهرجانات الهوية الفلاحية والتظاهرات الفنية، وتحافظ المنستير على حضورها بفضل مهرجاناتها الدولية وارتباطها بالموروث التاريخي، في حين تعكس سيدي بوزيد توجها نحو تثبيت الحضور الثقافي في جهة داخلية ذات رمزية وطنية خاصة.
وتأتي القيروان والقصرين بـ13 تظاهرة لكل منهما، في مشهد يعكس اختلاف الرهانات بين ولايتين تحملان إرثا تاريخيا وثقافيا مهما. فالقيروان تستند إلى مكانتها الحضارية باعتبارها إحدى أهم المدن التاريخية في تونس، بينما تراهن القصرين على ثراء موروثها الطبيعي والفلاحي والتراثي، خاصة من خلال مهرجانات التفاح والفستق التي أصبحت جزءا من هوية الجهة الثقافية.
أما جندوبة، وقابس، وبن عروس، والمهدية، فتسجل كل منها 12 تظاهرة، وهو رقم يؤكد تنوع المشهد الثقافي فيها. فجندوبة تجمع بين التراث والمواقع الأثرية من خلال مهرجان بلاريجيا، ومهرجان شمتو للتراث والفنون، بينما تستثمر قابس خصوصيتها الصحراوية والتراثية من خلال مهرجان الحناء بشنني وغيره من التظاهرات. أما بن عروس فتستفيد من قربها من العاصمة ومن حضور مواقع أثرية مثل أوذنة، في حين تتميز المهدية بقدرتها على الجمع بين الموسيقى الرفيعة والتراث والمواقع التاريخية، خاصة مع المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم.
وتأتي سليانة وزغوان بـ11 تظاهرة لكل منهما، ثم قبلي وسوسة بـ10 تظاهرات، وهي أرقام تؤكد أن حجم الحضور الثقافي لا يقاس فقط بعدد السكان أو الموقع الجغرافي، وإنما بقدرة كل جهة على إنتاج تصورات خاصة بها. فسليانة تراهن على التراث، والأيام الثقافية، والمهرجانات المرتبطة بالموروث الفلاحي، بينما تستثمر زغوان موقعها التاريخي والأثري، خاصة من خلال مهرجان تيبوربوماجيس والمهرجان الصيفي بمعبد المياه. أما سوسة، رغم وجود مهرجانها الدولي العريق، فإن عدد التظاهرات يعكس طبيعة مختلفة تقوم على التركيز على مواعيد ذات إشعاع قوي.
وفي ذات السياق، تسجل تطاوين 9 تظاهرات، وأريانة ومنوبة 8 تظاهرات لكل منهما، فيما تأتي باجة ومدنين بـ7 تظاهرات، ثم توزر والكاف بـ5 تظاهرات لكل ولاية. ورغم انخفاض العدد مقارنة بولايات أخرى، فإن هذه الجهات تقدم خصوصيات ثقافية لا تقاس بالكم فقط، إذ ترتبط العديد من تظاهراتها بالتراث، والموروث المحلي، والمواقع التاريخية، وهو ما يجعل حضورها النوعي يتجاوز أحيانا حجمها العددي.
وإذا كانت هذه الأرقام تقدم صورة كمية عن انتشار المهرجانات، فإن القيمة الحقيقية للموسم الثقافي الصيفي تظهر في طبيعة هذه التظاهرات وتنوعها. فجزء مهم من برمجة 2026 يقوم على ما يمكن تسميته بمهرجانات الذاكرة والأرض، أين تحولت المنتجات الفلاحية إلى عناوين ثقافية. ففي القصرين يحتفي مهرجان التفاح الدولي بسبيبة، في دورته السادسة والأربعين، بهذه الثمرة التي أصبحت رمزا للجهة، كما يحتفي المهرجان الوطني للفستق بماجل بلعباس بهذا المنتوج في دورته العاشرة. وفي قفصة نجد مهرجان الفستق الثقافي بالقطار، في دورته التاسعة والثلاثين، ومهرجان الفستق بأولاد أحمد بن سعد، في دورته السادسة، لتصبح هذه الثمرة جزءا من الذاكرة الثقافية للجهة.
وفي نابل، يحافظ مهرجان العنب بقرمبالية، في دورته الرابعة والستين، على ارتباطه بهوية المنطقة الزراعية، بينما تحتفي باجة بمنتوج دجبة من خلال مهرجان الكرموس، في دورته العاشرة. وتواصل قابس تثمين خصوصيتها عبر مهرجان الحناء بشنني، في دورته الثانية والأربعين، فيما تراهن المهدية على العسل والتراث عبر مهرجان سيدي علوان المغاربي، وتحتفي سليانة بمواسم الحصاد من خلال مهرجان السنابل الذهبية بالكريب.
وفي مقابل هذا البعد الفلاحي، يحضر التراث بقوة باعتباره أحد المكونات الأساسية للمشهد الثقافي. وتتصدر صفاقس هذا المجال من خلال ثلاثة مهرجانات تراثية، هي: مهرجان التراث والأصالة بالزوايد، ومهرجان التراث بالجبارنة، ومهرجان سيدي امحمد بن عمر للتراث والأدب الشعبي، وهو ما يجعلها من أكثر الولايات اهتماما بهذا النوع من التظاهرات. كما تحضر جندوبة عبر مهرجان شمتو للتراث والفنون بوادي مليز، وسليانة عبر مهرجان سيدي حمادة للثقافة وإحياء التراث، والمهدية عبر مهرجان سيدي الناصر الدولي للعادات والتقاليد والفروسية، وزغوان عبر مهرجان الأصالة والتراث بالحمرة، وقبلي عبر المهرجان الوطني للثقافة والتراث بفطناسة، وقفصة عبر مهرجان سيدي عيش للثقافة والتراث.
ومن أبرز خصوصيات صيف 2026 أيضا عودة المواقع الأثرية إلى قلب المشهد الثقافي، إذ تتحول المعالم التاريخية إلى فضاءات حية للعروض. فالمسرح الأثري بالجم يحتضن المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية، ومهرجان موسيقى العالم، فيما يستقبل البرج الأثري بالمهدية عروض ليالي المهدية الدولية. وفي زغوان تحتضن المواقع الرومانية مهرجان تيبوربوماجيس والمهرجان الصيفي، بينما يمنح المسرح الأثري بأوذنة بعدا تاريخيا للمهرجان الدولي للفنون الشعبية، وتستثمر سوسة رباطها ومسرح سيدي الظاهر، كما ترتبط مهرجانات دقة، وبلاريجيا، ومكثر، والعبادلة بسبيطلة ارتباطا وثيقا بالمواقع الأثرية التي تحمل أسماءها.
ولا يغيب التخصص الفني عن هذه الخارطة، حيث يواصل المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم تقديم تجربة مختلفة، ويحافظ مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية، بصفاقس، على مكانته كموعد للفن التشكيلي، ويواصل مهرجان الجاز بطبرقة الحفاظ على هويته الموسيقية، بينما تمنح أيام قربة للمسرح، ومهرجان الأرجوان لمسرح الشباب والطفل بجربة، المسرح حضورا مهما داخل الموسم الصيفي.
ويبقى السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الخارطة الثقافية الواسعة: إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه التظاهرات، وخاصة تلك المنتشرة في الجهات الداخلية، من مجرد مواعيد احتفالية موسمية إلى أدوات فعلية للتنمية المحلية والاقتصاد الاجتماعي؟ فمن المفترض أن يتجاوز المهرجان وظيفته الثقافية، ليصبح جزءا من دورة اقتصادية جديدة داخل الجهة.