إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ذكرى عيد الجمهورية.. رفع سقف التطلعات ودعم مسيرة البناء والإصلاحات

تونس - الصباح

أحيت تونس، أمس، الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، بما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية جسدت توحيد إرادة التونسيين، وكان لها دور كبير ليس فقط في تغيير منظومة الحكم في الدولة، وإنما أيضا في إرساء معادلات اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة، بالنظر إلى ما ترتب عن قيام الجمهورية من تحولات سياسية ومؤسساتية أسهمت في إحداث نقلة نوعية في الدولة وهياكلها ومؤسساتها ومجتمعها.

إذ شكلت ذكرى هذا اليوم من سنة 1957 محطة فارقة في تاريخ تونس المعاصر، انطلق معها التأسيس للدولة الحديثة استنادا إلى قيم الحرية والعدالة، ليصبح نظام الدولة جمهوريا بدلا من نظام البايات، الذي استمر بوصفه نظام حكم ملكيا على امتداد 252 عاما.

وتتزامن هذه المناسبة مع الذكرى الخامسة لدخول بلادنا مرحلة جديدة إثر القرارات والإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد سنة 2021، والتي كان لها دور في تغيير منظومة الحكم في الدولة دستوريا وتشريعيا، بالانتقال من نظام شبه برلماني مختلط، وفق دستور 2014، إلى نظام رئاسي مع وجود وظيفة تشريعية تتولاها غرفتان نيابيتان، وفق دستور تونس لسنة 2022، بما تحمله هذه المرحلة من إصلاحات وتطلعات نحو واقع أفضل، قوامه تعزيز مسيرة التطور التي حققتها الدولة الحديثة على امتداد ما يقارب سبعة عقود.

 

نزيهة الغضباني

وبقدر ما تختزله هذه الذكرى من اعتراف بالجميل لأجيال متعاقبة ناضلت بأشكال عديدة ومختلفة، بدءا بحمل السلاح، مرورا بالساعد والعمل والعلم، وصولا إلى المواقف والبرامج، وقدمت تضحيات جساما في سبيل استقلال الدولة ووحدة أراضيها وسيادة قرارها الوطني ورفع رايتها حرة مستقلة ومتميزة بين الأمم، فإنها تمثل أيضا مناسبة لتوجيه وتركيز بوصلة اهتمام التونسيين نحو حاضر تونس ومستقبلها وعزة الوطن، في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها الدولة اليوم في مسار الإصلاح والبناء الذي تنتهجه بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، والذي يجعل من السيادة الوطنية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتكريس الدولة الاجتماعية، والتنمية العادلة، عناوين أساسية له، لاسيما في ظل ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية وسياسية وتوترات متسارعة، ليست تونس بمنأى عن تداعياتها.

فما تعيشه تونس اليوم من إصلاحات ليس بمعزل عما تحقق في السابق، بل يمثل لبنة جديدة في مسار تمهيد الطريق نحو مستقبل أفضل. فبعد تراكم التجارب والبرامج الإصلاحية في التعليم بمختلف مستوياته، والمراهنة على تطوير خدمات الصحة والنقل والإدارة والبنية التحتية والهياكل والمؤسسات، باعتبارها خيارات إصلاحية اعتمدتها بلادنا خلال العقود الأولى التي تلت الاستقلال، تمكنت تونس من تحقيق عديد الإنجازات والإصلاحات التي أسهمت في تغيير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومكنتها من احتلال مراتب متقدمة عالميا في عديد المجالات، رغم محدودية الإمكانات، وذلك بفضل ما تزخر به اليوم من كفاءات نسائية ورجالية في مختلف المجالات والقطاعات، مشهود لها بالتميز على المستوى العالمي.

 

تطلعات وتحديات

وتأتي الذكرى التاسعة والستون لعيد الجمهورية محملة بتطلعات التونسيين إلى كسب رهانات المرحلة الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما في ظل توجهات الجمهورية الجديدة نحو تكريس الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في كامل جهات البلاد، بما يمكن الجميع من الالتحاق بركب العيش الكريم، خاصة في ضوء برامج الإصلاح الشامل التي شرعت الدولة في تنفيذها، وما توفره عديد المؤشرات والمعطيات من دلائل على إمكانية تحقيق أشواط متقدمة في مسار الإصلاحات المرسومة، إلى حد الآن، في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والنقل والاستثمار والخدمات والتشغيل، إلى جانب مراجعة عدد من المنظومات والتشريعات.

وهي مؤشرات تعيد الأمل إلى التونسيين في تعافي الدولة ومؤسساتها، والعودة إلى تحقيق أهداف الثورة بعد "النزيف" الذي عرفته البلاد خلال عشرية ما بعد الثورة، نتيجة خيارات سياسية غلبت عليها الفوضى والفساد والتعاطي بمنطق "الغنيمة" مع مقدرات الدولة، واللامبالاة في معالجة مطالب واستحقاقات شريحة واسعة من المواطنين، رغم ما خلفته تلك المرحلة من مديونية غير مسبوقة، ونهب للثروات، وإضعاف لمؤسسات الدولة.

لذلك جاءت مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 محملة بتطلعات نحو مرحلة جديدة يكون فيها القطع مع مظاهر الفساد والمحسوبية التي أنهكت مقدرات الدولة ومؤسساتها، والاتجاه نحو منظومة عنوانها الشفافية، لاسيما مع انخراط بلادنا في استعمال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، من خلال توسيع الرقمنة، واعتماد المنصات الرقمية، وما تتطلبه المرحلة من تبسيط للإجراءات وتيسير النفاذ إلى المؤسسات والخدمات.

لذلك تعيد هذه الذكرى المهمة والمفصلية في تاريخ الجمهورية التونسية، بمختلف مراحلها وحقبها السياسية، استحضار رسائل ثقافية وفكرية وإنسانية واجتماعية تختزل منظومة القوانين والتشريعات التي تقوم عليها الدولة، وتتقاطع مع المبادئ الأساسية للجمهورية القائمة على حب الوطن والعمل، والاحترام، والحرية، والعدالة، ونبذ العنف وخطاب الكراهية، وقبول الاختلاف.

وتتزامن هذه الذكرى مع تواصل مسار الإصلاح و"لملمة الجراح" التي ما تزال الدولة تعمل على تجاوزها، بعد عقود كانت فيها تونس سباقة إلى ركوب قطار الحداثة والتطور، بما يجعل هذه المرحلة فرصة جديدة لتعافي تونس وتجديد العهد مع التميز والانطلاق نحو واقع اقتصادي واجتماعي أفضل، في ظل ما تزخر به البلاد من كفاءات، وما يتوفر لها من إرادة سياسية بدأت تشق طريقها بثبات نحو البناء والتأسيس والتطلع إلى غد أفضل، ساهم في ترسيخ أسسه تناغم الوظيفتين التنفيذية والتشريعية بغرفتيها، بما يعزز بناء دولة تونس الجديدة التي يتطلع إليها التونسيون، دولة قوامها التنمية والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص في الخدمات والتشغيل والتنمية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم والنقل والإدارة، على قدم المساواة من شمال تونس إلى جنوبها. وهو رهان وهدف لا يقبل التشكيك أو المماطلة أو العشوائية.

 

منطلق متجدد

وقد اختزل مجلس نواب الشعب، في البيان الذي أصدره بهذه المناسبة، ما توليه الوظيفة التشريعية من أهمية بالغة لهذه المحطة التاريخية المفصلية في تاريخ تونس، من خلال دعوته إلى جعل هذه المناسبة منطلقا متجددا لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والإبداع، والالتفاف حول المبادئ الجامعة للجمهورية، بما يعزز روح التضامن والتآخي، وينبذ مظاهر الكراهية والعنف والتجاذبات.

كما حث على أن تكون المرحلة القادمة مرحلة عمل وإنجاز، تتجه فيها كل الطاقات نحو تحقيق أهداف التنمية، وتنفيذ المشاريع المدرجة في مخطط التنمية (2026/2030)، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الاستثمار والإنتاج، وتثمين الثروات الوطنية، وترسيخ العدالة الاجتماعية، بما يحقق تطلعات الشعب التونسي ويؤمن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.

وفي المقابل، أكد المجلس التزامه بمواصلة الاضطلاع بمهامه الدستورية في المجالين التشريعي والرقابي، بما يعزز نجاعة العمل البرلماني، ويسهم في استكمال الإصلاحات، وترسيخ التعاون والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، خدمة للمصلحة العليا للوطن.

كما اعتبر أن الذكرى التاسعة والستين لإعلان النظام الجمهوري تتزامن مع مرحلة جديدة من تاريخ الجمهورية، انطلقت مع مسار 25 جويلية 2021، وتكرست بإقرار دستور 25 جويلية 2022، الذي قال إنه أسس لرؤية متجددة للدولة تقوم على سيادة الشعب، وترسيخ الدولة الاجتماعية، وتحقيق العدالة والإنصاف والتنمية المتوازنة، وإرساء مقاربة تنموية أكثر توازنا وشمولا، وتكرس مسؤولية الدولة في توفير أسباب العيش الكريم، وضمان تكافؤ الفرص، وتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة بين الجهات، وصيانة الثروات الوطنية، وتعزيز مكانة تونس في محيطها الإقليمي والدولي.

 

وشدد المجلس على أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تقتضي مزيدا من التلاحم الوطني، وتغليب روح المسؤولية، والابتعاد عن مظاهر الفرقة والانقسام، معتبرا أن قوة الجمهورية لا تقاس بصلابة مؤسساتها فحسب، وإنما أيضا بقدرة التونسيين على توحيد جهودهم وتقديم المصلحة الوطنية.

كما أبرز اعتزازه بأن يكون قصر باردو، الذي شهد إعلان الجمهورية سنة 1957، مقرا للمؤسسة التشريعية إلى اليوم، لما يحمله ذلك من دلالات على استمرارية الدولة وامتداد رسالتها في حماية النظام الجمهوري.

 

تعزيز قيم المسؤولية

وفي سياق متصل، أكد المجلس الوطني للجهات والأقاليم، بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، التزامه بمواصلة الاضطلاع بمهامه بكل مسؤولية، والإسهام في ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز قيم المسؤولية والانتماء، مجددا التأكيد أن السيادة الوطنية تمثل "عنوان عزة الدولة وكرامة الشعب"، ومرتكزا أساسيا لحماية استقلال القرار الوطني وصون مقدرات البلاد.

ودعا المجلس، في بيان أصدره بالمناسبة، إلى توحيد الجهود والطاقات الوطنية لحماية مكاسب تونس وصون سيادتها، ودعم مسيرة البناء والإصلاح، بما يفتح آفاقا أوسع أمام الأجيال القادمة، مؤكدا مواصلة أداء رسالته في خدمة الوطن والانتصار لحق الشعب التونسي في حياة كريمة داخل دولة قوية وعادلة تحفظ الحقوق والكرامة، وتستجيب لتطلعات المواطنين.

واعتبر المجلس أن هذه المناسبة الوطنية تجسد القيم التي قامت عليها الجمهورية، وفي مقدمتها الوفاء لتضحيات التونسيين، والتمسك بقيم المسؤولية والانتماء، وتعزيز وحدة الدولة ومؤسساتها، ومواصلة مسيرة البناء على أساس تغليب المصلحة العليا للوطن، بما يرسخ مقومات الدولة القوية القادرة على خدمة مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم.

 

في ذكرى عيد الجمهورية.. رفع سقف التطلعات ودعم مسيرة البناء والإصلاحات

تونس - الصباح

أحيت تونس، أمس، الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، بما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية جسدت توحيد إرادة التونسيين، وكان لها دور كبير ليس فقط في تغيير منظومة الحكم في الدولة، وإنما أيضا في إرساء معادلات اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة، بالنظر إلى ما ترتب عن قيام الجمهورية من تحولات سياسية ومؤسساتية أسهمت في إحداث نقلة نوعية في الدولة وهياكلها ومؤسساتها ومجتمعها.

إذ شكلت ذكرى هذا اليوم من سنة 1957 محطة فارقة في تاريخ تونس المعاصر، انطلق معها التأسيس للدولة الحديثة استنادا إلى قيم الحرية والعدالة، ليصبح نظام الدولة جمهوريا بدلا من نظام البايات، الذي استمر بوصفه نظام حكم ملكيا على امتداد 252 عاما.

وتتزامن هذه المناسبة مع الذكرى الخامسة لدخول بلادنا مرحلة جديدة إثر القرارات والإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد سنة 2021، والتي كان لها دور في تغيير منظومة الحكم في الدولة دستوريا وتشريعيا، بالانتقال من نظام شبه برلماني مختلط، وفق دستور 2014، إلى نظام رئاسي مع وجود وظيفة تشريعية تتولاها غرفتان نيابيتان، وفق دستور تونس لسنة 2022، بما تحمله هذه المرحلة من إصلاحات وتطلعات نحو واقع أفضل، قوامه تعزيز مسيرة التطور التي حققتها الدولة الحديثة على امتداد ما يقارب سبعة عقود.

 

نزيهة الغضباني

وبقدر ما تختزله هذه الذكرى من اعتراف بالجميل لأجيال متعاقبة ناضلت بأشكال عديدة ومختلفة، بدءا بحمل السلاح، مرورا بالساعد والعمل والعلم، وصولا إلى المواقف والبرامج، وقدمت تضحيات جساما في سبيل استقلال الدولة ووحدة أراضيها وسيادة قرارها الوطني ورفع رايتها حرة مستقلة ومتميزة بين الأمم، فإنها تمثل أيضا مناسبة لتوجيه وتركيز بوصلة اهتمام التونسيين نحو حاضر تونس ومستقبلها وعزة الوطن، في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها الدولة اليوم في مسار الإصلاح والبناء الذي تنتهجه بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، والذي يجعل من السيادة الوطنية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتكريس الدولة الاجتماعية، والتنمية العادلة، عناوين أساسية له، لاسيما في ظل ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية وسياسية وتوترات متسارعة، ليست تونس بمنأى عن تداعياتها.

فما تعيشه تونس اليوم من إصلاحات ليس بمعزل عما تحقق في السابق، بل يمثل لبنة جديدة في مسار تمهيد الطريق نحو مستقبل أفضل. فبعد تراكم التجارب والبرامج الإصلاحية في التعليم بمختلف مستوياته، والمراهنة على تطوير خدمات الصحة والنقل والإدارة والبنية التحتية والهياكل والمؤسسات، باعتبارها خيارات إصلاحية اعتمدتها بلادنا خلال العقود الأولى التي تلت الاستقلال، تمكنت تونس من تحقيق عديد الإنجازات والإصلاحات التي أسهمت في تغيير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومكنتها من احتلال مراتب متقدمة عالميا في عديد المجالات، رغم محدودية الإمكانات، وذلك بفضل ما تزخر به اليوم من كفاءات نسائية ورجالية في مختلف المجالات والقطاعات، مشهود لها بالتميز على المستوى العالمي.

 

تطلعات وتحديات

وتأتي الذكرى التاسعة والستون لعيد الجمهورية محملة بتطلعات التونسيين إلى كسب رهانات المرحلة الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما في ظل توجهات الجمهورية الجديدة نحو تكريس الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في كامل جهات البلاد، بما يمكن الجميع من الالتحاق بركب العيش الكريم، خاصة في ضوء برامج الإصلاح الشامل التي شرعت الدولة في تنفيذها، وما توفره عديد المؤشرات والمعطيات من دلائل على إمكانية تحقيق أشواط متقدمة في مسار الإصلاحات المرسومة، إلى حد الآن، في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والنقل والاستثمار والخدمات والتشغيل، إلى جانب مراجعة عدد من المنظومات والتشريعات.

وهي مؤشرات تعيد الأمل إلى التونسيين في تعافي الدولة ومؤسساتها، والعودة إلى تحقيق أهداف الثورة بعد "النزيف" الذي عرفته البلاد خلال عشرية ما بعد الثورة، نتيجة خيارات سياسية غلبت عليها الفوضى والفساد والتعاطي بمنطق "الغنيمة" مع مقدرات الدولة، واللامبالاة في معالجة مطالب واستحقاقات شريحة واسعة من المواطنين، رغم ما خلفته تلك المرحلة من مديونية غير مسبوقة، ونهب للثروات، وإضعاف لمؤسسات الدولة.

لذلك جاءت مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 محملة بتطلعات نحو مرحلة جديدة يكون فيها القطع مع مظاهر الفساد والمحسوبية التي أنهكت مقدرات الدولة ومؤسساتها، والاتجاه نحو منظومة عنوانها الشفافية، لاسيما مع انخراط بلادنا في استعمال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، من خلال توسيع الرقمنة، واعتماد المنصات الرقمية، وما تتطلبه المرحلة من تبسيط للإجراءات وتيسير النفاذ إلى المؤسسات والخدمات.

لذلك تعيد هذه الذكرى المهمة والمفصلية في تاريخ الجمهورية التونسية، بمختلف مراحلها وحقبها السياسية، استحضار رسائل ثقافية وفكرية وإنسانية واجتماعية تختزل منظومة القوانين والتشريعات التي تقوم عليها الدولة، وتتقاطع مع المبادئ الأساسية للجمهورية القائمة على حب الوطن والعمل، والاحترام، والحرية، والعدالة، ونبذ العنف وخطاب الكراهية، وقبول الاختلاف.

وتتزامن هذه الذكرى مع تواصل مسار الإصلاح و"لملمة الجراح" التي ما تزال الدولة تعمل على تجاوزها، بعد عقود كانت فيها تونس سباقة إلى ركوب قطار الحداثة والتطور، بما يجعل هذه المرحلة فرصة جديدة لتعافي تونس وتجديد العهد مع التميز والانطلاق نحو واقع اقتصادي واجتماعي أفضل، في ظل ما تزخر به البلاد من كفاءات، وما يتوفر لها من إرادة سياسية بدأت تشق طريقها بثبات نحو البناء والتأسيس والتطلع إلى غد أفضل، ساهم في ترسيخ أسسه تناغم الوظيفتين التنفيذية والتشريعية بغرفتيها، بما يعزز بناء دولة تونس الجديدة التي يتطلع إليها التونسيون، دولة قوامها التنمية والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص في الخدمات والتشغيل والتنمية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم والنقل والإدارة، على قدم المساواة من شمال تونس إلى جنوبها. وهو رهان وهدف لا يقبل التشكيك أو المماطلة أو العشوائية.

 

منطلق متجدد

وقد اختزل مجلس نواب الشعب، في البيان الذي أصدره بهذه المناسبة، ما توليه الوظيفة التشريعية من أهمية بالغة لهذه المحطة التاريخية المفصلية في تاريخ تونس، من خلال دعوته إلى جعل هذه المناسبة منطلقا متجددا لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والإبداع، والالتفاف حول المبادئ الجامعة للجمهورية، بما يعزز روح التضامن والتآخي، وينبذ مظاهر الكراهية والعنف والتجاذبات.

كما حث على أن تكون المرحلة القادمة مرحلة عمل وإنجاز، تتجه فيها كل الطاقات نحو تحقيق أهداف التنمية، وتنفيذ المشاريع المدرجة في مخطط التنمية (2026/2030)، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الاستثمار والإنتاج، وتثمين الثروات الوطنية، وترسيخ العدالة الاجتماعية، بما يحقق تطلعات الشعب التونسي ويؤمن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.

وفي المقابل، أكد المجلس التزامه بمواصلة الاضطلاع بمهامه الدستورية في المجالين التشريعي والرقابي، بما يعزز نجاعة العمل البرلماني، ويسهم في استكمال الإصلاحات، وترسيخ التعاون والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، خدمة للمصلحة العليا للوطن.

كما اعتبر أن الذكرى التاسعة والستين لإعلان النظام الجمهوري تتزامن مع مرحلة جديدة من تاريخ الجمهورية، انطلقت مع مسار 25 جويلية 2021، وتكرست بإقرار دستور 25 جويلية 2022، الذي قال إنه أسس لرؤية متجددة للدولة تقوم على سيادة الشعب، وترسيخ الدولة الاجتماعية، وتحقيق العدالة والإنصاف والتنمية المتوازنة، وإرساء مقاربة تنموية أكثر توازنا وشمولا، وتكرس مسؤولية الدولة في توفير أسباب العيش الكريم، وضمان تكافؤ الفرص، وتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة بين الجهات، وصيانة الثروات الوطنية، وتعزيز مكانة تونس في محيطها الإقليمي والدولي.

 

وشدد المجلس على أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تقتضي مزيدا من التلاحم الوطني، وتغليب روح المسؤولية، والابتعاد عن مظاهر الفرقة والانقسام، معتبرا أن قوة الجمهورية لا تقاس بصلابة مؤسساتها فحسب، وإنما أيضا بقدرة التونسيين على توحيد جهودهم وتقديم المصلحة الوطنية.

كما أبرز اعتزازه بأن يكون قصر باردو، الذي شهد إعلان الجمهورية سنة 1957، مقرا للمؤسسة التشريعية إلى اليوم، لما يحمله ذلك من دلالات على استمرارية الدولة وامتداد رسالتها في حماية النظام الجمهوري.

 

تعزيز قيم المسؤولية

وفي سياق متصل، أكد المجلس الوطني للجهات والأقاليم، بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، التزامه بمواصلة الاضطلاع بمهامه بكل مسؤولية، والإسهام في ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز قيم المسؤولية والانتماء، مجددا التأكيد أن السيادة الوطنية تمثل "عنوان عزة الدولة وكرامة الشعب"، ومرتكزا أساسيا لحماية استقلال القرار الوطني وصون مقدرات البلاد.

ودعا المجلس، في بيان أصدره بالمناسبة، إلى توحيد الجهود والطاقات الوطنية لحماية مكاسب تونس وصون سيادتها، ودعم مسيرة البناء والإصلاح، بما يفتح آفاقا أوسع أمام الأجيال القادمة، مؤكدا مواصلة أداء رسالته في خدمة الوطن والانتصار لحق الشعب التونسي في حياة كريمة داخل دولة قوية وعادلة تحفظ الحقوق والكرامة، وتستجيب لتطلعات المواطنين.

واعتبر المجلس أن هذه المناسبة الوطنية تجسد القيم التي قامت عليها الجمهورية، وفي مقدمتها الوفاء لتضحيات التونسيين، والتمسك بقيم المسؤولية والانتماء، وتعزيز وحدة الدولة ومؤسساتها، ومواصلة مسيرة البناء على أساس تغليب المصلحة العليا للوطن، بما يرسخ مقومات الدولة القوية القادرة على خدمة مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم.