إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مارسيل خليفة في مهرجان الحمامات.. الذاكرة ليست ماضيًا... بل مشروع أمل يتجدد من درويش إلى "الجدارية"

* لا تقتصر مهمة الفنان على الوقوف فوق الركح، بل تمتد إلى نقل المعرفة والخبرة وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تواصل المسيرة.

* بعد أكثر من خمسين عامًا من التجربة، أثبت مارسيل من جديد أن الأغنية لا تبقى حية لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تجد في كل مرة من يعيد غناءها، ويمنحها معنى جديدًا.

تونس - الصباح

لم يكن مساء الجمعة 24 جويلية 2026، في مهرجان الحمامات الدولي، مجرد موعد جديد مع أحد أبرز أعلام الأغنية العربية، بل بدا وكأنه اختبار جديد لقدرة الفن على أن يبقى مساحة للقاء في زمن تتسع فيه مسافات الانقسام. فمنذ ساعة مبكرة امتلأت مدارج المسرح الأثري بالحمامات بعائلات كاملة، واختلطت وجوه عاشت مع أغاني مارسيل خليفة منذ سبعينات القرن الماضي بأطفال يحفظون كلمات "منتصب القامة أمشي" و"أحن إلى خبز أمي"، دون أن يكونوا قد عاشوا اللحظة التاريخية التي ولدت فيها تلك الأغاني.

كان المشهد في حد ذاته يترجم شعار الدورة الستين للمهرجان "ذاكرة تعيش"، قبل أن يعتلي صاحب "في البال أغنية" الركح، ويؤكد منذ اللحظات الأولى أن الذاكرة الحقيقية ليست تلك التي تحفظ الماضي، بل التي تنجح في إعادة إنتاجه داخل الحاضر، لتصبح الأغنية جسرًا بين أجيال مختلفة، لا مجرد أثر فني يعود إلى زمن مضى.

إيمان عبد اللطيف

وما إن ألقى تحيته للجمهور، قائلًا إنه يحب دائمًا العودة إلى تونس وإلى مهرجان الحمامات، مضيفًا أن "الحضور هو الذي يصنع الفنان"، حتى بدا واضحًا أن هذه السهرة لن تقوم على العلاقة التقليدية بين مطرب وجمهور، وإنما على شراكة كاملة في صناعة اللحظة الفنية.

على امتداد أكثر من خمسين سنة من التجربة، اعتاد مارسيل خليفة أن يحمل عوده باعتباره مشروعًا ثقافيا وفكريا بقدر ما هو مشروع موسيقي، ولذلك لم يكن غريبًا أن يفتتح السهرة بأغنية "يطير الحمام"، الأغنية التي اختارها لتكون رسالة محبة قبل أن تكون موقفًا سياسيا، ثم ينتقل إلى "في البال أغنية"، التي منحت العرض عنوانه، قبل أن يقطع الغناء فجأة بسؤال بسيط ألقاه بلهجته اللبنانية: "بعدكم حافظينها؟".

لم يكن ينتظر جوابا، إذ سبقه الجمهور إلى استكمال الكلمات، فتحولت المدرجات إلى كورال ضخم، بينما اكتفى هو، في أكثر من لحظة، بالعزف وترك الحناجر تكمل الأغنية. عندها لم يعد المسرح يفصل بين المؤدي والمتلقي، بل بدا الجميع وكأنهم يشتركون في كتابة العمل من جديد، وهو ما منح السهرة طابعا مختلفًا عن الحفلات التي تقوم على التصفيق والاستماع فقط.

ولم يكن ممكنًا أن تمر السهرة دون أن تحضر فلسطين ولبنان، لكن حضورهما جاء بعيدا عن الخطابة المباشرة. فعندما استحضر مارسيل خليفة مشاهد العدوان والنزوح والمخيمات، وقف المسرح كله أمام لحظة إنسانية خالصة. واجابت المدرجات بهتافات داعمة للقضية الفلسطينية، غير أن الفنان اختار بعد ذلك أن يطلب من الجميع الإصغاء إلى مقطوعة "خيام"، مؤكدًا أنها ليست موسيقى للحزن بقدر ما هي موسيقى للأمل، مهداة إلى أولئك الذين يعيشون اليوم داخل الخيام. هنا بدا الفرق واضحًا بين الأغنية التي تكتفي بالبكاء على المأساة، والعمل الفني الذي يحاول أن يمنح المتلقي قدرة على احتمالها. فحتى عندما يتحدث عن الحرب، لا يختار مارسيل خليفة لغة الشعارات، وإنما لغة الإنسان الذي يبحث عن نافذة صغيرة للضوء وسط الخراب.

وفي هذا السياق نفسه، استعادت السهرة واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تجربة مارسيل خليفة، وهي علاقته بالشاعر الفلسطيني محمود درويش. فقد روى للجمهور كيف تلقى اتصالًا هاتفيًا من درويش بعد حرب 1982، يسأله فيه عن قصيدة "انتظرها"، وكيف بقي النص سنوات طويلة قبل أن يتحول إلى أغنية. لم تكن الحكاية مجرد استذكار لصداقة جمعت شاعرا بموسيقي، وإنما تأكيدا على أن القصيدة الحقيقية تحتاج أحيانًا إلى زمن طويل حتى تجد لحنها المناسب، وأن الموسيقى ليست زينة تضاف إلى الشعر، بل بناء موازٍ له. لذلك جاءت "ريتا"، و"خبيني"، و"انتظرها"، و"منتصب القامة أمشي"، و"أحن إلى خبز أمي" ضمن برنامج السهرة، وكأنها محطات في رحلة واحدة عنوانها الوفاء لذاكرة ثقافية عربية ما تزال تقاوم النسيان.

ومن أكثر لحظات الأمسية شاعرية تلك التي ترك فيها مارسيل الركح لابنه ساري خليفة، الذي قدم على آلة التشيللو مقطوعة "صلاة". فجأة خفتت الأصوات، وغاب الغناء، ولم يبق سوى صوت التشيللو وهو يتدرج بين همسات شرقية وتقنيات كلاسيكية غربية، في عمل بدا أقرب إلى التأمل منه إلى الاستعراض. ولم يقطع ذلك الصمت سوى التصفيق الطويل الذي أعقب نهاية المقطوعة، وكأن الجمهور كان يدرك أنه أمام لحظة لا تحتاج إلى كلمات. لكن أهمية حضور ساري خليفة لم تكن موسيقية فقط، بل حملت أيضًا دلالة رمزية عميقة، إذ جسدت انتقال التجربة من جيل إلى آخر، وتحول المشروع الفني من سيرة فردية إلى ذاكرة عائلية وثقافية مستمرة.

ولعل هذه الفكرة هي التي تفسر أيضًا حديث مارسيل خليفة عن تجربته في الإقامة الفنية بمدينة دوز، حين عمل مع مجموعة من الموسيقيين التونسيين الشباب ضمن مشروع "نجع الفن". فبالنسبة إليه، لا تقتصر مهمة الفنان على الوقوف فوق الركح، بل تمتد إلى نقل المعرفة والخبرة وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تواصل المسيرة. لذلك لم يتحدث عن التجربة باعتبارها محطة عابرة، بل باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع تؤمن بأن الموسيقى لا تنمو إلا داخل فضاءات التدريب والحوار والإقامة الفنية، حيث يلتقي أصحاب التجارب الطويلة بالشباب الباحثين عن أصواتهم الخاصة. وهي الفلسفة نفسها التي جعلته يشيد بالعازفة التونسية الشابة غالية، وبالمواهب التي شاركت في أعماله واعتلت معه ركح الحمامات، مؤكدًا أن استمرار هذه الطاقات هو الضمان الحقيقي لاستمرار الأمل.

ولأن الذاكرة بالنسبة إلى مارسيل خليفة ليست احتفاء بالماضي فقط، فقد كشف خلال الندوة الصحفية عن مشروعه الموسيقي الأكبر خلال السنوات الأخيرة، وهو عمل مستوحى من قصيدة "الجدارية" لمحمود درويش، استغرق إنجازه أكثر من عامين، ويجمع بين الأوركسترا والكورال والمسرح والرقص، مع استعادة صوت درويش نفسه راويًا داخل العمل، وبمشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف، الذي يجسد عبر صوته وآهاته البعد الإنساني للنص. ولا يبدو هذا المشروع مجرد إنتاج موسيقي جديد، بل أقرب إلى أوبرا عربية شرقية تسعى إلى تقديم القصيدة بوصفها فضاء بصريًا وسمعيًا متكاملًا، في تجربة تؤكد أن العلاقة بين مارسيل خليفة ودرويش لم تتوقف برحيل الشاعر، بل ما تزال قادرة على إنتاج أعمال جديدة تعيد قراءة أسئلة الحياة والموت والحرية.

ولعل أكثر ما يميز تجربة مارسيل خليفة اليوم أنه يرفض اختزال الأغنية الملتزمة في الشعارات السياسية. فهو يرى أن قوة الفن لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرته على حماية الإنسان من القبح. لذلك استعاد في حديثه ظروف تلحينه لأغنية "أحن إلى خبز أمي" وسط القصف في بيروت، مؤكدًا أن الحب والجمال يصبحان أكثر ضرورة في أوقات الحرب، وأن الأغنية تبلغ ذروة حياتها عندما يرددها الناس وينسون صاحبها، لأنها تصبح آنذاك جزءًا من الذاكرة الجمعية. وربما لهذا السبب اختتم السهرة بأغنية "يا بحرية هيلا هيلا"، تاركًا الجمهور يواصل الغناء حتى بعد انطفاء الأضواء، في مشهد بدا وكأنه امتداد طبيعي لما قاله: الفنان يرحل، لكن الأغنية التي تسكن الناس تبقى.

وبالتالي، لم تكن ليلة مارسيل خليفة في الحمامات مجرد عودة إلى أرشيف موسيقي غني، بل كانت اختبارًا جديدًا لعلاقة الأغنية بالزمن والجمهور. فبعد أكثر من خمسين عامًا من التجربة، أثبت مارسيل من جديد أن الأغنية لا تبقى حية لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تجد في كل مرة من يعيد غناءها، ويمنحها معنى جديدًا. وفي الحمامات، لم يكن الجمهور أمام فنان يغني له، بل أمام فنان اختار أن يغني معه.

 

مارسيل خليفة في مهرجان الحمامات.. الذاكرة ليست ماضيًا... بل مشروع أمل يتجدد من درويش إلى "الجدارية"

* لا تقتصر مهمة الفنان على الوقوف فوق الركح، بل تمتد إلى نقل المعرفة والخبرة وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تواصل المسيرة.

* بعد أكثر من خمسين عامًا من التجربة، أثبت مارسيل من جديد أن الأغنية لا تبقى حية لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تجد في كل مرة من يعيد غناءها، ويمنحها معنى جديدًا.

تونس - الصباح

لم يكن مساء الجمعة 24 جويلية 2026، في مهرجان الحمامات الدولي، مجرد موعد جديد مع أحد أبرز أعلام الأغنية العربية، بل بدا وكأنه اختبار جديد لقدرة الفن على أن يبقى مساحة للقاء في زمن تتسع فيه مسافات الانقسام. فمنذ ساعة مبكرة امتلأت مدارج المسرح الأثري بالحمامات بعائلات كاملة، واختلطت وجوه عاشت مع أغاني مارسيل خليفة منذ سبعينات القرن الماضي بأطفال يحفظون كلمات "منتصب القامة أمشي" و"أحن إلى خبز أمي"، دون أن يكونوا قد عاشوا اللحظة التاريخية التي ولدت فيها تلك الأغاني.

كان المشهد في حد ذاته يترجم شعار الدورة الستين للمهرجان "ذاكرة تعيش"، قبل أن يعتلي صاحب "في البال أغنية" الركح، ويؤكد منذ اللحظات الأولى أن الذاكرة الحقيقية ليست تلك التي تحفظ الماضي، بل التي تنجح في إعادة إنتاجه داخل الحاضر، لتصبح الأغنية جسرًا بين أجيال مختلفة، لا مجرد أثر فني يعود إلى زمن مضى.

إيمان عبد اللطيف

وما إن ألقى تحيته للجمهور، قائلًا إنه يحب دائمًا العودة إلى تونس وإلى مهرجان الحمامات، مضيفًا أن "الحضور هو الذي يصنع الفنان"، حتى بدا واضحًا أن هذه السهرة لن تقوم على العلاقة التقليدية بين مطرب وجمهور، وإنما على شراكة كاملة في صناعة اللحظة الفنية.

على امتداد أكثر من خمسين سنة من التجربة، اعتاد مارسيل خليفة أن يحمل عوده باعتباره مشروعًا ثقافيا وفكريا بقدر ما هو مشروع موسيقي، ولذلك لم يكن غريبًا أن يفتتح السهرة بأغنية "يطير الحمام"، الأغنية التي اختارها لتكون رسالة محبة قبل أن تكون موقفًا سياسيا، ثم ينتقل إلى "في البال أغنية"، التي منحت العرض عنوانه، قبل أن يقطع الغناء فجأة بسؤال بسيط ألقاه بلهجته اللبنانية: "بعدكم حافظينها؟".

لم يكن ينتظر جوابا، إذ سبقه الجمهور إلى استكمال الكلمات، فتحولت المدرجات إلى كورال ضخم، بينما اكتفى هو، في أكثر من لحظة، بالعزف وترك الحناجر تكمل الأغنية. عندها لم يعد المسرح يفصل بين المؤدي والمتلقي، بل بدا الجميع وكأنهم يشتركون في كتابة العمل من جديد، وهو ما منح السهرة طابعا مختلفًا عن الحفلات التي تقوم على التصفيق والاستماع فقط.

ولم يكن ممكنًا أن تمر السهرة دون أن تحضر فلسطين ولبنان، لكن حضورهما جاء بعيدا عن الخطابة المباشرة. فعندما استحضر مارسيل خليفة مشاهد العدوان والنزوح والمخيمات، وقف المسرح كله أمام لحظة إنسانية خالصة. واجابت المدرجات بهتافات داعمة للقضية الفلسطينية، غير أن الفنان اختار بعد ذلك أن يطلب من الجميع الإصغاء إلى مقطوعة "خيام"، مؤكدًا أنها ليست موسيقى للحزن بقدر ما هي موسيقى للأمل، مهداة إلى أولئك الذين يعيشون اليوم داخل الخيام. هنا بدا الفرق واضحًا بين الأغنية التي تكتفي بالبكاء على المأساة، والعمل الفني الذي يحاول أن يمنح المتلقي قدرة على احتمالها. فحتى عندما يتحدث عن الحرب، لا يختار مارسيل خليفة لغة الشعارات، وإنما لغة الإنسان الذي يبحث عن نافذة صغيرة للضوء وسط الخراب.

وفي هذا السياق نفسه، استعادت السهرة واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تجربة مارسيل خليفة، وهي علاقته بالشاعر الفلسطيني محمود درويش. فقد روى للجمهور كيف تلقى اتصالًا هاتفيًا من درويش بعد حرب 1982، يسأله فيه عن قصيدة "انتظرها"، وكيف بقي النص سنوات طويلة قبل أن يتحول إلى أغنية. لم تكن الحكاية مجرد استذكار لصداقة جمعت شاعرا بموسيقي، وإنما تأكيدا على أن القصيدة الحقيقية تحتاج أحيانًا إلى زمن طويل حتى تجد لحنها المناسب، وأن الموسيقى ليست زينة تضاف إلى الشعر، بل بناء موازٍ له. لذلك جاءت "ريتا"، و"خبيني"، و"انتظرها"، و"منتصب القامة أمشي"، و"أحن إلى خبز أمي" ضمن برنامج السهرة، وكأنها محطات في رحلة واحدة عنوانها الوفاء لذاكرة ثقافية عربية ما تزال تقاوم النسيان.

ومن أكثر لحظات الأمسية شاعرية تلك التي ترك فيها مارسيل الركح لابنه ساري خليفة، الذي قدم على آلة التشيللو مقطوعة "صلاة". فجأة خفتت الأصوات، وغاب الغناء، ولم يبق سوى صوت التشيللو وهو يتدرج بين همسات شرقية وتقنيات كلاسيكية غربية، في عمل بدا أقرب إلى التأمل منه إلى الاستعراض. ولم يقطع ذلك الصمت سوى التصفيق الطويل الذي أعقب نهاية المقطوعة، وكأن الجمهور كان يدرك أنه أمام لحظة لا تحتاج إلى كلمات. لكن أهمية حضور ساري خليفة لم تكن موسيقية فقط، بل حملت أيضًا دلالة رمزية عميقة، إذ جسدت انتقال التجربة من جيل إلى آخر، وتحول المشروع الفني من سيرة فردية إلى ذاكرة عائلية وثقافية مستمرة.

ولعل هذه الفكرة هي التي تفسر أيضًا حديث مارسيل خليفة عن تجربته في الإقامة الفنية بمدينة دوز، حين عمل مع مجموعة من الموسيقيين التونسيين الشباب ضمن مشروع "نجع الفن". فبالنسبة إليه، لا تقتصر مهمة الفنان على الوقوف فوق الركح، بل تمتد إلى نقل المعرفة والخبرة وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تواصل المسيرة. لذلك لم يتحدث عن التجربة باعتبارها محطة عابرة، بل باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع تؤمن بأن الموسيقى لا تنمو إلا داخل فضاءات التدريب والحوار والإقامة الفنية، حيث يلتقي أصحاب التجارب الطويلة بالشباب الباحثين عن أصواتهم الخاصة. وهي الفلسفة نفسها التي جعلته يشيد بالعازفة التونسية الشابة غالية، وبالمواهب التي شاركت في أعماله واعتلت معه ركح الحمامات، مؤكدًا أن استمرار هذه الطاقات هو الضمان الحقيقي لاستمرار الأمل.

ولأن الذاكرة بالنسبة إلى مارسيل خليفة ليست احتفاء بالماضي فقط، فقد كشف خلال الندوة الصحفية عن مشروعه الموسيقي الأكبر خلال السنوات الأخيرة، وهو عمل مستوحى من قصيدة "الجدارية" لمحمود درويش، استغرق إنجازه أكثر من عامين، ويجمع بين الأوركسترا والكورال والمسرح والرقص، مع استعادة صوت درويش نفسه راويًا داخل العمل، وبمشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف، الذي يجسد عبر صوته وآهاته البعد الإنساني للنص. ولا يبدو هذا المشروع مجرد إنتاج موسيقي جديد، بل أقرب إلى أوبرا عربية شرقية تسعى إلى تقديم القصيدة بوصفها فضاء بصريًا وسمعيًا متكاملًا، في تجربة تؤكد أن العلاقة بين مارسيل خليفة ودرويش لم تتوقف برحيل الشاعر، بل ما تزال قادرة على إنتاج أعمال جديدة تعيد قراءة أسئلة الحياة والموت والحرية.

ولعل أكثر ما يميز تجربة مارسيل خليفة اليوم أنه يرفض اختزال الأغنية الملتزمة في الشعارات السياسية. فهو يرى أن قوة الفن لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرته على حماية الإنسان من القبح. لذلك استعاد في حديثه ظروف تلحينه لأغنية "أحن إلى خبز أمي" وسط القصف في بيروت، مؤكدًا أن الحب والجمال يصبحان أكثر ضرورة في أوقات الحرب، وأن الأغنية تبلغ ذروة حياتها عندما يرددها الناس وينسون صاحبها، لأنها تصبح آنذاك جزءًا من الذاكرة الجمعية. وربما لهذا السبب اختتم السهرة بأغنية "يا بحرية هيلا هيلا"، تاركًا الجمهور يواصل الغناء حتى بعد انطفاء الأضواء، في مشهد بدا وكأنه امتداد طبيعي لما قاله: الفنان يرحل، لكن الأغنية التي تسكن الناس تبقى.

وبالتالي، لم تكن ليلة مارسيل خليفة في الحمامات مجرد عودة إلى أرشيف موسيقي غني، بل كانت اختبارًا جديدًا لعلاقة الأغنية بالزمن والجمهور. فبعد أكثر من خمسين عامًا من التجربة، أثبت مارسيل من جديد أن الأغنية لا تبقى حية لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تجد في كل مرة من يعيد غناءها، ويمنحها معنى جديدًا. وفي الحمامات، لم يكن الجمهور أمام فنان يغني له، بل أمام فنان اختار أن يغني معه.