إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مدير عام الغابات لـ"الصباح": العامل البشري السبب الأساسي في اندلاع نسبة كبيرة من الحرائق وفق المعطيات المتوفرة

*"إعادة الغطاء النباتي ليس مجرد غرس أشجار.. بل استعادة نظام بيئي كامل"

*"لم يعد من الممكن التعامل مع حرائق الغابات باعتبارها ظاهرة موسمية محدودة"

 

تونس - الصباح

في ظل صيف استثنائي اتسم بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وتواتر اندلاع الحرائق بعدد من الولايات، عادت حماية الثروة الغابية إلى صدارة الاهتمامات الوطنية، باعتبارها أحد أهم التحديات البيئية والتنموية التي تواجه تونس في ظل تداعيات التغيرات المناخية. فالغابات التونسية، التي تمثل رصيدا طبيعيا وبيئيا واقتصاديا هاما، أصبحت أكثر عرضة لمخاطر الحرائق، الأمر الذي يفرض تعزيز منظومة الوقاية واليقظة والتدخل السريع، إلى جانب وضع رؤية طويلة المدى لإعادة تأهيل المناطق المتضررة والحفاظ على التنوع البيولوجي.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة ولايات اندلاع حرائق متفاوتة الحجم، استوجبت تعبئة مختلف الهياكل المتدخلة، من الإدارة العامة للغابات والحماية المدنية والجيش الوطني والسلط الجهوية، في ظروف ميدانية صعبة فرضتها موجات الحر، والتضاريس الوعرة، والرياح القوية.

كما كشفت هذه الحرائق عن حجم التحديات التي تواجه أعوان الغابات، سواء على مستوى التدخل الميداني أو على مستوى الموارد البشرية والوسائل اللوجستية، في وقت تتزايد فيه المخاطر المناخية عاما بعد آخر.

وفي المقابل، تعمل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري على تطوير منظومة الوقاية من الحرائق، من خلال تهيئة المسالك الغابية، وتعزيز البنية التحتية الوقائية، وإدماج الوسائل الرقمية في الرصد والإنذار المبكر، إلى جانب إعداد برامج لإعادة تأهيل الغابات المتضررة وفق مقاربة تراعي خصوصية كل نظام بيئي، بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة للغابات والمراعي للفترة 2026-2050.

 

 

أميرة الدريدي

حول واقع موسم الحرائق، وأبرز أسباب اندلاعها، والصعوبات الميدانية التي تواجه فرق التدخل، وخطط إعادة التشجير، ومستقبل منظومة الوقاية في ظل التغيرات المناخية، كان لـ"الصباح" هذا الحوار مع مدير عام الغابات بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، محمد نوفل بن حاحا، الذي قدّم قراءة شاملة للوضع الحالي، وكشف عن أهم البرامج والإجراءات المعتمدة لحماية الغابات التونسية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتزايدة.

وفي ما يلي نص الحوار:

 

* شهدت عدة ولايات اندلاع حرائق في فترة وجيزة، هل تعتبرون ذلك نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة فقط، أم إن هناك عوامل أخرى، مثل الإهمال أو الحرائق المتعمدة؟ وما هي المؤشرات المتوفرة لديكم؟

من المهم التأكيد أن الحرائق لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد. فالعوامل المناخية، وخاصة الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة، والجفاف، وانخفاض رطوبة الغطاء النباتي، وهبوب الرياح القوية، تساهم في جعل الغطاء النباتي أكثر قابلية للاشتعال، وفي تسريع انتشار النيران.

لكن هذه العوامل لا تعني أن الحريق يندلع تلقائيا. وتشير المعطيات المتوفرة لدينا إلى أن العامل البشري يظل العامل الأساسي في اندلاع نسبة كبيرة من الحرائق، سواء نتيجة الإهمال، أو بعض السلوكيات غير المسؤولة، أو بفعل متعمد في بعض الحالات التي تتطلب تحديد المسؤوليات من قبل الجهات المختصة.

وتبرز خطورة الوضع الحالي من خلال الأرقام المسجلة. فمنذ غرة ماي إلى 23 جويلية 2026، تم تسجيل 75 حريقا داخل الغابات و108 حرائق بالمناطق الشجيرية، وقد تضررت حوالي 4400 هكتار، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025. كما شاركت الإدارة العامة للغابات في 917 عملية تدخل لإخماد الحرائق، مقابل 620 تدخلا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

لذلك، فإن المعادلة أصبحت واضحة: المناخ يرفع مستوى الخطر، لكن العامل البشري غالبا ما يكون مصدر الاشتعال. ومن هنا تأتي أهمية الوقاية، والتحسيس، واليقظة، والتبليغ المبكر، بالتوازي مع التثبت في أسباب كل حريق، بالتنسيق مع المصالح المختصة.

 

*يلاحظ المواطنون أحيانا أن النيران تمتد بسرعة كبيرة قبل السيطرة عليها. ما أبرز الصعوبات الميدانية التي تواجه فرق الغابات أثناء التدخل؟ وهل تعاني الإدارة من نقص في التجهيزات أو الموارد البشرية؟

ترتبط سرعة انتشار الحريق أساسا بتزامن عدة عوامل، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الغطاء النباتي، وهبوب الرياح، وطبيعة التضاريس. وفي المناطق الجبلية الوعرة، لا يكون الوصول إلى بؤرة الحريق دائما سهلا، وهو ما يجعل التدخل الأرضي أكثر صعوبة، ويستوجب أحيانا الاستعانة بالوسائل الجوية.

وقد أظهرت بعض الحرائق الأخيرة حجم هذه الصعوبات. ففي حريق جبل الشحمة بزغوان، استمرت عمليات التدخل أكثر من 40 ساعة، في ظروف اتسمت بوعورة التضاريس، وارتفاع درجات الحرارة، وقوة الرياح، مع مشاركة عشرات الشاحنات وحوالي 150 عونا وضابطا، إلى جانب التدخل الجوي.

أما بخصوص الإمكانيات، فمن الضروري أن نكون واضحين، هناك بالفعل ضغط كبير على الموارد البشرية واللوجستية. فقد تراجع عدد أعوان الغابات إلى حوالي 260 عونا سنة 2026، مقابل نحو 800 عون خلال سنة 2000. وهذا التراجع يفرض ضغطا كبيرا على القدرة على تغطية المساحات الغابية الواسعة، خاصة خلال فترات الذروة التي تشهد اندلاع عدة حرائق في الوقت نفسه.

وقد تم، في إطار الاستعداد للموسم، تهيئة المسالك والمنشآت والخنادق الواقية من الحرائق، إضافة إلى اقتناء جرافتين لدعم وسائل التدخل. لكن يجب التأكيد أن مكافحة حرائق الغابات تتطلب دائما منظومة متكاملة تشمل الموارد البشرية، والوسائل الأرضية، والتدخل الجوي، والطرقات والمسالك الغابية، والإنذار المبكر، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

 

* بعد انتهاء "موسم الحرائق"، ما هي الإجراءات العملية التي ستتخذها الإدارة لإصلاح الأضرار؟ وهل توجد اعتمادات وبرنامج واضح لإعادة تشجير المساحات التي أتت عليها النيران؟ ومتى تنطلق هذه العمليات؟

إن التعامل مع المناطق المتضررة لا يتم بمنطق إعادة التشجير الآلي لكل مساحة احترقت، فالخطوة الأولى تتمثل في حصر الأضرار وتقييم درجة تضرر الغطاء النباتي، ثم تحديد قدرة النظام الغابي على التجدد الطبيعي.

فبالنسبة إلى بعض الأصناف، مثل الصنوبر الحلبي، يمكن أن يكون التجدد الطبيعي هو الخيار الأفضل، مع تأمين المنطقة ومتابعتها خلال السنوات الأولى. أما بالنسبة إلى أصناف أخرى، مثل البلوط الفليني، فقد تكون الحاجة أكبر إلى عمليات إعادة التشجير، بعد القيام بالأشغال اللازمة لإصلاح وتهيئة المواقع المتضررة.

 

وبالنسبة إلى المساحات التي تضررت من حرائق صيف 2025، فإن برنامج إعادة التشجير مبرمج للانطلاق خلال شهر نوفمبر 2026، ويتواصل إلى غاية مارس 2027، وهي الفترة الملائمة عادة للغراسة.

لكن يجب أن نكون واقعيين، فإعادة الغطاء النباتي ليست عملية تنتهي بمجرد غرس الأشجار، بل إن استعادة التوازن الكامل للنظام البيئي الغابي قد تتطلب عقودا، وقد تتراوح في بعض الحالات بين 30 و80 سنة. لذلك، فإن الأولوية ستكون لإعادة تأهيل المواقع وفق خصوصياتها البيئية، مع حماية التجدد الطبيعي حيث يكون ممكنا، وعدم اعتماد مقاربة موحدة لجميع المناطق المحترقة.

 

* سبق أن أعلنت وزارة الفلاحة عن تعزيز منظومة الوقاية والاعتماد على وسائل مراقبة حديثة. إلى أين وصل تنفيذ هذه المشاريع؟ وهل أصبحت تغطي جميع المناطق الغابية أم ما تزال في مرحلة التجربة؟

يتجه العمل في مجال الوقاية والمراقبة اليوم نحو الجمع بين الوسائل التقليدية والتكنولوجيات الحديثة. وقد تم خلال سنة 2026 تعزيز الإجراءات الوقائية عبر تهيئة المسالك والمنشآت والخنادق الواقية من الحرائق، إلى جانب دعم وسائل التدخل.

أما بخصوص الرقمنة، فهناك توجه واضح نحو تحسين جمع المعلومات حول الحرائق، وتوثيق الأضرار، وتحليل المعطيات، ودعم اتخاذ القرار. ومن المشاريع التي يجري العمل عليها مشروع رقمنة تقارير الحرائق، وتقييم جاهزية البنية التحتية والوسائل، بما يسمح بالانتقال تدريجيا من التقارير الورقية إلى منظومة رقمية أكثر دقة ونجاعة.

لكن من المهم عدم إعطاء انطباع بأن منظومة تكنولوجية واحدة يمكن أن تغطي، في الوقت الحالي، كامل الغابات التونسية بشكل متجانس. فنحن أمام مسار تدريجي يتطلب تطوير البنية التحتية، وتوسيع وسائل المراقبة، وتحسين الربط بين المعطيات الميدانية ومراكز المتابعة.

والهدف النهائي هو تعزيز منظومة الإنذار المبكر، وتسريع تحديد مواقع الحرائق، وتوجيه وسائل التدخل، لأن الدقائق الأولى غالبا ما تكون حاسمة في الحد من انتشار الحريق.

 

*في ظل توقع استمرار موجات الحر خلال السنوات المقبلة، هل ستراجع الإدارة العامة للغابات استراتيجيتها في الوقاية ومكافحة الحرائق؟ وما أبرز المشاريع الجديدة التي تعتزمون تنفيذها لحماية الثروة الغابية في تونس؟

نعم، تفرض التغيرات المناخية مراجعة مستمرة لمنظومة الوقاية ومكافحة الحرائق. فلم يعد من الممكن التعامل مع حرائق الغابات باعتبارها ظاهرة موسمية محدودة، بل أصبحنا أمام مخاطر مناخية متزايدة، تتسم بفترات حرارة أطول، وظروف أكثر جفافا، وإمكانية تزامن عدة حرائق في مناطق مختلفة.

ومن هذا المنطلق، فإن التوجه المستقبلي يقوم على عدة محاور:

1. تعزيز الوقاية قبل اندلاع الحرائق، عبر صيانة المسالك والخنادق والمنشآت الواقية، وإدارة الغطاء النباتي في المناطق ذات الخطورة العالية.

2. تطوير منظومة المراقبة والإنذار المبكر، واستعمال الأدوات الرقمية والبيانات الجغرافية لتحسين سرعة اكتشاف الحرائق والتدخل.

3. تعزيز الموارد البشرية والوسائل اللوجستية، لأن التكنولوجيا لا يمكن أن تعوض وجود أعوان ميدانيين مؤهلين وقادرين على التدخل.

4. تطوير التنسيق بين الإدارة العامة للغابات، والحماية المدنية، والجيش الوطني، والسلطات الجهوية، وهو تنسيق أثبت أهميته في الحرائق الكبرى الأخيرة.

5. الاستثمار في الوقاية المجتمعية، من خلال رفع الوعي البيئي، وإشراك المواطنين والمتطوعين ومتساكني المناطق الغابية، لأن الوقاية من الحرائق مسؤولية جماعية.

6. اعتماد مقاربة جديدة في إعادة تأهيل الغابات، تقوم على دعم التجدد الطبيعي حيثما كان ممكنا، واختيار الأنواع والطرق الملائمة للظروف المناخية والبيئية لكل موقع.

كما أن تونس وضعت إطارا استراتيجيا أشمل للتنمية المستدامة للغابات والمراعي للفترة 2026-2050، يركز على حماية النظم الغابية وتجديدها وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط المناخية.

والرسالة الأساسية هي أن حماية الغابات لا تبدأ عند اندلاع الحريق، فالمعركة الحقيقية تبدأ قبل الحريق، من خلال الوقاية، والتهيئة، والمراقبة، والوعي، وسرعة التدخل. أما بعد الحريق، فالمطلوب ليس فقط إعادة غراسة الأشجار، بل استعادة نظام بيئي كامل يحتاج إلى حماية ومتابعة طويلة المدى.

 

مدير عام الغابات لـ"الصباح": العامل البشري السبب الأساسي في اندلاع نسبة كبيرة من الحرائق وفق المعطيات المتوفرة

*"إعادة الغطاء النباتي ليس مجرد غرس أشجار.. بل استعادة نظام بيئي كامل"

*"لم يعد من الممكن التعامل مع حرائق الغابات باعتبارها ظاهرة موسمية محدودة"

 

تونس - الصباح

في ظل صيف استثنائي اتسم بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وتواتر اندلاع الحرائق بعدد من الولايات، عادت حماية الثروة الغابية إلى صدارة الاهتمامات الوطنية، باعتبارها أحد أهم التحديات البيئية والتنموية التي تواجه تونس في ظل تداعيات التغيرات المناخية. فالغابات التونسية، التي تمثل رصيدا طبيعيا وبيئيا واقتصاديا هاما، أصبحت أكثر عرضة لمخاطر الحرائق، الأمر الذي يفرض تعزيز منظومة الوقاية واليقظة والتدخل السريع، إلى جانب وضع رؤية طويلة المدى لإعادة تأهيل المناطق المتضررة والحفاظ على التنوع البيولوجي.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة ولايات اندلاع حرائق متفاوتة الحجم، استوجبت تعبئة مختلف الهياكل المتدخلة، من الإدارة العامة للغابات والحماية المدنية والجيش الوطني والسلط الجهوية، في ظروف ميدانية صعبة فرضتها موجات الحر، والتضاريس الوعرة، والرياح القوية.

كما كشفت هذه الحرائق عن حجم التحديات التي تواجه أعوان الغابات، سواء على مستوى التدخل الميداني أو على مستوى الموارد البشرية والوسائل اللوجستية، في وقت تتزايد فيه المخاطر المناخية عاما بعد آخر.

وفي المقابل، تعمل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري على تطوير منظومة الوقاية من الحرائق، من خلال تهيئة المسالك الغابية، وتعزيز البنية التحتية الوقائية، وإدماج الوسائل الرقمية في الرصد والإنذار المبكر، إلى جانب إعداد برامج لإعادة تأهيل الغابات المتضررة وفق مقاربة تراعي خصوصية كل نظام بيئي، بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة للغابات والمراعي للفترة 2026-2050.

 

 

أميرة الدريدي

حول واقع موسم الحرائق، وأبرز أسباب اندلاعها، والصعوبات الميدانية التي تواجه فرق التدخل، وخطط إعادة التشجير، ومستقبل منظومة الوقاية في ظل التغيرات المناخية، كان لـ"الصباح" هذا الحوار مع مدير عام الغابات بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، محمد نوفل بن حاحا، الذي قدّم قراءة شاملة للوضع الحالي، وكشف عن أهم البرامج والإجراءات المعتمدة لحماية الغابات التونسية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتزايدة.

وفي ما يلي نص الحوار:

 

* شهدت عدة ولايات اندلاع حرائق في فترة وجيزة، هل تعتبرون ذلك نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة فقط، أم إن هناك عوامل أخرى، مثل الإهمال أو الحرائق المتعمدة؟ وما هي المؤشرات المتوفرة لديكم؟

من المهم التأكيد أن الحرائق لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد. فالعوامل المناخية، وخاصة الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة، والجفاف، وانخفاض رطوبة الغطاء النباتي، وهبوب الرياح القوية، تساهم في جعل الغطاء النباتي أكثر قابلية للاشتعال، وفي تسريع انتشار النيران.

لكن هذه العوامل لا تعني أن الحريق يندلع تلقائيا. وتشير المعطيات المتوفرة لدينا إلى أن العامل البشري يظل العامل الأساسي في اندلاع نسبة كبيرة من الحرائق، سواء نتيجة الإهمال، أو بعض السلوكيات غير المسؤولة، أو بفعل متعمد في بعض الحالات التي تتطلب تحديد المسؤوليات من قبل الجهات المختصة.

وتبرز خطورة الوضع الحالي من خلال الأرقام المسجلة. فمنذ غرة ماي إلى 23 جويلية 2026، تم تسجيل 75 حريقا داخل الغابات و108 حرائق بالمناطق الشجيرية، وقد تضررت حوالي 4400 هكتار، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025. كما شاركت الإدارة العامة للغابات في 917 عملية تدخل لإخماد الحرائق، مقابل 620 تدخلا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

لذلك، فإن المعادلة أصبحت واضحة: المناخ يرفع مستوى الخطر، لكن العامل البشري غالبا ما يكون مصدر الاشتعال. ومن هنا تأتي أهمية الوقاية، والتحسيس، واليقظة، والتبليغ المبكر، بالتوازي مع التثبت في أسباب كل حريق، بالتنسيق مع المصالح المختصة.

 

*يلاحظ المواطنون أحيانا أن النيران تمتد بسرعة كبيرة قبل السيطرة عليها. ما أبرز الصعوبات الميدانية التي تواجه فرق الغابات أثناء التدخل؟ وهل تعاني الإدارة من نقص في التجهيزات أو الموارد البشرية؟

ترتبط سرعة انتشار الحريق أساسا بتزامن عدة عوامل، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الغطاء النباتي، وهبوب الرياح، وطبيعة التضاريس. وفي المناطق الجبلية الوعرة، لا يكون الوصول إلى بؤرة الحريق دائما سهلا، وهو ما يجعل التدخل الأرضي أكثر صعوبة، ويستوجب أحيانا الاستعانة بالوسائل الجوية.

وقد أظهرت بعض الحرائق الأخيرة حجم هذه الصعوبات. ففي حريق جبل الشحمة بزغوان، استمرت عمليات التدخل أكثر من 40 ساعة، في ظروف اتسمت بوعورة التضاريس، وارتفاع درجات الحرارة، وقوة الرياح، مع مشاركة عشرات الشاحنات وحوالي 150 عونا وضابطا، إلى جانب التدخل الجوي.

أما بخصوص الإمكانيات، فمن الضروري أن نكون واضحين، هناك بالفعل ضغط كبير على الموارد البشرية واللوجستية. فقد تراجع عدد أعوان الغابات إلى حوالي 260 عونا سنة 2026، مقابل نحو 800 عون خلال سنة 2000. وهذا التراجع يفرض ضغطا كبيرا على القدرة على تغطية المساحات الغابية الواسعة، خاصة خلال فترات الذروة التي تشهد اندلاع عدة حرائق في الوقت نفسه.

وقد تم، في إطار الاستعداد للموسم، تهيئة المسالك والمنشآت والخنادق الواقية من الحرائق، إضافة إلى اقتناء جرافتين لدعم وسائل التدخل. لكن يجب التأكيد أن مكافحة حرائق الغابات تتطلب دائما منظومة متكاملة تشمل الموارد البشرية، والوسائل الأرضية، والتدخل الجوي، والطرقات والمسالك الغابية، والإنذار المبكر، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

 

* بعد انتهاء "موسم الحرائق"، ما هي الإجراءات العملية التي ستتخذها الإدارة لإصلاح الأضرار؟ وهل توجد اعتمادات وبرنامج واضح لإعادة تشجير المساحات التي أتت عليها النيران؟ ومتى تنطلق هذه العمليات؟

إن التعامل مع المناطق المتضررة لا يتم بمنطق إعادة التشجير الآلي لكل مساحة احترقت، فالخطوة الأولى تتمثل في حصر الأضرار وتقييم درجة تضرر الغطاء النباتي، ثم تحديد قدرة النظام الغابي على التجدد الطبيعي.

فبالنسبة إلى بعض الأصناف، مثل الصنوبر الحلبي، يمكن أن يكون التجدد الطبيعي هو الخيار الأفضل، مع تأمين المنطقة ومتابعتها خلال السنوات الأولى. أما بالنسبة إلى أصناف أخرى، مثل البلوط الفليني، فقد تكون الحاجة أكبر إلى عمليات إعادة التشجير، بعد القيام بالأشغال اللازمة لإصلاح وتهيئة المواقع المتضررة.

 

وبالنسبة إلى المساحات التي تضررت من حرائق صيف 2025، فإن برنامج إعادة التشجير مبرمج للانطلاق خلال شهر نوفمبر 2026، ويتواصل إلى غاية مارس 2027، وهي الفترة الملائمة عادة للغراسة.

لكن يجب أن نكون واقعيين، فإعادة الغطاء النباتي ليست عملية تنتهي بمجرد غرس الأشجار، بل إن استعادة التوازن الكامل للنظام البيئي الغابي قد تتطلب عقودا، وقد تتراوح في بعض الحالات بين 30 و80 سنة. لذلك، فإن الأولوية ستكون لإعادة تأهيل المواقع وفق خصوصياتها البيئية، مع حماية التجدد الطبيعي حيث يكون ممكنا، وعدم اعتماد مقاربة موحدة لجميع المناطق المحترقة.

 

* سبق أن أعلنت وزارة الفلاحة عن تعزيز منظومة الوقاية والاعتماد على وسائل مراقبة حديثة. إلى أين وصل تنفيذ هذه المشاريع؟ وهل أصبحت تغطي جميع المناطق الغابية أم ما تزال في مرحلة التجربة؟

يتجه العمل في مجال الوقاية والمراقبة اليوم نحو الجمع بين الوسائل التقليدية والتكنولوجيات الحديثة. وقد تم خلال سنة 2026 تعزيز الإجراءات الوقائية عبر تهيئة المسالك والمنشآت والخنادق الواقية من الحرائق، إلى جانب دعم وسائل التدخل.

أما بخصوص الرقمنة، فهناك توجه واضح نحو تحسين جمع المعلومات حول الحرائق، وتوثيق الأضرار، وتحليل المعطيات، ودعم اتخاذ القرار. ومن المشاريع التي يجري العمل عليها مشروع رقمنة تقارير الحرائق، وتقييم جاهزية البنية التحتية والوسائل، بما يسمح بالانتقال تدريجيا من التقارير الورقية إلى منظومة رقمية أكثر دقة ونجاعة.

لكن من المهم عدم إعطاء انطباع بأن منظومة تكنولوجية واحدة يمكن أن تغطي، في الوقت الحالي، كامل الغابات التونسية بشكل متجانس. فنحن أمام مسار تدريجي يتطلب تطوير البنية التحتية، وتوسيع وسائل المراقبة، وتحسين الربط بين المعطيات الميدانية ومراكز المتابعة.

والهدف النهائي هو تعزيز منظومة الإنذار المبكر، وتسريع تحديد مواقع الحرائق، وتوجيه وسائل التدخل، لأن الدقائق الأولى غالبا ما تكون حاسمة في الحد من انتشار الحريق.

 

*في ظل توقع استمرار موجات الحر خلال السنوات المقبلة، هل ستراجع الإدارة العامة للغابات استراتيجيتها في الوقاية ومكافحة الحرائق؟ وما أبرز المشاريع الجديدة التي تعتزمون تنفيذها لحماية الثروة الغابية في تونس؟

نعم، تفرض التغيرات المناخية مراجعة مستمرة لمنظومة الوقاية ومكافحة الحرائق. فلم يعد من الممكن التعامل مع حرائق الغابات باعتبارها ظاهرة موسمية محدودة، بل أصبحنا أمام مخاطر مناخية متزايدة، تتسم بفترات حرارة أطول، وظروف أكثر جفافا، وإمكانية تزامن عدة حرائق في مناطق مختلفة.

ومن هذا المنطلق، فإن التوجه المستقبلي يقوم على عدة محاور:

1. تعزيز الوقاية قبل اندلاع الحرائق، عبر صيانة المسالك والخنادق والمنشآت الواقية، وإدارة الغطاء النباتي في المناطق ذات الخطورة العالية.

2. تطوير منظومة المراقبة والإنذار المبكر، واستعمال الأدوات الرقمية والبيانات الجغرافية لتحسين سرعة اكتشاف الحرائق والتدخل.

3. تعزيز الموارد البشرية والوسائل اللوجستية، لأن التكنولوجيا لا يمكن أن تعوض وجود أعوان ميدانيين مؤهلين وقادرين على التدخل.

4. تطوير التنسيق بين الإدارة العامة للغابات، والحماية المدنية، والجيش الوطني، والسلطات الجهوية، وهو تنسيق أثبت أهميته في الحرائق الكبرى الأخيرة.

5. الاستثمار في الوقاية المجتمعية، من خلال رفع الوعي البيئي، وإشراك المواطنين والمتطوعين ومتساكني المناطق الغابية، لأن الوقاية من الحرائق مسؤولية جماعية.

6. اعتماد مقاربة جديدة في إعادة تأهيل الغابات، تقوم على دعم التجدد الطبيعي حيثما كان ممكنا، واختيار الأنواع والطرق الملائمة للظروف المناخية والبيئية لكل موقع.

كما أن تونس وضعت إطارا استراتيجيا أشمل للتنمية المستدامة للغابات والمراعي للفترة 2026-2050، يركز على حماية النظم الغابية وتجديدها وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط المناخية.

والرسالة الأساسية هي أن حماية الغابات لا تبدأ عند اندلاع الحريق، فالمعركة الحقيقية تبدأ قبل الحريق، من خلال الوقاية، والتهيئة، والمراقبة، والوعي، وسرعة التدخل. أما بعد الحريق، فالمطلوب ليس فقط إعادة غراسة الأشجار، بل استعادة نظام بيئي كامل يحتاج إلى حماية ومتابعة طويلة المدى.