الزيارات الميدانية بوابة الإصلاح.. تكريس لحضور الدولة وآلية للمساءلة
مقالات الصباح
تبقى الزيارات الميدانية من بين أنجع الآليات التي تراهن عليها الدولة اليوم، في أعلى هرمها، لتقييم سير إنجاز المشاريع العمومية الكبرى ومدى تقدمها، بعيدا عن سياسة التقارير الإدارية، باعتبارها تفضي إلى رصد الإخلالات وكل أشكال التقصير على عين المكان، كما تسهم في التسريع من نسق الإنجاز عبر المتابعة المباشرة وتحميل المسؤوليات عند الاقتضاء. وفي هذا الإطار تندرج الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مركّب المياه بغدير القلّة، ثم إلى مشروع الحماية من الفيضانات بوادي مجردة بمنطقة قنطرة بنزرت، والتي تجاوزت في مضامينها مجرد الوقوف على مدى تقدم سير الأشغال، لتؤكد أن إدارة الموارد المائية، وحماية المنشآت الاستراتيجية، والمحافظة على التراث الوطني، أصبحت اليوم أولويات وطنية تستوجب أعلى درجات التنسيق والنجاعة واليقظة.
كما عكست الزيارة رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد لمرحلة يقتضي فيها مسار الإصلاح حضورا ميدانيا فاعلا للدولة، بما يضمن متابعة تنفيذ المشاريع والوقوف على مختلف أنواع الإخلالات، إلى جانب تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هذا المنطلق جاءت الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مركّب المياه بغدير القلّة، ثم إلى مشروع الحماية من الفيضانات بمنطقة قنطرة بنزرت، لتكشف مرة أخرى عن طبيعة المقاربة التي يعتمدها رئيس الدولة في إدارة الشأن العام، والتي تقوم على المعاينة المباشرة لمواقع الإنجاز، والمساءلة، فضلا عن تسريع نسق تنفيذ المشاريع وتحميل المسؤوليات لكل من ثبت تقصيره، بما يكرّس حضورا فعليا للدولة، ويجعل من نجاعة الأداء والإنجاز الملموس المعيار الأساسي في تقييم عمل مختلف المؤسسات والهياكل العمومية.
استهل رئيس الجمهورية قيس سعيّد زيارته من مركّب المياه بغدير القلّة، وهو اختيار يحمل دلالات عديدة في ظل التحديات المرتبطة اليوم بندرة الموارد المائية والتغيرات المناخية، بما يؤشر إلى أن الملف المائي أصبح يحتل موقعا متقدما ضمن أولويات الدولة.
ولذلك لم يقتصر الاهتمام على الاطلاع على الجوانب التقنية للمحطة، وإنما توقف عند ما اعتبره رئيس الدولة قيس سعيّد نقائص على مستوى التنسيق والربط بين المحطة والأقاليم، مؤكدا ضرورة تلافي كل النقائص المرصودة في أسرع الآجال. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بالإنتاج أو بالبنية التحتية، وإنما أيضا بطريقة إدارة الموارد وتوزيعها وحسن التصرف فيها.
فالسياسة المائية اليوم لا يمكن اختزالها في معالجات ظرفية، بما أنها تستوجب منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والتنسيق والنجاعة في التنفيذ، بما يضمن الأمن المائي للمواطنين ويحد من كل مظاهر الهدر والإخلال.
من المتابعة إلى المحاسبة
من أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على تحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره في أداء واجبه. ويندرج هذا التوجه ضمن الخطاب السياسي الذي يكرسه رئيس الدولة قيس سعيّد منذ سنوات، والقائم على ربط المسؤولية بالمساءلة.
فمن وجهة نظر رئيس الدولة، لا يمكن لأي مشروع وطني أن يحقق أهدافه في حال بقي التقصير دون محاسبة. لذلك جاءت دعوته إلى الانسجام التام والتنسيق المستمر بين مختلف الهياكل، باعتبارهما شرطين جوهريين لنجاح مختلف السياسات التنموية.
وتعكس هذه المقاربة توجها نحو إعادة الاعتبار لثقافة العمل داخل الإدارة، حيث يصبح تقييم المسؤولين قائما على النتائج الفعلية ومدى انعكاسها على الواقع اليومي للمواطنين.
وفي هذا الخصوص، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد لطالما أكد، في مناسبات عديدة، على ضرورة إعادة الاعتبار لثقافة العمل باعتبارها قيمة أساسية لبلوغ التغيير المنشود في أكثر من مجال.
ولم تتوقف أبعاد الزيارة عند ملف المياه، بل امتدت إلى محور لا يقل أهمية في سياق التحديات المناخية التي تواجهها تونس، حيث تحول رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى منطقة قنطرة بنزرت بمعتمدية قلعة الأندلس للاطلاع على مدى تقدم أشغال مشروع الحماية من الفيضانات بوادي مجردة، الذي تتولى إنجازه الإدارة العامة للهندسة العسكرية.
استثمار في مياه الأمطار
وضمن هذا التمشي، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على ضرورة إيجاد حلول عاجلة حتى لا تهدر مياه الأمطار، بما يطرح مقاربة جديدة لإدارة الموارد المائية، تؤشر إلى أن الفيضانات تمثل موردا يمكن توظيفه في حال توفر البنية التحتية المناسبة.
ومن هذا المنطلق، تتحول مشاريع الحماية من الفيضانات إلى مشاريع استثمار في المياه، بما يساهم في تعزيز المخزون المائي الوطني، خاصة في ظل سنوات الجفاف المتتالية التي عاشتها البلاد.
كما ينسجم هذا الطرح مع الدعوات المتكررة إلى مراجعة السياسة المائية الوطنية والانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمات إلى منطق الاستباق والتخطيط بعيد المدى.
ولعل من أبرز ما ميز هذه الزيارة توقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد عند القنطرة التاريخية التي يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1608، والتي تعرضت، وفق ما أكده، إلى الإهمال لعقود طويلة حتى تحولت إلى مصب للفضلات.
وهنا تتجاوز الرسالة مجرد الدعوة إلى ترميم معلم أثري، لتتجلى كدعوة إلى إعادة الاعتبار للتراث باعتباره جزءا لا يتجزأ من هوية الدولة وتاريخها.
فالاهتمام بالمعالم التاريخية يعد استثمارا في الذاكرة الوطنية وفي آليات القوة الناعمة التي تمتلكها تونس، سواء على المستوى الحضاري أو السياحي أو الثقافي. كما أن إعادة تأهيل هذه المواقع تندرج ضمن رؤية أشمل تعتبر أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل إهمال التاريخ أو التفريط في الموروث الحضاري والثقافي.
«تاريخنا ليس للبيع»...
وفي هذا الصدد، فإنه حين أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن «تاريخنا ليس للبيع»، فإنه لم يكن يتحدث فقط عن الآثار أو المعالم التاريخية، بل كان يوجه رسالة سياسية ذات أبعاد شاملة.
فالعبارة تحمل رفضا كليا لكل أشكال التفريط في الثروة الوطنية، سواء تعلق الأمر بالموروث الثقافي أو بالموارد الطبيعية أو بالممتلكات العمومية.
كما تعكس تمسكا بمفهوم السيادة الوطنية باعتباره الإطار الذي ينبغي أن تنضوي داخله مختلف السياسات العمومية، وهو مفهوم ظل حاضرا بقوة في خطاب رئيس الجمهورية منذ توليه المسؤولية. وضمن هذا التمشي، يصبح الحفاظ على التراث امتدادا للحفاظ على القرار الوطني المستقل وتمسكا بالسيادة الوطنية.
الزيارات.. آلية للتقييم
هذه الزيارة، تكشف من جهة أخرى عن استمرار اعتماد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أسلوب المعاينة الميدانية المباشرة، باعتبارها وسيلة لتقييم واقع المشاريع بعيدا عن التقارير الإدارية المرفوعة.
ويعكس هذا النمط من الزيارات رغبة في الاطلاع على سير الأشغال والوقوف على الإشكاليات كما هي على أرض الواقع، وهو ما يمنح المسؤولين المحليين والإدارات المعنية رسالة واضحة مفادها أن الإنجاز الميداني هو معيار التقييم الحقيقي، وأن زمن التراخي قد ولى وانتهى.
كما أن اختيار مشاريع ذات صلة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، كالمياه والحماية من الفيضانات، يعكس توجها نحو إعطاء الأولوية للملفات التي تمس الواقع المعيشي للتونسيين.
وتبرز الزيارة أيضا أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يتعامل مع المشاريع العمومية باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما ينظر إليها باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية متكاملة تهدف، في جوهرها، إلى استعادة الدولة لهيبتها.
فإصلاح المرافق العمومية، وتعزيز مستوى التنسيق بين المؤسسات، وتسريع الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الموارد الطبيعية، والمحافظة على التراث، كلها عناصر مترابطة داخل رؤية سياسية واحدة تهدف إلى رفع نجاعة الأداء العمومي.
وفي هذا السياق، تتحول الزيارات الميدانية إلى أداة لمتابعة تنفيذ السياسات العمومية، وكذلك إلى وسيلة لتوجيه رسائل سياسية وإدارية تؤكد أن الدولة مطالبة بتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
أما على المستوى السياسي، فتؤكد هذه الزيارة استمرار اعتماد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على خطاب يربط بين السيادة والإنجاز، وبين حماية الثروات الوطنية وإصلاح الإدارة.
فالملف المائي يرتبط بالأمن القومي، كما أن المشاريع المتعلقة بالفيضانات ليست مجرد منشآت هندسية، وإنما هي آليات لحماية الموارد وضمان ديمومتها. أما المعالم التاريخية، فهي رصيد حضاري يعزز الهوية الوطنية ويكرس استمرارية الدولة.
ولذلك جاءت مختلف محطات الزيارة مترابطة، رغم اختلاف طبيعتها، لتؤكد أن الدولة مطالبة، في الوقت نفسه، بحماية مواردها، وتحسين خدماتها، وصيانة ذاكرتها، ومحاسبة المقصرين، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تكريسه في مختلف تحركاته الميدانية.
نحو إدارة أكثر نجاعة
وفي هذا الخضم، تعكس الزيارة استمرار توجه رئاسة الجمهورية نحو ترسيخ نموذج في إدارة الشأن العام يقوم على الحضور الميداني، والمتابعة المستمرة والمباشرة، والربط بين الإنجاز والمسؤولية، مع إعطاء الأولوية للملفات ذات البعد الاستراتيجي.
كما تؤكد أن المرحلة الراهنة تتجه نحو تعزيز مكانة المشاريع المرتبطة بالأمن المائي، وحماية البنية التحتية، وصيانة التراث الوطني، باعتبارها مكونات أساسية في بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والتنموية.
وبذلك، لم تكن الزيارة مجرد جولة تفقدية لمرفق عمومي أو مشروع أشغال، بل شكلت محطة سياسية حملت جملة من الرسائل الواضحة، مفادها أن إدارة الموارد الطبيعية، وحسن استغلال مياه الأمطار، وحماية المعالم التاريخية، وترسيخ ثقافة المحاسبة، تمثل اليوم محاور متكاملة ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز نجاعة الدولة وصون سيادتها، وترسيخ مسؤولية كل من يتولى إدارة الشأن العام تجاه حقوق الشعب التونسي ومقدراته.
منال حرزي
تبقى الزيارات الميدانية من بين أنجع الآليات التي تراهن عليها الدولة اليوم، في أعلى هرمها، لتقييم سير إنجاز المشاريع العمومية الكبرى ومدى تقدمها، بعيدا عن سياسة التقارير الإدارية، باعتبارها تفضي إلى رصد الإخلالات وكل أشكال التقصير على عين المكان، كما تسهم في التسريع من نسق الإنجاز عبر المتابعة المباشرة وتحميل المسؤوليات عند الاقتضاء. وفي هذا الإطار تندرج الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مركّب المياه بغدير القلّة، ثم إلى مشروع الحماية من الفيضانات بوادي مجردة بمنطقة قنطرة بنزرت، والتي تجاوزت في مضامينها مجرد الوقوف على مدى تقدم سير الأشغال، لتؤكد أن إدارة الموارد المائية، وحماية المنشآت الاستراتيجية، والمحافظة على التراث الوطني، أصبحت اليوم أولويات وطنية تستوجب أعلى درجات التنسيق والنجاعة واليقظة.
كما عكست الزيارة رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد لمرحلة يقتضي فيها مسار الإصلاح حضورا ميدانيا فاعلا للدولة، بما يضمن متابعة تنفيذ المشاريع والوقوف على مختلف أنواع الإخلالات، إلى جانب تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هذا المنطلق جاءت الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مركّب المياه بغدير القلّة، ثم إلى مشروع الحماية من الفيضانات بمنطقة قنطرة بنزرت، لتكشف مرة أخرى عن طبيعة المقاربة التي يعتمدها رئيس الدولة في إدارة الشأن العام، والتي تقوم على المعاينة المباشرة لمواقع الإنجاز، والمساءلة، فضلا عن تسريع نسق تنفيذ المشاريع وتحميل المسؤوليات لكل من ثبت تقصيره، بما يكرّس حضورا فعليا للدولة، ويجعل من نجاعة الأداء والإنجاز الملموس المعيار الأساسي في تقييم عمل مختلف المؤسسات والهياكل العمومية.
استهل رئيس الجمهورية قيس سعيّد زيارته من مركّب المياه بغدير القلّة، وهو اختيار يحمل دلالات عديدة في ظل التحديات المرتبطة اليوم بندرة الموارد المائية والتغيرات المناخية، بما يؤشر إلى أن الملف المائي أصبح يحتل موقعا متقدما ضمن أولويات الدولة.
ولذلك لم يقتصر الاهتمام على الاطلاع على الجوانب التقنية للمحطة، وإنما توقف عند ما اعتبره رئيس الدولة قيس سعيّد نقائص على مستوى التنسيق والربط بين المحطة والأقاليم، مؤكدا ضرورة تلافي كل النقائص المرصودة في أسرع الآجال. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بالإنتاج أو بالبنية التحتية، وإنما أيضا بطريقة إدارة الموارد وتوزيعها وحسن التصرف فيها.
فالسياسة المائية اليوم لا يمكن اختزالها في معالجات ظرفية، بما أنها تستوجب منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والتنسيق والنجاعة في التنفيذ، بما يضمن الأمن المائي للمواطنين ويحد من كل مظاهر الهدر والإخلال.
من المتابعة إلى المحاسبة
من أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على تحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره في أداء واجبه. ويندرج هذا التوجه ضمن الخطاب السياسي الذي يكرسه رئيس الدولة قيس سعيّد منذ سنوات، والقائم على ربط المسؤولية بالمساءلة.
فمن وجهة نظر رئيس الدولة، لا يمكن لأي مشروع وطني أن يحقق أهدافه في حال بقي التقصير دون محاسبة. لذلك جاءت دعوته إلى الانسجام التام والتنسيق المستمر بين مختلف الهياكل، باعتبارهما شرطين جوهريين لنجاح مختلف السياسات التنموية.
وتعكس هذه المقاربة توجها نحو إعادة الاعتبار لثقافة العمل داخل الإدارة، حيث يصبح تقييم المسؤولين قائما على النتائج الفعلية ومدى انعكاسها على الواقع اليومي للمواطنين.
وفي هذا الخصوص، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد لطالما أكد، في مناسبات عديدة، على ضرورة إعادة الاعتبار لثقافة العمل باعتبارها قيمة أساسية لبلوغ التغيير المنشود في أكثر من مجال.
ولم تتوقف أبعاد الزيارة عند ملف المياه، بل امتدت إلى محور لا يقل أهمية في سياق التحديات المناخية التي تواجهها تونس، حيث تحول رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى منطقة قنطرة بنزرت بمعتمدية قلعة الأندلس للاطلاع على مدى تقدم أشغال مشروع الحماية من الفيضانات بوادي مجردة، الذي تتولى إنجازه الإدارة العامة للهندسة العسكرية.
استثمار في مياه الأمطار
وضمن هذا التمشي، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على ضرورة إيجاد حلول عاجلة حتى لا تهدر مياه الأمطار، بما يطرح مقاربة جديدة لإدارة الموارد المائية، تؤشر إلى أن الفيضانات تمثل موردا يمكن توظيفه في حال توفر البنية التحتية المناسبة.
ومن هذا المنطلق، تتحول مشاريع الحماية من الفيضانات إلى مشاريع استثمار في المياه، بما يساهم في تعزيز المخزون المائي الوطني، خاصة في ظل سنوات الجفاف المتتالية التي عاشتها البلاد.
كما ينسجم هذا الطرح مع الدعوات المتكررة إلى مراجعة السياسة المائية الوطنية والانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمات إلى منطق الاستباق والتخطيط بعيد المدى.
ولعل من أبرز ما ميز هذه الزيارة توقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد عند القنطرة التاريخية التي يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1608، والتي تعرضت، وفق ما أكده، إلى الإهمال لعقود طويلة حتى تحولت إلى مصب للفضلات.
وهنا تتجاوز الرسالة مجرد الدعوة إلى ترميم معلم أثري، لتتجلى كدعوة إلى إعادة الاعتبار للتراث باعتباره جزءا لا يتجزأ من هوية الدولة وتاريخها.
فالاهتمام بالمعالم التاريخية يعد استثمارا في الذاكرة الوطنية وفي آليات القوة الناعمة التي تمتلكها تونس، سواء على المستوى الحضاري أو السياحي أو الثقافي. كما أن إعادة تأهيل هذه المواقع تندرج ضمن رؤية أشمل تعتبر أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل إهمال التاريخ أو التفريط في الموروث الحضاري والثقافي.
«تاريخنا ليس للبيع»...
وفي هذا الصدد، فإنه حين أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن «تاريخنا ليس للبيع»، فإنه لم يكن يتحدث فقط عن الآثار أو المعالم التاريخية، بل كان يوجه رسالة سياسية ذات أبعاد شاملة.
فالعبارة تحمل رفضا كليا لكل أشكال التفريط في الثروة الوطنية، سواء تعلق الأمر بالموروث الثقافي أو بالموارد الطبيعية أو بالممتلكات العمومية.
كما تعكس تمسكا بمفهوم السيادة الوطنية باعتباره الإطار الذي ينبغي أن تنضوي داخله مختلف السياسات العمومية، وهو مفهوم ظل حاضرا بقوة في خطاب رئيس الجمهورية منذ توليه المسؤولية. وضمن هذا التمشي، يصبح الحفاظ على التراث امتدادا للحفاظ على القرار الوطني المستقل وتمسكا بالسيادة الوطنية.
الزيارات.. آلية للتقييم
هذه الزيارة، تكشف من جهة أخرى عن استمرار اعتماد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أسلوب المعاينة الميدانية المباشرة، باعتبارها وسيلة لتقييم واقع المشاريع بعيدا عن التقارير الإدارية المرفوعة.
ويعكس هذا النمط من الزيارات رغبة في الاطلاع على سير الأشغال والوقوف على الإشكاليات كما هي على أرض الواقع، وهو ما يمنح المسؤولين المحليين والإدارات المعنية رسالة واضحة مفادها أن الإنجاز الميداني هو معيار التقييم الحقيقي، وأن زمن التراخي قد ولى وانتهى.
كما أن اختيار مشاريع ذات صلة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، كالمياه والحماية من الفيضانات، يعكس توجها نحو إعطاء الأولوية للملفات التي تمس الواقع المعيشي للتونسيين.
وتبرز الزيارة أيضا أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يتعامل مع المشاريع العمومية باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما ينظر إليها باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية متكاملة تهدف، في جوهرها، إلى استعادة الدولة لهيبتها.
فإصلاح المرافق العمومية، وتعزيز مستوى التنسيق بين المؤسسات، وتسريع الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الموارد الطبيعية، والمحافظة على التراث، كلها عناصر مترابطة داخل رؤية سياسية واحدة تهدف إلى رفع نجاعة الأداء العمومي.
وفي هذا السياق، تتحول الزيارات الميدانية إلى أداة لمتابعة تنفيذ السياسات العمومية، وكذلك إلى وسيلة لتوجيه رسائل سياسية وإدارية تؤكد أن الدولة مطالبة بتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
أما على المستوى السياسي، فتؤكد هذه الزيارة استمرار اعتماد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على خطاب يربط بين السيادة والإنجاز، وبين حماية الثروات الوطنية وإصلاح الإدارة.
فالملف المائي يرتبط بالأمن القومي، كما أن المشاريع المتعلقة بالفيضانات ليست مجرد منشآت هندسية، وإنما هي آليات لحماية الموارد وضمان ديمومتها. أما المعالم التاريخية، فهي رصيد حضاري يعزز الهوية الوطنية ويكرس استمرارية الدولة.
ولذلك جاءت مختلف محطات الزيارة مترابطة، رغم اختلاف طبيعتها، لتؤكد أن الدولة مطالبة، في الوقت نفسه، بحماية مواردها، وتحسين خدماتها، وصيانة ذاكرتها، ومحاسبة المقصرين، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تكريسه في مختلف تحركاته الميدانية.
نحو إدارة أكثر نجاعة
وفي هذا الخضم، تعكس الزيارة استمرار توجه رئاسة الجمهورية نحو ترسيخ نموذج في إدارة الشأن العام يقوم على الحضور الميداني، والمتابعة المستمرة والمباشرة، والربط بين الإنجاز والمسؤولية، مع إعطاء الأولوية للملفات ذات البعد الاستراتيجي.
كما تؤكد أن المرحلة الراهنة تتجه نحو تعزيز مكانة المشاريع المرتبطة بالأمن المائي، وحماية البنية التحتية، وصيانة التراث الوطني، باعتبارها مكونات أساسية في بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والتنموية.
وبذلك، لم تكن الزيارة مجرد جولة تفقدية لمرفق عمومي أو مشروع أشغال، بل شكلت محطة سياسية حملت جملة من الرسائل الواضحة، مفادها أن إدارة الموارد الطبيعية، وحسن استغلال مياه الأمطار، وحماية المعالم التاريخية، وترسيخ ثقافة المحاسبة، تمثل اليوم محاور متكاملة ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز نجاعة الدولة وصون سيادتها، وترسيخ مسؤولية كل من يتولى إدارة الشأن العام تجاه حقوق الشعب التونسي ومقدراته.
منال حرزي