إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬بوابة‭ ‬الإصلاح.. تكريس‭ ‬لحضور‭ ‬الدولة‭ ‬وآلية‭ ‬للمساءلة

تبقى‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أنجع‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرمها،‭ ‬لتقييم‭ ‬سير‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬الكبرى‭ ‬ومدى‭ ‬تقدمها،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬التقارير‭ ‬الإدارية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬رصد‭ ‬الإخلالات‭ ‬وكل‭ ‬أشكال‭ ‬التقصير‭ ‬على‭ ‬عين‭ ‬المكان،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬التسريع‭ ‬من‭ ‬نسق‭ ‬الإنجاز‭ ‬عبر‭ ‬المتابعة‭ ‬المباشرة‭ ‬وتحميل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تندرج‭ ‬الزيارة‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بوادي‭ ‬مجردة‭ ‬بمنطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت،‭ ‬والتي‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬مضامينها‭ ‬مجرد‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تقدم‭ ‬سير‭ ‬الأشغال،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية،‭ ‬وحماية‭ ‬المنشآت‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أولويات‭ ‬وطنية‭ ‬تستوجب‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬التنسيق‭ ‬والنجاعة‭ ‬واليقظة‭.‬

كما‭ ‬عكست‭ ‬الزيارة‭ ‬رؤية‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لمرحلة‭ ‬يقتضي‭ ‬فيها‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬حضورا‭ ‬ميدانيا‭ ‬فاعلا‭ ‬للدولة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬متابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الإخلالات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تكريس‭ ‬مبدأ‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬جاءت‭ ‬الزيارة‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بمنطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت،‭ ‬لتكشف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المقاربة‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المعاينة‭ ‬المباشرة‭ ‬لمواقع‭ ‬الإنجاز،‭ ‬والمساءلة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تسريع‭ ‬نسق‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬وتحميل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تقصيره،‭ ‬بما‭ ‬يكرّس‭ ‬حضورا‭ ‬فعليا‭ ‬للدولة،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬نجاعة‭ ‬الأداء‭ ‬والإنجاز‭ ‬الملموس‭ ‬المعيار‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬عمل‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهياكل‭ ‬العمومية‭.‬

استهل‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬زيارته‭ ‬من‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬اليوم‭ ‬بندرة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬والتغيرات‭ ‬المناخية،‭ ‬بما‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الملف‭ ‬المائي‭ ‬أصبح‭ ‬يحتل‭ ‬موقعا‭ ‬متقدما‭ ‬ضمن‭ ‬أولويات‭ ‬الدولة‭.‬

ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬الاهتمام‭ ‬على‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬للمحطة،‭ ‬وإنما‭ ‬توقف‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬نقائص‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬المحطة‭ ‬والأقاليم،‭ ‬مؤكدا‭ ‬ضرورة‭ ‬تلافي‭ ‬كل‭ ‬النقائص‭ ‬المرصودة‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬الآجال‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬الإشكال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطا‭ ‬فقط‭ ‬بالإنتاج‭ ‬أو‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بطريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬وتوزيعها‭ ‬وحسن‭ ‬التصرف‭ ‬فيها‭.‬

فالسياسة‭ ‬المائية‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬معالجات‭ ‬ظرفية،‭ ‬بما‭ ‬أنها‭ ‬تستوجب‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنسيق‭ ‬والنجاعة‭ ‬في‭ ‬التنفيذ،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الأمن‭ ‬المائي‭ ‬للمواطنين‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬الهدر‭ ‬والإخلال‭.‬

من‭ ‬المتابعة‭ ‬إلى‭ ‬المحاسبة

من‭ ‬أبرز‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬الزيارة‭ ‬تأكيد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬تحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تقصيره‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبه‭. ‬ويندرج‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬ضمن‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يكرسه‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمساءلة‭.‬

فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬أهدافه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬بقي‭ ‬التقصير‭ ‬دون‭ ‬محاسبة‭. ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬الانسجام‭ ‬التام‭ ‬والتنسيق‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الهياكل،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬شرطين‭ ‬جوهريين‭ ‬لنجاح‭ ‬مختلف‭ ‬السياسات‭ ‬التنموية‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لثقافة‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬تقييم‭ ‬المسؤولين‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الفعلية‭ ‬ومدى‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬جدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لطالما‭ ‬أكد،‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عديدة،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لثقافة‭ ‬العمل‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيمة‭ ‬أساسية‭ ‬لبلوغ‭ ‬التغيير‭ ‬المنشود‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجال‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬أبعاد‭ ‬الزيارة‭ ‬عند‭ ‬ملف‭ ‬المياه،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التحديات‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬تونس،‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت‭ ‬بمعتمدية‭ ‬قلعة‭ ‬الأندلس‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تقدم‭ ‬أشغال‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بوادي‭ ‬مجردة،‭ ‬الذي‭ ‬تتولى‭ ‬إنجازه‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للهندسة‭ ‬العسكرية‭.‬

استثمار‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار

وضمن‭ ‬هذا‭ ‬التمشي،‭ ‬شدد‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عاجلة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تهدر‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار،‭ ‬بما‭ ‬يطرح‭ ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية،‭ ‬تؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفيضانات‭ ‬تمثل‭ ‬موردا‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬توفر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المناسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تتحول‭ ‬مشاريع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬المياه،‭ ‬بما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬المخزون‭ ‬المائي‭ ‬الوطني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬البلاد‭.‬

كما‭ ‬ينسجم‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مع‭ ‬الدعوات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬السياسة‭ ‬المائية‭ ‬الوطنية‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التدخل‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاستباق‭ ‬والتخطيط‭ ‬بعيد‭ ‬المدى‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬ميز‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬توقف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬عند‭ ‬القنطرة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬بنائها‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1608،‭ ‬والتي‭ ‬تعرضت،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أكده،‭ ‬إلى‭ ‬الإهمال‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مصب‭ ‬للفضلات‭. ‬

وهنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الرسالة‭ ‬مجرد‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬ترميم‭ ‬معلم‭ ‬أثري،‭ ‬لتتجلى‭ ‬كدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للتراث‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬الدولة‭ ‬وتاريخها‭.‬

فالاهتمام‭ ‬بالمعالم‭ ‬التاريخية‭ ‬يعد‭ ‬استثمارا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وفي‭ ‬آليات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬تونس،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الحضاري‭ ‬أو‭ ‬السياحي‭ ‬أو‭ ‬الثقافي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أشمل‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إهمال‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الحضاري‭ ‬والثقافي‭.‬

‮«‬تاريخنا‭ ‬ليس‭ ‬للبيع‮»‬‭...‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬فإنه‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تاريخنا‭ ‬ليس‭ ‬للبيع‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتحدث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬أو‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يوجه‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬شاملة‭.‬

فالعبارة‭ ‬تحمل‭ ‬رفضا‭ ‬كليا‭ ‬لكل‭ ‬أشكال‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬أو‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬بالممتلكات‭ ‬العمومية‭.‬

كما‭ ‬تعكس‭ ‬تمسكا‭ ‬بمفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬باعتباره‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنضوي‭ ‬داخله‭ ‬مختلف‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬ظل‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬منذ‭ ‬توليه‭ ‬المسؤولية‭. ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬التمشي،‭ ‬يصبح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬امتدادا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬المستقل‭ ‬وتمسكا‭ ‬بالسيادة‭ ‬الوطنية‭.‬

الزيارات‭.. ‬آلية‭ ‬للتقييم

هذه‭ ‬الزيارة،‭ ‬تكشف‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬المعاينة‭ ‬الميدانية‭ ‬المباشرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيلة‭ ‬لتقييم‭ ‬واقع‭ ‬المشاريع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التقارير‭ ‬الإدارية‭ ‬المرفوعة‭.‬

ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الزيارات‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬الأشغال‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬الإشكاليات‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المسؤولين‭ ‬المحليين‭ ‬والإدارات‭ ‬المعنية‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الإنجاز‭ ‬الميداني‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬التقييم‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وأن‭ ‬زمن‭ ‬التراخي‭ ‬قد‭ ‬ولى‭ ‬وانتهى‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬مشاريع‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن،‭ ‬كالمياه‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات،‭ ‬يعكس‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للملفات‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬الواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬للتونسيين‭.‬

وتبرز‭ ‬الزيارة‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬باعتبارها‭ ‬ملفات‭ ‬منفصلة،‭ ‬وإنما‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلقات‭ ‬مترابطة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة‭ ‬لهيبتها‭.‬

فإصلاح‭ ‬المرافق‭ ‬العمومية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتسريع‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬وحماية‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬التراث،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬مترابطة‭ ‬داخل‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬واحدة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬نجاعة‭ ‬الأداء‭ ‬العمومي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتحول‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لمتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتوجيه‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬وإدارية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬فتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬السيادة‭ ‬والإنجاز،‭ ‬وبين‭ ‬حماية‭ ‬الثروات‭ ‬الوطنية‭ ‬وإصلاح‭ ‬الإدارة‭.‬

فالملف‭ ‬المائي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المشاريع‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالفيضانات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬منشآت‭ ‬هندسية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬آليات‭ ‬لحماية‭ ‬الموارد‭ ‬وضمان‭ ‬ديمومتها‭. ‬أما‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬فهي‭ ‬رصيد‭ ‬حضاري‭ ‬يعزز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬ويكرس‭ ‬استمرارية‭ ‬الدولة‭.‬

ولذلك‭ ‬جاءت‭ ‬مختلف‭ ‬محطات‭ ‬الزيارة‭ ‬مترابطة،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعتها،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مطالبة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬بحماية‭ ‬مواردها،‭ ‬وتحسين‭ ‬خدماتها،‭ ‬وصيانة‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المقصرين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬تكريسه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬تحركاته‭ ‬الميدانية‭.‬

نحو‭ ‬إدارة‭ ‬أكثر‭ ‬نجاعة

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الخضم،‭ ‬تعكس‭ ‬الزيارة‭ ‬استمرار‭ ‬توجه‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬نموذج‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬الميداني،‭ ‬والمتابعة‭ ‬المستمرة‭ ‬والمباشرة،‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬الإنجاز‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للملفات‭ ‬ذات‭ ‬البعد‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

كما‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬المشاريع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬المائي،‭ ‬وحماية‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وصيانة‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكونات‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬البيئية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتنموية‭.‬

وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الزيارة‭ ‬مجرد‭ ‬جولة‭ ‬تفقدية‭ ‬لمرفق‭ ‬عمومي‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬أشغال،‭ ‬بل‭ ‬شكلت‭ ‬محطة‭ ‬سياسية‭ ‬حملت‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬الواضحة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وحسن‭ ‬استغلال‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار،‭ ‬وحماية‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬المحاسبة،‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬محاور‭ ‬متكاملة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬نجاعة‭ ‬الدولة‭ ‬وصون‭ ‬سيادتها،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مسؤولية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬تجاه‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬ومقدراته‭.‬

 

منال‭ ‬حرزي

 

الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬بوابة‭ ‬الإصلاح.. تكريس‭ ‬لحضور‭ ‬الدولة‭ ‬وآلية‭ ‬للمساءلة

تبقى‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أنجع‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرمها،‭ ‬لتقييم‭ ‬سير‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬الكبرى‭ ‬ومدى‭ ‬تقدمها،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬التقارير‭ ‬الإدارية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬رصد‭ ‬الإخلالات‭ ‬وكل‭ ‬أشكال‭ ‬التقصير‭ ‬على‭ ‬عين‭ ‬المكان،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬التسريع‭ ‬من‭ ‬نسق‭ ‬الإنجاز‭ ‬عبر‭ ‬المتابعة‭ ‬المباشرة‭ ‬وتحميل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تندرج‭ ‬الزيارة‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بوادي‭ ‬مجردة‭ ‬بمنطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت،‭ ‬والتي‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬مضامينها‭ ‬مجرد‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تقدم‭ ‬سير‭ ‬الأشغال،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية،‭ ‬وحماية‭ ‬المنشآت‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أولويات‭ ‬وطنية‭ ‬تستوجب‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬التنسيق‭ ‬والنجاعة‭ ‬واليقظة‭.‬

كما‭ ‬عكست‭ ‬الزيارة‭ ‬رؤية‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لمرحلة‭ ‬يقتضي‭ ‬فيها‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬حضورا‭ ‬ميدانيا‭ ‬فاعلا‭ ‬للدولة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬متابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الإخلالات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تكريس‭ ‬مبدأ‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬جاءت‭ ‬الزيارة‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بمنطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت،‭ ‬لتكشف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المقاربة‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المعاينة‭ ‬المباشرة‭ ‬لمواقع‭ ‬الإنجاز،‭ ‬والمساءلة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تسريع‭ ‬نسق‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬وتحميل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تقصيره،‭ ‬بما‭ ‬يكرّس‭ ‬حضورا‭ ‬فعليا‭ ‬للدولة،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬نجاعة‭ ‬الأداء‭ ‬والإنجاز‭ ‬الملموس‭ ‬المعيار‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬عمل‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهياكل‭ ‬العمومية‭.‬

استهل‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬زيارته‭ ‬من‭ ‬مركّب‭ ‬المياه‭ ‬بغدير‭ ‬القلّة،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬اليوم‭ ‬بندرة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬والتغيرات‭ ‬المناخية،‭ ‬بما‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الملف‭ ‬المائي‭ ‬أصبح‭ ‬يحتل‭ ‬موقعا‭ ‬متقدما‭ ‬ضمن‭ ‬أولويات‭ ‬الدولة‭.‬

ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬الاهتمام‭ ‬على‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬للمحطة،‭ ‬وإنما‭ ‬توقف‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬نقائص‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬المحطة‭ ‬والأقاليم،‭ ‬مؤكدا‭ ‬ضرورة‭ ‬تلافي‭ ‬كل‭ ‬النقائص‭ ‬المرصودة‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬الآجال‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬الإشكال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطا‭ ‬فقط‭ ‬بالإنتاج‭ ‬أو‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بطريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬وتوزيعها‭ ‬وحسن‭ ‬التصرف‭ ‬فيها‭.‬

فالسياسة‭ ‬المائية‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬معالجات‭ ‬ظرفية،‭ ‬بما‭ ‬أنها‭ ‬تستوجب‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنسيق‭ ‬والنجاعة‭ ‬في‭ ‬التنفيذ،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الأمن‭ ‬المائي‭ ‬للمواطنين‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬الهدر‭ ‬والإخلال‭.‬

من‭ ‬المتابعة‭ ‬إلى‭ ‬المحاسبة

من‭ ‬أبرز‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬الزيارة‭ ‬تأكيد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬تحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تقصيره‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبه‭. ‬ويندرج‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬ضمن‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يكرسه‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمساءلة‭.‬

فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬أهدافه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬بقي‭ ‬التقصير‭ ‬دون‭ ‬محاسبة‭. ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬الانسجام‭ ‬التام‭ ‬والتنسيق‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الهياكل،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬شرطين‭ ‬جوهريين‭ ‬لنجاح‭ ‬مختلف‭ ‬السياسات‭ ‬التنموية‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لثقافة‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬تقييم‭ ‬المسؤولين‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الفعلية‭ ‬ومدى‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬جدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لطالما‭ ‬أكد،‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عديدة،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لثقافة‭ ‬العمل‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيمة‭ ‬أساسية‭ ‬لبلوغ‭ ‬التغيير‭ ‬المنشود‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجال‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬أبعاد‭ ‬الزيارة‭ ‬عند‭ ‬ملف‭ ‬المياه،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التحديات‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬تونس،‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬قنطرة‭ ‬بنزرت‭ ‬بمعتمدية‭ ‬قلعة‭ ‬الأندلس‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تقدم‭ ‬أشغال‭ ‬مشروع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬بوادي‭ ‬مجردة،‭ ‬الذي‭ ‬تتولى‭ ‬إنجازه‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للهندسة‭ ‬العسكرية‭.‬

استثمار‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار

وضمن‭ ‬هذا‭ ‬التمشي،‭ ‬شدد‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عاجلة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تهدر‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار،‭ ‬بما‭ ‬يطرح‭ ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية،‭ ‬تؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفيضانات‭ ‬تمثل‭ ‬موردا‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬توفر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المناسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تتحول‭ ‬مشاريع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬المياه،‭ ‬بما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬المخزون‭ ‬المائي‭ ‬الوطني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬البلاد‭.‬

كما‭ ‬ينسجم‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مع‭ ‬الدعوات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬السياسة‭ ‬المائية‭ ‬الوطنية‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التدخل‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاستباق‭ ‬والتخطيط‭ ‬بعيد‭ ‬المدى‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬ميز‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬توقف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬عند‭ ‬القنطرة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬بنائها‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1608،‭ ‬والتي‭ ‬تعرضت،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أكده،‭ ‬إلى‭ ‬الإهمال‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مصب‭ ‬للفضلات‭. ‬

وهنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الرسالة‭ ‬مجرد‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬ترميم‭ ‬معلم‭ ‬أثري،‭ ‬لتتجلى‭ ‬كدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للتراث‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬الدولة‭ ‬وتاريخها‭.‬

فالاهتمام‭ ‬بالمعالم‭ ‬التاريخية‭ ‬يعد‭ ‬استثمارا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وفي‭ ‬آليات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬تونس،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الحضاري‭ ‬أو‭ ‬السياحي‭ ‬أو‭ ‬الثقافي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أشمل‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إهمال‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الحضاري‭ ‬والثقافي‭.‬

‮«‬تاريخنا‭ ‬ليس‭ ‬للبيع‮»‬‭...‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬فإنه‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تاريخنا‭ ‬ليس‭ ‬للبيع‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتحدث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬أو‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يوجه‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬شاملة‭.‬

فالعبارة‭ ‬تحمل‭ ‬رفضا‭ ‬كليا‭ ‬لكل‭ ‬أشكال‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬أو‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬بالممتلكات‭ ‬العمومية‭.‬

كما‭ ‬تعكس‭ ‬تمسكا‭ ‬بمفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬باعتباره‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنضوي‭ ‬داخله‭ ‬مختلف‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬ظل‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬منذ‭ ‬توليه‭ ‬المسؤولية‭. ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬التمشي،‭ ‬يصبح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬امتدادا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬المستقل‭ ‬وتمسكا‭ ‬بالسيادة‭ ‬الوطنية‭.‬

الزيارات‭.. ‬آلية‭ ‬للتقييم

هذه‭ ‬الزيارة،‭ ‬تكشف‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬المعاينة‭ ‬الميدانية‭ ‬المباشرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيلة‭ ‬لتقييم‭ ‬واقع‭ ‬المشاريع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التقارير‭ ‬الإدارية‭ ‬المرفوعة‭.‬

ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الزيارات‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬الأشغال‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬الإشكاليات‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المسؤولين‭ ‬المحليين‭ ‬والإدارات‭ ‬المعنية‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الإنجاز‭ ‬الميداني‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬التقييم‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وأن‭ ‬زمن‭ ‬التراخي‭ ‬قد‭ ‬ولى‭ ‬وانتهى‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬مشاريع‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن،‭ ‬كالمياه‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬الفيضانات،‭ ‬يعكس‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للملفات‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬الواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬للتونسيين‭.‬

وتبرز‭ ‬الزيارة‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬باعتبارها‭ ‬ملفات‭ ‬منفصلة،‭ ‬وإنما‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلقات‭ ‬مترابطة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة‭ ‬لهيبتها‭.‬

فإصلاح‭ ‬المرافق‭ ‬العمومية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتسريع‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬وحماية‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬التراث،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬مترابطة‭ ‬داخل‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬واحدة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬نجاعة‭ ‬الأداء‭ ‬العمومي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتحول‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لمتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتوجيه‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬وإدارية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬فتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬السيادة‭ ‬والإنجاز،‭ ‬وبين‭ ‬حماية‭ ‬الثروات‭ ‬الوطنية‭ ‬وإصلاح‭ ‬الإدارة‭.‬

فالملف‭ ‬المائي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المشاريع‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالفيضانات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬منشآت‭ ‬هندسية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬آليات‭ ‬لحماية‭ ‬الموارد‭ ‬وضمان‭ ‬ديمومتها‭. ‬أما‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬فهي‭ ‬رصيد‭ ‬حضاري‭ ‬يعزز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬ويكرس‭ ‬استمرارية‭ ‬الدولة‭.‬

ولذلك‭ ‬جاءت‭ ‬مختلف‭ ‬محطات‭ ‬الزيارة‭ ‬مترابطة،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعتها،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مطالبة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬بحماية‭ ‬مواردها،‭ ‬وتحسين‭ ‬خدماتها،‭ ‬وصيانة‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المقصرين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬إلى‭ ‬تكريسه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬تحركاته‭ ‬الميدانية‭.‬

نحو‭ ‬إدارة‭ ‬أكثر‭ ‬نجاعة

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الخضم،‭ ‬تعكس‭ ‬الزيارة‭ ‬استمرار‭ ‬توجه‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬نموذج‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬الميداني،‭ ‬والمتابعة‭ ‬المستمرة‭ ‬والمباشرة،‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬الإنجاز‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للملفات‭ ‬ذات‭ ‬البعد‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

كما‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬المشاريع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬المائي،‭ ‬وحماية‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وصيانة‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكونات‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬البيئية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتنموية‭.‬

وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الزيارة‭ ‬مجرد‭ ‬جولة‭ ‬تفقدية‭ ‬لمرفق‭ ‬عمومي‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬أشغال،‭ ‬بل‭ ‬شكلت‭ ‬محطة‭ ‬سياسية‭ ‬حملت‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬الواضحة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وحسن‭ ‬استغلال‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار،‭ ‬وحماية‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬المحاسبة،‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬محاور‭ ‬متكاملة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬نجاعة‭ ‬الدولة‭ ‬وصون‭ ‬سيادتها،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مسؤولية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬تجاه‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬ومقدراته‭.‬

 

منال‭ ‬حرزي