إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين الميدان واليونسكو.. وزارة الشؤون الثقافية تكشف أسباب تأخر تسجيل الجبة التونسية

تونس - الصباح

لم يكن السؤال الكتابي الذي وجهته النائب سيرين مرابط إلى وزيرة الشؤون الثقافية مجرد استفسار عن سبب عدم إيداع ملف "الجبة التونسية" و"قمجة المهدية" لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قبل موفى شهر مارس الماضي، بقدر ما فتح نافذة على واحدة من أكثر ملفات التراث اللامادي تعقيدا في تونس، وكشف، عبر الرد الرسمي الصادر عن وزارة الشؤون الثقافية، أن تسجيل عنصر تراثي بحجم الجبة لا يقتصر على تحرير ملف إداري أو استكمال بعض الوثائق، وإنما هو مشروع وطني واسع يمتد من أرشيف الباحثين إلى ورشات الحرفيين، ومن القرى الجبلية إلى المدن الساحلية، ومن ذاكرة كبار السن إلى شهادات الشباب الذين ما يزالون يحافظون على هذا اللباس باعتباره جزءا من هويتهم اليومية والاحتفالية.

إيمان عبد اللطيف

وجاء السؤال البرلماني في توقيت حساس، تزامن مع اقتراب الموعد السنوي الذي تعتمده اليونسكو لتلقي الملفات الجاهزة للتقييم، وهو ما أثار مخاوف من ضياع فرصة جديدة لتسجيل أحد أهم رموز اللباس التقليدي التونسي. غير أن وزارة الشؤون الثقافية أوضحت في ردها الرسمي أن تاريخ 31 مارس ليس أجلا نهائيا يسقط بعده حق الدولة في تقديم الملف، بل هو موعد يعتمد لتقييم الملفات خلال السنة نفسها، بينما يظل بالإمكان تقديم الملف في أي موعد لاحق دون فقدان حق الترشح، وهو توضيح يبدد جانبا من المخاوف، لكنه، في المقابل، يسلط الضوء على السؤال الأهم: لماذا لم يكن الملف جاهزا، رغم الحديث عنه منذ سنوات؟

تكشف بطاقة الإجابة التي أعدها المعهد الوطني للتراث، والمرفقة برد الوزارة، أن السبب لا يعود إلى تعطيلات إدارية أو إلى نقص في الإرادة السياسية، وإنما إلى طبيعة العنصر نفسه. فالجبة ليست لباسا محليا يقتصر على مدينة أو جهة بعينها حتى يكون توثيقه محدودا جغرافيا، بل هي موروث ينتشر في مختلف أنحاء البلاد، وتحمل كل منطقة بصمتها الخاصة في القصات والأقمشة والزخارف وتقنيات الخياطة وألوان التطريز ومناسبات الارتداء، وهو ما يجعل إعداد الملف أكثر تعقيدا مقارنة بعناصر سبق لتونس تسجيلها، مثل فخار سجنان أو الصيد بالشرفية بجزر قرقنة، حيث ارتبط كل عنصر بمجال جغرافي واضح ومجتمع محلي محدد.

ولعل أهم ما كشفه الرد الرسمي هو أن الحديث عن "الجبة التونسية" لا يعني، في الواقع، قطعة واحدة من اللباس، وإنما منظومة كاملة من الأزياء التقليدية المتشابكة. فالجبة ترتبط عضويا بالشاشية والفرملة والمنتان والسروال والبلغة، وهي عناصر لا يمكن فصلها عنها عند تقديم الملف إلى اليونسكو، لأنها تشكل معا هوية اللباس التقليدي التونسي. كما أن هذه المكونات نفسها تتفرع إلى أنواع عديدة تختلف حسب المواد المستعملة، فمنها ما يصنع من الصوف أو الوبر أو الحرير أو الملف، ولكل مادة تقنياتها الخاصة في النسج والخياطة والتزيين، فضلا عن اختلاف استعمالاتها بين المناسبات الاجتماعية والأعياد والأفراح والاحتفالات الدينية.

وتبرز هنا إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه الفريق المكلف بإعداد الملف، وهي ضرورة التوفيق بين التنوع المحلي والوحدة الوطنية. فاليونسكو لا تطلب مجرد وصف لقطعة لباس، بل تشترط إثبات أن العنصر يمثل مجتمعا كاملا، وأنه ما يزال تراثا حيا تمارسه الأجيال المختلفة، وأن نقله من جيل إلى آخر يتم بصورة طبيعية داخل المجتمع. وهذا يعني أن معدي الملف مطالبون بتوثيق حضور الجبة في الشمال والوسط والجنوب والساحل والداخل، مع احترام الخصوصيات المحلية لكل جهة، دون أن يتحول الملف إلى مجموعة عناصر منفصلة تفقده انسجامه الوطني.

ومن هذا المنطلق، يصبح العمل الميداني المرحلة الأكثر صعوبة. فالمعهد الوطني للتراث مطالب بإنجاز مسح واسع في مختلف ولايات الجمهورية، يتضمن مقابلات مع الحرفيين والخياطين وصناع الشاشية وصانعي البلغة وجامعي التراث والباحثين والجمعيات الثقافية، إضافة إلى توثيق الممارسات الحية بالصوت والصورة، وجمع الروايات الشفوية حول تطور هذا اللباس ووظائفه الاجتماعية والرمزية. وهو عمل يحتاج إلى فرق بحث متعددة التخصصات، وإلى تنقلات ميدانية وتجهيزات تقنية وميزانية معتبرة، بما يفسر حديث الوزارة عن الحاجة إلى موارد بشرية ومادية ولوجستية مهمة.

ولا يتوقف الأمر عند البحث الميداني، بل يمتد إلى الجانب العلمي الذي يفرض إعداد بيبليوغرافيا دقيقة وشاملة، تجمع كل الدراسات والمراجع التاريخية والأنثروبولوجية المتعلقة بالجبة ومكوناتها، حتى يكون الملف مستندا إلى قاعدة معرفية راسخة. كما يتعين تعمير استمارات اليونسكو باللغة العربية والفرنسية، وفق معايير تقنية صارمة، وهي عملية تتطلب دقة كبيرة، لأن أي نقص أو خلل في المعطيات قد يؤدي إلى طلب استكمال الملف أو تأجيل النظر فيه.

ومن بين أكثر الشروط التي تبدو مجهولة لدى الرأي العام، تلك المتعلقة بالحصول على موافقات الممارسين أنفسهم. فاليونسكو تعتبر أن عناصر التراث اللامادي ليست ملكا للدولة، وإنما هي ملك للمجتمعات التي تمارسها وتحافظ عليها. ولذلك لا يكفي أن تعلن الوزارة رغبتها في تسجيل الجبة، بل يجب أن تقدم موافقات موثقة، مكتوبة وسمعية وبصرية، من الحرفيين والخياطين والجمعيات المهنية والفاعلين الثقافيين الذين يمثلون هذا التراث، تأكيدا لمشاركتهم في إعداد الملف وقبولهم بعملية التسجيل الدولية.

كما يفرض الملف إنتاج شريط وثائقي لا تتجاوز مدته عشر دقائق، لكنه يمثل، في الواقع، خلاصة سنوات من العمل، إذ يجب أن يعكس خصائص الجبة وانتشارها في البلاد، ودور النساء والشباب في المحافظة عليها، وعلاقتها بالتنمية المحلية والصناعات التقليدية واستمراريتها كتراث حي. وهي مهمة ليست تقنية فحسب، بل تتطلب رؤية إخراجية قادرة على اختزال تاريخ طويل في دقائق معدودة.

ويكشف هذا المسار أن تسجيل الجبة يتجاوز فكرة المنافسة مع دول أخرى حول ملكية اللباس التقليدي، ليتحول إلى مشروع وطني لإعادة اكتشاف الذات. فكل زيارة ميدانية، وكل مقابلة مع حرفي، وكل قطعة قماش يتم توثيقها، تضيف معلومة جديدة إلى ذاكرة البلاد، وتسهم في حفظ معارف قد تكون مهددة بالاندثار، بفعل تقلص عدد الحرفيين وتغير أنماط العيش والاستهلاك.

ولعل الرسالة الأبرز التي حملها الرد الرسمي تتمثل في تأكيد أن الملف سيقدم باسم "الجبة التونسية" كملف وطني خالص، دون إشراك أي دولة أخرى، وهو خيار يعكس قناعة المؤسسات الثقافية بأن هذا اللباس يمثل أحد أبرز رموز الهوية التونسية. كما عبرت الوزارة عن تفاؤلها بأن يحظى الملف، عند استكماله، بفرص قوية للتسجيل في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بالنظر إلى الدعم المجتمعي الواسع الذي يحظى به، وإلى مكانة الجبة في الوجدان التونسي.

 

بين الميدان واليونسكو.. وزارة الشؤون الثقافية  تكشف أسباب تأخر تسجيل الجبة التونسية

تونس - الصباح

لم يكن السؤال الكتابي الذي وجهته النائب سيرين مرابط إلى وزيرة الشؤون الثقافية مجرد استفسار عن سبب عدم إيداع ملف "الجبة التونسية" و"قمجة المهدية" لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قبل موفى شهر مارس الماضي، بقدر ما فتح نافذة على واحدة من أكثر ملفات التراث اللامادي تعقيدا في تونس، وكشف، عبر الرد الرسمي الصادر عن وزارة الشؤون الثقافية، أن تسجيل عنصر تراثي بحجم الجبة لا يقتصر على تحرير ملف إداري أو استكمال بعض الوثائق، وإنما هو مشروع وطني واسع يمتد من أرشيف الباحثين إلى ورشات الحرفيين، ومن القرى الجبلية إلى المدن الساحلية، ومن ذاكرة كبار السن إلى شهادات الشباب الذين ما يزالون يحافظون على هذا اللباس باعتباره جزءا من هويتهم اليومية والاحتفالية.

إيمان عبد اللطيف

وجاء السؤال البرلماني في توقيت حساس، تزامن مع اقتراب الموعد السنوي الذي تعتمده اليونسكو لتلقي الملفات الجاهزة للتقييم، وهو ما أثار مخاوف من ضياع فرصة جديدة لتسجيل أحد أهم رموز اللباس التقليدي التونسي. غير أن وزارة الشؤون الثقافية أوضحت في ردها الرسمي أن تاريخ 31 مارس ليس أجلا نهائيا يسقط بعده حق الدولة في تقديم الملف، بل هو موعد يعتمد لتقييم الملفات خلال السنة نفسها، بينما يظل بالإمكان تقديم الملف في أي موعد لاحق دون فقدان حق الترشح، وهو توضيح يبدد جانبا من المخاوف، لكنه، في المقابل، يسلط الضوء على السؤال الأهم: لماذا لم يكن الملف جاهزا، رغم الحديث عنه منذ سنوات؟

تكشف بطاقة الإجابة التي أعدها المعهد الوطني للتراث، والمرفقة برد الوزارة، أن السبب لا يعود إلى تعطيلات إدارية أو إلى نقص في الإرادة السياسية، وإنما إلى طبيعة العنصر نفسه. فالجبة ليست لباسا محليا يقتصر على مدينة أو جهة بعينها حتى يكون توثيقه محدودا جغرافيا، بل هي موروث ينتشر في مختلف أنحاء البلاد، وتحمل كل منطقة بصمتها الخاصة في القصات والأقمشة والزخارف وتقنيات الخياطة وألوان التطريز ومناسبات الارتداء، وهو ما يجعل إعداد الملف أكثر تعقيدا مقارنة بعناصر سبق لتونس تسجيلها، مثل فخار سجنان أو الصيد بالشرفية بجزر قرقنة، حيث ارتبط كل عنصر بمجال جغرافي واضح ومجتمع محلي محدد.

ولعل أهم ما كشفه الرد الرسمي هو أن الحديث عن "الجبة التونسية" لا يعني، في الواقع، قطعة واحدة من اللباس، وإنما منظومة كاملة من الأزياء التقليدية المتشابكة. فالجبة ترتبط عضويا بالشاشية والفرملة والمنتان والسروال والبلغة، وهي عناصر لا يمكن فصلها عنها عند تقديم الملف إلى اليونسكو، لأنها تشكل معا هوية اللباس التقليدي التونسي. كما أن هذه المكونات نفسها تتفرع إلى أنواع عديدة تختلف حسب المواد المستعملة، فمنها ما يصنع من الصوف أو الوبر أو الحرير أو الملف، ولكل مادة تقنياتها الخاصة في النسج والخياطة والتزيين، فضلا عن اختلاف استعمالاتها بين المناسبات الاجتماعية والأعياد والأفراح والاحتفالات الدينية.

وتبرز هنا إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه الفريق المكلف بإعداد الملف، وهي ضرورة التوفيق بين التنوع المحلي والوحدة الوطنية. فاليونسكو لا تطلب مجرد وصف لقطعة لباس، بل تشترط إثبات أن العنصر يمثل مجتمعا كاملا، وأنه ما يزال تراثا حيا تمارسه الأجيال المختلفة، وأن نقله من جيل إلى آخر يتم بصورة طبيعية داخل المجتمع. وهذا يعني أن معدي الملف مطالبون بتوثيق حضور الجبة في الشمال والوسط والجنوب والساحل والداخل، مع احترام الخصوصيات المحلية لكل جهة، دون أن يتحول الملف إلى مجموعة عناصر منفصلة تفقده انسجامه الوطني.

ومن هذا المنطلق، يصبح العمل الميداني المرحلة الأكثر صعوبة. فالمعهد الوطني للتراث مطالب بإنجاز مسح واسع في مختلف ولايات الجمهورية، يتضمن مقابلات مع الحرفيين والخياطين وصناع الشاشية وصانعي البلغة وجامعي التراث والباحثين والجمعيات الثقافية، إضافة إلى توثيق الممارسات الحية بالصوت والصورة، وجمع الروايات الشفوية حول تطور هذا اللباس ووظائفه الاجتماعية والرمزية. وهو عمل يحتاج إلى فرق بحث متعددة التخصصات، وإلى تنقلات ميدانية وتجهيزات تقنية وميزانية معتبرة، بما يفسر حديث الوزارة عن الحاجة إلى موارد بشرية ومادية ولوجستية مهمة.

ولا يتوقف الأمر عند البحث الميداني، بل يمتد إلى الجانب العلمي الذي يفرض إعداد بيبليوغرافيا دقيقة وشاملة، تجمع كل الدراسات والمراجع التاريخية والأنثروبولوجية المتعلقة بالجبة ومكوناتها، حتى يكون الملف مستندا إلى قاعدة معرفية راسخة. كما يتعين تعمير استمارات اليونسكو باللغة العربية والفرنسية، وفق معايير تقنية صارمة، وهي عملية تتطلب دقة كبيرة، لأن أي نقص أو خلل في المعطيات قد يؤدي إلى طلب استكمال الملف أو تأجيل النظر فيه.

ومن بين أكثر الشروط التي تبدو مجهولة لدى الرأي العام، تلك المتعلقة بالحصول على موافقات الممارسين أنفسهم. فاليونسكو تعتبر أن عناصر التراث اللامادي ليست ملكا للدولة، وإنما هي ملك للمجتمعات التي تمارسها وتحافظ عليها. ولذلك لا يكفي أن تعلن الوزارة رغبتها في تسجيل الجبة، بل يجب أن تقدم موافقات موثقة، مكتوبة وسمعية وبصرية، من الحرفيين والخياطين والجمعيات المهنية والفاعلين الثقافيين الذين يمثلون هذا التراث، تأكيدا لمشاركتهم في إعداد الملف وقبولهم بعملية التسجيل الدولية.

كما يفرض الملف إنتاج شريط وثائقي لا تتجاوز مدته عشر دقائق، لكنه يمثل، في الواقع، خلاصة سنوات من العمل، إذ يجب أن يعكس خصائص الجبة وانتشارها في البلاد، ودور النساء والشباب في المحافظة عليها، وعلاقتها بالتنمية المحلية والصناعات التقليدية واستمراريتها كتراث حي. وهي مهمة ليست تقنية فحسب، بل تتطلب رؤية إخراجية قادرة على اختزال تاريخ طويل في دقائق معدودة.

ويكشف هذا المسار أن تسجيل الجبة يتجاوز فكرة المنافسة مع دول أخرى حول ملكية اللباس التقليدي، ليتحول إلى مشروع وطني لإعادة اكتشاف الذات. فكل زيارة ميدانية، وكل مقابلة مع حرفي، وكل قطعة قماش يتم توثيقها، تضيف معلومة جديدة إلى ذاكرة البلاد، وتسهم في حفظ معارف قد تكون مهددة بالاندثار، بفعل تقلص عدد الحرفيين وتغير أنماط العيش والاستهلاك.

ولعل الرسالة الأبرز التي حملها الرد الرسمي تتمثل في تأكيد أن الملف سيقدم باسم "الجبة التونسية" كملف وطني خالص، دون إشراك أي دولة أخرى، وهو خيار يعكس قناعة المؤسسات الثقافية بأن هذا اللباس يمثل أحد أبرز رموز الهوية التونسية. كما عبرت الوزارة عن تفاؤلها بأن يحظى الملف، عند استكماله، بفرص قوية للتسجيل في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بالنظر إلى الدعم المجتمعي الواسع الذي يحظى به، وإلى مكانة الجبة في الوجدان التونسي.