إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في المجلس الوطني للجهات والأقاليم.. جلسة عامة للنظر في مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030

تونس- الصباح  

بعد مصادقة مجلس نواب الشعب يوم الجمعة 10 جويلية 2026 على مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026- 2030 بـ 64 نعم و15 محتفظ و24 لا، عقد المجلس الوطني للجهات والأقاليم أمس 17 جويلية 2026 جلسة عامة بحضور سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط وعدد من أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، خصصت للنظر في نفس المشروع الوارد في فصل وحيد.

وقبل النقاش تم عرض تقرير شامل حول مشروع مخطط التنمية أعدته لجنة المخططات التنموية التي يرأسها النائب محمد الكو. وكانت هذه اللجنة قد شرعت في الاستعدادات لدراسة المشروع بصفة مبكرة ونظمت عديد الاجتماعات التحضيرية وجلسات الاستماع إلى بعض الأطراف المعنية، كما تم مؤخرا عقد جلسات مسترسلة بإشراف رئيس المجلس عماد الدربالي خصصت للاستماع إلى وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ حول هذا المشروع. إذ قدم الوزير أمام أعضاء المجلس النيابي الوثائق الملحقة بمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030، حيث تم التداول في بداية الأمر حول التوجهات الكبرى بمشروع مخطط التنمية وأهدافه. 

 

توجهات كبرى

 

وتتمثل التوجهات الكبرى لمخطط التنمية في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتحسين مؤشر التنمية البشرية، وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، وتحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي والحفاظ على بيئة سليمة وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرافق العمومية، وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الأول المتعلق بضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة في تدعيم رأس المال البشري وضمان العمل اللائق وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي ودعم الترابط الأسري والتضامن بين الأجيال وتمكين الشباب والسكن الاجتماعي، في حين تتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الثاني في تحقيق تنمية مجالية متوازنة: مجالات ترابية قادرة على إدارة شأنها التنموي، ومجالات ترابية داعمة للعدالة الاجتماعية ورأس المال البشري، ومجالات ترابية صامدة أمام التحديات البيئية والمناخية، ومجالات ترابية رافعة للحركية الاقتصادية، ومجالات ترابية مكرسة للاندماج والتكامل والتضامن فيما بينها. أما الأهداف المرسومة في إطار التوجه الثالث المتعلق بتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية فتتمثل في إعادة تأهيل وتطوير القطاعات المنتجة، والاقتصاد الرقمي والنهوض بالقطاعات الواعدة، والنهوض بالاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الرابع في تحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي والمحافظة على بيئة سلمية تكمن أساسا في تحقيق الأمن الغذائي والمائي وتعزيز الاستقلالية الطاقية والحد من التلوث والمحافظة على البيئة والتنوع البيولوجي. وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الخامس المتعلق بتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام في تطوير الإطار التشريعي والرفع من أداء الإدارة وهيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية وتطوير المنظومات العدلية والأمنية والعسكرية والسياسة الخارجية.

 

المخطط المجالي

 

وإثر نقاش التوجهات الكبرى بمشروع مخطط التنمية وأهدافه تم المرور إلى الوثيقة الثانية وهي المخطط المجالي حيث اختارت لجنة المخططات التنموية تدارس البرامج والمشاريع المبرمجة في كل إقليم من الأقاليم الخمسة وفي كل جهة من الجهات الراجعة بالنظر إلى الإقليم المعني على حدة مع تشريك نواب الأقاليم في النقاش، إذ بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط تم النظر خلال ثلاثة أيام متتالية في مشروع مخطط التنمية المجالية، وتم في اليوم الأول النظر في مخطط الإقليم الأول والجهات التي تعود بالنظر إلى هذا الإقليم وهي ولايات جندوبة والكاف وباجة وبنزرت، ثم تم النظر في مشروع مخطط التنمية المجالية بالإقليم الثاني الذي يضم ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة ونابل وزغوان. أما في اليوم الموالي فتم النظر في مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الثالث الذي يتكون من جهات سليانة وسوسة والقصرين والقيروان والمنستير والمهدية ثم تم النظر إثر ذلك في مشروع مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الرابع الذي يضم جهات توزر وسيدي بوزيد وصفاقس وقفصة، وتم في اليوم الأخير النظر في مشروع مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الخامس الذي يضم جهات تطاوين وقابس وقبلي ومدنين.

وقالت مقررة لجنة المخططات التنموية سعيدة شقير إن الغاية من هذه المنهجية هي مزيد التعمق في خصوصيات كل إقليم وكل جهة، كما تضمن التقرير الذي تمت تلاوته قبل المرور إلى النقاش العام لمشروع مخطط التنمية حوصلة لأراء النواب حول المشاريع المبرمجة في جهاتهم وأقاليمهم إضافة إلى مقترحاتهم وتوصياتهم وردود وزير الاقتصاد والتخطيط على استفساراتهم. 

 

السياسات التنموية

 

كما تضمن تقرير لجنة المخططات التنموية الذي تم عرضه أمس على أنظار الجلسة العامة للمجلس الوطني للجهات والأقاليم حصيلة أشغال جلسة اللجنة المخصصة للنظر في وثيقة السياسات التنموية بمشروع مخطط التنمية التي قدمها وزير الاقتصاد والتخطيط، وتقوم السياسات التنموية بهذا المشروع على أربعة محاور كبرى تتمثل في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة، وتحديث الإطار المؤسساتي وتعزيز نجاعة المرفق العام. وللتذكير في هذا السياق فقد جاء في ديباجة الوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية لمخطط التنمية 2026ـ 2030 أن هذه السياسات تنصهر ضمن الخيارات الوطنية الكبرى الرامية إلى الاستجابة لاستحقاقات الشعب التي كفلها الدستور ولمطالبه المشروعة في العيش الكريم وتجسد مضامين سياسات التنمية بالخصوص أولية تدعيم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وفتح الآفاق لكل التونسيين وتعزيز قدرات النسيج الاقتصادي وتنافسيته وتدعيم القدرة على الصمود والمحافظة على ديمومة الموارد الطبيعية وبيئة سليمة، وتم اعداد السياسات التنموية ضمن سياق التخطيط التصاعدي الذي قطع مع المركزية المفرطة ويعتمد على التشخيص المعمق لواقع الجهات والأقاليم ويضع إرادة المجالس المنتخبة ومقترحاتها كأساس لرسم الأولويات إلى جانب الاعتماد على الاستراتيجيات الوطنية والقطاعية والدراسات والتحاليل الخاصة بمختلف المجالات مع الحرص على تحقيق التكامل بين الرؤى القطاعية والواقع الميداني. 

وركزت وثيقة المخطط المخصص للسياسات التنموية على ضبط الأولويات والأهداف الإستراتيجية ومضامين الإصلاحات والبرامج والمشاريع العمومية التي تم إعدادها طبقا لمقتضيات تحسين نجاعة الأداء التنموي وتأمين الانسجام بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والغاية من ذلك إحداث أثر ملموس في حياة المواطن والفاعل الاقتصادي وفك العزلة عن الطاقات الكامنة وفتح آفاق تنموية أرحب بتونس. وسترتكز السياسة الاجتماعية للدولة على تعزيز التماسك الاجتماعي وتحقيق الرفاه من خلال تكريس تكافؤ الفرص لكل التونسيين وفي الجهات عبر توسيع خدمات الحماية والإحاطة لتشمل كافة الفئات ورعاية الأسرة والمرأة والطفل وكبار السن وذوي الإعاقة وتوفير السكن اللائق والتشغيل النفاذ إليه وتحسين نجاعة الآليات والبرامج الرامية إلى التمكين الاقتصادي وخلق مواطن الشغل وكسب الرزق. ولتنمية الموارد البشرية سيتم القيام بإصلاحات وانجاز مشاريع متعددة في مجالات الصحة والتربية والتعليم العالي والتكوين والشباب والرياضة والثقافة. 

ويستند تجسيم الأولويات الرئيسية لسياسة التنمية إلى مفهوم الأمن القومي الشامل عبر تحقيق الأمن الغذائي والمائي وتنفيذ استراتيجيات استباقية لمواجهة الشح المائي وتحسين مردودية الأنشطة الفلاحية وتعزيز الأمن الطاقي بما يؤدي إلى تقليص العجز التجاري والتبعية للخارج من خلال الاستفادة من القدرات الهامة للطاقات المتجددة. ويشكل التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي مقوما رئيسيا لدفع التنمية والاندماج في سلاسل القيمة الدولية وتعزيز مقومات الحوكمة الرشيدة من خلال إقرار تعميم رقمنة الخدمات الإدارية وتوفير المساندة والمرافقة لدفع التجديد والابتكار والتأهيل التكنولوجي للنسيج الاقتصادي الوطني.

ولكسب رهان تطوير النسيج الاقتصادي وتحسين أدائه تمت الإشارة في نفس الوثيقة إلى أنه سيتم العمل بالخصوص على مزيد دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتنفيذ إستراتيجية متكاملة للنهوض بها ودفع الأنشطة الواعدة وتنمية كل قطاعات الإنتاج التقليدية والعمل على تطوير منظومة الاستثمار ومناخ الأعمال وتوسيع الشراكات لاستقطاب الاستثمار الخارجي وتثمين مجهود البحث العلمي وتعزيز خدمات المساندة الفنية مع تفعيل الأقطاب التكنولوجية والصناعية من أجل تشجيع التجديد بهدف رفع القيمة المضافة ومزيد الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويشكل تطوير البنية التحتية والموانئ التجارية والطرقات والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية عنصرا محوريا لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجاذبيته للاستثمار. وتظل حماية البيئة والمحافظة على سلامة المنظومات الإيكولوجية من أهم الأولويات الوطنية وينبني تحقيق الرهانات المطروحة على تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية في هذا المجال خاصة المتعلقة منها بتطوير منظومات التصرف في النفايات وبناء وتوسيع شبكات التطهير ورفع نسبة استعمال المياه المعالجة ومجابهة التغيرات المناخية عبر حماية المدن من الفيضانات ومقاومة الانجراف البحري، فرؤية الدولة تتجاوز المعالجة التقنية نحو مقاربة اقتصادية خضراء تحول التحديات البيئية إلى رافعة للتنمية من خلال التشجيع على إحداث المشاريع المتجددة والمبتكرة في مجالات الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق بما يشمن التوظيف الأمثل للموارد الطبيعية ويخلق فرص عمل لائقة للشباب. 

وحرصا على مزيد الارتقاء بجودة الخدمات المسداة للمواطن وتحسين مقومات مناخ الأعمال مع تعزيز الدور التعديلي والرقابي للهياكل العمومية ستعنى الإصلاحات المدرجة بالمخطط بتحسين أداء الوظيفة العمومية وتطوير المرفق الإداري من خلال تعميم الرقمنة وتعزيز قيم النزاهة والحوكمة الرشيدة وتنمية كفاءات العون العمومي بما يساعد على استئصال البيروقراطية فضلا عن تدعيم أجهزة الرقابة لضمان الشفافية، كما سيتسنى تقريب الخدمات من كافة المواطنين دون تمييز عبر دور خدمات جديدة بعديد المناطق الداخلية تأكيدا لمبدأ الإنصاف والعدالة الاجتماعية بما يساهم في تحوير الإدارة إلى محرك للاستثمار والمبادرة الخاصة. 

ودعما للسياسات الأفقية ستتواصل الإصلاحات الرامية إلى تعزيز وظائف الأمن والدفاع والعدل بالنجاعة المطلوبة في إطار السيادة الوطنية وللمحافظة على الممتلكات والأشخاص وتكريس احترام القانون كما سيتم العمل على توظيف فرص التعاون الدولي المالي والفني وتعزيز التعاون الدولي الثنائي والتعاون الإقليمي ومتعدد الأطراف بروح الندية والشراكة الإستراتيجية مع الارتقاء بالدبلوماسية الاقتصادية لمساندة مجالات التنمية واستقطاب المشاريع الاستثمارية النوعية وفتح أسواق جديدة للمؤسسات التونسية فالهدف هو تنويع الشراكات بما يخدم المصلحة العليا للبلاد والالتزام بحماية حقوق التونسيين بالخارج وتوطيد روابطهم بالوطن .

وتؤسس السياسات التنموية الخماسية القادمة لمرحلة جديدة تجعل المواطن محور العملية التنموية وتكرس التوازن والاندماج بين الجهات والأقاليم وتحويل كل شبر من تراب الوطن إلى قطب جاذب للاستثمار ومنتج للثروة ولخلق حركية اقتصادية محلية تستفيد من الخصوصيات الجهوية وصولا إلى اندماج وطني شامل يحقق الرخاء المشترك ويقلص الفوارق التنموية.

 

توصيات كثيرة

 

وخلصت مقررة لجنة المخططات التنموية سعيدة شقير إلى تقديم كم كبير من التوصيات التي رفعتها اللجنة بمناسبة تعهدها بدراسة مشروع مخطط التنمية منها على سبيل الذكر، القيام بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية بما يضمن بيئة ملائمة لتنفيذ المشاريع المبرمجة، وتطوير منظومة الحوكمة المحلية وتسوية الإشكاليات العقارية، والرفع من نسبة انجاز المشاريع واعتماد رزنامة واضحة للمشاريع الكبرى واستكمال الدراسات قبل انجاز المشاريع، ووضع منظومة للمتابعة والتقييم، واعتماد معايير شفافية لتوزيع الاستثمارات العمومية بما يكرس العدالة الاجتماعية ويقلص التفاوت بين الجهات. 

وأوصت اللجنة بتطوير الأقطاب الاقتصادية وبناء سلاسل قيمة متكاملة وتعزيز الاقتصاد الرقمي وتثمين الموارد المنجمية وغيرها ووضع رؤية وطنية متكاملة لتحقيق الأمن الغذائي والمائي ودعم البحث العلمي الفلاحي، فضلا عن تنويع مصادر تمويل المخطط وتوسيع الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وإصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية وتنمية الرأسمال البشري بإصلاح منظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني وربط التعليم والتكوين بحاجبات سوق الشغل والارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتقريبها من المواطن. كما أوصت اللجنة بإعداد إستراتيجية وطنية للنهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة ودعم المؤسسات الناشئة وتكريس دور المجلس النيابي في متابعة وتقييم انجاز مخطط التنمية وإرساء منصة رقمية لمتابعة الانجاز وغيرها من التوصيات. 

 

محفظة المشاريع 

 

 وخلال النقاش العام لمشروع مخطط التنمية لاحظ بعض أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم أنه رغم اعتماد التخطيط التصاعدي لم يقع إدراج العديد من المشاريع التي اقترحتها المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، كما ألقوا باللائمة على وزارة الاقتصاد والتخطيط لأن مجلسهم لم يشارك بالقدر الكافي في مرحلة إعداد هذا المشروع وهناك من بين أن المخطط لا يعبر عن انتظارات المواطن بعد 25 جويلية. وبين جل النواب أنه كان لا بد من تبني رؤية تنموية شاملة وبرمجة مشاريع كبرى وعدم الاكتفاء بمشاريع القرب فضلا عن منح الأهمية القصوى للنهوض بقطاعات الفلاحة والصناعة والسياحة وتطوير الخدمات المقدمة إلى المواطن مع العمل على تحقيق الثورة الثقافية المنشودة. 

واعتبر بعض نواب المجلس الوطني للجهات والأقاليم أن توزيع المشاريع المبرمجة في مخطط التنمية لم يعكس قدرات جهاتهم الحقيقية على استقطاب الاستثمار، وطالبوا باعتماد مقاربة أكثر إنصافا في توزيع الإعتمادات على الجهات، كما عدد جل النواب النقائص التي تشكو منها جهاتهم بمدنها وقراها وأريافها المعزولة والمهمشة على جميع المستويات، وطالبوا بتحسين خدمات المرفق العام في كافة أنحاء البلاد من صحة وتعليم ونقل وسكن اجتماعي وصيانة هذه المرافق في كل المعتمديات، ودعوا بالخصوص إلى تحسين البنية التحتية وإنشاء الطرقات والمسالك الفلاحية وفك العزلة عن متساكني العديد من المناطق الريفية والمناطق الحدودية، والحد من الفقر والبطالة وهجرة الشباب. 

ولاحظ بعض النواب أنه تم إدراج مشاريع بالمخطط تهم جهاتهم لكنها في حقيقة الأمر مشاريع قديمة معطلة أو مدرجة في مخططات تنموية سابقة. كما طالب أعضاء الغرفة النيابية الثانية بتمكينهم من محفظة المشاريع المبرمجة في كافة الجهات والأقاليم للفترة 2026ـ 2030، ليتمكنوا من متابعة تنفيذها في إطار دورهم الرقابي.

 

حق دستوري

 

 وأطلق عديد النواب صيحة فزع بسبب عدم توفير الماء في الكثير من القرى والأحياء والمناطق السكنية بجهاتهم والحال أن الماء حق دستوري ، كما عبروا عن انزعاجهم من الإنقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي خاصة في الفترة الأخيرة، وطالبوا بالتعجيل بإيجاد حلول وضمان انتظامية التزويد بالماء والكهرباء والمواد الأساسية. وفي نفس السياق هناك من نبه الوزير إلى أن المواطن لا يهتم بالمخطط وأرقامه وتوجهاته بل يريد حفظ كرامته من خلال تمكينه من الماء والكهرباء، وتمت الإشارة في نفس السياق إلى أنه لا يمكن مطالبة المواطن بالصبر بل يجب على الدولة ضمان حقه في الماء الصالح للشراب والنور الكهربائي لأن المواطن لا يريد بالوعود بل يرغب في الحصول على أبسط حقوقه. وتحدث بعض النواب عن آفة الحرائق التي تؤدي سنويا إلى إتلاف آلاف الهكتارات من الغابات والمحاصيل الزراعية وهناك من طالب بتوفير طائرات لإطفاء الحرائق في حين هناك من ثمنت الجهود التي يبذلها أعوان الحماية المدنية واصفة إياهم بالأبطال.  

 وهناك من النواب من عبر عن ارتياحه للأهداف الإستراتجية للمخطط التنموي وخاصة خيار التعويل على الذات، وقال آخر إن الفائدة ليست في الكم الكبير من المشاريع المدرجة في مخطط التنمية بل في كيفية الانجاز لأن المخططات التنموية السابقة لم يقع تنفيذ إلا النزر القليل منها، وطالب بتكريس التوازن بين الجهات. وهناك من استفسر إن كان قد تم القيام بدراسات جدوى للمشاريع المبرمجة في مخطط التنمية البالغ عددها 21100 مشروع. ولاحظ أحد النواب أن المخطط ركز على ما سيتم انجازه من مشاريع والمطلوب هو توضيح كيف سيتم الانجاز فهو يرى أن نجاح المخطط يبقى مرتبطا بمدى توفير التمويل وتساءل عن الموارد التي سيتم توفيرها من ميزانية الدولة والموارد التي سيتم ضخها من الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص والموارد التي سيتم توفيرها من المؤسسات والمنشآت الإدارية لتمويل مشاريع المخطط، وبين أنه لا يمكن انجاز المخطط دون تطوير الإدارة ورقمنتها وإدماج الاقتصاد الموازي وتحسين نسبة استخلاص الأداءات ومقاومة التهرب الجبائي وتحسين أداء المؤسسات العمومية لأن التنمية حسب تعبيره تحتاج إلى موارد قبل الشعارات. 

 

تحديات كثيرة 

وللتذكير في هذا السياق جاء في الوثيقة المصاحبة لمشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 أن إعداد هذا المخطط التنموي يندرج في إطار الحرص على حوكمة الشأن العام وفقا لمتطلبات المبادئ الدستورية والاستجابة لتطلعات الشعب التونسي عبر تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل في إطار وحدة الدولة، وأن مخطط التنمية 2026ــ 2030 يكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى خصوصية المرحلة ورهاناتها مع ما تفرضه التحديات المطروحة من تجميع القوى والقدرات لتحسين الوضع المعيشي لكل الفئات وبناء مستقبل أفضل بتأمين العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص والمساواة والتوزيع العادل للثروة. ومن هذا المنطلق اعتمد المخطط على المنهج التصاعدي الذي يجسد الديمقراطية الحقيقية من خلال تمكين المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم من إعداد مقترحات مشاريع المخططات المجالية تتضمن بالخصوص ضبط الأولويات والأهداف دون وصاية عليها. 

وانطلقت أشغال المخطط منذ صدور المنشور عدد 10 بتاريخ 22أفريل 2025 المتعلق بإعداد المخطط التنموي 2026/2030 حيث تولت وزارة الاقتصاد والتخطيط على إثره إصدار أدلة إعداد المخططات المجالية وتقارير السياسات التنموية والتقارير الأفقية وتوفير المرافقة الفنية والوثائق اللازمة لأعمال المجالس طيلة مسار إعداد المخطط لأداء مهامها. وتم خلال المرحلة الأولى للإعداد تنظيم لقاءات بين المجالس وممثلي مختلف الهياكل الفنية بغرض تقديم كل التوضيحات المطلوبة من قبل أعضاء المجالس. وتوصلت الوزارة في الآجال بالتقارير المعدة تصاعديا من قبل المجالس لتنطلق مرحلة التدقيق والتأليف بين جميع المقترحات وتضمينها بوثيقة المخطط الوطني. وأبرزت تقارير المجالس جملة من التحديات الهيكلية المتراكمة وتفاوت مؤشرات التنمية في ظل محيط عالمي يشهد تحولات جيو إستراتيجية متعددة الأبعاد متعلقة بتسارع نسق التطور التكنولوجي واشتداد المنافسة وتقلب أسعار المواد الطاقية والغذائية والمواد الأولوية وتغيرات أسواق العمل، وتطلبت هذه التحديات اعتماد خيارات إستراتيجية مبنية على توجهات قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تضمن تكريس عدالة التنمية وإدماج مختلف الفئات والجهات في الدورة الاقتصادية وتطوير هيكلة الاقتصاد وتعزيز قدرته على الصمود. وانطلاقا من التحديات تضمن مخطط التنمية 2026/2030 جملة من الإصلاحات وبرامج استثمار تستند إلى توجهات كبرى تضمن تناغم السياسات التنموية وتعزيز التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية وترسيخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي ثابت للدولة. 

وتتمثل التوجهات الكبرى للمخطط في ما يلي: ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة من خلال تقليص معدلات الفقر والهشاشة وتعزيز منظومات الحماية الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم والصحة والشغل والسكن اللائق، تحقيق تنمية مجالية متوازنة واندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات من خلال الحد من الفوارق المجالية وتعزيز جاذبية الجهات، تعزيز النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية بفضل دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والبحث وتحفيز الاستثمار وتطوير وبناء الموانئ والطرقات وغيرها من المرافق الأساسية، تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة عبر حسن استغلال واستدامة الموارد المائية وتعزيز الاستقلالية الطاقية والحد من التلوث والمحافظة على البيئة والتنوع البيولوجي والنهوض بالمنظومة الفلاحية، وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام من خلال الرفع من أداء الإدارة وتطوير الإطار التشريعي والترتيبي وإصلاح الهياكل والمؤسسات العمومية.

وفي إطار الحرص على تجسيم أهداف المخطط وما يتطلبه ذلك من حتمية التعامل مع المتغيرات المستقبلية والتطورات المحتملة تم التنصيص على اعتماد منظومة متابعة وتقييم دورية لتنفيذ السياسات والبرامج والمشاريع التنموية من خلال إعداد تقرير سنوي في إطار الميزان الاقتصادي وتقرير تقييمي نصف مرحلي حول تنفيذ المخطط. ونظرا لاستيفاء مراحل إعداد وثيقة المخطط وبهدف إكسابه الصبغة القانونية وفقا لأحكام الدستور وخاصة الفصلين 75 و77 منه تم إعداد مشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030

سعيدة بوهلال

 

في المجلس الوطني للجهات والأقاليم..  جلسة عامة للنظر في مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030

تونس- الصباح  

بعد مصادقة مجلس نواب الشعب يوم الجمعة 10 جويلية 2026 على مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026- 2030 بـ 64 نعم و15 محتفظ و24 لا، عقد المجلس الوطني للجهات والأقاليم أمس 17 جويلية 2026 جلسة عامة بحضور سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط وعدد من أعضاء المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، خصصت للنظر في نفس المشروع الوارد في فصل وحيد.

وقبل النقاش تم عرض تقرير شامل حول مشروع مخطط التنمية أعدته لجنة المخططات التنموية التي يرأسها النائب محمد الكو. وكانت هذه اللجنة قد شرعت في الاستعدادات لدراسة المشروع بصفة مبكرة ونظمت عديد الاجتماعات التحضيرية وجلسات الاستماع إلى بعض الأطراف المعنية، كما تم مؤخرا عقد جلسات مسترسلة بإشراف رئيس المجلس عماد الدربالي خصصت للاستماع إلى وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ حول هذا المشروع. إذ قدم الوزير أمام أعضاء المجلس النيابي الوثائق الملحقة بمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030، حيث تم التداول في بداية الأمر حول التوجهات الكبرى بمشروع مخطط التنمية وأهدافه. 

 

توجهات كبرى

 

وتتمثل التوجهات الكبرى لمخطط التنمية في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتحسين مؤشر التنمية البشرية، وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، وتحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي والحفاظ على بيئة سليمة وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرافق العمومية، وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الأول المتعلق بضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة في تدعيم رأس المال البشري وضمان العمل اللائق وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي ودعم الترابط الأسري والتضامن بين الأجيال وتمكين الشباب والسكن الاجتماعي، في حين تتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الثاني في تحقيق تنمية مجالية متوازنة: مجالات ترابية قادرة على إدارة شأنها التنموي، ومجالات ترابية داعمة للعدالة الاجتماعية ورأس المال البشري، ومجالات ترابية صامدة أمام التحديات البيئية والمناخية، ومجالات ترابية رافعة للحركية الاقتصادية، ومجالات ترابية مكرسة للاندماج والتكامل والتضامن فيما بينها. أما الأهداف المرسومة في إطار التوجه الثالث المتعلق بتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية فتتمثل في إعادة تأهيل وتطوير القطاعات المنتجة، والاقتصاد الرقمي والنهوض بالقطاعات الواعدة، والنهوض بالاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الرابع في تحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي والمحافظة على بيئة سلمية تكمن أساسا في تحقيق الأمن الغذائي والمائي وتعزيز الاستقلالية الطاقية والحد من التلوث والمحافظة على البيئة والتنوع البيولوجي. وتتمثل الأهداف المرسومة في إطار التوجه الخامس المتعلق بتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام في تطوير الإطار التشريعي والرفع من أداء الإدارة وهيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية وتطوير المنظومات العدلية والأمنية والعسكرية والسياسة الخارجية.

 

المخطط المجالي

 

وإثر نقاش التوجهات الكبرى بمشروع مخطط التنمية وأهدافه تم المرور إلى الوثيقة الثانية وهي المخطط المجالي حيث اختارت لجنة المخططات التنموية تدارس البرامج والمشاريع المبرمجة في كل إقليم من الأقاليم الخمسة وفي كل جهة من الجهات الراجعة بالنظر إلى الإقليم المعني على حدة مع تشريك نواب الأقاليم في النقاش، إذ بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط تم النظر خلال ثلاثة أيام متتالية في مشروع مخطط التنمية المجالية، وتم في اليوم الأول النظر في مخطط الإقليم الأول والجهات التي تعود بالنظر إلى هذا الإقليم وهي ولايات جندوبة والكاف وباجة وبنزرت، ثم تم النظر في مشروع مخطط التنمية المجالية بالإقليم الثاني الذي يضم ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة ونابل وزغوان. أما في اليوم الموالي فتم النظر في مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الثالث الذي يتكون من جهات سليانة وسوسة والقصرين والقيروان والمنستير والمهدية ثم تم النظر إثر ذلك في مشروع مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الرابع الذي يضم جهات توزر وسيدي بوزيد وصفاقس وقفصة، وتم في اليوم الأخير النظر في مشروع مخطط التنمية في جزئه المتعلق بالإقليم الخامس الذي يضم جهات تطاوين وقابس وقبلي ومدنين.

وقالت مقررة لجنة المخططات التنموية سعيدة شقير إن الغاية من هذه المنهجية هي مزيد التعمق في خصوصيات كل إقليم وكل جهة، كما تضمن التقرير الذي تمت تلاوته قبل المرور إلى النقاش العام لمشروع مخطط التنمية حوصلة لأراء النواب حول المشاريع المبرمجة في جهاتهم وأقاليمهم إضافة إلى مقترحاتهم وتوصياتهم وردود وزير الاقتصاد والتخطيط على استفساراتهم. 

 

السياسات التنموية

 

كما تضمن تقرير لجنة المخططات التنموية الذي تم عرضه أمس على أنظار الجلسة العامة للمجلس الوطني للجهات والأقاليم حصيلة أشغال جلسة اللجنة المخصصة للنظر في وثيقة السياسات التنموية بمشروع مخطط التنمية التي قدمها وزير الاقتصاد والتخطيط، وتقوم السياسات التنموية بهذا المشروع على أربعة محاور كبرى تتمثل في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة، وتحديث الإطار المؤسساتي وتعزيز نجاعة المرفق العام. وللتذكير في هذا السياق فقد جاء في ديباجة الوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية لمخطط التنمية 2026ـ 2030 أن هذه السياسات تنصهر ضمن الخيارات الوطنية الكبرى الرامية إلى الاستجابة لاستحقاقات الشعب التي كفلها الدستور ولمطالبه المشروعة في العيش الكريم وتجسد مضامين سياسات التنمية بالخصوص أولية تدعيم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وفتح الآفاق لكل التونسيين وتعزيز قدرات النسيج الاقتصادي وتنافسيته وتدعيم القدرة على الصمود والمحافظة على ديمومة الموارد الطبيعية وبيئة سليمة، وتم اعداد السياسات التنموية ضمن سياق التخطيط التصاعدي الذي قطع مع المركزية المفرطة ويعتمد على التشخيص المعمق لواقع الجهات والأقاليم ويضع إرادة المجالس المنتخبة ومقترحاتها كأساس لرسم الأولويات إلى جانب الاعتماد على الاستراتيجيات الوطنية والقطاعية والدراسات والتحاليل الخاصة بمختلف المجالات مع الحرص على تحقيق التكامل بين الرؤى القطاعية والواقع الميداني. 

وركزت وثيقة المخطط المخصص للسياسات التنموية على ضبط الأولويات والأهداف الإستراتيجية ومضامين الإصلاحات والبرامج والمشاريع العمومية التي تم إعدادها طبقا لمقتضيات تحسين نجاعة الأداء التنموي وتأمين الانسجام بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والغاية من ذلك إحداث أثر ملموس في حياة المواطن والفاعل الاقتصادي وفك العزلة عن الطاقات الكامنة وفتح آفاق تنموية أرحب بتونس. وسترتكز السياسة الاجتماعية للدولة على تعزيز التماسك الاجتماعي وتحقيق الرفاه من خلال تكريس تكافؤ الفرص لكل التونسيين وفي الجهات عبر توسيع خدمات الحماية والإحاطة لتشمل كافة الفئات ورعاية الأسرة والمرأة والطفل وكبار السن وذوي الإعاقة وتوفير السكن اللائق والتشغيل النفاذ إليه وتحسين نجاعة الآليات والبرامج الرامية إلى التمكين الاقتصادي وخلق مواطن الشغل وكسب الرزق. ولتنمية الموارد البشرية سيتم القيام بإصلاحات وانجاز مشاريع متعددة في مجالات الصحة والتربية والتعليم العالي والتكوين والشباب والرياضة والثقافة. 

ويستند تجسيم الأولويات الرئيسية لسياسة التنمية إلى مفهوم الأمن القومي الشامل عبر تحقيق الأمن الغذائي والمائي وتنفيذ استراتيجيات استباقية لمواجهة الشح المائي وتحسين مردودية الأنشطة الفلاحية وتعزيز الأمن الطاقي بما يؤدي إلى تقليص العجز التجاري والتبعية للخارج من خلال الاستفادة من القدرات الهامة للطاقات المتجددة. ويشكل التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي مقوما رئيسيا لدفع التنمية والاندماج في سلاسل القيمة الدولية وتعزيز مقومات الحوكمة الرشيدة من خلال إقرار تعميم رقمنة الخدمات الإدارية وتوفير المساندة والمرافقة لدفع التجديد والابتكار والتأهيل التكنولوجي للنسيج الاقتصادي الوطني.

ولكسب رهان تطوير النسيج الاقتصادي وتحسين أدائه تمت الإشارة في نفس الوثيقة إلى أنه سيتم العمل بالخصوص على مزيد دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتنفيذ إستراتيجية متكاملة للنهوض بها ودفع الأنشطة الواعدة وتنمية كل قطاعات الإنتاج التقليدية والعمل على تطوير منظومة الاستثمار ومناخ الأعمال وتوسيع الشراكات لاستقطاب الاستثمار الخارجي وتثمين مجهود البحث العلمي وتعزيز خدمات المساندة الفنية مع تفعيل الأقطاب التكنولوجية والصناعية من أجل تشجيع التجديد بهدف رفع القيمة المضافة ومزيد الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويشكل تطوير البنية التحتية والموانئ التجارية والطرقات والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية عنصرا محوريا لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجاذبيته للاستثمار. وتظل حماية البيئة والمحافظة على سلامة المنظومات الإيكولوجية من أهم الأولويات الوطنية وينبني تحقيق الرهانات المطروحة على تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية في هذا المجال خاصة المتعلقة منها بتطوير منظومات التصرف في النفايات وبناء وتوسيع شبكات التطهير ورفع نسبة استعمال المياه المعالجة ومجابهة التغيرات المناخية عبر حماية المدن من الفيضانات ومقاومة الانجراف البحري، فرؤية الدولة تتجاوز المعالجة التقنية نحو مقاربة اقتصادية خضراء تحول التحديات البيئية إلى رافعة للتنمية من خلال التشجيع على إحداث المشاريع المتجددة والمبتكرة في مجالات الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق بما يشمن التوظيف الأمثل للموارد الطبيعية ويخلق فرص عمل لائقة للشباب. 

وحرصا على مزيد الارتقاء بجودة الخدمات المسداة للمواطن وتحسين مقومات مناخ الأعمال مع تعزيز الدور التعديلي والرقابي للهياكل العمومية ستعنى الإصلاحات المدرجة بالمخطط بتحسين أداء الوظيفة العمومية وتطوير المرفق الإداري من خلال تعميم الرقمنة وتعزيز قيم النزاهة والحوكمة الرشيدة وتنمية كفاءات العون العمومي بما يساعد على استئصال البيروقراطية فضلا عن تدعيم أجهزة الرقابة لضمان الشفافية، كما سيتسنى تقريب الخدمات من كافة المواطنين دون تمييز عبر دور خدمات جديدة بعديد المناطق الداخلية تأكيدا لمبدأ الإنصاف والعدالة الاجتماعية بما يساهم في تحوير الإدارة إلى محرك للاستثمار والمبادرة الخاصة. 

ودعما للسياسات الأفقية ستتواصل الإصلاحات الرامية إلى تعزيز وظائف الأمن والدفاع والعدل بالنجاعة المطلوبة في إطار السيادة الوطنية وللمحافظة على الممتلكات والأشخاص وتكريس احترام القانون كما سيتم العمل على توظيف فرص التعاون الدولي المالي والفني وتعزيز التعاون الدولي الثنائي والتعاون الإقليمي ومتعدد الأطراف بروح الندية والشراكة الإستراتيجية مع الارتقاء بالدبلوماسية الاقتصادية لمساندة مجالات التنمية واستقطاب المشاريع الاستثمارية النوعية وفتح أسواق جديدة للمؤسسات التونسية فالهدف هو تنويع الشراكات بما يخدم المصلحة العليا للبلاد والالتزام بحماية حقوق التونسيين بالخارج وتوطيد روابطهم بالوطن .

وتؤسس السياسات التنموية الخماسية القادمة لمرحلة جديدة تجعل المواطن محور العملية التنموية وتكرس التوازن والاندماج بين الجهات والأقاليم وتحويل كل شبر من تراب الوطن إلى قطب جاذب للاستثمار ومنتج للثروة ولخلق حركية اقتصادية محلية تستفيد من الخصوصيات الجهوية وصولا إلى اندماج وطني شامل يحقق الرخاء المشترك ويقلص الفوارق التنموية.

 

توصيات كثيرة

 

وخلصت مقررة لجنة المخططات التنموية سعيدة شقير إلى تقديم كم كبير من التوصيات التي رفعتها اللجنة بمناسبة تعهدها بدراسة مشروع مخطط التنمية منها على سبيل الذكر، القيام بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية بما يضمن بيئة ملائمة لتنفيذ المشاريع المبرمجة، وتطوير منظومة الحوكمة المحلية وتسوية الإشكاليات العقارية، والرفع من نسبة انجاز المشاريع واعتماد رزنامة واضحة للمشاريع الكبرى واستكمال الدراسات قبل انجاز المشاريع، ووضع منظومة للمتابعة والتقييم، واعتماد معايير شفافية لتوزيع الاستثمارات العمومية بما يكرس العدالة الاجتماعية ويقلص التفاوت بين الجهات. 

وأوصت اللجنة بتطوير الأقطاب الاقتصادية وبناء سلاسل قيمة متكاملة وتعزيز الاقتصاد الرقمي وتثمين الموارد المنجمية وغيرها ووضع رؤية وطنية متكاملة لتحقيق الأمن الغذائي والمائي ودعم البحث العلمي الفلاحي، فضلا عن تنويع مصادر تمويل المخطط وتوسيع الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وإصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية وتنمية الرأسمال البشري بإصلاح منظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني وربط التعليم والتكوين بحاجبات سوق الشغل والارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتقريبها من المواطن. كما أوصت اللجنة بإعداد إستراتيجية وطنية للنهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة ودعم المؤسسات الناشئة وتكريس دور المجلس النيابي في متابعة وتقييم انجاز مخطط التنمية وإرساء منصة رقمية لمتابعة الانجاز وغيرها من التوصيات. 

 

محفظة المشاريع 

 

 وخلال النقاش العام لمشروع مخطط التنمية لاحظ بعض أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم أنه رغم اعتماد التخطيط التصاعدي لم يقع إدراج العديد من المشاريع التي اقترحتها المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، كما ألقوا باللائمة على وزارة الاقتصاد والتخطيط لأن مجلسهم لم يشارك بالقدر الكافي في مرحلة إعداد هذا المشروع وهناك من بين أن المخطط لا يعبر عن انتظارات المواطن بعد 25 جويلية. وبين جل النواب أنه كان لا بد من تبني رؤية تنموية شاملة وبرمجة مشاريع كبرى وعدم الاكتفاء بمشاريع القرب فضلا عن منح الأهمية القصوى للنهوض بقطاعات الفلاحة والصناعة والسياحة وتطوير الخدمات المقدمة إلى المواطن مع العمل على تحقيق الثورة الثقافية المنشودة. 

واعتبر بعض نواب المجلس الوطني للجهات والأقاليم أن توزيع المشاريع المبرمجة في مخطط التنمية لم يعكس قدرات جهاتهم الحقيقية على استقطاب الاستثمار، وطالبوا باعتماد مقاربة أكثر إنصافا في توزيع الإعتمادات على الجهات، كما عدد جل النواب النقائص التي تشكو منها جهاتهم بمدنها وقراها وأريافها المعزولة والمهمشة على جميع المستويات، وطالبوا بتحسين خدمات المرفق العام في كافة أنحاء البلاد من صحة وتعليم ونقل وسكن اجتماعي وصيانة هذه المرافق في كل المعتمديات، ودعوا بالخصوص إلى تحسين البنية التحتية وإنشاء الطرقات والمسالك الفلاحية وفك العزلة عن متساكني العديد من المناطق الريفية والمناطق الحدودية، والحد من الفقر والبطالة وهجرة الشباب. 

ولاحظ بعض النواب أنه تم إدراج مشاريع بالمخطط تهم جهاتهم لكنها في حقيقة الأمر مشاريع قديمة معطلة أو مدرجة في مخططات تنموية سابقة. كما طالب أعضاء الغرفة النيابية الثانية بتمكينهم من محفظة المشاريع المبرمجة في كافة الجهات والأقاليم للفترة 2026ـ 2030، ليتمكنوا من متابعة تنفيذها في إطار دورهم الرقابي.

 

حق دستوري

 

 وأطلق عديد النواب صيحة فزع بسبب عدم توفير الماء في الكثير من القرى والأحياء والمناطق السكنية بجهاتهم والحال أن الماء حق دستوري ، كما عبروا عن انزعاجهم من الإنقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي خاصة في الفترة الأخيرة، وطالبوا بالتعجيل بإيجاد حلول وضمان انتظامية التزويد بالماء والكهرباء والمواد الأساسية. وفي نفس السياق هناك من نبه الوزير إلى أن المواطن لا يهتم بالمخطط وأرقامه وتوجهاته بل يريد حفظ كرامته من خلال تمكينه من الماء والكهرباء، وتمت الإشارة في نفس السياق إلى أنه لا يمكن مطالبة المواطن بالصبر بل يجب على الدولة ضمان حقه في الماء الصالح للشراب والنور الكهربائي لأن المواطن لا يريد بالوعود بل يرغب في الحصول على أبسط حقوقه. وتحدث بعض النواب عن آفة الحرائق التي تؤدي سنويا إلى إتلاف آلاف الهكتارات من الغابات والمحاصيل الزراعية وهناك من طالب بتوفير طائرات لإطفاء الحرائق في حين هناك من ثمنت الجهود التي يبذلها أعوان الحماية المدنية واصفة إياهم بالأبطال.  

 وهناك من النواب من عبر عن ارتياحه للأهداف الإستراتجية للمخطط التنموي وخاصة خيار التعويل على الذات، وقال آخر إن الفائدة ليست في الكم الكبير من المشاريع المدرجة في مخطط التنمية بل في كيفية الانجاز لأن المخططات التنموية السابقة لم يقع تنفيذ إلا النزر القليل منها، وطالب بتكريس التوازن بين الجهات. وهناك من استفسر إن كان قد تم القيام بدراسات جدوى للمشاريع المبرمجة في مخطط التنمية البالغ عددها 21100 مشروع. ولاحظ أحد النواب أن المخطط ركز على ما سيتم انجازه من مشاريع والمطلوب هو توضيح كيف سيتم الانجاز فهو يرى أن نجاح المخطط يبقى مرتبطا بمدى توفير التمويل وتساءل عن الموارد التي سيتم توفيرها من ميزانية الدولة والموارد التي سيتم ضخها من الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص والموارد التي سيتم توفيرها من المؤسسات والمنشآت الإدارية لتمويل مشاريع المخطط، وبين أنه لا يمكن انجاز المخطط دون تطوير الإدارة ورقمنتها وإدماج الاقتصاد الموازي وتحسين نسبة استخلاص الأداءات ومقاومة التهرب الجبائي وتحسين أداء المؤسسات العمومية لأن التنمية حسب تعبيره تحتاج إلى موارد قبل الشعارات. 

 

تحديات كثيرة 

وللتذكير في هذا السياق جاء في الوثيقة المصاحبة لمشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 أن إعداد هذا المخطط التنموي يندرج في إطار الحرص على حوكمة الشأن العام وفقا لمتطلبات المبادئ الدستورية والاستجابة لتطلعات الشعب التونسي عبر تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل في إطار وحدة الدولة، وأن مخطط التنمية 2026ــ 2030 يكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى خصوصية المرحلة ورهاناتها مع ما تفرضه التحديات المطروحة من تجميع القوى والقدرات لتحسين الوضع المعيشي لكل الفئات وبناء مستقبل أفضل بتأمين العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص والمساواة والتوزيع العادل للثروة. ومن هذا المنطلق اعتمد المخطط على المنهج التصاعدي الذي يجسد الديمقراطية الحقيقية من خلال تمكين المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم من إعداد مقترحات مشاريع المخططات المجالية تتضمن بالخصوص ضبط الأولويات والأهداف دون وصاية عليها. 

وانطلقت أشغال المخطط منذ صدور المنشور عدد 10 بتاريخ 22أفريل 2025 المتعلق بإعداد المخطط التنموي 2026/2030 حيث تولت وزارة الاقتصاد والتخطيط على إثره إصدار أدلة إعداد المخططات المجالية وتقارير السياسات التنموية والتقارير الأفقية وتوفير المرافقة الفنية والوثائق اللازمة لأعمال المجالس طيلة مسار إعداد المخطط لأداء مهامها. وتم خلال المرحلة الأولى للإعداد تنظيم لقاءات بين المجالس وممثلي مختلف الهياكل الفنية بغرض تقديم كل التوضيحات المطلوبة من قبل أعضاء المجالس. وتوصلت الوزارة في الآجال بالتقارير المعدة تصاعديا من قبل المجالس لتنطلق مرحلة التدقيق والتأليف بين جميع المقترحات وتضمينها بوثيقة المخطط الوطني. وأبرزت تقارير المجالس جملة من التحديات الهيكلية المتراكمة وتفاوت مؤشرات التنمية في ظل محيط عالمي يشهد تحولات جيو إستراتيجية متعددة الأبعاد متعلقة بتسارع نسق التطور التكنولوجي واشتداد المنافسة وتقلب أسعار المواد الطاقية والغذائية والمواد الأولوية وتغيرات أسواق العمل، وتطلبت هذه التحديات اعتماد خيارات إستراتيجية مبنية على توجهات قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تضمن تكريس عدالة التنمية وإدماج مختلف الفئات والجهات في الدورة الاقتصادية وتطوير هيكلة الاقتصاد وتعزيز قدرته على الصمود. وانطلاقا من التحديات تضمن مخطط التنمية 2026/2030 جملة من الإصلاحات وبرامج استثمار تستند إلى توجهات كبرى تضمن تناغم السياسات التنموية وتعزيز التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية وترسيخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي ثابت للدولة. 

وتتمثل التوجهات الكبرى للمخطط في ما يلي: ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة من خلال تقليص معدلات الفقر والهشاشة وتعزيز منظومات الحماية الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم والصحة والشغل والسكن اللائق، تحقيق تنمية مجالية متوازنة واندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات من خلال الحد من الفوارق المجالية وتعزيز جاذبية الجهات، تعزيز النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية بفضل دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والبحث وتحفيز الاستثمار وتطوير وبناء الموانئ والطرقات وغيرها من المرافق الأساسية، تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة عبر حسن استغلال واستدامة الموارد المائية وتعزيز الاستقلالية الطاقية والحد من التلوث والمحافظة على البيئة والتنوع البيولوجي والنهوض بالمنظومة الفلاحية، وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام من خلال الرفع من أداء الإدارة وتطوير الإطار التشريعي والترتيبي وإصلاح الهياكل والمؤسسات العمومية.

وفي إطار الحرص على تجسيم أهداف المخطط وما يتطلبه ذلك من حتمية التعامل مع المتغيرات المستقبلية والتطورات المحتملة تم التنصيص على اعتماد منظومة متابعة وتقييم دورية لتنفيذ السياسات والبرامج والمشاريع التنموية من خلال إعداد تقرير سنوي في إطار الميزان الاقتصادي وتقرير تقييمي نصف مرحلي حول تنفيذ المخطط. ونظرا لاستيفاء مراحل إعداد وثيقة المخطط وبهدف إكسابه الصبغة القانونية وفقا لأحكام الدستور وخاصة الفصلين 75 و77 منه تم إعداد مشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030

سعيدة بوهلال