إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من بينها العمل والتطبيب عن بعد.. المنظومة التشريعية الشغلية بحاجة إلى مواكبة العصر

 

تونس-الصباح

دعا مؤخراً وزير الشؤون الاجتماعية، عصام الأحمر، إلى "تطوير التشريع الوطني لتنظيم أنماط العمل الجديدة عبر المنصات الرقمية". وفي الحقيقة، تحتاج منظومة التشريع الخاصة بقوانين الشغل إلى مواكبة المستجدات منذ فترة، لا سيما على مستوى حسن استغلال ما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة للاستفادة من إيجابياتها الاقتصادية على أكثر من صعيد، طاقياً وبيئياً وحتى نفسياً.

فعلى سبيل المثال، يعدّ دعم التوجه نحو الاعتماد أكثر فأكثر على آلية العمل عن بعد حلاً لمواجهة جملة التحديات الطاقية والبيئية المرتبطة بالتغيرات المناخية التي نعيش على وقع تداعياتها السلبية هذه الأيام، في ظل الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة والاستهلاك المهول للطاقة وما يسببه من ضغط على شبكات توزيع الكهرباء.

في كلمته مؤخراً على هامش افتتاح أشغال ورشة عمل حول "حوكمة إدارات العمل في ظل أنماط العمل الجديدة: تحديات تعزيز مقومات العمل اللائق"، أكد وزير الشؤون الاجتماعية أنّ التحول الرقمي وما أفرزه من أشكال عمل مستجدة يفرض مراجعة وتطوير عدد من النصوص بمجلة الشغل.

كما دعا الوزير إلى مزيد التباحث والنقاش بهدف اقتراح جملة من التوصيات الكفيلة بإرساء إطار وطني متكامل يواكب التطورات المتسارعة في أنماط العمل الجديدة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويكرّس مبادئ العمل اللائق والحماية الاجتماعية.

وتعدّ آلية العمل عن بعد، وكذلك التطبيب عن بعد، توجهات استراتيجية جديدة كفيلة بتحقيق جملة من الأهداف ومعالجة بعض التحديات والإشكاليات المطروحة.

فالعمل عن بعد كآلية جديدة لتنظيم العمل، يمكّن العون العمومي من تأدية واجباته الوظيفية من خارج المواقع الرسمية للعمل، وذلك بصفة منتظمة أو ظرفية باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، وله جملة من الإيجابيات التي تحتاجها الدولة اليوم وبشكل ملح، لا سيما اقتصادياً. إذ يساهم العمل عن بعد في الاقتصاد في الطاقة والحركة وتقليص نسب التلوث ومعالجة مشكل الازدحام في النقل، إلى جانب ربح الوقت وتوفير الأريحية في العمل وتقليص الضغط.

 

إيجابيات العمل عن بعد

 

وتشير الدكتورة حنان خنشل الإخوة، أستاذة علوم التصرف بمعهد الدراسات التجارية العليا بقرطاج، إلى أن فوائد العمل عن بعد "لا تقتصر على المجال المهني. وفي الواقع، من خلال توفير قدر أكبر من المرونة، يسهل العمل عن بعد التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. وبالتالي، يمكن للموظفين التوفيق بشكل أفضل بين التزاماتهم العائلية وأنشطتهم الشخصية وعملهم".

وتضيف أيضاً أنه "من خلال تقليل الضغط المرتبط بالسفر (النقل والتنقل) وقيود الوقت، يمكن أن يساعد العمل عن بعد في تحسين الصحة النفسية للموظفين. أظهرت الدراسات أن العاملين عن بعد بشكل عام يبلغون عن مستويات إجهاد أقل ورضا وظيفي أعلى. ويمكن أن يكون للعمل عن بعد أيضاً تأثير إيجابي على بيئة العمل. ومن خلال تقليل السفر (التنقل)، فإنه يساعد على تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة ومكافحة ازدحام الطرق. علاوة على ذلك، يمكنه تعزيز ثقافة مؤسسية أكثر تعاوناً مبنية على الثقة، من خلال تشجيع الموظفين على اتخاذ المزيد من المبادرات وتطوير مهاراتهم. ومع ذلك، للاستفادة الكاملة من هذه الفرص، من الضروري وضع سياسات واضحة ومكيفة للعمل عن بعد، بالإضافة إلى أدوات اتصال وتعاون فعالة داخل الشركات".

تجدر الإشارة إلى أن تونس شرعت منذ جائحة كورونا في تدعيم التشريعات المنظمة للعمل عن بعد، حيث أُقرّ في أفريل 2022 الأمر الرئاسي عدد 310 الصادر بالرائد الرسمي، شروط وصيغ وإجراءات تطبيق نظام العمل عن بعد صلب مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت والهيئات العمومية، وتحديد الأعوان الذين ينطبق عليهم الأمر والأعوان المستثنين من العمل عن بعد.

وتضمن الأمر الرئاسي 25 فصلاً موزعة على 4 أبواب، هي: باب خاص بالأحكام العامة، وباب تنظيم العمل المنتظم عن بعد، وباب تنظيم العمل الظرفي عن بعد، وباب آليات المتابعة والتقييم، وتضمن هذا العدد من الرائد الرسمي أنموذج طلب العمل عن بعد.

ويهدف هذا الأمر، وفق ما نصّ عليه فصله الأول، إلى "ضبط شروط وصيغ وإجراءات تطبيق نظام العمل عن بعد صلب مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت والهيئات العمومية".

كما نص الأمر على إحداث لجنة استشارية يرأسها ممثل عن رئيس الحكومة، تتولى مساندة إرساء نظام العمل عن بعد ومتابعته وتقييمه وتطويره، وتنعقد اللجنة مرة في الشهر على الأقل بطلب من رئيسها، ولا يكتمل نصابها القانوني إلا بحضور ثلثي أعضائها.

وتُكلف هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية بالتنسيق مع هيئة الرقابة العامة للمالية وهيئة مراقبي المصاريف العمومية بإنجاز دراسة أثر، بعد سنة من نشر هذا الأمر الرئاسي بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، إضافة إلى إنجاز مهمات تقييم سنوية على مستوى وطني أو قطاعي لنظام العمل عن بعد، بهدف تطويره باستمرار، وفق الفصل 23 من الأمر الرئاسي المذكور.

 

آلية التطبيب عن بعد

 

في سياق آخر، ولمواكبة المستجدات والاستغلال الأمثل لوسائل الاتصال الحديثة في معالجة جملة التحديات المطروحة في القطاع الصحي، تم التوجه منذ فترة لتعزيز آلية التطبيب عن بعد، فقد أعلنت وزارة الصحة مؤخراً عن توسعة نشاط المستشفى الرقمي ليشمل 7 ولايات جديدة: سليانة، القصرين، تطاوين، جندوبة، ڨبلي، صفاقس (المحرس) ومدنين (بن قردان).

مما سيوفّر عيادات عن بعد في اختصاصات مختلفة (السكري والغدد، وأمراض المفاصل والعظام، والأمراض الجلدية، وطب التغذية).

وتهدف هذه التوسعة إلى تقريب الخدمات الطبية من المواطنين، وتخفيف عناء التنقل والانتظار، وتسريع التشخيص، ودعم الإطارات الطبية المحلية باستعمال تقنيات الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي.

وأطلقت وزارة الصحة آخر أوت 2025 تجربة المستشفى الافتراضي عبر خدمة التصوير الطبي عن بُعد بالمستشفى الجهوي بطبرقة، في مشروع نموذجي يُنتظر تعميمه تدريجياً على بقية الجهات.

ووضعت تونس التشريعات اللازمة لممارسة الطب عن بعد منذ عام 2022، من بين أعمال أخرى، في أعقاب تفشي وباء كورونا في العالم وتدابير الإغلاق التي رافقته.

وصدر قرار من وزير الصحة مؤرخ في 13 جوان 2024 يتعلق بضبط الشروط الخصوصية لإجراء أعمال الطب عن بعد بالنسبة لكل اختصاص.

م.ي

 

 

من بينها العمل والتطبيب عن بعد..  المنظومة التشريعية الشغلية بحاجة إلى مواكبة العصر

 

تونس-الصباح

دعا مؤخراً وزير الشؤون الاجتماعية، عصام الأحمر، إلى "تطوير التشريع الوطني لتنظيم أنماط العمل الجديدة عبر المنصات الرقمية". وفي الحقيقة، تحتاج منظومة التشريع الخاصة بقوانين الشغل إلى مواكبة المستجدات منذ فترة، لا سيما على مستوى حسن استغلال ما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة للاستفادة من إيجابياتها الاقتصادية على أكثر من صعيد، طاقياً وبيئياً وحتى نفسياً.

فعلى سبيل المثال، يعدّ دعم التوجه نحو الاعتماد أكثر فأكثر على آلية العمل عن بعد حلاً لمواجهة جملة التحديات الطاقية والبيئية المرتبطة بالتغيرات المناخية التي نعيش على وقع تداعياتها السلبية هذه الأيام، في ظل الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة والاستهلاك المهول للطاقة وما يسببه من ضغط على شبكات توزيع الكهرباء.

في كلمته مؤخراً على هامش افتتاح أشغال ورشة عمل حول "حوكمة إدارات العمل في ظل أنماط العمل الجديدة: تحديات تعزيز مقومات العمل اللائق"، أكد وزير الشؤون الاجتماعية أنّ التحول الرقمي وما أفرزه من أشكال عمل مستجدة يفرض مراجعة وتطوير عدد من النصوص بمجلة الشغل.

كما دعا الوزير إلى مزيد التباحث والنقاش بهدف اقتراح جملة من التوصيات الكفيلة بإرساء إطار وطني متكامل يواكب التطورات المتسارعة في أنماط العمل الجديدة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويكرّس مبادئ العمل اللائق والحماية الاجتماعية.

وتعدّ آلية العمل عن بعد، وكذلك التطبيب عن بعد، توجهات استراتيجية جديدة كفيلة بتحقيق جملة من الأهداف ومعالجة بعض التحديات والإشكاليات المطروحة.

فالعمل عن بعد كآلية جديدة لتنظيم العمل، يمكّن العون العمومي من تأدية واجباته الوظيفية من خارج المواقع الرسمية للعمل، وذلك بصفة منتظمة أو ظرفية باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، وله جملة من الإيجابيات التي تحتاجها الدولة اليوم وبشكل ملح، لا سيما اقتصادياً. إذ يساهم العمل عن بعد في الاقتصاد في الطاقة والحركة وتقليص نسب التلوث ومعالجة مشكل الازدحام في النقل، إلى جانب ربح الوقت وتوفير الأريحية في العمل وتقليص الضغط.

 

إيجابيات العمل عن بعد

 

وتشير الدكتورة حنان خنشل الإخوة، أستاذة علوم التصرف بمعهد الدراسات التجارية العليا بقرطاج، إلى أن فوائد العمل عن بعد "لا تقتصر على المجال المهني. وفي الواقع، من خلال توفير قدر أكبر من المرونة، يسهل العمل عن بعد التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. وبالتالي، يمكن للموظفين التوفيق بشكل أفضل بين التزاماتهم العائلية وأنشطتهم الشخصية وعملهم".

وتضيف أيضاً أنه "من خلال تقليل الضغط المرتبط بالسفر (النقل والتنقل) وقيود الوقت، يمكن أن يساعد العمل عن بعد في تحسين الصحة النفسية للموظفين. أظهرت الدراسات أن العاملين عن بعد بشكل عام يبلغون عن مستويات إجهاد أقل ورضا وظيفي أعلى. ويمكن أن يكون للعمل عن بعد أيضاً تأثير إيجابي على بيئة العمل. ومن خلال تقليل السفر (التنقل)، فإنه يساعد على تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة ومكافحة ازدحام الطرق. علاوة على ذلك، يمكنه تعزيز ثقافة مؤسسية أكثر تعاوناً مبنية على الثقة، من خلال تشجيع الموظفين على اتخاذ المزيد من المبادرات وتطوير مهاراتهم. ومع ذلك، للاستفادة الكاملة من هذه الفرص، من الضروري وضع سياسات واضحة ومكيفة للعمل عن بعد، بالإضافة إلى أدوات اتصال وتعاون فعالة داخل الشركات".

تجدر الإشارة إلى أن تونس شرعت منذ جائحة كورونا في تدعيم التشريعات المنظمة للعمل عن بعد، حيث أُقرّ في أفريل 2022 الأمر الرئاسي عدد 310 الصادر بالرائد الرسمي، شروط وصيغ وإجراءات تطبيق نظام العمل عن بعد صلب مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت والهيئات العمومية، وتحديد الأعوان الذين ينطبق عليهم الأمر والأعوان المستثنين من العمل عن بعد.

وتضمن الأمر الرئاسي 25 فصلاً موزعة على 4 أبواب، هي: باب خاص بالأحكام العامة، وباب تنظيم العمل المنتظم عن بعد، وباب تنظيم العمل الظرفي عن بعد، وباب آليات المتابعة والتقييم، وتضمن هذا العدد من الرائد الرسمي أنموذج طلب العمل عن بعد.

ويهدف هذا الأمر، وفق ما نصّ عليه فصله الأول، إلى "ضبط شروط وصيغ وإجراءات تطبيق نظام العمل عن بعد صلب مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت والهيئات العمومية".

كما نص الأمر على إحداث لجنة استشارية يرأسها ممثل عن رئيس الحكومة، تتولى مساندة إرساء نظام العمل عن بعد ومتابعته وتقييمه وتطويره، وتنعقد اللجنة مرة في الشهر على الأقل بطلب من رئيسها، ولا يكتمل نصابها القانوني إلا بحضور ثلثي أعضائها.

وتُكلف هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية بالتنسيق مع هيئة الرقابة العامة للمالية وهيئة مراقبي المصاريف العمومية بإنجاز دراسة أثر، بعد سنة من نشر هذا الأمر الرئاسي بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، إضافة إلى إنجاز مهمات تقييم سنوية على مستوى وطني أو قطاعي لنظام العمل عن بعد، بهدف تطويره باستمرار، وفق الفصل 23 من الأمر الرئاسي المذكور.

 

آلية التطبيب عن بعد

 

في سياق آخر، ولمواكبة المستجدات والاستغلال الأمثل لوسائل الاتصال الحديثة في معالجة جملة التحديات المطروحة في القطاع الصحي، تم التوجه منذ فترة لتعزيز آلية التطبيب عن بعد، فقد أعلنت وزارة الصحة مؤخراً عن توسعة نشاط المستشفى الرقمي ليشمل 7 ولايات جديدة: سليانة، القصرين، تطاوين، جندوبة، ڨبلي، صفاقس (المحرس) ومدنين (بن قردان).

مما سيوفّر عيادات عن بعد في اختصاصات مختلفة (السكري والغدد، وأمراض المفاصل والعظام، والأمراض الجلدية، وطب التغذية).

وتهدف هذه التوسعة إلى تقريب الخدمات الطبية من المواطنين، وتخفيف عناء التنقل والانتظار، وتسريع التشخيص، ودعم الإطارات الطبية المحلية باستعمال تقنيات الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي.

وأطلقت وزارة الصحة آخر أوت 2025 تجربة المستشفى الافتراضي عبر خدمة التصوير الطبي عن بُعد بالمستشفى الجهوي بطبرقة، في مشروع نموذجي يُنتظر تعميمه تدريجياً على بقية الجهات.

ووضعت تونس التشريعات اللازمة لممارسة الطب عن بعد منذ عام 2022، من بين أعمال أخرى، في أعقاب تفشي وباء كورونا في العالم وتدابير الإغلاق التي رافقته.

وصدر قرار من وزير الصحة مؤرخ في 13 جوان 2024 يتعلق بضبط الشروط الخصوصية لإجراء أعمال الطب عن بعد بالنسبة لكل اختصاص.

م.ي