إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

لأول مرة في تونس.. وبموسيقى تنحاز للإنسان وتحوّل الفلامنكو إلى رسالة حرية..  الفنانة "بيبي" تفتتح نافذة إسبانية على ركح الحمامات...

 

-السهرة كانت فرصة لتقديم تجربة امتزجت فيها الألوان الموسيقية.. وتحولت إلى مساحة تتجاوز حدود اللغة.

-عندما يجمع الفنان بين بساطة الأداء وقوة الحضور الركحي

تونس - الصباح

في أول لقاء لها مع الجمهور التونسي، أحيت الفنانة الإسبانية ماريا نيفيس ريبوليدو فيلا، المعروفة فنيا باسم "بيبي"، مساء الأربعاء 15 جويلية الجاري، سهرة ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، في عرض لم يقتصر على تقديم أشهر أعمالها الغنائية، بل حمل معه جانبا من مسيرتها الفنية التي ارتبطت منذ بداياتها بقضايا الحرية وحقوق المرأة ومناهضة العنف، لتتحول السهرة إلى مساحة امتزج فيها الفلامنكو بالروك والإيقاعات الحديثة في تجربة موسيقية تجاوزت حدود اللغة. ومنذ اللحظات الأولى، وجدت "بيبي" نفسها أمام مدارج شبه ممتلئة بجمهور تفاعل مع أغانيها، مؤكدا أن الفنانة الإسبانية التي صنعت لنفسها مكانة خاصة في الموسيقى البديلة لا تزال تحتفظ بجاذبيتها لدى جمهور من أجيال مختلفة.

إيمان عبد اللطيف

واعتمد العرض على بساطة الأداء وقوة الحضور الركحي، بعيدا عن المبالغة في المؤثرات البصرية، إذ تركت الفنانة مساحة واسعة للكلمة واللحن ليقودا السهرة، مستندة إلى صوتها الأجش الذي أصبح إحدى العلامات الفارقة في تجربتها الفنية. وتمكنت "بيبي"، على امتداد قرابة الساعتين، من التنقل بسلاسة بين الفلامنكو والروك والبوب والهيب هوب، وهو المزج الذي ميّز أعمالها منذ انطلاقتها الأولى، وجعلها واحدة من أبرز الأصوات الإسبانية خلال العقدين الأخيرين.

انطلقت السهرة بأغنية "El Golpe" التي مهدت لدخول الجمهور في أجواء العرض، قبل أن تقدم "Revolvió" بإيقاعاتها المتسارعة، ثم خففت نسق الأداء مع أغنية "Siempre me quedará" التي كانت من أكثر المحطات تفاعلا، حيث ردد عدد من الحاضرين كلماتها بالإسبانية، في مشهد يعكس الانتشار الذي حققته هذه الأغنية خارج حدود إسبانيا. وتواصل العرض بأغنيات "Me enseñará" و"Mi guapo" و"La bicha" و"Me fui"، لتؤكد الفنانة قدرتها على التنقل بين الأنماط الموسيقية المختلفة، والمحافظة على توازن السهرة بين الإيقاعات الصاخبة واللحظات الهادئة.

ولم يكن البرنامج الغنائي منفصلا عن المسار الشخصي لصاحبته، فالفنانة المولودة سنة 1978 في فالنسيا، والتي نشأت في إقليم إستريمادورا داخل عائلة موسيقية، حملت منذ طفولتها شغفا بالموسيقى بعدما رافقت والديها، وهما عضوان في فرقة الفولكلور الإسبانية "سوربيرينا"، في تنقلاتهما الفنية عبر المدن الإسبانية. وبدأت العزف على آلة القيثارة في سن مبكرة، قبل أن تلتحق في منتصف التسعينيات بفرقة "فاناغلوريا" كمغنية مساندة، ثم تنتقل إلى مدريد سنة 1996 لدراسة الفنون الدرامية، وهي المرحلة التي تبلورت خلالها شخصيتها الفنية القائمة على كسر القوالب التقليدية والانفتاح على قضايا المجتمع.

وشكلت سهرة الحمامات أيضا استعادة لأبرز محطات ألبومها الأول "Pafuera Telarañas" الصادر سنة 2004، وهو العمل الذي مثل نقطة التحول في مسيرتها، وقادها في العام الموالي إلى الفوز بجائزة "الغرامي اللاتيني" كأفضل فنانة صاعدة، بعد أن حصد خمسة ترشيحات دفعة واحدة، وهو رقم لافت آنذاك. ومن خلال أغنيات مثل "Respirar" و"Busco-me"، بدا واضحا أن التجربة الفنية لـ"بيبي" لا تقوم فقط على التنويع الموسيقي، بل تنطلق من تجارب شخصية ومواقف إنسانية انعكست في نصوصها الغنائية.

وكانت ذروة السهرة مع أداء أغنية "Malo" التي تعد من أشهر أعمالها وأكثرها ارتباطا بقضية مناهضة العنف ضد النساء، إذ تحولت منذ صدورها إلى نشيد عالمي يدعو إلى التصدي للعنف الأسري. وتستمد الأغنية جزءا من قوتها من تجربة شخصية عاشتها الفنانة بعد مقتل خالتها نتيجة العنف الزوجي، وهو ما منح أداءها على ركح الحمامات بعدا إنسانيا واضحا، قبل أن تواصل الرسالة نفسها من خلال أغنية "Ella" التي تحتفي بقوة المرأة وقدرتها على مواجهة الصعاب.

واستمرت هذه الثيمة في بقية فقرات العرض عبر أغنيات "7 Horas" و"Con mis manos" و"Como los olivos"، التي حملت مضامين تتعلق بالكرامة والتمسك بالأمل والجذور، لتؤكد أن مشروع "بيبي" الفني لا ينفصل عن التزامها الاجتماعي والإنساني. ولعل هذا ما يفسر أيضا قرارها سنة 2006 بالابتعاد مؤقتا عن الساحة الفنية إثر الضغوط الكبيرة التي رافقت نجاحها، قبل أن تعود سنة 2009 إلى الغناء والتمثيل، حيث شاركت في عدد من الأعمال السينمائية التي لاقت استحسان النقاد، وهو ما انعكس على نضج حضورها فوق الركح.

ومع اقتراب نهاية الحفل، رفض الجمهور مغادرة الفنانة للركح، لتعود في فقرة إضافية قدمت خلالها أغنيتي "Razones" و"Palabras" وسط تفاعل كبير، قبل أن تعيد رفع نسق السهرة بأغنية "Pa mi casa". أما الختام، فكان مع الأغنية الشهيرة "A Quien Le Importa" التي حملت رسالة واضحة حول حرية الاختلاف والوفاء للذات، ثم أعادت أداء "Pa mi casa" وسط تصفيق طويل من الجمهور الذي ودع واحدة من أبرز الأصوات الإسبانية المعاصرة.

وأكدت هذه السهرة مرة أخرى توجه مهرجان الحمامات الدولي، في دورته الستين، نحو الانفتاح على تجارب موسيقية عالمية تحمل خصوصيات ثقافية مختلفة، مع الحرص على تقديم عروض لا تقوم فقط على الجانب الترفيهي، بل تفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف تجارب فنية ارتبطت بمواقف إنسانية واجتماعية.

لأول مرة في تونس.. وبموسيقى تنحاز للإنسان وتحوّل الفلامنكو إلى رسالة حرية..   الفنانة "بيبي" تفتتح نافذة إسبانية على ركح الحمامات...

 

-السهرة كانت فرصة لتقديم تجربة امتزجت فيها الألوان الموسيقية.. وتحولت إلى مساحة تتجاوز حدود اللغة.

-عندما يجمع الفنان بين بساطة الأداء وقوة الحضور الركحي

تونس - الصباح

في أول لقاء لها مع الجمهور التونسي، أحيت الفنانة الإسبانية ماريا نيفيس ريبوليدو فيلا، المعروفة فنيا باسم "بيبي"، مساء الأربعاء 15 جويلية الجاري، سهرة ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، في عرض لم يقتصر على تقديم أشهر أعمالها الغنائية، بل حمل معه جانبا من مسيرتها الفنية التي ارتبطت منذ بداياتها بقضايا الحرية وحقوق المرأة ومناهضة العنف، لتتحول السهرة إلى مساحة امتزج فيها الفلامنكو بالروك والإيقاعات الحديثة في تجربة موسيقية تجاوزت حدود اللغة. ومنذ اللحظات الأولى، وجدت "بيبي" نفسها أمام مدارج شبه ممتلئة بجمهور تفاعل مع أغانيها، مؤكدا أن الفنانة الإسبانية التي صنعت لنفسها مكانة خاصة في الموسيقى البديلة لا تزال تحتفظ بجاذبيتها لدى جمهور من أجيال مختلفة.

إيمان عبد اللطيف

واعتمد العرض على بساطة الأداء وقوة الحضور الركحي، بعيدا عن المبالغة في المؤثرات البصرية، إذ تركت الفنانة مساحة واسعة للكلمة واللحن ليقودا السهرة، مستندة إلى صوتها الأجش الذي أصبح إحدى العلامات الفارقة في تجربتها الفنية. وتمكنت "بيبي"، على امتداد قرابة الساعتين، من التنقل بسلاسة بين الفلامنكو والروك والبوب والهيب هوب، وهو المزج الذي ميّز أعمالها منذ انطلاقتها الأولى، وجعلها واحدة من أبرز الأصوات الإسبانية خلال العقدين الأخيرين.

انطلقت السهرة بأغنية "El Golpe" التي مهدت لدخول الجمهور في أجواء العرض، قبل أن تقدم "Revolvió" بإيقاعاتها المتسارعة، ثم خففت نسق الأداء مع أغنية "Siempre me quedará" التي كانت من أكثر المحطات تفاعلا، حيث ردد عدد من الحاضرين كلماتها بالإسبانية، في مشهد يعكس الانتشار الذي حققته هذه الأغنية خارج حدود إسبانيا. وتواصل العرض بأغنيات "Me enseñará" و"Mi guapo" و"La bicha" و"Me fui"، لتؤكد الفنانة قدرتها على التنقل بين الأنماط الموسيقية المختلفة، والمحافظة على توازن السهرة بين الإيقاعات الصاخبة واللحظات الهادئة.

ولم يكن البرنامج الغنائي منفصلا عن المسار الشخصي لصاحبته، فالفنانة المولودة سنة 1978 في فالنسيا، والتي نشأت في إقليم إستريمادورا داخل عائلة موسيقية، حملت منذ طفولتها شغفا بالموسيقى بعدما رافقت والديها، وهما عضوان في فرقة الفولكلور الإسبانية "سوربيرينا"، في تنقلاتهما الفنية عبر المدن الإسبانية. وبدأت العزف على آلة القيثارة في سن مبكرة، قبل أن تلتحق في منتصف التسعينيات بفرقة "فاناغلوريا" كمغنية مساندة، ثم تنتقل إلى مدريد سنة 1996 لدراسة الفنون الدرامية، وهي المرحلة التي تبلورت خلالها شخصيتها الفنية القائمة على كسر القوالب التقليدية والانفتاح على قضايا المجتمع.

وشكلت سهرة الحمامات أيضا استعادة لأبرز محطات ألبومها الأول "Pafuera Telarañas" الصادر سنة 2004، وهو العمل الذي مثل نقطة التحول في مسيرتها، وقادها في العام الموالي إلى الفوز بجائزة "الغرامي اللاتيني" كأفضل فنانة صاعدة، بعد أن حصد خمسة ترشيحات دفعة واحدة، وهو رقم لافت آنذاك. ومن خلال أغنيات مثل "Respirar" و"Busco-me"، بدا واضحا أن التجربة الفنية لـ"بيبي" لا تقوم فقط على التنويع الموسيقي، بل تنطلق من تجارب شخصية ومواقف إنسانية انعكست في نصوصها الغنائية.

وكانت ذروة السهرة مع أداء أغنية "Malo" التي تعد من أشهر أعمالها وأكثرها ارتباطا بقضية مناهضة العنف ضد النساء، إذ تحولت منذ صدورها إلى نشيد عالمي يدعو إلى التصدي للعنف الأسري. وتستمد الأغنية جزءا من قوتها من تجربة شخصية عاشتها الفنانة بعد مقتل خالتها نتيجة العنف الزوجي، وهو ما منح أداءها على ركح الحمامات بعدا إنسانيا واضحا، قبل أن تواصل الرسالة نفسها من خلال أغنية "Ella" التي تحتفي بقوة المرأة وقدرتها على مواجهة الصعاب.

واستمرت هذه الثيمة في بقية فقرات العرض عبر أغنيات "7 Horas" و"Con mis manos" و"Como los olivos"، التي حملت مضامين تتعلق بالكرامة والتمسك بالأمل والجذور، لتؤكد أن مشروع "بيبي" الفني لا ينفصل عن التزامها الاجتماعي والإنساني. ولعل هذا ما يفسر أيضا قرارها سنة 2006 بالابتعاد مؤقتا عن الساحة الفنية إثر الضغوط الكبيرة التي رافقت نجاحها، قبل أن تعود سنة 2009 إلى الغناء والتمثيل، حيث شاركت في عدد من الأعمال السينمائية التي لاقت استحسان النقاد، وهو ما انعكس على نضج حضورها فوق الركح.

ومع اقتراب نهاية الحفل، رفض الجمهور مغادرة الفنانة للركح، لتعود في فقرة إضافية قدمت خلالها أغنيتي "Razones" و"Palabras" وسط تفاعل كبير، قبل أن تعيد رفع نسق السهرة بأغنية "Pa mi casa". أما الختام، فكان مع الأغنية الشهيرة "A Quien Le Importa" التي حملت رسالة واضحة حول حرية الاختلاف والوفاء للذات، ثم أعادت أداء "Pa mi casa" وسط تصفيق طويل من الجمهور الذي ودع واحدة من أبرز الأصوات الإسبانية المعاصرة.

وأكدت هذه السهرة مرة أخرى توجه مهرجان الحمامات الدولي، في دورته الستين، نحو الانفتاح على تجارب موسيقية عالمية تحمل خصوصيات ثقافية مختلفة، مع الحرص على تقديم عروض لا تقوم فقط على الجانب الترفيهي، بل تفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف تجارب فنية ارتبطت بمواقف إنسانية واجتماعية.