إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد إصدار "بيت الحكمة" لكتابها "الغذاء في التراث العربي"..  الباحثة سهام الدبابي  لـ"الصباح": الحياة اليومية وأنساقها الفرعية مهملة في الدراسات العربية والتاريخية

 

اختياري لمصطلح "التراث" في عناوين أعمالي لم يكن اعتباطيا، بل نابع من إيماني بأن ما يرثه الإنسان لا يموت، وإنما يتجدد بالدراسة والبحث.

انصرفت لسنوات إلى قراءة المصادر التونسية، واستخرجت منها كل ما يتعلق بالأطعمة التي كانت معروفة في البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الحفصية.

تونس - الصباح

أعلن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، في الآونة الأخيرة، عن صدور مؤلَّف أكاديمي مرجعي جديد بعنوان "الغذاء في التراث العربي"، إشراف الدكتورة سهام الدبابي الميساوي، أستاذة التعليم العالي بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، والعضو العامل ببيت الحكمة. وهو يعد من بين أبرز الإصدارات العلمية والثقافية التي تثري المكتبة العربية في مجال الدراسات التراثية والإنسانية.

ويطرح المؤلف مقاربة جديدة تتجاوز النظر إلى الغذاء باعتباره مجرد ممارسة يومية أو حاجة بيولوجية، وتعيد تقديمه بوصفه مدخلاً لفهم المجتمع العربي الإسلامي وتحولاته الثقافية والاقتصادية والدينية والحضارية.

وينطلق المشروع من توظيف أدوات الأنثروبولوجيا التاريخية للغذاء، وأنثروبولوجيا النصوص، بما يتيح إعادة قراءة الممارسات الغذائية في الحضارة العربية الإسلامية، ولا سيما خلال العصر الوسيط، في ضوء مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة.

وقد جاء المؤلَّف في جزأين متكاملين، خُصّص الأول للمصادر والمناهج، حيث يتناول في قسمه الأول التعريف بأهم المصادر العربية التي تناولت الغذاء وقدّمها للباحثين، فيما يركّز قسمه الثاني على عرض أبرز المناهج الحديثة، وفي مقدمتها المقاربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية واللسانية والسيميائية، مع بيان إمكانات توظيفها في دراسة الغذاء باعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية.

أما الجزء الثاني، فجاء بعنوان "مقاربات النصوص"، ويشكّل الجانب التطبيقي من المشروع، إذ يضم مجموعة من الدراسات التي أخضع فيها الباحثون طيفاً واسعاً من النصوص التراثية إلى القراءة والتحليل وفق هذه المناهج المعاصرة، بما يسمح بالكشف عن الدلالات الثقافية والاجتماعية والرمزية الكامنة في الخطاب الغذائي العربي.

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة سهام الدبابي الميساوي، في تصريح خصّت به "الصباح"، أن كتاب "الغذاء في التراث العربي" لا يمثّل باكورة أعمالها في هذا المجال، بل يأتي امتداداً لمسار بحثي بدأ منذ التسعينيات، حين سجلت أطروحة دكتوراه الدولة بإشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي تحت عنوان "الطعام والشراب في التراث العربي"، والتي تناولت فيها النسق الغذائي في التراث. وبيّنت أن هذه الأطروحة نوقشت سنة 2004، وصدر الكتاب المقتبس منها سنة 2008 عن كلية الآداب بمنوبة، قبل أن يعاد نشره منذ نحو عامين في طبعة ثانية عن الدار التونسية للكتاب، بعد نفاد الطبعة الأولى.

وأضافت أن اهتمامها بموضوع الغذاء انطلق من ملاحظتها إهمال الحياة اليومية وأنساقها الفرعية في الدراسات العربية والتاريخية، وهو ما دفعها إلى اختيار موضوع جديد ومختلف يستند إلى ثراء النصوص التراثية المتعلقة بالطعام والشراب، مع توظيف المناهج السوسيولوجية والأنثروبولوجية الحديثة في قراءة أحد موضوعات الحياة اليومية، انطلاقاً من قناعتها بأهمية التراث وجدواه العلمية.

وأشارت إلى أنها واصلت هذا المسار من خلال إصدار كتاب "مائدة إفريقية: دراسة في ألوان الطعام" سنة 2017 عن بيت الحكمة، موضحة أنها لم تعثر قبل ذلك على دراسة تتناول التراث الغذائي لتونس في العهد الوسيط، لذلك انصرفت لسنوات إلى قراءة المصادر التونسية الوسيطة بمختلف أجناسها، واستخرجت منها كل ما يتعلق بالأطعمة التي كانت معروفة في البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الحفصية، ليكون ذلك ثاني مؤلفاتها في هذا الاختصاص.

وبيّنت الباحثة أنها، بعد تأليف عدد من الكتب والإشراف على أخرى في مجال الطقوس وفي الحضارة الإفريقية، "فكرت في تكوين فريق بحث يضم عددا من أساتذة اللغة العربية بالجامعات التونسية لإنجاز مشروع علمي كبير يمثل "امتدادا لما بدأته في أطروحة الدكتوراه، بهدف تعميق البحث في جوانب جديدة لم تتناولها شخصيا، وفتح آفاق إضافية للدراسة، وهو المشروع الذي حمل عنوان "الغذاء في التراث العربي" باعتباره مواصلة لهذا المسار العلمي.

وأكدت أن اختيارها لمصطلح "التراث" في عناوين أعمالها لم يكن اعتباطيا، بل نابع من إيمانها بأن ما يرثه الإنسان لا يموت، وإنما يتجدد بالدراسة والبحث، وأن الكتب التراثية تمثل صلة حية بالماضي الذي يضيء الحاضر والمستقبل، معتبرة أن التراث لا يقتصر على الموروثات المادية أو الشفوية، بل يشمل أيضا الكتب والمكتبات التي يبعثها الباحثون إلى الحياة من خلال دراستها.

وفي معرض تعليقها على اعتبار هذا المسار قد حوّل الغذاء من موضوع يومي هامشي إلى مشروع بحثي مرجعي، أوضحت الدكتورة سهام الدبابي الميساوي أن المقاربة التي اعتمدتها ليست سوسيولوجية فقط، وإنما تنتمي إلى "الأنثروبولوجيا التاريخية" و"أنثروبولوجيا النصوص"، مذكّرة بأنها مختصة في الآداب العربية والحضارة العربية وليست مؤرخة أو عالمة اجتماع، ولذلك فإنها تدرس النصوص لا الواقع المعيش، وهو ما يجعل أعمالها أقرب إلى دراسة أنثروبولوجية تاريخية للغذاء.

وأضافت أن هذا الموضوع لم يكن مطروقاً تقريباً عند تسجيلها لأطروحة دكتوراه الدولة، التي اعتبرتها أول بحث في العالم العربي ينال هذه القيمة الأكاديمية في هذا المجال، مشيرة إلى أن الاهتمام بهذا الاختصاص توسع لاحقاً، وربما بفضل إسهامات الباحثين التونسيين وما وفره بيت الحكمة من دعم، فأصبح يحظى باهتمام باحثين من دول عربية، خاصة في المغرب الأقصى، مع تأكيدها أن تونس لا تزال رائدة في دراسة الطعام من زوايا اللغة والأدب والحضارة العربية، وهو ما يقر به زملاؤهم في المغرب العربي، معتبرة أن هذه الريادة تتجسد خصوصاً في كلية الآداب بمنوبة وقسم اللغة العربية بها في مجال دراسات الغذاء (Food Studies).

وعن طبيعة المصادر التي اعتمدتها، أوضحت أن المادة الغذائية في التراث العربي شديدة الثراء، وتتوزع على أصناف متعددة، في مقدمتها الكتب الدينية، بما في ذلك القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه الإسلامي وكتب الفتاوى، إضافة إلى كتب الطب التي تضم موسوعات كبرى وكتباً متخصصة مثل "كتاب الأغذية" و"كتاب حفظ الصحة" و"تقويم الصحة"، والتي تشكل مصادر أساسية لدراسة علم التغذية العربي في العصر الوسيط، ومنها مؤلفات قيروانية يشتغل عليها فريق بحثي حالياً. كما أشارت إلى أهمية كتب الأدب والشعر، مثل "المقامات" و"البخلاء" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، فضلاً عن دواوين الشعراء التي تضمنت أوصافاً دقيقة للأطعمة والموائد، إلى جانب كتب الحسبة التي توثق ما كان يباع في الأسواق، وتصف الأطعمة وأساليب مراقبتها وحالات الغش.

كما أوضحت أن هذه القائمة تمتد لتشمل كتب الفلاحة، وكتب الرحلات التي تسجل عادات الشعوب ووجباتها، وكتب الجغرافيا التي تصف البلدان ومنتجاتها الزراعية، وكتب التاريخ والأخبار التي توثق مواسم الخصب والجدب وأسعار الأغذية وأوضاع الأسواق. وأكدت أن هذه المصادر مجتمعة شكلت المادة الأساسية التي اعتمدت عليها في أطروحة الدكتوراه وفي كتاب "مائدة إفريقية"، بينما يواصل فريق "تاريخ وأنثروبولوجيا الغذاء" ببيت الحكمة تعميق البحث فيها.

وفي حديثها عن ظروف إنجاز المشروع، بيّنت أن العمل انطلق مع الفريق البحثي منذ بداية السنة الجامعية 2022، واستغرق قرابة أربع سنوات من الجهد المتواصل بسبب ضخامته وعمقه، مؤكدة أن تبني أكاديمية بيت الحكمة لهذا المشروع يندرج ضمن حرصها على نشر المعرفة وتجديد مناهج البحث العلمي، بما يتيح لتونس الإسهام في الإشعاع المعرفي والثقافي دولياً، ويتناغم مع الاهتمام العالمي المتزايد بحقل دراسات الغذاء (Food Studies).

وعن أكثر ما شد انتباهها خلال سنوات البحث، أوضحت أن الأمر لا يتعلق بطرائف أو وقائع بعينها، وإنما بكون هذا الموضوع ظل مهمشاً في العالم العربي، رغم أهميته، في وقت كانت الجامعات الغربية تدرّس أنثروبولوجيا الغذاء منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بينما انحصرت البحوث العربية في قضايا مكررة، وهو ما دفعها إلى توجيه البحث الأكاديمي التونسي نحو موضوعات الحياة اليومية، وإبراز قيمة النصوص القديمة في توثيق الممارسات الغذائية، والمساهمة في كتابة التاريخ الغذائي العربي والإسلامي، خاصة خلال العصر الوسيط.

وفي ما يتعلق بتطور النمط الغذائي العربي، أشارت الباحثة إلى أن أطروحتها تناولت مختلف العوامل المؤثرة في التفكير الغذائي والتمثلات الذهنية، من خلال ثنائيات مثل الحلال والحرام، والنافع والضار، واليومي والاحتفالي، مع تأكيدها أن تطور الأكلات كان كبيراً، إذ انتقلت الدراسة من طعام العرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وفي صدر الإسلام إلى فن الطبخ في الحواضر الكبرى مثل بغداد ودمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس والأندلس، حيث تكشف كتب الطبخ القديمة عن تطور واضح نحو فن الطهي (La Gastronomie)، معتبرة أن هذا التطور ارتبط طبيعياً بازدهار الحضارة، كما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته.

وشددت محدثتنا على أن التنوع يمثل عنصراً أساسياً في دراسة التراث الغذائي، فالمقارنة بين النصوص العراقية والشامية والمصرية والأندلسية والمغربية تكشف وجود قاسم ثقافي مشترك يشكل الهوية الغذائية للعالم الإسلامي، إلى جانب خصوصيات محلية تميز كل منطقة وفترة تاريخية، وهو ما يجعل إبراز هذا التنوع لا يقل أهمية عن تتبع مسار تطور الغذاء، لما يحمله من ثراء حضاري ومعرفي.

إيمان عبد اللطيف

 

 

بعد إصدار "بيت الحكمة" لكتابها "الغذاء في التراث العربي"..   الباحثة سهام الدبابي  لـ"الصباح": الحياة اليومية وأنساقها الفرعية مهملة في الدراسات العربية والتاريخية

 

اختياري لمصطلح "التراث" في عناوين أعمالي لم يكن اعتباطيا، بل نابع من إيماني بأن ما يرثه الإنسان لا يموت، وإنما يتجدد بالدراسة والبحث.

انصرفت لسنوات إلى قراءة المصادر التونسية، واستخرجت منها كل ما يتعلق بالأطعمة التي كانت معروفة في البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الحفصية.

تونس - الصباح

أعلن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، في الآونة الأخيرة، عن صدور مؤلَّف أكاديمي مرجعي جديد بعنوان "الغذاء في التراث العربي"، إشراف الدكتورة سهام الدبابي الميساوي، أستاذة التعليم العالي بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، والعضو العامل ببيت الحكمة. وهو يعد من بين أبرز الإصدارات العلمية والثقافية التي تثري المكتبة العربية في مجال الدراسات التراثية والإنسانية.

ويطرح المؤلف مقاربة جديدة تتجاوز النظر إلى الغذاء باعتباره مجرد ممارسة يومية أو حاجة بيولوجية، وتعيد تقديمه بوصفه مدخلاً لفهم المجتمع العربي الإسلامي وتحولاته الثقافية والاقتصادية والدينية والحضارية.

وينطلق المشروع من توظيف أدوات الأنثروبولوجيا التاريخية للغذاء، وأنثروبولوجيا النصوص، بما يتيح إعادة قراءة الممارسات الغذائية في الحضارة العربية الإسلامية، ولا سيما خلال العصر الوسيط، في ضوء مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة.

وقد جاء المؤلَّف في جزأين متكاملين، خُصّص الأول للمصادر والمناهج، حيث يتناول في قسمه الأول التعريف بأهم المصادر العربية التي تناولت الغذاء وقدّمها للباحثين، فيما يركّز قسمه الثاني على عرض أبرز المناهج الحديثة، وفي مقدمتها المقاربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية واللسانية والسيميائية، مع بيان إمكانات توظيفها في دراسة الغذاء باعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية.

أما الجزء الثاني، فجاء بعنوان "مقاربات النصوص"، ويشكّل الجانب التطبيقي من المشروع، إذ يضم مجموعة من الدراسات التي أخضع فيها الباحثون طيفاً واسعاً من النصوص التراثية إلى القراءة والتحليل وفق هذه المناهج المعاصرة، بما يسمح بالكشف عن الدلالات الثقافية والاجتماعية والرمزية الكامنة في الخطاب الغذائي العربي.

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة سهام الدبابي الميساوي، في تصريح خصّت به "الصباح"، أن كتاب "الغذاء في التراث العربي" لا يمثّل باكورة أعمالها في هذا المجال، بل يأتي امتداداً لمسار بحثي بدأ منذ التسعينيات، حين سجلت أطروحة دكتوراه الدولة بإشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي تحت عنوان "الطعام والشراب في التراث العربي"، والتي تناولت فيها النسق الغذائي في التراث. وبيّنت أن هذه الأطروحة نوقشت سنة 2004، وصدر الكتاب المقتبس منها سنة 2008 عن كلية الآداب بمنوبة، قبل أن يعاد نشره منذ نحو عامين في طبعة ثانية عن الدار التونسية للكتاب، بعد نفاد الطبعة الأولى.

وأضافت أن اهتمامها بموضوع الغذاء انطلق من ملاحظتها إهمال الحياة اليومية وأنساقها الفرعية في الدراسات العربية والتاريخية، وهو ما دفعها إلى اختيار موضوع جديد ومختلف يستند إلى ثراء النصوص التراثية المتعلقة بالطعام والشراب، مع توظيف المناهج السوسيولوجية والأنثروبولوجية الحديثة في قراءة أحد موضوعات الحياة اليومية، انطلاقاً من قناعتها بأهمية التراث وجدواه العلمية.

وأشارت إلى أنها واصلت هذا المسار من خلال إصدار كتاب "مائدة إفريقية: دراسة في ألوان الطعام" سنة 2017 عن بيت الحكمة، موضحة أنها لم تعثر قبل ذلك على دراسة تتناول التراث الغذائي لتونس في العهد الوسيط، لذلك انصرفت لسنوات إلى قراءة المصادر التونسية الوسيطة بمختلف أجناسها، واستخرجت منها كل ما يتعلق بالأطعمة التي كانت معروفة في البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الحفصية، ليكون ذلك ثاني مؤلفاتها في هذا الاختصاص.

وبيّنت الباحثة أنها، بعد تأليف عدد من الكتب والإشراف على أخرى في مجال الطقوس وفي الحضارة الإفريقية، "فكرت في تكوين فريق بحث يضم عددا من أساتذة اللغة العربية بالجامعات التونسية لإنجاز مشروع علمي كبير يمثل "امتدادا لما بدأته في أطروحة الدكتوراه، بهدف تعميق البحث في جوانب جديدة لم تتناولها شخصيا، وفتح آفاق إضافية للدراسة، وهو المشروع الذي حمل عنوان "الغذاء في التراث العربي" باعتباره مواصلة لهذا المسار العلمي.

وأكدت أن اختيارها لمصطلح "التراث" في عناوين أعمالها لم يكن اعتباطيا، بل نابع من إيمانها بأن ما يرثه الإنسان لا يموت، وإنما يتجدد بالدراسة والبحث، وأن الكتب التراثية تمثل صلة حية بالماضي الذي يضيء الحاضر والمستقبل، معتبرة أن التراث لا يقتصر على الموروثات المادية أو الشفوية، بل يشمل أيضا الكتب والمكتبات التي يبعثها الباحثون إلى الحياة من خلال دراستها.

وفي معرض تعليقها على اعتبار هذا المسار قد حوّل الغذاء من موضوع يومي هامشي إلى مشروع بحثي مرجعي، أوضحت الدكتورة سهام الدبابي الميساوي أن المقاربة التي اعتمدتها ليست سوسيولوجية فقط، وإنما تنتمي إلى "الأنثروبولوجيا التاريخية" و"أنثروبولوجيا النصوص"، مذكّرة بأنها مختصة في الآداب العربية والحضارة العربية وليست مؤرخة أو عالمة اجتماع، ولذلك فإنها تدرس النصوص لا الواقع المعيش، وهو ما يجعل أعمالها أقرب إلى دراسة أنثروبولوجية تاريخية للغذاء.

وأضافت أن هذا الموضوع لم يكن مطروقاً تقريباً عند تسجيلها لأطروحة دكتوراه الدولة، التي اعتبرتها أول بحث في العالم العربي ينال هذه القيمة الأكاديمية في هذا المجال، مشيرة إلى أن الاهتمام بهذا الاختصاص توسع لاحقاً، وربما بفضل إسهامات الباحثين التونسيين وما وفره بيت الحكمة من دعم، فأصبح يحظى باهتمام باحثين من دول عربية، خاصة في المغرب الأقصى، مع تأكيدها أن تونس لا تزال رائدة في دراسة الطعام من زوايا اللغة والأدب والحضارة العربية، وهو ما يقر به زملاؤهم في المغرب العربي، معتبرة أن هذه الريادة تتجسد خصوصاً في كلية الآداب بمنوبة وقسم اللغة العربية بها في مجال دراسات الغذاء (Food Studies).

وعن طبيعة المصادر التي اعتمدتها، أوضحت أن المادة الغذائية في التراث العربي شديدة الثراء، وتتوزع على أصناف متعددة، في مقدمتها الكتب الدينية، بما في ذلك القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه الإسلامي وكتب الفتاوى، إضافة إلى كتب الطب التي تضم موسوعات كبرى وكتباً متخصصة مثل "كتاب الأغذية" و"كتاب حفظ الصحة" و"تقويم الصحة"، والتي تشكل مصادر أساسية لدراسة علم التغذية العربي في العصر الوسيط، ومنها مؤلفات قيروانية يشتغل عليها فريق بحثي حالياً. كما أشارت إلى أهمية كتب الأدب والشعر، مثل "المقامات" و"البخلاء" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، فضلاً عن دواوين الشعراء التي تضمنت أوصافاً دقيقة للأطعمة والموائد، إلى جانب كتب الحسبة التي توثق ما كان يباع في الأسواق، وتصف الأطعمة وأساليب مراقبتها وحالات الغش.

كما أوضحت أن هذه القائمة تمتد لتشمل كتب الفلاحة، وكتب الرحلات التي تسجل عادات الشعوب ووجباتها، وكتب الجغرافيا التي تصف البلدان ومنتجاتها الزراعية، وكتب التاريخ والأخبار التي توثق مواسم الخصب والجدب وأسعار الأغذية وأوضاع الأسواق. وأكدت أن هذه المصادر مجتمعة شكلت المادة الأساسية التي اعتمدت عليها في أطروحة الدكتوراه وفي كتاب "مائدة إفريقية"، بينما يواصل فريق "تاريخ وأنثروبولوجيا الغذاء" ببيت الحكمة تعميق البحث فيها.

وفي حديثها عن ظروف إنجاز المشروع، بيّنت أن العمل انطلق مع الفريق البحثي منذ بداية السنة الجامعية 2022، واستغرق قرابة أربع سنوات من الجهد المتواصل بسبب ضخامته وعمقه، مؤكدة أن تبني أكاديمية بيت الحكمة لهذا المشروع يندرج ضمن حرصها على نشر المعرفة وتجديد مناهج البحث العلمي، بما يتيح لتونس الإسهام في الإشعاع المعرفي والثقافي دولياً، ويتناغم مع الاهتمام العالمي المتزايد بحقل دراسات الغذاء (Food Studies).

وعن أكثر ما شد انتباهها خلال سنوات البحث، أوضحت أن الأمر لا يتعلق بطرائف أو وقائع بعينها، وإنما بكون هذا الموضوع ظل مهمشاً في العالم العربي، رغم أهميته، في وقت كانت الجامعات الغربية تدرّس أنثروبولوجيا الغذاء منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بينما انحصرت البحوث العربية في قضايا مكررة، وهو ما دفعها إلى توجيه البحث الأكاديمي التونسي نحو موضوعات الحياة اليومية، وإبراز قيمة النصوص القديمة في توثيق الممارسات الغذائية، والمساهمة في كتابة التاريخ الغذائي العربي والإسلامي، خاصة خلال العصر الوسيط.

وفي ما يتعلق بتطور النمط الغذائي العربي، أشارت الباحثة إلى أن أطروحتها تناولت مختلف العوامل المؤثرة في التفكير الغذائي والتمثلات الذهنية، من خلال ثنائيات مثل الحلال والحرام، والنافع والضار، واليومي والاحتفالي، مع تأكيدها أن تطور الأكلات كان كبيراً، إذ انتقلت الدراسة من طعام العرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وفي صدر الإسلام إلى فن الطبخ في الحواضر الكبرى مثل بغداد ودمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس والأندلس، حيث تكشف كتب الطبخ القديمة عن تطور واضح نحو فن الطهي (La Gastronomie)، معتبرة أن هذا التطور ارتبط طبيعياً بازدهار الحضارة، كما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته.

وشددت محدثتنا على أن التنوع يمثل عنصراً أساسياً في دراسة التراث الغذائي، فالمقارنة بين النصوص العراقية والشامية والمصرية والأندلسية والمغربية تكشف وجود قاسم ثقافي مشترك يشكل الهوية الغذائية للعالم الإسلامي، إلى جانب خصوصيات محلية تميز كل منطقة وفترة تاريخية، وهو ما يجعل إبراز هذا التنوع لا يقل أهمية عن تتبع مسار تطور الغذاء، لما يحمله من ثراء حضاري ومعرفي.

إيمان عبد اللطيف