إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مشروع "نزرع المستقبل" لمجابهة التغيرات المناخية..  الكشافة تطلق حملة وطنية لغراسة 100 ألف شجرة  

 

تونس - الصباح

أطلقت القيادة العامة للكشافة التونسية مشروعًا بيئيًا وطنيًا كبيرًا تحت اسم "نزرع المستقبل"، يهدف إلى غراسة 100 ألف شجرة على مساحة تتجاوز 100 هكتار، موزعة على مختلف ولايات الجمهورية. ويندرج المشروع في إطار دعم الجهود الوطنية لحماية الغابات ومجابهة التغيرات المناخية، كما يندرج ضمن برنامج دعم الحوكمة البيئية والمناخية من أجل انتقال إيكولوجي في تونس، والممول بشكل مشترك من قبل الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ مشترك بين الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ووزارة البيئة التونسية.

ويمتد المشروع على مدى 18 شهرًا، ويرتكز على ثلاثة محاور أساسية. ويتضمن المحور الأول تنفيذ حملات غراسة واسعة تشمل 100 ألف شجرة بمناطق مختلفة من البلاد، فيما يركز المحور الثاني على تكوين 50 قائدة وقائدًا كشفيًا ليضطلعوا بدور "سفراء حماية الغابات" ويساهموا في نشر الثقافة البيئية. أما المحور الثالث، فيتمثل في تنظيم أكثر من 100 حملة تحسيسية بالمؤسسات التربوية والمناطق الحضرية، بهدف تعزيز الوعي بأهمية المحافظة على البيئة وحماية الغطاء الغابي.

ويأتي هذا المشروع في إطار التزام الكشافة التونسية بدعم الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى مكافحة التصحر والتغيرات المناخية، وترسيخ قيم المواطنة البيئية لدى الناشئة ومختلف مكونات المجتمع.

ويلعب التشجير دورًا حيويًا في استراتيجية تونس لمجابهة التغير المناخي والحد من الانحباس الحراري، حيث يعمل كخط دفاع طبيعي لامتصاص الكربون، وحماية التربة من الانجراف، والحد من زحف الرمال والتصحر، وخفض درجات الحرارة.

وتشكل حملات التشجير إحدى أبرز آليات تجديد الغطاء النباتي، الذي يواجه سنويًا سلسلة من الحرائق التي تؤدي، في كل مرة، إلى خسارة هكتارات من المناطق الخضراء. وكشف مدير المحافظة على الغابات بالإدارة العامة للغابات، الصحبي بوضياف، عن تسجيل 50 حريق غابات منذ بداية غرة ماي إلى غاية اليوم. وقال، في تصريح للإذاعة الوطنية، إن هذه الحرائق أتت على 200 هكتار، مبينًا أن الحريق الأكبر كان في جبل الشحمة بزغوان، وقد دامت عمليات إخماده نحو أربعين ساعة متتالية.

وتساهم الأشجار بشكل حيوي في خفض درجات الحرارة المحيطة، خاصة في المناطق الحضرية، عبر التظليل، إذ تمتص أوراق الأشجار وأغصانها الإشعاع الشمسي المباشر، مما يمنع وصوله إلى الأسطح الصلبة، كالأرصفة والمباني. ويحافظ هذا الظل على برودة الأسطح بشكل ملحوظ، على عكس الأسطح الصناعية التي تمتص الحرارة وتعيد إشعاعها، مسببةً "الجزر الحرارية الحضرية".

كما يساهم النتح (التعرق النباتي) في امتصاص الماء من التربة وإطلاقه في الغلاف الجوي على شكل بخار ماء من خلال مسام دقيقة في الأوراق. وتتطلب عملية تحويل الماء من الحالة السائلة إلى بخار طاقة حرارية، وتأخذ الأشجار هذه الطاقة من الهواء المحيط، مما يؤدي إلى تبريده بفاعلية، وكأنها مكيف طبيعي. كما تقوم الغطاءات الشجرية الكثيفة بكسر سرعة الرياح، مما يقلل من حركة الهواء الساخن، وتزيد من الرطوبة النسبية نتيجة النتح، بما يجعل الإحساس بالحرارة أقل، وتشكل الغابات والحدائق "واحات" باردة داخل المدن.

ولا يقتصر تأثير التشجير على خفض الحرارة، بل يمتد ليشمل آليات مهمة تساهم في تعزيز هطول الأمطار، عبر زيادة النتح والتبخر، إذ تطلق الأشجار كميات كبيرة من بخار الماء في الغلاف الجوي.

ويرفع هذا البخار مستوى الرطوبة في الهواء المحيط، ويسهم بشكل كبير في تشبع الطبقات السفلى من الغلاف الجوي بالرطوبة، بما يوفر الوقود اللازم لتشكل السحب. كما يساهم التبريد الناتج عن الأشجار، عبر التظليل والنتح، في خفض درجة حرارة الهواء. ويحمل الهواء البارد كمية أقل من بخار الماء قبل أن يصل إلى نقطة التشبع والتكثف، مما يسهل تكوين قطرات السحب. كما تطلق الأشجار مركبات عضوية متطايرة يمكن أن تتأكسد في الغلاف الجوي لتكوين جزيئات صغيرة تعمل بوصفها "نوى للتكثف السحابي". وحول هذه الجزيئات يتجمع بخار الماء ويتكثف لتتشكل قطرات السحب، التي تكبر لتسقط على شكل مطر.

وأوضحت غادة قرطاس، من جمعية أصدقاء "كابت" (Les Amis de CAPTE)، التي تهدف إلى التوفيق بين الزراعة والبيئة من خلال تعزيز الحراجة الزراعية، أن هذا التوجه يعد نموذجًا فلاحيًا مستدامًا يمكن تبنيه في تونس ودمجه في المستغلات الزراعية، إذ يقوم هذا النظام على تنويع الغطاء النباتي في الرقعة الأرضية نفسها، حيث تتعايش الأشجار والشجيرات مع النباتات والخضروات، إلى جانب إمكانية إدماج تربية الحيوانات بطريقة تخلق تفاعلات مفيدة بيئيًا واقتصاديًا.

وأكدت غادة قرطاس أن هذا النموذج لا يساهم فقط في تنويع الإنتاج واستغلال الأرض طيلة السنة، بل يعد حلًا فعالًا لمجابهة التغيرات المناخية، إذ تساعد الأشجار على حماية التربة من الانجراف، وتوفير الظل، وتحسين خصوبتها، فضلًا عن دورها في ترشيد استهلاك المياه.

كما أضافت أن الزراعات الحراجية تعزز التنوع البيولوجي، من خلال خلق نظام بيئي غني ومتوازن داخل الحقل، مما يساهم في مقاومة الآفات بشكل طبيعي، ويعيد إحياء العلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة.

ومن بين النقاط الإيجابية للزراعة الحراجية، كما يراها المختصون، أنها تقلل الاعتماد على النفط والأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتزيد من قدرة التربة على الصمود أمام الظروف المناخية القاسية، سواء كانت أمطارًا شتوية غزيرة أو موجات جفاف في الربيع والصيف. كما تساعد على تخزين كميات أكبر من الكربون في التربة، مما يجعلها أداة فعالة في مواجهة التغير المناخي.

ويمثل التشجير حلًا طبيعيًا وشاملًا للعديد من التحديات البيئية والمناخية. فبالإضافة إلى دوره الأساسي في خفض درجات الحرارة وتلطيف الأجواء، تساهم الأشجار بفاعلية في دورة الماء وتعزيز هطول الأمطار، من خلال زيادة الرطوبة الجوية، وتوفير نوى التكثف، وتعديل حركة الكتل الهوائية. لذا، فإن الاستثمار في زيادة الرقعة الخضراء ليس مجرد تحسين جمالي، بل هو استراتيجية حيوية للتكيف مع تغير المناخ، وتحقيق الاستدامة، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وخلق مدن أكثر مرونة وصحة.

ريم سوودي

 

 

مشروع "نزرع المستقبل" لمجابهة التغيرات المناخية..   الكشافة تطلق حملة وطنية لغراسة 100 ألف شجرة   

 

تونس - الصباح

أطلقت القيادة العامة للكشافة التونسية مشروعًا بيئيًا وطنيًا كبيرًا تحت اسم "نزرع المستقبل"، يهدف إلى غراسة 100 ألف شجرة على مساحة تتجاوز 100 هكتار، موزعة على مختلف ولايات الجمهورية. ويندرج المشروع في إطار دعم الجهود الوطنية لحماية الغابات ومجابهة التغيرات المناخية، كما يندرج ضمن برنامج دعم الحوكمة البيئية والمناخية من أجل انتقال إيكولوجي في تونس، والممول بشكل مشترك من قبل الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ مشترك بين الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ووزارة البيئة التونسية.

ويمتد المشروع على مدى 18 شهرًا، ويرتكز على ثلاثة محاور أساسية. ويتضمن المحور الأول تنفيذ حملات غراسة واسعة تشمل 100 ألف شجرة بمناطق مختلفة من البلاد، فيما يركز المحور الثاني على تكوين 50 قائدة وقائدًا كشفيًا ليضطلعوا بدور "سفراء حماية الغابات" ويساهموا في نشر الثقافة البيئية. أما المحور الثالث، فيتمثل في تنظيم أكثر من 100 حملة تحسيسية بالمؤسسات التربوية والمناطق الحضرية، بهدف تعزيز الوعي بأهمية المحافظة على البيئة وحماية الغطاء الغابي.

ويأتي هذا المشروع في إطار التزام الكشافة التونسية بدعم الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى مكافحة التصحر والتغيرات المناخية، وترسيخ قيم المواطنة البيئية لدى الناشئة ومختلف مكونات المجتمع.

ويلعب التشجير دورًا حيويًا في استراتيجية تونس لمجابهة التغير المناخي والحد من الانحباس الحراري، حيث يعمل كخط دفاع طبيعي لامتصاص الكربون، وحماية التربة من الانجراف، والحد من زحف الرمال والتصحر، وخفض درجات الحرارة.

وتشكل حملات التشجير إحدى أبرز آليات تجديد الغطاء النباتي، الذي يواجه سنويًا سلسلة من الحرائق التي تؤدي، في كل مرة، إلى خسارة هكتارات من المناطق الخضراء. وكشف مدير المحافظة على الغابات بالإدارة العامة للغابات، الصحبي بوضياف، عن تسجيل 50 حريق غابات منذ بداية غرة ماي إلى غاية اليوم. وقال، في تصريح للإذاعة الوطنية، إن هذه الحرائق أتت على 200 هكتار، مبينًا أن الحريق الأكبر كان في جبل الشحمة بزغوان، وقد دامت عمليات إخماده نحو أربعين ساعة متتالية.

وتساهم الأشجار بشكل حيوي في خفض درجات الحرارة المحيطة، خاصة في المناطق الحضرية، عبر التظليل، إذ تمتص أوراق الأشجار وأغصانها الإشعاع الشمسي المباشر، مما يمنع وصوله إلى الأسطح الصلبة، كالأرصفة والمباني. ويحافظ هذا الظل على برودة الأسطح بشكل ملحوظ، على عكس الأسطح الصناعية التي تمتص الحرارة وتعيد إشعاعها، مسببةً "الجزر الحرارية الحضرية".

كما يساهم النتح (التعرق النباتي) في امتصاص الماء من التربة وإطلاقه في الغلاف الجوي على شكل بخار ماء من خلال مسام دقيقة في الأوراق. وتتطلب عملية تحويل الماء من الحالة السائلة إلى بخار طاقة حرارية، وتأخذ الأشجار هذه الطاقة من الهواء المحيط، مما يؤدي إلى تبريده بفاعلية، وكأنها مكيف طبيعي. كما تقوم الغطاءات الشجرية الكثيفة بكسر سرعة الرياح، مما يقلل من حركة الهواء الساخن، وتزيد من الرطوبة النسبية نتيجة النتح، بما يجعل الإحساس بالحرارة أقل، وتشكل الغابات والحدائق "واحات" باردة داخل المدن.

ولا يقتصر تأثير التشجير على خفض الحرارة، بل يمتد ليشمل آليات مهمة تساهم في تعزيز هطول الأمطار، عبر زيادة النتح والتبخر، إذ تطلق الأشجار كميات كبيرة من بخار الماء في الغلاف الجوي.

ويرفع هذا البخار مستوى الرطوبة في الهواء المحيط، ويسهم بشكل كبير في تشبع الطبقات السفلى من الغلاف الجوي بالرطوبة، بما يوفر الوقود اللازم لتشكل السحب. كما يساهم التبريد الناتج عن الأشجار، عبر التظليل والنتح، في خفض درجة حرارة الهواء. ويحمل الهواء البارد كمية أقل من بخار الماء قبل أن يصل إلى نقطة التشبع والتكثف، مما يسهل تكوين قطرات السحب. كما تطلق الأشجار مركبات عضوية متطايرة يمكن أن تتأكسد في الغلاف الجوي لتكوين جزيئات صغيرة تعمل بوصفها "نوى للتكثف السحابي". وحول هذه الجزيئات يتجمع بخار الماء ويتكثف لتتشكل قطرات السحب، التي تكبر لتسقط على شكل مطر.

وأوضحت غادة قرطاس، من جمعية أصدقاء "كابت" (Les Amis de CAPTE)، التي تهدف إلى التوفيق بين الزراعة والبيئة من خلال تعزيز الحراجة الزراعية، أن هذا التوجه يعد نموذجًا فلاحيًا مستدامًا يمكن تبنيه في تونس ودمجه في المستغلات الزراعية، إذ يقوم هذا النظام على تنويع الغطاء النباتي في الرقعة الأرضية نفسها، حيث تتعايش الأشجار والشجيرات مع النباتات والخضروات، إلى جانب إمكانية إدماج تربية الحيوانات بطريقة تخلق تفاعلات مفيدة بيئيًا واقتصاديًا.

وأكدت غادة قرطاس أن هذا النموذج لا يساهم فقط في تنويع الإنتاج واستغلال الأرض طيلة السنة، بل يعد حلًا فعالًا لمجابهة التغيرات المناخية، إذ تساعد الأشجار على حماية التربة من الانجراف، وتوفير الظل، وتحسين خصوبتها، فضلًا عن دورها في ترشيد استهلاك المياه.

كما أضافت أن الزراعات الحراجية تعزز التنوع البيولوجي، من خلال خلق نظام بيئي غني ومتوازن داخل الحقل، مما يساهم في مقاومة الآفات بشكل طبيعي، ويعيد إحياء العلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة.

ومن بين النقاط الإيجابية للزراعة الحراجية، كما يراها المختصون، أنها تقلل الاعتماد على النفط والأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتزيد من قدرة التربة على الصمود أمام الظروف المناخية القاسية، سواء كانت أمطارًا شتوية غزيرة أو موجات جفاف في الربيع والصيف. كما تساعد على تخزين كميات أكبر من الكربون في التربة، مما يجعلها أداة فعالة في مواجهة التغير المناخي.

ويمثل التشجير حلًا طبيعيًا وشاملًا للعديد من التحديات البيئية والمناخية. فبالإضافة إلى دوره الأساسي في خفض درجات الحرارة وتلطيف الأجواء، تساهم الأشجار بفاعلية في دورة الماء وتعزيز هطول الأمطار، من خلال زيادة الرطوبة الجوية، وتوفير نوى التكثف، وتعديل حركة الكتل الهوائية. لذا، فإن الاستثمار في زيادة الرقعة الخضراء ليس مجرد تحسين جمالي، بل هو استراتيجية حيوية للتكيف مع تغير المناخ، وتحقيق الاستدامة، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وخلق مدن أكثر مرونة وصحة.

ريم سوودي