ما زال قطاع خدمات النقل الخاص، وخاصة التاكسي، يثير الكثير من الجدل والمواقف المتباينة، وخاصة في علاقة بتطبيقات النقل، التي ما زالت إلى اليوم منظومة ملتبسة ومثيرة لاستياء الحرفاء وتذمرهم من ارتفاع الأسعار، خاصة على تلك التطبيقات، ومن غياب التاكسي العادي، خاصة في أوقات الذروة.
ورغم ما أثارته تطبيقة "بولت" (Bolt) من إشكاليات دفعت إلى حظرها في السوق التونسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تطبيقات أخرى تثير اليوم الإشكاليات نفسها، ونفس استياء الحرفاء. ويرى بعض الحرفاء أن تطبيقة "بولت"، على ارتفاع أسعارها، كانت تسهّل بعض التنقلات العاجلة وتلبي احتياجات الحرفاء المستعجلين.
وكانت الوحدة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة قد تمكنت من تفكيك شبكة متورطة في غسل الأموال والتهرب الضريبي، تعمل عبر شركات تدير تطبيقات نقل الركاب بواسطة سيارات الأجرة الفردية. وقد كشفت التحقيقات أن هذه الشركات تعمل دون تراخيص قانونية، وتعتمد على تصاريح مغلوطة لممارسة نشاطها. كما أسفرت الأبحاث عن حجز نحو 12 مليون دينار مودعة في الحسابات البنكية التابعة لهذه الشركات، ومنها أساسًا الشركة التي تشرف على تطبيقة "بولت"، إضافة إلى إيقاف نشاطها، وشطبها من السجل الوطني للمؤسسات، وإغلاق مقراتها الاجتماعية.
وهذه الواقعة دفعت بأعضاء البرلمان ووزارة النقل إلى المبادرة بإثارة ملف التطبيقات، التي باتت اليوم ضرورة وحاجة فرضها نسق الحياة السريعة، والحاجة إلى نقل آمن، ولكن في الوقت نفسه يراعي الإمكانيات المادية لجميع الحرفاء.
وعود بتقنين التطبيقات..
في أفريل الماضي، خُصصت أشغال جلسة عامة بالبرلمان لملفات مرتبطة بقطاع النقل العمومي، وخاصة خدمات التاكسي وتنظيمه. وخلال رده على أسئلة النواب، أوضح وزير النقل، رشيد العامري، أن مختلف الإشكاليات المتداولة بخصوص إسناد رخص التاكسي وجودة الخدمات تخضع لمتابعة دقيقة من الوزارة، التي تعمل على إدخال إصلاحات هيكلية تهدف إلى مزيد من الشفافية والتنظيم.
وأكد الوزير أن الوزارة ستطلق منصة رقمية جديدة تُعنى بتنظيم البطاقات المهنية وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بطلبات التراخيص، بما يساهم في تحسين الحوكمة داخل القطاع، وأن العمل جارٍ على تأطير وتقنين التطبيقات الذكية المستعملة في نشاط التاكسي، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة لهذا المجال، وتوفير توازن بين مختلف المتدخلين.
وإلى جانب ضرورة تقنين هذه التطبيقات، التي تشتغل اليوم عشوائيًا، هناك إشكالية متجددة في القطاع، من بينها المطالبة برفع التعريفة، باعتبار الارتفاع الكبير في تكاليف النشاط، ومنها أسعار السيارات، وقطع الغيار، وأعباء التمويل، والالتزامات الاجتماعية. ووفق آخر الإحصائيات الرسمية، فإن قطاع النقل العمومي غير المنتظم يضم أكثر من 55 ألف مهني، ويوفر مورد رزق لأكثر من 150 ألف شخص.
وفي شهر جانفي الماضي، أشرفت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، على مجلس وزاري مضيق حول تطوير منظومة النقل العمومي. وقد أكدت رئيسة الحكومة أن تطوير منظومة النقل العمومي لا يندرج في إطار معالجات ظرفية أو جزئية، بل يمثل خيارًا استراتيجيًا للدولة يهدف إلى إجراء إصلاحات هيكلية لمنظومة مهترئة بسبب سياسات تراكمت طيلة العقود الماضية، مما يستوجب إعادة بنائها على أسس صلبة وثابتة.
كما أكدت رئيسة الحكومة أن الدولة تعمل حاليًا، على المدى القصير، على إيجاد حلول عاجلة للتخفيف من معاناة المواطنين في تنقلاتهم بكامل تراب الجمهورية، وذلك بتجديد أسطول الحافلات وعربات المترو، التي شهدت تهرمًا خلال العقود الأخيرة، في انتظار استكمال النهوض بهذا القطاع الحيوي الذي تم القضاء عليه تقريبًا في كافة أنحاء البلاد.
وقد قدم وزير النقل، رشيد العامري، عرضًا مفصلًا حول الإشكاليات والصعوبات التي مر بها قطاع النقل العمومي البري بصفة خاصة، نتيجة تراكم اختيارات وسياسات سابقة أفضت إلى ضعف الاستثمار وتهرم البنية التحتية لأسطول النقل، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الصيانة.
ورغم إطلاق شركة نقل تونس، منذ سنوات، لتطبيقة "وصلني" المجانية، لتمكين مختلف مستعملي خطوط الحافلات والمترو وقطار الضاحية الشمالية من التعرف على توقيت الانطلاق ومدى توفر وسائل النقل على مختلف هذه الخطوط بتونس الكبرى، إلا أن ذلك لم يعالج ولم يحل مشكلة النقل من جذورها، حيث ما زال الركاب، على أغلب خطوط الحافلات والمترو، يعانون من تأخير المواعيد، ومن نقل عمومي منتظم ما زال غير منظم، ولم يرتق بعد إلى مستوى انتظارات المواطنين.
ورغم التأكيد المتكرر لوزارة النقل بأنها تعمل على ملاءمة تعريفة نشاط النقل العمومي غير المنتظم للأشخاص على الطرقات بواسطة التاكسي الفردي، كما تعمل على تنفيذ مشروع التطبيقات المزمع تركيزه، إلى جانب مراجعة القانون عدد 33 لسنة 2004 المتعلق بتنظيم النقل البري وبعض نصوصه التطبيقية، ويعد أسطول سيارات التاكسي حوالي 17 ألف سيارة في تونس الكبرى، و35 ألف سيارة في كامل ولايات الجمهورية.
وقد أدى اتساع السوق كذلك إلى اتساع الفوضى في استخدام التطبيقات بسبب غياب قانون منظم، إلى جانب المشكلة التي تثيرها هذه الخدمة حول استخدامها للمعطيات الشخصية، وانتهاكها لقانون حماية البيانات الشخصية، وارتفاع الأسعار المشطة.
منية العرفاوي
تونس – الصباح
ما زال قطاع خدمات النقل الخاص، وخاصة التاكسي، يثير الكثير من الجدل والمواقف المتباينة، وخاصة في علاقة بتطبيقات النقل، التي ما زالت إلى اليوم منظومة ملتبسة ومثيرة لاستياء الحرفاء وتذمرهم من ارتفاع الأسعار، خاصة على تلك التطبيقات، ومن غياب التاكسي العادي، خاصة في أوقات الذروة.
ورغم ما أثارته تطبيقة "بولت" (Bolt) من إشكاليات دفعت إلى حظرها في السوق التونسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تطبيقات أخرى تثير اليوم الإشكاليات نفسها، ونفس استياء الحرفاء. ويرى بعض الحرفاء أن تطبيقة "بولت"، على ارتفاع أسعارها، كانت تسهّل بعض التنقلات العاجلة وتلبي احتياجات الحرفاء المستعجلين.
وكانت الوحدة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة قد تمكنت من تفكيك شبكة متورطة في غسل الأموال والتهرب الضريبي، تعمل عبر شركات تدير تطبيقات نقل الركاب بواسطة سيارات الأجرة الفردية. وقد كشفت التحقيقات أن هذه الشركات تعمل دون تراخيص قانونية، وتعتمد على تصاريح مغلوطة لممارسة نشاطها. كما أسفرت الأبحاث عن حجز نحو 12 مليون دينار مودعة في الحسابات البنكية التابعة لهذه الشركات، ومنها أساسًا الشركة التي تشرف على تطبيقة "بولت"، إضافة إلى إيقاف نشاطها، وشطبها من السجل الوطني للمؤسسات، وإغلاق مقراتها الاجتماعية.
وهذه الواقعة دفعت بأعضاء البرلمان ووزارة النقل إلى المبادرة بإثارة ملف التطبيقات، التي باتت اليوم ضرورة وحاجة فرضها نسق الحياة السريعة، والحاجة إلى نقل آمن، ولكن في الوقت نفسه يراعي الإمكانيات المادية لجميع الحرفاء.
وعود بتقنين التطبيقات..
في أفريل الماضي، خُصصت أشغال جلسة عامة بالبرلمان لملفات مرتبطة بقطاع النقل العمومي، وخاصة خدمات التاكسي وتنظيمه. وخلال رده على أسئلة النواب، أوضح وزير النقل، رشيد العامري، أن مختلف الإشكاليات المتداولة بخصوص إسناد رخص التاكسي وجودة الخدمات تخضع لمتابعة دقيقة من الوزارة، التي تعمل على إدخال إصلاحات هيكلية تهدف إلى مزيد من الشفافية والتنظيم.
وأكد الوزير أن الوزارة ستطلق منصة رقمية جديدة تُعنى بتنظيم البطاقات المهنية وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بطلبات التراخيص، بما يساهم في تحسين الحوكمة داخل القطاع، وأن العمل جارٍ على تأطير وتقنين التطبيقات الذكية المستعملة في نشاط التاكسي، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة لهذا المجال، وتوفير توازن بين مختلف المتدخلين.
وإلى جانب ضرورة تقنين هذه التطبيقات، التي تشتغل اليوم عشوائيًا، هناك إشكالية متجددة في القطاع، من بينها المطالبة برفع التعريفة، باعتبار الارتفاع الكبير في تكاليف النشاط، ومنها أسعار السيارات، وقطع الغيار، وأعباء التمويل، والالتزامات الاجتماعية. ووفق آخر الإحصائيات الرسمية، فإن قطاع النقل العمومي غير المنتظم يضم أكثر من 55 ألف مهني، ويوفر مورد رزق لأكثر من 150 ألف شخص.
وفي شهر جانفي الماضي، أشرفت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، على مجلس وزاري مضيق حول تطوير منظومة النقل العمومي. وقد أكدت رئيسة الحكومة أن تطوير منظومة النقل العمومي لا يندرج في إطار معالجات ظرفية أو جزئية، بل يمثل خيارًا استراتيجيًا للدولة يهدف إلى إجراء إصلاحات هيكلية لمنظومة مهترئة بسبب سياسات تراكمت طيلة العقود الماضية، مما يستوجب إعادة بنائها على أسس صلبة وثابتة.
كما أكدت رئيسة الحكومة أن الدولة تعمل حاليًا، على المدى القصير، على إيجاد حلول عاجلة للتخفيف من معاناة المواطنين في تنقلاتهم بكامل تراب الجمهورية، وذلك بتجديد أسطول الحافلات وعربات المترو، التي شهدت تهرمًا خلال العقود الأخيرة، في انتظار استكمال النهوض بهذا القطاع الحيوي الذي تم القضاء عليه تقريبًا في كافة أنحاء البلاد.
وقد قدم وزير النقل، رشيد العامري، عرضًا مفصلًا حول الإشكاليات والصعوبات التي مر بها قطاع النقل العمومي البري بصفة خاصة، نتيجة تراكم اختيارات وسياسات سابقة أفضت إلى ضعف الاستثمار وتهرم البنية التحتية لأسطول النقل، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الصيانة.
ورغم إطلاق شركة نقل تونس، منذ سنوات، لتطبيقة "وصلني" المجانية، لتمكين مختلف مستعملي خطوط الحافلات والمترو وقطار الضاحية الشمالية من التعرف على توقيت الانطلاق ومدى توفر وسائل النقل على مختلف هذه الخطوط بتونس الكبرى، إلا أن ذلك لم يعالج ولم يحل مشكلة النقل من جذورها، حيث ما زال الركاب، على أغلب خطوط الحافلات والمترو، يعانون من تأخير المواعيد، ومن نقل عمومي منتظم ما زال غير منظم، ولم يرتق بعد إلى مستوى انتظارات المواطنين.
ورغم التأكيد المتكرر لوزارة النقل بأنها تعمل على ملاءمة تعريفة نشاط النقل العمومي غير المنتظم للأشخاص على الطرقات بواسطة التاكسي الفردي، كما تعمل على تنفيذ مشروع التطبيقات المزمع تركيزه، إلى جانب مراجعة القانون عدد 33 لسنة 2004 المتعلق بتنظيم النقل البري وبعض نصوصه التطبيقية، ويعد أسطول سيارات التاكسي حوالي 17 ألف سيارة في تونس الكبرى، و35 ألف سيارة في كامل ولايات الجمهورية.
وقد أدى اتساع السوق كذلك إلى اتساع الفوضى في استخدام التطبيقات بسبب غياب قانون منظم، إلى جانب المشكلة التي تثيرها هذه الخدمة حول استخدامها للمعطيات الشخصية، وانتهاكها لقانون حماية البيانات الشخصية، وارتفاع الأسعار المشطة.