-أبطال المسرحية يقدمون على المسرح عالما إنسانيا يقوم على الانتظار والقلق والهشاشة
تونس – الصباح
لم يكن افتتاح الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، مساء السبت 11 جويلية، مجرد انطلاق لبرنامج تظاهرة ثقافية عريقة دخلت عقدها السابع تحت شعار "ذاكرة تعيش"، بل حمل في طياته مؤشرا لافتا أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل يتردد في الأوساط المسرحية خلال السنوات الأخيرة، وهو: هل هجر الجمهور المسرح فعلا؟
فقد جاءت مسرحية "الهاربات" للمخرجة وفاء الطبوبي لتفتتح فعاليات المهرجان أمام مدرجات غصّت بالمتفرجين، في مشهد بدا وكأنه يرد عمليا على المقولة التي طالما رددها البعض، بأن المسرح لم يعد قادرا على استقطاب جمهوره، وأن العروض المسرحية أصبحت الحلقة الأضعف في برمجة المهرجانات الصيفية، أمام هيمنة الحفلات الموسيقية والعروض الجماهيرية.
ولم يكن اختيار "الهاربات" لافتتاح هذه الدورة حدثا معزولا، فالعمل، الذي تنتجه بالشراكة المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية، سبق أن راكم نجاحات مهمة بحصوله على أبرز الجوائز في أيام قرطاج المسرحية، والمهرجان الوطني للمسرح التونسي، ثم مهرجان المسرح العربي، وهو ما جعل عرضه الأول على ركح الحمامات يحظى بانتظار واسع من جمهور المسرح والنقاد على حد سواء.
وعلى امتداد نحو تسعين دقيقة، قدمت فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصابرين عمر، ومحمد بوزيد، عالما إنسانيا يقوم على الانتظار والقلق والهشاشة، من خلال شخصيات تنتمي إلى فئات اجتماعية مختلفة، لكنها تلتقي عند الشعور بالتهميش وضبابية المستقبل، لتتحول محطة الانتظار التي تدور فيها الأحداث إلى استعارة لوطن وأسئلة وجودية يعيشها الإنسان المعاصر. ولم تعتمد وفاء الطبوبي على خطاب مباشر، بل اختارت لغة بصرية كثيفة، جعلت من الإضاءة عنصرا دراميا أساسيا، ومن حركة الممثلين داخل الفضاء المسرحي امتدادا لحالة الضياع التي تعيشها الشخصيات، قبل أن تنتهي المسرحية برسالة تفتح باب الأمل، حين يصبح الخلاص فعلا جماعيا لا فرديا، ويغدو الجمهور شريكا في استكمال الحكاية بعد إسدال الستار.
غير أن الحدث لم يتوقف عند نجاح العرض فنيا، بل امتد إلى ما كشفه من حضور جماهيري كثيف أعاد النقاش حول علاقة الجمهور بالمسرح. ففي الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أكدت الممثلة فاطمة بن سعيدان أن امتلاء مدرجات الحمامات ليس أمرا استثنائيا بالنسبة إلى هذا العمل، بل هو دليل على أن المسرح قادر على استعادة جمهوره متى احترم ذكاءه وقدم قضايا تمسه مباشرة. واعتبرت أن الرهان ينبغي أن يكون على المسرح الذي يتناول قضايا الإنسان والمواطنة ويخاطب المجتمع بلغة فنية صادقة، مؤكدة أن مثل هذه الأعمال قادرة على ملء فضاءات الحمامات وقرطاج ودقة وغيرها من المهرجانات، إذا توفرت الإرادة في الاستثمار في المسرح الجاد. ولم تخف فاطمة بن سعيدان اعتزازها بأن تفتتح الدورة الستون للمهرجان بعمل مسرحي، معتبرة أن لهذا الافتتاح طعما خاصا، رغم مسيرتها الطويلة، كما أشادت بمتابعة الإعلاميين لمراحل إعداد العرض منذ البروفات الأولى، معتبرة أن الصحافة الثقافية تبقى شريكا أساسيا في إيصال العمل المسرحي إلى جمهوره.
وتقود هذه التصريحات إلى سؤال ظل يفرض نفسه خلال السنوات الماضية: إذا كان الجمهور قد ملأ مدرجات الحمامات لمشاهدة عرض مسرحي، فلماذا يستمر الحديث عن عزوفه عن المسرح؟ لعل الإجابة تكمن في ما أشار إليه الممثل محمد بوزيد، عندما اعتبر أن أزمة المسرح ليست في المتفرج، وإنما في نوعية الأعمال المقدمة. فقد أكد أن "الهاربات" لم تصل إلى افتتاح مهرجان الحمامات صدفة، بل نتيجة فترة طويلة من التحضير والعمل واحترام الجمهور، مشددا على أن الحديث عن غياب جمهور المسرح لا تؤيده الوقائع، لأن المتفرج ما يزال يبحث عن العرض الذي يمنحه المتعة الفكرية والجمالية ويخاطبه بصدق. ويرى الممثل أن المسرح، باعتباره فنا حيا، يظل قادرا على خلق علاقة مباشرة مع المتلقي، لا تستطيع المنصات الرقمية ولا وسائل التواصل الاجتماعي تعويضها، لأن لحظة اللقاء بين الممثل والجمهور تظل تجربة إنسانية لا يمكن استنساخها عبر الشاشة.
ولعل ما يعزز هذه الفكرة أن "الهاربات" لم تراهن على الإبهار التقني أو الأسماء وحدها، وإنما على مشروع مسرحي متكامل يقوم على الانضباط والعمل الجماعي. فقد تحدث محمد بوزيد مطولا عن تجربة الاشتغال مع وفاء الطبوبي، واصفا إياها بالمخرجة التي تؤمن بالتفاصيل الدقيقة وترفض التنازل عن أي عنصر يمكن أن يؤثر في جودة العرض، معتبرا أن هذا الحرص هو الذي خلق حالة الانسجام بين الممثلين والتقنيين، وأنتج عرضا استطاع أن يحافظ على تماسكه حتى في أصعب الظروف الطبيعية التي يفرضها ركح الحمامات.
ومن جهتها، رأت الممثلة صابرين عمر أن النجاح الذي تحقق في افتتاح المهرجان لم يكن نجاح أفراد بقدر ما كان نجاح فريق كامل آمن بالمشروع المسرحي منذ بداياته. ووصفت مشاركتها الأولى على ركح الحمامات بأنها محطة استثنائية في مسيرتها، مؤكدة أن العلاقات الإنسانية التي جمعت الفريق كانت عاملا حاسما في تجاوز مختلف التحديات التي رافقت مرحلة الإعداد، وأن احترام الجميع للمشروع الفني جعل العمل يبدو متماسكا فوق الركح.
أما وفاء الطبوبي، فقد ذهبت أبعد من الحديث عن العرض نفسه، لتطرح رؤية متكاملة لدور المسرح اليوم. فقد أوضحت أن خصوصية ركح الحمامات لا تكمن فقط في قيمته الجمالية، وإنما في كونه فضاء يتفاعل مع العرض، حيث يتحول البحر والريح وضوء القمر إلى عناصر مشاركة في بناء المشهد المسرحي، بما يجعل كل عرض مختلفا عن سابقه. وأكدت أن هذه العلاقة بين الفن والطبيعة تفرض على الممثلين جهدا مضاعفا، لكنها، في المقابل، تمنح العرض طاقة لا يمكن أن تتحقق داخل القاعات المغلقة.
وفي مستوى آخر، رفضت وفاء الطبوبي القراءة التي تعتبر أعمالها قاتمة أو متشائمة، مؤكدة أن الأمل هو المحرك الأساسي لتجربتها المسرحية، وأن نهاية "الهاربات" لا تغلق الحكاية، بل تنقلها إلى الجمهور، لأن المسرح لا يقدم أجوبة نهائية، وإنما يدفع المتفرج إلى التفكير في واقعه وفي إمكانات تغييره. وأضافت أن الشخصيات التي تغادر الخشبة تظل حاضرة في ذهن المشاهد، وأن الضوء الذي يخرج من الركح في نهاية العرض يرمز إلى انتقال المسرحية من فضائها الفني إلى الحياة اليومية، حيث يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن أن يكون الغد أفضل؟
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة إذا وضعت في سياق واقع المسرح التونسي خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدت المهرجانات الصيفية تراجعا ملحوظا في حضور العروض المسرحية، مقابل توسع البرمجة الموسيقية، حتى أصبح حضور المسرح في بعض التظاهرات استثناء أكثر منه قاعدة. لذلك بدا افتتاح الدورة الستين لمهرجان الحمامات بمسرحية تونسية، وفي حضور جماهيري لافت، رسالة ثقافية تؤكد أن المسرح لا يزال يحتفظ بمكانته متى توفرت له الظروف المناسبة، وأن الأزمة ليست في غياب الجمهور، بقدر ما ترتبط بطبيعة الخيارات الثقافية والرهانات البرمجية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يختار مهرجان الحمامات، وهو يحتفل بستين عاما على تأسيسه، العودة إلى المسرح في ليلة الافتتاح، فالركح الذي شهد، منذ بداياته، أهم التجارب المسرحية التونسية والعربية، بدا وكأنه يستعيد جزءا من ذاكرته، مؤكدا أن المسرح ظل دائما أحد أعمدة هذه التظاهرة، وأن الاحتفاء بتاريخه لا يكون بالحنين فقط، وإنما بإعادة منحه المكانة التي يستحقها داخل البرمجة.
وإذا كانت "الهاربات" قد نجحت في استقطاب جمهور غفير، وفي إثارة نقاش واسع حول أسئلتها الفكرية والجمالية، فإن أهم ما كشفته، ربما، هو أن المتفرج التونسي لم يغادر المسرح كما يعتقد البعض، بل ظل ينتظر العرض الذي يحترم ذكاءه ويمنحه أسبابا للعودة إلى القاعة. لذلك قد يكون الامتحان الحقيقي اليوم هو قدرة المؤسسات الثقافية والمهرجانات على البناء على هذا النجاح، وتحويله من حدث استثنائي إلى سياسة ثقافية تعيد للمسرح حضوره الطبيعي في المشهد الثقافي، حتى لا يبقى امتلاء المدرجات بمسرحية خبرا يثير الدهشة، بل يصبح أمرا عاديا يؤكد أن المسرح، رغم كل التحولات، ما يزال قادرا على جمع الناس حول حكاية واحدة، وعلى فتح نافذة للأمل في زمن تتكاثر فيه أسئلة القلق والانتظار.
إيمان عبد اللطيف
-أبطال المسرحية يقدمون على المسرح عالما إنسانيا يقوم على الانتظار والقلق والهشاشة
تونس – الصباح
لم يكن افتتاح الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، مساء السبت 11 جويلية، مجرد انطلاق لبرنامج تظاهرة ثقافية عريقة دخلت عقدها السابع تحت شعار "ذاكرة تعيش"، بل حمل في طياته مؤشرا لافتا أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل يتردد في الأوساط المسرحية خلال السنوات الأخيرة، وهو: هل هجر الجمهور المسرح فعلا؟
فقد جاءت مسرحية "الهاربات" للمخرجة وفاء الطبوبي لتفتتح فعاليات المهرجان أمام مدرجات غصّت بالمتفرجين، في مشهد بدا وكأنه يرد عمليا على المقولة التي طالما رددها البعض، بأن المسرح لم يعد قادرا على استقطاب جمهوره، وأن العروض المسرحية أصبحت الحلقة الأضعف في برمجة المهرجانات الصيفية، أمام هيمنة الحفلات الموسيقية والعروض الجماهيرية.
ولم يكن اختيار "الهاربات" لافتتاح هذه الدورة حدثا معزولا، فالعمل، الذي تنتجه بالشراكة المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية، سبق أن راكم نجاحات مهمة بحصوله على أبرز الجوائز في أيام قرطاج المسرحية، والمهرجان الوطني للمسرح التونسي، ثم مهرجان المسرح العربي، وهو ما جعل عرضه الأول على ركح الحمامات يحظى بانتظار واسع من جمهور المسرح والنقاد على حد سواء.
وعلى امتداد نحو تسعين دقيقة، قدمت فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصابرين عمر، ومحمد بوزيد، عالما إنسانيا يقوم على الانتظار والقلق والهشاشة، من خلال شخصيات تنتمي إلى فئات اجتماعية مختلفة، لكنها تلتقي عند الشعور بالتهميش وضبابية المستقبل، لتتحول محطة الانتظار التي تدور فيها الأحداث إلى استعارة لوطن وأسئلة وجودية يعيشها الإنسان المعاصر. ولم تعتمد وفاء الطبوبي على خطاب مباشر، بل اختارت لغة بصرية كثيفة، جعلت من الإضاءة عنصرا دراميا أساسيا، ومن حركة الممثلين داخل الفضاء المسرحي امتدادا لحالة الضياع التي تعيشها الشخصيات، قبل أن تنتهي المسرحية برسالة تفتح باب الأمل، حين يصبح الخلاص فعلا جماعيا لا فرديا، ويغدو الجمهور شريكا في استكمال الحكاية بعد إسدال الستار.
غير أن الحدث لم يتوقف عند نجاح العرض فنيا، بل امتد إلى ما كشفه من حضور جماهيري كثيف أعاد النقاش حول علاقة الجمهور بالمسرح. ففي الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أكدت الممثلة فاطمة بن سعيدان أن امتلاء مدرجات الحمامات ليس أمرا استثنائيا بالنسبة إلى هذا العمل، بل هو دليل على أن المسرح قادر على استعادة جمهوره متى احترم ذكاءه وقدم قضايا تمسه مباشرة. واعتبرت أن الرهان ينبغي أن يكون على المسرح الذي يتناول قضايا الإنسان والمواطنة ويخاطب المجتمع بلغة فنية صادقة، مؤكدة أن مثل هذه الأعمال قادرة على ملء فضاءات الحمامات وقرطاج ودقة وغيرها من المهرجانات، إذا توفرت الإرادة في الاستثمار في المسرح الجاد. ولم تخف فاطمة بن سعيدان اعتزازها بأن تفتتح الدورة الستون للمهرجان بعمل مسرحي، معتبرة أن لهذا الافتتاح طعما خاصا، رغم مسيرتها الطويلة، كما أشادت بمتابعة الإعلاميين لمراحل إعداد العرض منذ البروفات الأولى، معتبرة أن الصحافة الثقافية تبقى شريكا أساسيا في إيصال العمل المسرحي إلى جمهوره.
وتقود هذه التصريحات إلى سؤال ظل يفرض نفسه خلال السنوات الماضية: إذا كان الجمهور قد ملأ مدرجات الحمامات لمشاهدة عرض مسرحي، فلماذا يستمر الحديث عن عزوفه عن المسرح؟ لعل الإجابة تكمن في ما أشار إليه الممثل محمد بوزيد، عندما اعتبر أن أزمة المسرح ليست في المتفرج، وإنما في نوعية الأعمال المقدمة. فقد أكد أن "الهاربات" لم تصل إلى افتتاح مهرجان الحمامات صدفة، بل نتيجة فترة طويلة من التحضير والعمل واحترام الجمهور، مشددا على أن الحديث عن غياب جمهور المسرح لا تؤيده الوقائع، لأن المتفرج ما يزال يبحث عن العرض الذي يمنحه المتعة الفكرية والجمالية ويخاطبه بصدق. ويرى الممثل أن المسرح، باعتباره فنا حيا، يظل قادرا على خلق علاقة مباشرة مع المتلقي، لا تستطيع المنصات الرقمية ولا وسائل التواصل الاجتماعي تعويضها، لأن لحظة اللقاء بين الممثل والجمهور تظل تجربة إنسانية لا يمكن استنساخها عبر الشاشة.
ولعل ما يعزز هذه الفكرة أن "الهاربات" لم تراهن على الإبهار التقني أو الأسماء وحدها، وإنما على مشروع مسرحي متكامل يقوم على الانضباط والعمل الجماعي. فقد تحدث محمد بوزيد مطولا عن تجربة الاشتغال مع وفاء الطبوبي، واصفا إياها بالمخرجة التي تؤمن بالتفاصيل الدقيقة وترفض التنازل عن أي عنصر يمكن أن يؤثر في جودة العرض، معتبرا أن هذا الحرص هو الذي خلق حالة الانسجام بين الممثلين والتقنيين، وأنتج عرضا استطاع أن يحافظ على تماسكه حتى في أصعب الظروف الطبيعية التي يفرضها ركح الحمامات.
ومن جهتها، رأت الممثلة صابرين عمر أن النجاح الذي تحقق في افتتاح المهرجان لم يكن نجاح أفراد بقدر ما كان نجاح فريق كامل آمن بالمشروع المسرحي منذ بداياته. ووصفت مشاركتها الأولى على ركح الحمامات بأنها محطة استثنائية في مسيرتها، مؤكدة أن العلاقات الإنسانية التي جمعت الفريق كانت عاملا حاسما في تجاوز مختلف التحديات التي رافقت مرحلة الإعداد، وأن احترام الجميع للمشروع الفني جعل العمل يبدو متماسكا فوق الركح.
أما وفاء الطبوبي، فقد ذهبت أبعد من الحديث عن العرض نفسه، لتطرح رؤية متكاملة لدور المسرح اليوم. فقد أوضحت أن خصوصية ركح الحمامات لا تكمن فقط في قيمته الجمالية، وإنما في كونه فضاء يتفاعل مع العرض، حيث يتحول البحر والريح وضوء القمر إلى عناصر مشاركة في بناء المشهد المسرحي، بما يجعل كل عرض مختلفا عن سابقه. وأكدت أن هذه العلاقة بين الفن والطبيعة تفرض على الممثلين جهدا مضاعفا، لكنها، في المقابل، تمنح العرض طاقة لا يمكن أن تتحقق داخل القاعات المغلقة.
وفي مستوى آخر، رفضت وفاء الطبوبي القراءة التي تعتبر أعمالها قاتمة أو متشائمة، مؤكدة أن الأمل هو المحرك الأساسي لتجربتها المسرحية، وأن نهاية "الهاربات" لا تغلق الحكاية، بل تنقلها إلى الجمهور، لأن المسرح لا يقدم أجوبة نهائية، وإنما يدفع المتفرج إلى التفكير في واقعه وفي إمكانات تغييره. وأضافت أن الشخصيات التي تغادر الخشبة تظل حاضرة في ذهن المشاهد، وأن الضوء الذي يخرج من الركح في نهاية العرض يرمز إلى انتقال المسرحية من فضائها الفني إلى الحياة اليومية، حيث يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن أن يكون الغد أفضل؟
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة إذا وضعت في سياق واقع المسرح التونسي خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدت المهرجانات الصيفية تراجعا ملحوظا في حضور العروض المسرحية، مقابل توسع البرمجة الموسيقية، حتى أصبح حضور المسرح في بعض التظاهرات استثناء أكثر منه قاعدة. لذلك بدا افتتاح الدورة الستين لمهرجان الحمامات بمسرحية تونسية، وفي حضور جماهيري لافت، رسالة ثقافية تؤكد أن المسرح لا يزال يحتفظ بمكانته متى توفرت له الظروف المناسبة، وأن الأزمة ليست في غياب الجمهور، بقدر ما ترتبط بطبيعة الخيارات الثقافية والرهانات البرمجية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يختار مهرجان الحمامات، وهو يحتفل بستين عاما على تأسيسه، العودة إلى المسرح في ليلة الافتتاح، فالركح الذي شهد، منذ بداياته، أهم التجارب المسرحية التونسية والعربية، بدا وكأنه يستعيد جزءا من ذاكرته، مؤكدا أن المسرح ظل دائما أحد أعمدة هذه التظاهرة، وأن الاحتفاء بتاريخه لا يكون بالحنين فقط، وإنما بإعادة منحه المكانة التي يستحقها داخل البرمجة.
وإذا كانت "الهاربات" قد نجحت في استقطاب جمهور غفير، وفي إثارة نقاش واسع حول أسئلتها الفكرية والجمالية، فإن أهم ما كشفته، ربما، هو أن المتفرج التونسي لم يغادر المسرح كما يعتقد البعض، بل ظل ينتظر العرض الذي يحترم ذكاءه ويمنحه أسبابا للعودة إلى القاعة. لذلك قد يكون الامتحان الحقيقي اليوم هو قدرة المؤسسات الثقافية والمهرجانات على البناء على هذا النجاح، وتحويله من حدث استثنائي إلى سياسة ثقافية تعيد للمسرح حضوره الطبيعي في المشهد الثقافي، حتى لا يبقى امتلاء المدرجات بمسرحية خبرا يثير الدهشة، بل يصبح أمرا عاديا يؤكد أن المسرح، رغم كل التحولات، ما يزال قادرا على جمع الناس حول حكاية واحدة، وعلى فتح نافذة للأمل في زمن تتكاثر فيه أسئلة القلق والانتظار.