إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بقيت مهنا عشوائية رغم استقطابها للآلاف.. عمّال التوصيل والمنصّات الرقمية.. وضعية مهنية وقانونية في غاية الهشاشة!

تونس - الصباح

مع انتشار التسويق الإلكتروني وخدمات التوصيل في المطاعم والفضاءات التجارية، أصبح قطاع خدمات التوصيل اليوم من القطاعات الواسعة التي تستقطب مئات الشباب هربا من البطالة، وحتى الطلبة الباحثين عن موارد دخل إضافية. وممّا عزّز هذا الإقبال اعتماد هذه المهنة كليا على تطبيقات توصيل دولية ومحلية، دون أن تكون هناك شروط صارمة لقبول المترشحين.

 

منية العرفاوي

والأهم أن هذه المهنة لا تشترط الخبرة، وهو ما سهّل اندماج عدد من الشباب في سوق الشغل، بعد أن كانت الخبرة تمثل أحد أبرز العراقيل أمامهم. ورغم ذلك، فإن عمال التوصيل يواجهون تحديات عديدة، ترتبط بتكاليف صيانة الدراجات، وتسعيرة خدمات التوصيل، والأخطر من ذلك غياب إطار تشريعي ينظم هذا القطاع ويحقق الحد الأدنى من الاستقرار المهني، وهو ما دفع عددا كبيرا من عمال التوصيل، خلال الأيام الأخيرة، إلى تنفيذ وقفات وتحركات احتجاجية للمطالبة بتنظيم القطاع، وتحسين الأجور، وتوفير التغطية الاجتماعية.

ويُعد قطاع خدمات التوصيل من القطاعات التي شهدت نسق نموّ حثيثا خلال السنوات الأخيرة، ويعتمد أساسا على رأس مال يتمثل، في الغالب، في دراجة نارية أو سيارة. أما على مستوى الأجور، فيرتكز هذا القطاع أساسا على نظام العمولة، وليس على الأجر القار، إلا في حالات محدودة، وهو ما يجعل العلاقة الشغلية هشة وغير مستقرة.

 

مهنة عشوائية

لا يزال قطاع خدمات التوصيل، إلى اليوم، نشاطا يغلب عليه الطابع العشوائي، في ظل قطاع يفتقر إلى إطار قانوني ينظم هذه المهنة.

وقد كشفت دراسة ميدانية حديثة، أنجزها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل، أن الغالبية الساحقة من عمال المنصات الرقمية في تونس يشتغلون في ظروف هشة، وخارج أي إطار قانوني أو اجتماعي يحميهم، مما يجعلهم عرضة للاستغلال، وانتهاك الحقوق، والحوادث، ويعرّض الحرفاء، بدورهم، إلى مخاطر متعددة في ظل غياب تنظيم قانوني واضح لهذا القطاع.

ويوم الاثنين الماضي، نظم قسم الدراسات والتوثيق، بمقر الاتحاد العام التونسي للشغل، ندوة حول "عمال المنصات الرقمية"، وقد أجمع جميع المتدخلين فيها على أن قطاع المنصات الرقمية يطرح اليوم تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية تستوجب تدخلا عاجلا لوضع إطار قانوني ينظم نشاطه ويحمي مختلف الأطراف المعنية.

وأكد الخبير في الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، الذي أشرف على إنجاز هذه الدراسة، أن هذا البحث يمثل أول دراسة ميدانية وطنية شاملة حول واقع عمال المنصات الرقمية في تونس. وقد اعتمدت الدراسة على استبيان شمل 121 عاملا من مختلف أصناف العاملين عبر المنصات الرقمية، من بينهم سائقو سيارات التوصيل، وسائقو الدراجات النارية، والعاملون في نقل الركاب عبر التطبيقات، وموزعو البضائع والسلع، إضافة إلى مقدمي خدمات المساعدة والرعاية الصحية المنزلية.

وأوضح الهادي دحمان أن الدراسة كشفت عن أوضاع قانونية واجتماعية ومهنية "بالغة الهشاشة"، مشيرا إلى أن هذه الفئة تمثل جزءا من الاقتصاد غير المنظم، بل إنها تمثل، وفق تعبيره على هامش الندوة، "اقتصادا موازيا داخل الاقتصاد الموازي"، في ظل غياب أي تأطير قانوني أو هيكل يمثل مصالحها.

وكشفت الدراسة أن نحو 98 بالمائة من العاملين عبر المنصات الرقمية لا يتمتعون بأي تغطية اجتماعية أو تأمين على وسائل النقل التي يستعملونها، رغم تعرضهم اليومي لحوادث المرور ومختلف المخاطر المهنية، فضلا عن مخاطر المرض، والعنف، والتحرش، والابتزاز، إضافة إلى إمكانية حرمانهم من أجورهم أو طردهم تعسفيا، دون حق في الاعتراض أو الدفاع عن أنفسهم.

كما أشار الباحث الهادي دحمان إلى أن نحو 90 بالمائة من أفراد العينة لا يتجاوز مستواهم التعليمي المرحلة الابتدائية أو السنوات الأولى من التعليم الثانوي، فيما يشكل الرجال نحو 85 بالمائة من مجموع العاملين، وتتراوح أعمارهم بين 28 و65 سنة، وذلك خلافا للاعتقاد السائد بأن هذا النشاط يقتصر على الشباب أو يمثل عملا ظرفيا.

وقدّر دحمان عدد العاملين في هذا القطاع في تونس بحوالي 60 ألف شخص، معتبرا أن العمل عبر المنصات الرقمية يشهد توسعا متواصلا، بما يستدعي وضع سياسات عمومية عاجلة لتنظيمه.

ومن جهة أخرى، نبّه دحمان إلى أن غياب التأطير القانوني لهذا القطاع لا يهدد العمال فحسب، بل قد يشكل أيضا خطرا على المجتمع، باعتبار أن بعض العاملين يدخلون المنازل لتقديم خدمات مختلفة، دون وجود منظومة رقابية واضحة، فضلا عن المخاطر المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية للحرفاء، وهو ما يضفي على هذا الملف أبعادا اجتماعية واقتصادية وأمنية. وشدد على أن عمال المنصات الرقمية يعيشون أقصى درجات الهشاشة والتهميش، داعيا إلى إرساء قاعدة بيانات وطنية خاصة بهذه الفئة، وسنّ تشريعات تكفل لهم الحق في الضمان الاجتماعي والتأمين ضد حوادث الشغل والمرور، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية للعاملين والحرفاء على حد سواء، بما يحد من التجاوزات ويحفظ حقوق جميع الأطراف.

وفي سبتمبر 2023، قدمت مؤسسة "فريدريش إيبرت" نتائج بحث ميداني ودراسة بعنوان: "الشباب، التطبيقات والحرفاء: سوسيولوجيا خدمات توصيل الأكلات في تونس".

وقال الباحث في علم الاجتماع، وأحد معدّي الدراسة، سفيان جاب الله، إنه تم التوصل إلى أن الفئة العمرية الأكثر رغبة في العمل في قطاع التوصيل هي فئة شابة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو المتوسطة الدنيا، حيث إن 74 بالمائة من المستوجبين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 20 و29 سنة، و100 بالمائة منهم يقطنون بأحياء شعبية.

وأضاف أن خدمات التوصيل تُعد مهنة حديثة جدا في تونس، مشيرا إلى أن الدراسة أكدت أن 80 بالمائة من العاملين في خدمات التوصيل من الذكور، مقابل 20 بالمائة من الإناث، وأن المستويات التعليمية تتوزع بين 13 بالمائة تعليما أساسيا، و80 بالمائة تعليما ثانويا، و6.7 بالمائة تعليما جامعيا.

وأُنجزت هذه الدراسة في إطار مشروع إقليمي بتونس بعنوان "سياسات اقتصادية من أجل العدالة الاجتماعية"، وامتد من أكتوبر 2022 إلى سبتمبر 2023.

وشددت الدراسة على ضرورة إعادة النظر في القوانين المنظمة لتطبيقات خدمات التوصيل، بالنظر إلى المخاطر التي تهدد عامل التوصيل، وعلى رأسها حوادث الطرقات، إضافة إلى هشاشة وضعه القانوني، إذ إن أغلب العقود التي يُبرمها العاملون هي عقود إسداء خدمات، وهي عقود لا تضمن لهم الحماية القانونية والمهنية اللازمة.

 

 

بقيت مهنا عشوائية رغم استقطابها للآلاف.. عمّال التوصيل والمنصّات الرقمية.. وضعية مهنية وقانونية في غاية الهشاشة!

تونس - الصباح

مع انتشار التسويق الإلكتروني وخدمات التوصيل في المطاعم والفضاءات التجارية، أصبح قطاع خدمات التوصيل اليوم من القطاعات الواسعة التي تستقطب مئات الشباب هربا من البطالة، وحتى الطلبة الباحثين عن موارد دخل إضافية. وممّا عزّز هذا الإقبال اعتماد هذه المهنة كليا على تطبيقات توصيل دولية ومحلية، دون أن تكون هناك شروط صارمة لقبول المترشحين.

 

منية العرفاوي

والأهم أن هذه المهنة لا تشترط الخبرة، وهو ما سهّل اندماج عدد من الشباب في سوق الشغل، بعد أن كانت الخبرة تمثل أحد أبرز العراقيل أمامهم. ورغم ذلك، فإن عمال التوصيل يواجهون تحديات عديدة، ترتبط بتكاليف صيانة الدراجات، وتسعيرة خدمات التوصيل، والأخطر من ذلك غياب إطار تشريعي ينظم هذا القطاع ويحقق الحد الأدنى من الاستقرار المهني، وهو ما دفع عددا كبيرا من عمال التوصيل، خلال الأيام الأخيرة، إلى تنفيذ وقفات وتحركات احتجاجية للمطالبة بتنظيم القطاع، وتحسين الأجور، وتوفير التغطية الاجتماعية.

ويُعد قطاع خدمات التوصيل من القطاعات التي شهدت نسق نموّ حثيثا خلال السنوات الأخيرة، ويعتمد أساسا على رأس مال يتمثل، في الغالب، في دراجة نارية أو سيارة. أما على مستوى الأجور، فيرتكز هذا القطاع أساسا على نظام العمولة، وليس على الأجر القار، إلا في حالات محدودة، وهو ما يجعل العلاقة الشغلية هشة وغير مستقرة.

 

مهنة عشوائية

لا يزال قطاع خدمات التوصيل، إلى اليوم، نشاطا يغلب عليه الطابع العشوائي، في ظل قطاع يفتقر إلى إطار قانوني ينظم هذه المهنة.

وقد كشفت دراسة ميدانية حديثة، أنجزها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل، أن الغالبية الساحقة من عمال المنصات الرقمية في تونس يشتغلون في ظروف هشة، وخارج أي إطار قانوني أو اجتماعي يحميهم، مما يجعلهم عرضة للاستغلال، وانتهاك الحقوق، والحوادث، ويعرّض الحرفاء، بدورهم، إلى مخاطر متعددة في ظل غياب تنظيم قانوني واضح لهذا القطاع.

ويوم الاثنين الماضي، نظم قسم الدراسات والتوثيق، بمقر الاتحاد العام التونسي للشغل، ندوة حول "عمال المنصات الرقمية"، وقد أجمع جميع المتدخلين فيها على أن قطاع المنصات الرقمية يطرح اليوم تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية تستوجب تدخلا عاجلا لوضع إطار قانوني ينظم نشاطه ويحمي مختلف الأطراف المعنية.

وأكد الخبير في الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، الذي أشرف على إنجاز هذه الدراسة، أن هذا البحث يمثل أول دراسة ميدانية وطنية شاملة حول واقع عمال المنصات الرقمية في تونس. وقد اعتمدت الدراسة على استبيان شمل 121 عاملا من مختلف أصناف العاملين عبر المنصات الرقمية، من بينهم سائقو سيارات التوصيل، وسائقو الدراجات النارية، والعاملون في نقل الركاب عبر التطبيقات، وموزعو البضائع والسلع، إضافة إلى مقدمي خدمات المساعدة والرعاية الصحية المنزلية.

وأوضح الهادي دحمان أن الدراسة كشفت عن أوضاع قانونية واجتماعية ومهنية "بالغة الهشاشة"، مشيرا إلى أن هذه الفئة تمثل جزءا من الاقتصاد غير المنظم، بل إنها تمثل، وفق تعبيره على هامش الندوة، "اقتصادا موازيا داخل الاقتصاد الموازي"، في ظل غياب أي تأطير قانوني أو هيكل يمثل مصالحها.

وكشفت الدراسة أن نحو 98 بالمائة من العاملين عبر المنصات الرقمية لا يتمتعون بأي تغطية اجتماعية أو تأمين على وسائل النقل التي يستعملونها، رغم تعرضهم اليومي لحوادث المرور ومختلف المخاطر المهنية، فضلا عن مخاطر المرض، والعنف، والتحرش، والابتزاز، إضافة إلى إمكانية حرمانهم من أجورهم أو طردهم تعسفيا، دون حق في الاعتراض أو الدفاع عن أنفسهم.

كما أشار الباحث الهادي دحمان إلى أن نحو 90 بالمائة من أفراد العينة لا يتجاوز مستواهم التعليمي المرحلة الابتدائية أو السنوات الأولى من التعليم الثانوي، فيما يشكل الرجال نحو 85 بالمائة من مجموع العاملين، وتتراوح أعمارهم بين 28 و65 سنة، وذلك خلافا للاعتقاد السائد بأن هذا النشاط يقتصر على الشباب أو يمثل عملا ظرفيا.

وقدّر دحمان عدد العاملين في هذا القطاع في تونس بحوالي 60 ألف شخص، معتبرا أن العمل عبر المنصات الرقمية يشهد توسعا متواصلا، بما يستدعي وضع سياسات عمومية عاجلة لتنظيمه.

ومن جهة أخرى، نبّه دحمان إلى أن غياب التأطير القانوني لهذا القطاع لا يهدد العمال فحسب، بل قد يشكل أيضا خطرا على المجتمع، باعتبار أن بعض العاملين يدخلون المنازل لتقديم خدمات مختلفة، دون وجود منظومة رقابية واضحة، فضلا عن المخاطر المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية للحرفاء، وهو ما يضفي على هذا الملف أبعادا اجتماعية واقتصادية وأمنية. وشدد على أن عمال المنصات الرقمية يعيشون أقصى درجات الهشاشة والتهميش، داعيا إلى إرساء قاعدة بيانات وطنية خاصة بهذه الفئة، وسنّ تشريعات تكفل لهم الحق في الضمان الاجتماعي والتأمين ضد حوادث الشغل والمرور، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية للعاملين والحرفاء على حد سواء، بما يحد من التجاوزات ويحفظ حقوق جميع الأطراف.

وفي سبتمبر 2023، قدمت مؤسسة "فريدريش إيبرت" نتائج بحث ميداني ودراسة بعنوان: "الشباب، التطبيقات والحرفاء: سوسيولوجيا خدمات توصيل الأكلات في تونس".

وقال الباحث في علم الاجتماع، وأحد معدّي الدراسة، سفيان جاب الله، إنه تم التوصل إلى أن الفئة العمرية الأكثر رغبة في العمل في قطاع التوصيل هي فئة شابة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو المتوسطة الدنيا، حيث إن 74 بالمائة من المستوجبين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 20 و29 سنة، و100 بالمائة منهم يقطنون بأحياء شعبية.

وأضاف أن خدمات التوصيل تُعد مهنة حديثة جدا في تونس، مشيرا إلى أن الدراسة أكدت أن 80 بالمائة من العاملين في خدمات التوصيل من الذكور، مقابل 20 بالمائة من الإناث، وأن المستويات التعليمية تتوزع بين 13 بالمائة تعليما أساسيا، و80 بالمائة تعليما ثانويا، و6.7 بالمائة تعليما جامعيا.

وأُنجزت هذه الدراسة في إطار مشروع إقليمي بتونس بعنوان "سياسات اقتصادية من أجل العدالة الاجتماعية"، وامتد من أكتوبر 2022 إلى سبتمبر 2023.

وشددت الدراسة على ضرورة إعادة النظر في القوانين المنظمة لتطبيقات خدمات التوصيل، بالنظر إلى المخاطر التي تهدد عامل التوصيل، وعلى رأسها حوادث الطرقات، إضافة إلى هشاشة وضعه القانوني، إذ إن أغلب العقود التي يُبرمها العاملون هي عقود إسداء خدمات، وهي عقود لا تضمن لهم الحماية القانونية والمهنية اللازمة.