مع تواصل الجدل حول النشر للحساب الخاص وأحقيته بالجوائز الوطنية من عدمها.. رئيس اتحاد الناشرين التونسيين لـ"الصباح": الاقتناءات العمومية والجوائز لا تمنح لإصدارات خارج كراس الشروط
*"الكاتب ليس ممنوعا من دخول مجال النشر من حيث المبدأ، لكنه ملزم بأن يدخل إليه من بابه القانوني."
*"لا يجوز للمال العام أن يساوي بين ناشر يحترم كراس الشروط وبين إصدار فردي تجاوز شروط المهنة، ثم طالب بالامتيازات نفسها."
تونس – الصباح
يتواصل الجدل حول مسألة الإصدارات المنشورة على الحساب الخاص في تونس، بعد قرار لجنة المعرض الوطني للكتاب التونسي رفض مشاركة الإصدارات المنشورة على الحساب الخاص في الترشح لجوائزه، والتنصيص على ذلك صراحة في بلاغ في الغرض، مقابل فتح باب الاقتناءات العمومية أمام هذه الإصدارات من قبل وزارة الشؤون الثقافية. هذا التباين في التعاطي مع الكتاب المنشور خارج مسار دور النشر المعتمدة أعاد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين شروط المشاركة في آليات التتويج والاعتراف، وبين معايير دعم الكتاب واقتنائه من المال العام.
وبعد أن نشرنا موقف اتحاد الكتاب التونسيين، ممثلا في رئيسه سعد برغل، الذي أكد لـ"الصباح" رفضه ما جاء في بلاغ المعرض الوطني للكتاب، الذي ينتظم من 23 أكتوبر إلى غرة نوفمبر القادمين، حول منع ترشح الكتّاب الذين ينشرون للحساب الخاص لجوائزه، فهو، من منظوره، بلاغ إقصائي ولا يضمن تكافؤ الفرص. وتوقف محدثنا أيضا عند ما أسماه بالضبابية التي تتسم بها السياسة التي تعتمدها سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، إزاء قطاع النشر، فهي تسمح، من جهة، باقتناء الإصدارات المنشورة للحساب الخاص، وتمنع مشاركتها في المعرض الوطني للكتاب التونسي، مطالبا بمراجعة هذه السياسة والابتعاد عما أسماه بالإجراءات الإقصائية، مشددا على أن الكتاب يحكم عليه فقط من ناحية مضمونه، وجودة النشر، وقيمته الإبداعية.
واليوم نتحدث إلى رئيس اتحاد الناشرين التونسيين محمد رياض بن عبد الرزاق، الذي أكد، من جهته، لـ"الصباح"، أن الجدل الدائر في تونس حول النشر على الحساب الخاص "لم يعد مجرد خلاف بين كتّاب وناشرين أو مسألة تقديرية ترتبط بجودة هذا الكتاب أو ذاك، بل، في جوهره، مسألة قانونية ومؤسساتية تطرح سؤالا أساسيا يتمثل في مدى إمكانية ممارسة نشاط نشر الكتب خارج مقتضيات كراس الشروط المنظم لهذا النشاط."
إيمان عبد اللطيف
وأوضح أن الإجابة لا تحتاج إلى تأويل، لأن عنوان النص المنظم نفسه، وهو "كراس شروط ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتب"، يكاد يحسم المسألة، باعتباره لا يتحدث عن كراس شروط خاص بدور النشر فقط، أو عن امتياز ممنوح للناشرين، وإنما ينظم ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتب، وهو ما يجعل محل التنظيم هو النشاط ذاته، وليس صفة الشخص الذي يمارسه. وأضاف أن "كل من يمارس فعليا نشاط النشر، سواء كان كاتبا أو مؤسسة، يدخل في نطاق هذا الكراس الذي تمت المصادقة عليه بمقتضى قرار وزير الثقافة والمحافظة على التراث المؤرخ في 20 أفريل 2005، والمتعلق بالمصادقة على كراس شروط ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتاب، والمنشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 33 بتاريخ 26 أفريل 2005".
وبيّن رياض بن عبد الرزاق أنه "من الضروري التمييز بين حرية التأليف وممارسة النشر"، موضحا أن الكاتب حر في الكتابة والتعبير والدفاع عن عمله والتعريف به، غير أن إصدار كتاب وتمويله وإخراجه في شكل قابل للتداول ووضعه في السوق وترويجه وتوزيعه وترشيحه للاقتناء العمومي أو للجوائز الرسمية، لم يعد مجرد فعل شخصي، وإنما أصبح ممارسة فعلية لنشاط مهني وثقافي واقتصادي منظم.
وأضاف أن هذا التمييز تؤكده "أحكام كراس الشروط نفسه، إذ لا يكتفي الفصل الأول بالإشارة العامة إلى النشر، بل يحدد بدقة مضمون الأنشطة المتعلقة به، بداية من اقتناء المخطوطات وإعطائها الشكل المناسب وتحويلها إلى منتوج قابل للاستهلاك، وصولا إلى تنفيذ برامج النشر وتمويلها ومتابعة ترويج الإصدارات وتوزيعها وتقديمها إلى الجمهور"، لافتا إلى أن الفصل ذاته يحصر القيام بهذه الأنشطة فيمن وقّع على كراس الشروط واستجاب للقوانين المعمول بها في مجال النشر.
واعتبر أن هذه الصياغة تقطع الطريق أمام كل تأويل يعتبر أن النشر يمكن أن يمارس خارج التنظيم القانوني، لأن القانون، وفق تعبيره، "لا يعتد بالتسمية التي يطلقها الشخص على فعله، وإنما بطبيعة الفعل الممارس"، فإذا اقتصر المؤلف على كتابة نص، "فإنه يمارس حق التأليف"، أما إذا "تولى إصدار الكتاب وتمويله ووضعه على ذمة العموم ومتابعة ترويجه وترشيحه للاقتناءات أو الجوائز، فإنه يكون بصدد ممارسة نشاط النشر، وعندها يصبح خاضعا لمقتضيات كراس الشروط."
وأشار إلى أن الفصل الثاني لا يغلق الباب أمام الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، بل يتيح ممارسة النشاط لكل من يوجد في وضع مطابق للقانون التونسي، غير أنه يشترط أن تتم الممارسة في إطار نظام كراس الشروط، بما يعني أن "الكاتب ليس ممنوعا من دخول مجال النشر من حيث المبدأ، لكنه ملزم، إذا أراد ممارسة النشر فعلا، بأن يدخل إليه من بابه القانوني، لا من منفذ مواز تحت تسمية "النشر على الحساب الخاص"."
وأضاف رياض بن عبد الرزاق أن "الكراس لا يكتفي بإقرار هذا المبدأ، وإنما يرسم أيضا مسارا إجرائيا ومهنيا واضحا، حيث يفرض الفصل الثالث جملة من الإجراءات تتمثل في سحب كراس الشروط وإمضاء جميع صفحاته، وتعمير الالتزام، والتعريف بالإمضاء، وإيداع نسختين لدى المندوبية الجهوية المختصة، ثم إعلام الإدارة بدخول المشروع طور الاستغلال، في حين يمنح الفصل الرابع مصالح الوزارة المكلفة بالثقافة صلاحية متابعة نشاط الهيكل، وطلب الوثائق والتوضيحات، والتنبيه عند الإخلال، ثم تطبيق النصوص التشريعية والترتيبية عند عدم تسوية الوضعية.
وأكد أن "الفصول اللاحقة من الكراس تثبت أن النشر لا يقتصر على طباعة كتاب، وإنما يتعلق بهيكل وصاحب هيكل وفضاء ومسؤول وتأمين وتسيير وإطار تقني ومتابعة إدارية والتزام ممضى، وهو ما يدل، بحسب قوله، على أن ممارسة النشر في تونس ليست نشاطا فرديا أو عابرا خارج الضوابط، وإنما مهنة منظمة لها شروطها ومسؤولياتها."
وشدد على أنه "لا يستقيم القول إن الكاتب يستطيع ممارسة النشر على حسابه الخاص خارج كراس الشروط لمجرد عدم وجود عبارة صريحة تمنعه من النشر على نفقته"، موضحا أن القوانين لا تُقرأ بهذا الشكل، وأن غياب منع لفظي للطباعة على النفقة الخاصة لا يعني وجود حق في ممارسة مهنة منظمة خارج إطارها القانوني، لأن القاعدة الأساسية هي أن من يمارس نشاط النشر يخضع لشروط ممارسة النشر.
وأوضح أن الحصول على الإيداع القانوني أو على الترقيم الدولي الموحد للكتاب (ISBN) لا يضفي السلامة القانونية الكاملة على عملية نشر تمت خارج كراس الشروط، باعتبار أن الإيداع القانوني واجب مستقل يتعلق بتوثيق المصنف الموضوع على ذمة العموم وحفظه ضمن الذاكرة الوطنية، بينما يمثل الترقيم الدولي أداة تعريفية وفنية وتجارية للكتاب، ولا يعوض أي منهما صفة الناشر القانوني، ولا يلغي وجوب احترام كراس الشروط عند ممارسة نشاط النشر، مذكرا، في هذا السياق، بأن القانون الأساسي عدد 37 لسنة 2015، المؤرخ في 22 سبتمبر 2015، والمتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني، يضبط مجال الإيداع القانوني وأهدافه وإجراءاته، لكنه لا يجعله بديلا عن شروط ممارسة نشاط النشر.
وأشار المتحدث إلى أن أهمية هذه المسألة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالاقتناءات العمومية والجوائز الرسمية، باعتبار أنها ليست حقوقا آلية لكل مطبوع، وإنما آليات دعم واعتراف تمول من المال العام، ومن الطبيعي أن تخضع لمبدأ المشروعية وسلامة الملفات ووضوح صفة المتدخلين في عملية النشر، مؤكدا أنه "لا يجوز للمال العام أن يساوي بين ناشر احترم كراس الشروط وتحمل أعباءه القانونية والمهنية والجبائية، وبين إصدار فردي تجاوز شروط المهنة ثم طالب بالامتيازات نفسها."
كما اعتبر أن "تقديم رفض الإصدارات غير المستوفية للشروط القانونية على أنه إقصاء للكتّاب يمثل خلطا بين حق التأليف وممارسة النشر، لأن الإقصاء الحقيقي، وفق تقديره، لا يتمثل في تطبيق القانون، وإنما في مساواة من يحترمه بمن يلتف عليه"، مشددا على أن "حماية الكاتب تكون بضمان حقوقه داخل المنظومة المهنية، من خلال عقود واضحة، ومسؤوليات محددة، ومسارات نشر قانونية، ومساءلة فعلية لكل ناشر يخل بالتزاماته."
وأضاف أن "وجود إخلالات لدى بعض الناشرين، إن ثبتت، لا يمكن أن يكون مبررا لفتح باب الفوضى، لأن كل ناشر لا يحترم التزاماته يجب أن يخضع للمساءلة، مثلما يجب مساءلة كل كاتب أو مطبعة أو موزع يتجاوز القانون"، معتبرا أنه "لا يمكن معالجة إخلال بإخلال آخر، ولا مواجهة تقصير بعض المتدخلين بهدم التنظيم القانوني للقطاع."
وبيّن رئيس اتحاد الناشرين التونسيين، في تصريحه، أن "الدفاع عن كراس الشروط ليس دفاعا عن احتكار أو عن امتياز مغلق لفائدة الناشرين، وإنما هو دفاع عن مبدأ المشروعية"، موضحا أن "الكراس لا يمنع الكاتب من أن يصبح ناشرا، لكنه يمنعه من ممارسة النشر خارج القانون، وهو فرق جوهري، فمن أراد ممارسة النشر فعليه أن يدخل من باب القانون، عبر توقيع كراس الشروط واحترام موجباته والتصريح بالنشاط والخضوع للمتابعة وتحمل المسؤوليات المهنية والقانونية."
وأضاف أن طباعة الكاتب لكتابه على نفقته، ثم وضعه في السوق وترشيحه للاقتناءات والجوائز، دون احترام هذا المسار، لا يمثل حقا ثقافيا، وإنما يعد ممارسة لنشاط منظم خارج الإطار الذي فرضته الدولة.
إيمان عبداللطيف
*"الكاتب ليس ممنوعا من دخول مجال النشر من حيث المبدأ، لكنه ملزم بأن يدخل إليه من بابه القانوني."
*"لا يجوز للمال العام أن يساوي بين ناشر يحترم كراس الشروط وبين إصدار فردي تجاوز شروط المهنة، ثم طالب بالامتيازات نفسها."
تونس – الصباح
يتواصل الجدل حول مسألة الإصدارات المنشورة على الحساب الخاص في تونس، بعد قرار لجنة المعرض الوطني للكتاب التونسي رفض مشاركة الإصدارات المنشورة على الحساب الخاص في الترشح لجوائزه، والتنصيص على ذلك صراحة في بلاغ في الغرض، مقابل فتح باب الاقتناءات العمومية أمام هذه الإصدارات من قبل وزارة الشؤون الثقافية. هذا التباين في التعاطي مع الكتاب المنشور خارج مسار دور النشر المعتمدة أعاد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين شروط المشاركة في آليات التتويج والاعتراف، وبين معايير دعم الكتاب واقتنائه من المال العام.
وبعد أن نشرنا موقف اتحاد الكتاب التونسيين، ممثلا في رئيسه سعد برغل، الذي أكد لـ"الصباح" رفضه ما جاء في بلاغ المعرض الوطني للكتاب، الذي ينتظم من 23 أكتوبر إلى غرة نوفمبر القادمين، حول منع ترشح الكتّاب الذين ينشرون للحساب الخاص لجوائزه، فهو، من منظوره، بلاغ إقصائي ولا يضمن تكافؤ الفرص. وتوقف محدثنا أيضا عند ما أسماه بالضبابية التي تتسم بها السياسة التي تعتمدها سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، إزاء قطاع النشر، فهي تسمح، من جهة، باقتناء الإصدارات المنشورة للحساب الخاص، وتمنع مشاركتها في المعرض الوطني للكتاب التونسي، مطالبا بمراجعة هذه السياسة والابتعاد عما أسماه بالإجراءات الإقصائية، مشددا على أن الكتاب يحكم عليه فقط من ناحية مضمونه، وجودة النشر، وقيمته الإبداعية.
واليوم نتحدث إلى رئيس اتحاد الناشرين التونسيين محمد رياض بن عبد الرزاق، الذي أكد، من جهته، لـ"الصباح"، أن الجدل الدائر في تونس حول النشر على الحساب الخاص "لم يعد مجرد خلاف بين كتّاب وناشرين أو مسألة تقديرية ترتبط بجودة هذا الكتاب أو ذاك، بل، في جوهره، مسألة قانونية ومؤسساتية تطرح سؤالا أساسيا يتمثل في مدى إمكانية ممارسة نشاط نشر الكتب خارج مقتضيات كراس الشروط المنظم لهذا النشاط."
إيمان عبد اللطيف
وأوضح أن الإجابة لا تحتاج إلى تأويل، لأن عنوان النص المنظم نفسه، وهو "كراس شروط ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتب"، يكاد يحسم المسألة، باعتباره لا يتحدث عن كراس شروط خاص بدور النشر فقط، أو عن امتياز ممنوح للناشرين، وإنما ينظم ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتب، وهو ما يجعل محل التنظيم هو النشاط ذاته، وليس صفة الشخص الذي يمارسه. وأضاف أن "كل من يمارس فعليا نشاط النشر، سواء كان كاتبا أو مؤسسة، يدخل في نطاق هذا الكراس الذي تمت المصادقة عليه بمقتضى قرار وزير الثقافة والمحافظة على التراث المؤرخ في 20 أفريل 2005، والمتعلق بالمصادقة على كراس شروط ممارسة الأنشطة المتعلقة بنشر الكتاب، والمنشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 33 بتاريخ 26 أفريل 2005".
وبيّن رياض بن عبد الرزاق أنه "من الضروري التمييز بين حرية التأليف وممارسة النشر"، موضحا أن الكاتب حر في الكتابة والتعبير والدفاع عن عمله والتعريف به، غير أن إصدار كتاب وتمويله وإخراجه في شكل قابل للتداول ووضعه في السوق وترويجه وتوزيعه وترشيحه للاقتناء العمومي أو للجوائز الرسمية، لم يعد مجرد فعل شخصي، وإنما أصبح ممارسة فعلية لنشاط مهني وثقافي واقتصادي منظم.
وأضاف أن هذا التمييز تؤكده "أحكام كراس الشروط نفسه، إذ لا يكتفي الفصل الأول بالإشارة العامة إلى النشر، بل يحدد بدقة مضمون الأنشطة المتعلقة به، بداية من اقتناء المخطوطات وإعطائها الشكل المناسب وتحويلها إلى منتوج قابل للاستهلاك، وصولا إلى تنفيذ برامج النشر وتمويلها ومتابعة ترويج الإصدارات وتوزيعها وتقديمها إلى الجمهور"، لافتا إلى أن الفصل ذاته يحصر القيام بهذه الأنشطة فيمن وقّع على كراس الشروط واستجاب للقوانين المعمول بها في مجال النشر.
واعتبر أن هذه الصياغة تقطع الطريق أمام كل تأويل يعتبر أن النشر يمكن أن يمارس خارج التنظيم القانوني، لأن القانون، وفق تعبيره، "لا يعتد بالتسمية التي يطلقها الشخص على فعله، وإنما بطبيعة الفعل الممارس"، فإذا اقتصر المؤلف على كتابة نص، "فإنه يمارس حق التأليف"، أما إذا "تولى إصدار الكتاب وتمويله ووضعه على ذمة العموم ومتابعة ترويجه وترشيحه للاقتناءات أو الجوائز، فإنه يكون بصدد ممارسة نشاط النشر، وعندها يصبح خاضعا لمقتضيات كراس الشروط."
وأشار إلى أن الفصل الثاني لا يغلق الباب أمام الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، بل يتيح ممارسة النشاط لكل من يوجد في وضع مطابق للقانون التونسي، غير أنه يشترط أن تتم الممارسة في إطار نظام كراس الشروط، بما يعني أن "الكاتب ليس ممنوعا من دخول مجال النشر من حيث المبدأ، لكنه ملزم، إذا أراد ممارسة النشر فعلا، بأن يدخل إليه من بابه القانوني، لا من منفذ مواز تحت تسمية "النشر على الحساب الخاص"."
وأضاف رياض بن عبد الرزاق أن "الكراس لا يكتفي بإقرار هذا المبدأ، وإنما يرسم أيضا مسارا إجرائيا ومهنيا واضحا، حيث يفرض الفصل الثالث جملة من الإجراءات تتمثل في سحب كراس الشروط وإمضاء جميع صفحاته، وتعمير الالتزام، والتعريف بالإمضاء، وإيداع نسختين لدى المندوبية الجهوية المختصة، ثم إعلام الإدارة بدخول المشروع طور الاستغلال، في حين يمنح الفصل الرابع مصالح الوزارة المكلفة بالثقافة صلاحية متابعة نشاط الهيكل، وطلب الوثائق والتوضيحات، والتنبيه عند الإخلال، ثم تطبيق النصوص التشريعية والترتيبية عند عدم تسوية الوضعية.
وأكد أن "الفصول اللاحقة من الكراس تثبت أن النشر لا يقتصر على طباعة كتاب، وإنما يتعلق بهيكل وصاحب هيكل وفضاء ومسؤول وتأمين وتسيير وإطار تقني ومتابعة إدارية والتزام ممضى، وهو ما يدل، بحسب قوله، على أن ممارسة النشر في تونس ليست نشاطا فرديا أو عابرا خارج الضوابط، وإنما مهنة منظمة لها شروطها ومسؤولياتها."
وشدد على أنه "لا يستقيم القول إن الكاتب يستطيع ممارسة النشر على حسابه الخاص خارج كراس الشروط لمجرد عدم وجود عبارة صريحة تمنعه من النشر على نفقته"، موضحا أن القوانين لا تُقرأ بهذا الشكل، وأن غياب منع لفظي للطباعة على النفقة الخاصة لا يعني وجود حق في ممارسة مهنة منظمة خارج إطارها القانوني، لأن القاعدة الأساسية هي أن من يمارس نشاط النشر يخضع لشروط ممارسة النشر.
وأوضح أن الحصول على الإيداع القانوني أو على الترقيم الدولي الموحد للكتاب (ISBN) لا يضفي السلامة القانونية الكاملة على عملية نشر تمت خارج كراس الشروط، باعتبار أن الإيداع القانوني واجب مستقل يتعلق بتوثيق المصنف الموضوع على ذمة العموم وحفظه ضمن الذاكرة الوطنية، بينما يمثل الترقيم الدولي أداة تعريفية وفنية وتجارية للكتاب، ولا يعوض أي منهما صفة الناشر القانوني، ولا يلغي وجوب احترام كراس الشروط عند ممارسة نشاط النشر، مذكرا، في هذا السياق، بأن القانون الأساسي عدد 37 لسنة 2015، المؤرخ في 22 سبتمبر 2015، والمتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني، يضبط مجال الإيداع القانوني وأهدافه وإجراءاته، لكنه لا يجعله بديلا عن شروط ممارسة نشاط النشر.
وأشار المتحدث إلى أن أهمية هذه المسألة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالاقتناءات العمومية والجوائز الرسمية، باعتبار أنها ليست حقوقا آلية لكل مطبوع، وإنما آليات دعم واعتراف تمول من المال العام، ومن الطبيعي أن تخضع لمبدأ المشروعية وسلامة الملفات ووضوح صفة المتدخلين في عملية النشر، مؤكدا أنه "لا يجوز للمال العام أن يساوي بين ناشر احترم كراس الشروط وتحمل أعباءه القانونية والمهنية والجبائية، وبين إصدار فردي تجاوز شروط المهنة ثم طالب بالامتيازات نفسها."
كما اعتبر أن "تقديم رفض الإصدارات غير المستوفية للشروط القانونية على أنه إقصاء للكتّاب يمثل خلطا بين حق التأليف وممارسة النشر، لأن الإقصاء الحقيقي، وفق تقديره، لا يتمثل في تطبيق القانون، وإنما في مساواة من يحترمه بمن يلتف عليه"، مشددا على أن "حماية الكاتب تكون بضمان حقوقه داخل المنظومة المهنية، من خلال عقود واضحة، ومسؤوليات محددة، ومسارات نشر قانونية، ومساءلة فعلية لكل ناشر يخل بالتزاماته."
وأضاف أن "وجود إخلالات لدى بعض الناشرين، إن ثبتت، لا يمكن أن يكون مبررا لفتح باب الفوضى، لأن كل ناشر لا يحترم التزاماته يجب أن يخضع للمساءلة، مثلما يجب مساءلة كل كاتب أو مطبعة أو موزع يتجاوز القانون"، معتبرا أنه "لا يمكن معالجة إخلال بإخلال آخر، ولا مواجهة تقصير بعض المتدخلين بهدم التنظيم القانوني للقطاع."
وبيّن رئيس اتحاد الناشرين التونسيين، في تصريحه، أن "الدفاع عن كراس الشروط ليس دفاعا عن احتكار أو عن امتياز مغلق لفائدة الناشرين، وإنما هو دفاع عن مبدأ المشروعية"، موضحا أن "الكراس لا يمنع الكاتب من أن يصبح ناشرا، لكنه يمنعه من ممارسة النشر خارج القانون، وهو فرق جوهري، فمن أراد ممارسة النشر فعليه أن يدخل من باب القانون، عبر توقيع كراس الشروط واحترام موجباته والتصريح بالنشاط والخضوع للمتابعة وتحمل المسؤوليات المهنية والقانونية."
وأضاف أن طباعة الكاتب لكتابه على نفقته، ثم وضعه في السوق وترشيحه للاقتناءات والجوائز، دون احترام هذا المسار، لا يمثل حقا ثقافيا، وإنما يعد ممارسة لنشاط منظم خارج الإطار الذي فرضته الدولة.