إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في انتظار إصدار كراس الشروط..  أسعار خيالية لـ"ديار الخلاعة" والشقق المعدّة للكراء السياحي..  

تونس – الصباح

تُعدّ "ديار الخلاعة"، أو تأجير الشقق للكراء بالليلة أو الأسبوع في المناطق السياحية، من "التقاليد السياحية" الراسخة، إذ تفضّل عديد العائلات التونسية كراء منازل في الأماكن السياحية على الإقامة في النزل، ويتقاسم هذا الخيار أيضا السياح القادمون من دول الجوار، خاصة من ليبيا والجزائر. إلا أن الارتفاع المشطّ في أسعار تلك الشقق، وغير المتناسب أحيانا مع موقعها أو مرافقها، بات يثير الكثير من الجدل، خاصة في غياب قوانين تنظّم عملية الكراء وتضع شروطا لهذه الشقق، على غرار بقية المنتوجات السياحية المقدّمة للحرفاء.

ومنذ أيام، أكد رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريحات إعلامية، أن قطاع كراء منازل "الخلاعة" في تونس يعاني من غياب التنظيم، ومن ارتفاع كبير ومبالغ فيه في الأسعار. ودعا الرياحي إلى ضرورة إعداد كراس شروط ينظّم هذا القطاع ويحميه من ضعف التأطير، الذي يسمح بتدخل الوسطاء والسماسرة، وهو ما يساهم في رفع أسعار الكراء بشكل إضافي. كما أكد رئيس منظمة إرشاد المستهلك أن الأسعار ارتفعت بين 10 و15 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، مؤكدا أن المواطن التونسي لم يعد قادرا على مجابهة هذا الغلاء، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النزل وتراجع القدرة الشرائية.

 

أسعار غير منطقية

يفسّر عدد من المهنيين الإقبال الدائم على "ديار الخلاعة" بغياب عروض السياحة الداخلية بأسعار تفاضلية خلال فترات الذروة، وبغياب منظومة للسياحة الاجتماعية موجّهة للشباب والأطفال عبر استغلال المبيتات الجامعية، بما يخفف الضغط على العائلات.

وقد أدى هذا الغياب إلى وصول أسعار كراء منازل الاصطياف "ديار الخلاعة" في تونس إلى مستويات خيالية، قد تتجاوز 1000 دينار للفيلات الفاخرة في الليلة الواحدة. وقد ارتفعت الأسعار مؤخرا بنسبة تتراوح بين 10 % و15 %، مما يجعل تكلفة الأسبوع تعادل أكثر من نصف الدخل الشهري للعائلات. وبين ارتفاع أسعار النزل، وارتفاع أسعار الشقق، وغياب مرافق السياحة الاجتماعية، بات من الضروري اليوم مراجعة بعض القوانين والتشريعات ذات العلاقة بالقطاع السياحي، حتى يكون للتونسيين حق في الترفيه.

وكانت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية بمجلس نواب الشعب قد عقدت، في مارس الماضي، جلسة استماع خُصّصت للنظر في عدد من المبادرات التشريعية المتعلقة بتنظيم مهنة الدليل السياحي، وإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية، إلى جانب تنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة. كما استمعت اللجنة إلى ممثلي جهة المبادرة المتعلقة بإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية، وقد أكد بعض أصحاب هذه المبادرات أن ارتفاع أسعار الشقق والغرف الفندقية بالمناطق السياحية ساهم في تراجع مؤشرات السياحة الداخلية، وجعلها بعيدة المنال بالنسبة إلى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، وأن هذا الوضع يفرض التدخل لإلزام المؤسسات السياحية بتحمل مسؤوليتها المجتمعية، من خلال تخصيص جزء من خدماتها لفائدة هذه الفئات.

وأكد ممثلو جهة المبادرة المتعلقة بتنظيم مهنة الدليل السياحي أن النصوص الحالية المنظمة للقطاع تعود إلى سبعينات القرن الماضي، مما يجعلها في حاجة ملحّة إلى المراجعة في ظل التحولات التي شهدها القطاع وظهور عدد من الإخلالات التي تستوجب المعالجة. وأوضحوا أن من أبرز هذه الإشكاليات ما تعانيه مهنة الدليل السياحي من تهميش، الأمر الذي أدى إلى عزوف أصحاب الكفاءات عن ممارستها، مقابل تنامي ظاهرة الدخلاء على القطاع، بما ينعكس سلبا على صورة السياحة التونسية، خاصة في ظل ضعف الرقابة الناتج عن محدودية عدد المتفقدين. وأضاف ممثلو المبادرة أن المقترح المعروض يهدف إلى تنظيم المهنة عبر ضبط شروط دقيقة لممارستها، بما يضمن حق السائح في الاستفادة من المرافقة والمعلومة الصحيحة من شخص مؤهل، ملمّ بالتاريخ والثقافة، ومتقن للغات الأجنبية، مع ضمان الحقوق المادية والمعنوية للدليل السياحي.

وإلى اليوم، يخضع القطاع السياحي لأحكام المرسوم عدد 5 لسنة 1973 ونصوصه التطبيقية، ومن بينها الأمر عدد 512 لسنة 1973، الذي تمت مراجعته مؤخرا بمقتضى الأمر عدد 551 لسنة 2024. وخلال نقاش المشاكل التي يعاني منها القطاع، اعتبر بعض النواب أن أغلب التجاوزات المسجلة لا ترتبط مباشرة بغياب التنظيم، بقدر ما تعود إلى ممارسة المهنة من قبل دخلاء.

وتناولت الجلسة كذلك مقترح القانون المتعلق بتنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة، حيث أوضحت ممثلة جهة المبادرة أن النص يهدف إلى التصدي للارتفاع الكبير في أسعار كراء الشقق المفروشة، خاصة بالمناطق السياحية، دون التصريح بهذه المداخيل لدى السلطات المختصة. وهذا الوضع يثقل كاهل المواطن من جهة، ويحرم الدولة من موارد جبائية مهمة من جهة أخرى. وقد اقترحت جهة المبادرة إخضاع كراء المساكن والشقق المفروشة إلى كراس شروط صارم يصادق عليه بقرار من الوزير المكلف بالسياحة، مع إلزام كل مؤجر بإبرام عقد كتابي، ومسك دفتر مرقم ومؤشر عليه من مصالح الجباية، تُسجل فيه العقود والمداخيل والمصاريف بكل تفاصيلها.

وقد شدد أعضاء اللجنة، خلال النقاش، على ضرورة التمييز بين الإقامة في وحدات سياحية وفندقية منظمة وتخضع لترتيبات خاصة، وبين كراء المساكن والشقق المملوكة بصفة فردية، التي تندرج بطبيعتها ضمن أحكام الكراء المنصوص عليها في القانون المدني، ولا تدخل في نطاق إشراف وزارة السياحة إلا في حال استغلالها بشكل منتظم لأغراض الإيواء السياحي. وفي هذا السياق، دعا عدد من النواب إلى مراجعة مضمون هذه المبادرة بما يضمن وضوح نطاق تطبيقها، وتفادي الخلط بين الأنشطة السياحية المنظمة وعقود الكراء العادية.

وقد قررت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية، في ختام تلك الجلسة، تنظيم عدة جلسات استماع إلى مختلف الأطراف المعنية، بهدف تجويد النصوص المعروضة وتعميق النظر فيها، في إطار الشراكة والتكامل بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية.

وفي انتظار إصدار قانون ينظم كراء الشقق السياحية، فإن هذا الموسم السياحي يشهد انفلاتا غير مسبوق في الأسعار في بعض المناطق، ويثقل كاهل التونسيين، ويحول دون تمتعهم بحقهم في الترفيه والاستفادة من الموسم السياحي.

منية العرفاوي

 

 

في انتظار إصدار كراس الشروط..   أسعار خيالية لـ"ديار الخلاعة" والشقق المعدّة للكراء السياحي..   

تونس – الصباح

تُعدّ "ديار الخلاعة"، أو تأجير الشقق للكراء بالليلة أو الأسبوع في المناطق السياحية، من "التقاليد السياحية" الراسخة، إذ تفضّل عديد العائلات التونسية كراء منازل في الأماكن السياحية على الإقامة في النزل، ويتقاسم هذا الخيار أيضا السياح القادمون من دول الجوار، خاصة من ليبيا والجزائر. إلا أن الارتفاع المشطّ في أسعار تلك الشقق، وغير المتناسب أحيانا مع موقعها أو مرافقها، بات يثير الكثير من الجدل، خاصة في غياب قوانين تنظّم عملية الكراء وتضع شروطا لهذه الشقق، على غرار بقية المنتوجات السياحية المقدّمة للحرفاء.

ومنذ أيام، أكد رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريحات إعلامية، أن قطاع كراء منازل "الخلاعة" في تونس يعاني من غياب التنظيم، ومن ارتفاع كبير ومبالغ فيه في الأسعار. ودعا الرياحي إلى ضرورة إعداد كراس شروط ينظّم هذا القطاع ويحميه من ضعف التأطير، الذي يسمح بتدخل الوسطاء والسماسرة، وهو ما يساهم في رفع أسعار الكراء بشكل إضافي. كما أكد رئيس منظمة إرشاد المستهلك أن الأسعار ارتفعت بين 10 و15 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، مؤكدا أن المواطن التونسي لم يعد قادرا على مجابهة هذا الغلاء، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النزل وتراجع القدرة الشرائية.

 

أسعار غير منطقية

يفسّر عدد من المهنيين الإقبال الدائم على "ديار الخلاعة" بغياب عروض السياحة الداخلية بأسعار تفاضلية خلال فترات الذروة، وبغياب منظومة للسياحة الاجتماعية موجّهة للشباب والأطفال عبر استغلال المبيتات الجامعية، بما يخفف الضغط على العائلات.

وقد أدى هذا الغياب إلى وصول أسعار كراء منازل الاصطياف "ديار الخلاعة" في تونس إلى مستويات خيالية، قد تتجاوز 1000 دينار للفيلات الفاخرة في الليلة الواحدة. وقد ارتفعت الأسعار مؤخرا بنسبة تتراوح بين 10 % و15 %، مما يجعل تكلفة الأسبوع تعادل أكثر من نصف الدخل الشهري للعائلات. وبين ارتفاع أسعار النزل، وارتفاع أسعار الشقق، وغياب مرافق السياحة الاجتماعية، بات من الضروري اليوم مراجعة بعض القوانين والتشريعات ذات العلاقة بالقطاع السياحي، حتى يكون للتونسيين حق في الترفيه.

وكانت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية بمجلس نواب الشعب قد عقدت، في مارس الماضي، جلسة استماع خُصّصت للنظر في عدد من المبادرات التشريعية المتعلقة بتنظيم مهنة الدليل السياحي، وإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية، إلى جانب تنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة. كما استمعت اللجنة إلى ممثلي جهة المبادرة المتعلقة بإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية، وقد أكد بعض أصحاب هذه المبادرات أن ارتفاع أسعار الشقق والغرف الفندقية بالمناطق السياحية ساهم في تراجع مؤشرات السياحة الداخلية، وجعلها بعيدة المنال بالنسبة إلى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، وأن هذا الوضع يفرض التدخل لإلزام المؤسسات السياحية بتحمل مسؤوليتها المجتمعية، من خلال تخصيص جزء من خدماتها لفائدة هذه الفئات.

وأكد ممثلو جهة المبادرة المتعلقة بتنظيم مهنة الدليل السياحي أن النصوص الحالية المنظمة للقطاع تعود إلى سبعينات القرن الماضي، مما يجعلها في حاجة ملحّة إلى المراجعة في ظل التحولات التي شهدها القطاع وظهور عدد من الإخلالات التي تستوجب المعالجة. وأوضحوا أن من أبرز هذه الإشكاليات ما تعانيه مهنة الدليل السياحي من تهميش، الأمر الذي أدى إلى عزوف أصحاب الكفاءات عن ممارستها، مقابل تنامي ظاهرة الدخلاء على القطاع، بما ينعكس سلبا على صورة السياحة التونسية، خاصة في ظل ضعف الرقابة الناتج عن محدودية عدد المتفقدين. وأضاف ممثلو المبادرة أن المقترح المعروض يهدف إلى تنظيم المهنة عبر ضبط شروط دقيقة لممارستها، بما يضمن حق السائح في الاستفادة من المرافقة والمعلومة الصحيحة من شخص مؤهل، ملمّ بالتاريخ والثقافة، ومتقن للغات الأجنبية، مع ضمان الحقوق المادية والمعنوية للدليل السياحي.

وإلى اليوم، يخضع القطاع السياحي لأحكام المرسوم عدد 5 لسنة 1973 ونصوصه التطبيقية، ومن بينها الأمر عدد 512 لسنة 1973، الذي تمت مراجعته مؤخرا بمقتضى الأمر عدد 551 لسنة 2024. وخلال نقاش المشاكل التي يعاني منها القطاع، اعتبر بعض النواب أن أغلب التجاوزات المسجلة لا ترتبط مباشرة بغياب التنظيم، بقدر ما تعود إلى ممارسة المهنة من قبل دخلاء.

وتناولت الجلسة كذلك مقترح القانون المتعلق بتنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة، حيث أوضحت ممثلة جهة المبادرة أن النص يهدف إلى التصدي للارتفاع الكبير في أسعار كراء الشقق المفروشة، خاصة بالمناطق السياحية، دون التصريح بهذه المداخيل لدى السلطات المختصة. وهذا الوضع يثقل كاهل المواطن من جهة، ويحرم الدولة من موارد جبائية مهمة من جهة أخرى. وقد اقترحت جهة المبادرة إخضاع كراء المساكن والشقق المفروشة إلى كراس شروط صارم يصادق عليه بقرار من الوزير المكلف بالسياحة، مع إلزام كل مؤجر بإبرام عقد كتابي، ومسك دفتر مرقم ومؤشر عليه من مصالح الجباية، تُسجل فيه العقود والمداخيل والمصاريف بكل تفاصيلها.

وقد شدد أعضاء اللجنة، خلال النقاش، على ضرورة التمييز بين الإقامة في وحدات سياحية وفندقية منظمة وتخضع لترتيبات خاصة، وبين كراء المساكن والشقق المملوكة بصفة فردية، التي تندرج بطبيعتها ضمن أحكام الكراء المنصوص عليها في القانون المدني، ولا تدخل في نطاق إشراف وزارة السياحة إلا في حال استغلالها بشكل منتظم لأغراض الإيواء السياحي. وفي هذا السياق، دعا عدد من النواب إلى مراجعة مضمون هذه المبادرة بما يضمن وضوح نطاق تطبيقها، وتفادي الخلط بين الأنشطة السياحية المنظمة وعقود الكراء العادية.

وقد قررت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية، في ختام تلك الجلسة، تنظيم عدة جلسات استماع إلى مختلف الأطراف المعنية، بهدف تجويد النصوص المعروضة وتعميق النظر فيها، في إطار الشراكة والتكامل بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية.

وفي انتظار إصدار قانون ينظم كراء الشقق السياحية، فإن هذا الموسم السياحي يشهد انفلاتا غير مسبوق في الأسعار في بعض المناطق، ويثقل كاهل التونسيين، ويحول دون تمتعهم بحقهم في الترفيه والاستفادة من الموسم السياحي.

منية العرفاوي