إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في مجلس نواب الشعب.. اليوم جلسة عامة للنظر في مشروع مخطط التنمية

تونس-الصباح

يعقد مجلس نواب الشعب اليوم 9 جويلية 2026 بقصر باردو جلسة عامة للنظر في مشروع القانون المتعلّق بمخطّط التنمية 2026-2030. وتضمن هذا المشروع فصلا وحيدا نص على ما يلي : "تتم المصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030 الملحق بهذا القانون". 

وقبل الشروع في النقاش العام، من المنتظر عرض التقرير التأليفي الذي رفعته اللجان القارة إلى مكتب المجلس إثر تدارسها لمشروع المخطط في جلسات مشتركة انعقدت بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط وعديد الإطارات العليا من مختلف الوزارات. ويحتوي هذا التقرير على 137 صفحة تم توزيعها على ثلاثة أقسام كبرى، تعلق القسم الأول بالتقديم العام لمشروع المخطط، وتعلق القسم الثاني بمشروع مخطط التنمية بين التحليل والنقاش والتقييم في إطار جلسات الاستماع الموحدة للجان القارة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط حول الوثيقة المتعلقة بالتوجهات العامة والأهداف التنموية، والوثيقة المتعلقة بالتنمية المجالية، والوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية من المخطط، والمحاور التي شملتها مداخلات أعضاء اللجان خلال هذه الجلسات التي افتتحها واختتمها رئيس المجلس وحوصلة لأجوبة الوزير. في حين تم تخصيص القسم الثالث للتوصيات المنبثقة عن جلسات الاستماع الموحدة للجان القارة. 

 

  رسم السياسات العمومية

وجاء في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 أن التخطيط التنموي يمثل إحدى الوظائف الإستراتيجية للدولة الحديثة وأهم أدواتها في رسم السياسات العمومية وتوجيه الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره الإطار الذي تترجم من خلاله الرؤية الوطنية إلى برامج ومشاريع وإصلاحات قابلة للتنفيذ وفق منهج يقوم على التقييم والاستشراف وربط المسؤولية بالمحاسبة بما يضمن حسن استغلال الموارد وتحقيق التنمية المستدامة والعدالة بين الجهات. ويستند التخطيط إلى تشخيص شامل للواقع وتحليل الإمكانيات المتاحة، واستشراف التحديات والتحولات واستنباط الحلول بما يضمن توحيد الرؤية التنموية للدولة واتساق تدخلاتها العمومية ونجاعتها. وارتبط مفهوم التخطيط في التجربة التونسية بمسار بناء الدولة الوطنية وظل على امتداد أكثر من ستة عقود يشكل ركيزة أساسية في توجيه السياسات العمومية رغم اختلاف المقاربات والاختيارات الاقتصادية التي تعاقبت عليها البلاد. فمنذ ستينات القرن الماضي، اعتمدت تونس المخططات التنموية كآلية لتأطير العمل الحكومي وتحديد الأولويات الوطنية حيث ارتكزت المرحلة الأولى على التخطيط المركزي الموجه الهادف إلى بناء الاقتصاد الوطني وإرساء البنية الأساسية للدولة الحديثة. وبداية من سبعينيات القرن الماضي شهدت البلاد تحولا نحو اقتصاد أكثر انفتاحا على المبادرة الخاصة والاستثمار الخارجي مع المحافظة على دور الدولة في التخطيط والتوجيه. أما خلال الثمانينيات والتسعينيات فقد تأثر التخطيط ببرامج الإصلاح الهيكلي والتحولات الاقتصادية العالمية لتتحول تدريجيا من التخطيط الموجه إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يركز على تحديد التوجهات الكبرى والأهداف التنموية دون التدخل المباشر في مختلف الأنشطة الاقتصادية. 

 

تفاوت بين الجهات

كما تمت الإشارة في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية إلى أن التخطيط المركزي لئن ساهم في تأسيس بنية تحتية صناعية ومنظومة تعليمية وصحية تحسب لتونس مقارنة بالعديد من الدول، إلا أنه لم يلامس جوهر الانتظارات الحقيقية للشعب التونسي ولم يمكن من الاستجابة للخصوصيات الجهوية وأفرز تفاوتا تنمويا واختلالا عميقا في توزيع الثورة ولم يحقق العدالة الاجتماعية بما جعل من مراجعة المنظومة التخطيطية خيارا استراتيجيا. وجاء في التقرير الموحد للجان البرلمانية القارة أنه رغم التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد بعد سنة 2011، بقيت المخططات التنموية تمثل المرجع الأساسي لتجسيم السياسات العمومية وعرفت في بعض الفترات صعوبات حالت دون إعداد المخططات التنموية أو تنفيذها في الآجال، الأمر الذي انعكس على نسق الاستثمار العمومي وعلى وضوح الرؤية التنموية للدولة. 

 

توجهات جديدة للدولة 

وأشارت اللجان القارة في تقريرها الموحد المعروض على الجلسة العامة المبرمج عقدها اليوم تحت قبة البرلمان إلى أن مخطط التنموي 2026ـ 2030 يأتي في سياق وطني يتسم بجملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وفي ظل توجهات جديدة للدولة تقوم على إعادة بناء السياسات العمومية وفق مقاربة تركز على السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية المتوازنة وتعزيز دور الدولة في قيادة التنمية مع تثمين الإمكانيات الذاتية وحسن توظيف الموارد الوطنية وتقطع مع مقاربات التخطيط السابقة وتؤسس لمناول تنموي جديد يعيد الاعتبار لدور المواطن في صياغة السياسات العمومية في إطار مسار تشاركي قائم على مساهمة فعلية للمواطن انطلاقا من قناعة ثابتة بأن الديمقراطية لا تستقيم إلا إذا كانت مشفوعة بديمقراطية اقتصادية واجتماعية فعلية. وحيث يكتسي هذا المخطط أهمية خاصة باعتباره أول مخطط تنموي يتم النظر فيه في ظل المنظومة الدستورية والمؤسساتية الجديدة المنبثقة عن دستور 2022، وما أفرزه من إعادة تنظيم للسلطات العمومية وإرساء تصور جديد لممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية قائم على تعزيز المشاركة الشعبية وتكريس البناء القاعدي وفق منهج تصاعدي يعتمد لأول مرة في تونس ينطلق من المستوى المحلي فالجهوي ثم الإقليمي وصولا إلى المستوى الوطني حيث تسند في هذا الإطار للمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم أدوار محورية باعتبارها فضاءات للتشخيص وتحديد الأولويات وصياغة المقترحات التنموية وفق خصوصيات المجالات الترابية وهو ما يعزز البعد التشاركي للتخطيط ويكرس شرعية القرار التنموي على المستوى الترابي. 

وتمت الإشارة في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 إلى أن هذا المخطط يتركز على منظومة قانونية وترتيبية متكاملة تشمل دستور الجمهورية التونسية جويلية 2022 والقانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المؤرخ في 12 مارس 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم والمرسوم عدد 1 لسنة 2024 المؤرخ في 13 سبتمبر 2024 المتعلق بتنظيم العلاقات بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، والأمر عدد 589 لسنة 2023 المؤرخ في 21 سبتمبر 2023 المتعلق بتحديد تراب أقاليم الجمهورية التونسية والولايات الراجعة بالنظر لكل إقليم والأمر عدد 177 لسنة 2025 المؤرخ في 4 أفريل 2025 المتعلق بتنظيم أعمال المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وطرق سيرها. 

 

دور المجلس النيابي 

وفي علاقة بدور مجلس نواب الشعب في مسار دراسة مخطط التنمية، جاء في التقرير التأليفي للجان القارة للمجلس أنه انطلاقا من مقتضيات الدستور الذي أولى التخطيط الأهمية التي يستحقها وجعله من أبرز الاختصاصات المشتركة بين غرفتي الوظيفة التشريعية، يضطلع مجلس نواب الشعب بدور محوري في مسار دراسة مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030، بما من شأنه أن يساهم في إثراء هذا المشروع وإنجاح مراحل مناقشته والمصادقة عليه باعتباره فضاء للتداول الديمقراطي حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة التي تعكس تطلعات المواطنين وانتظاراتهم. 

ويذكر في هذا السياق أنه إثر توصل مجلس نواب الشعب يوم 17 جوان 2026 بمشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030 والوثائق المرفقة به والمتمثلة في وثيقة التوجهات العامة والأهداف التنموية، ووثيقة التنمية المجالية، ووثيقة السياسات التنموية عقد مكتب مجلس نواب الشعب جلسة بتاريخ 22 جوان 2026 وقرر إحالة المشروع إلى جميع اللجان القارة ثم تم تنظيم جلسة تشاورية بين مكتب المجلس ورؤساء الكتل وممثلي النواب غير المنتمين إلى كتل خصصت للنزر في منهجية دراسة مشروع القانون وضبط روزنامة في الغرض، وتبعا لذلك باشرت اللجان أشغالها وعقدت جلسات تمهيدية شهدت نقاشات ثرية ونقدية وتم خلالها التعمق في مختلف محاور المخطط وتحليل خياراته التنموية وتقييم مدى انسجامها مع الحاجيات الفعلية للجهات والقطاعات، وجمعت الأشغال التمهيدية بين التقييم الفني والقراءة السياسية والاجتماعية للمخطط وتم تقديم جملة من الملاحظات والتوصيات الرامية إلى تعزيز نجاعة البرامج وتيسير ممارسة مجلس نواب الشعب لدوره الرقابي فهو يراقب مدى التزام مختلف الهياكل العمومية بتنفيذ المشاريع المبرمجة وتدعيم البعد الجهوي في توزيع الاستثمارات وتحسين آليات الحوكمة والمتابعة والتقييم مع التأكيد على مزيد إحكام التكامل في مختلف السياسات العمومية وضمان قابلية التنفيذ وتوفير مصادر التمويل بما يجعل المخطط إطارا مرجعيا فعليا خلال الفترة 2026ـ 2030.  

وإثر استكمال اللجان القارة جلساتها التمهيدية تمت برمجة سلسلة من جلسات الاستماع الموحدة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ تمت برئاسة رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة وهو ما أتاح مزيد التعمق في مختلف مضامين المخطط واستجلاء أهدافه والإصلاحات التي تضمنها وتم تقييم مدى استجابته للانتظارات ومدى مساهمته في حل الإشكاليات المطروحة في مختلف القطاعات. 

إمكانية المراجعة والتحيين 

وتم من خلال التقرير التأليفي للجان القارة حول مشروع مخطط التنمية عرض خلاصة المداخلات والنقاشات التي شهدتها الجلسات المشتركة لهذه اللجان أيام 30 جوان و1 و2 جويلية الجاري والتي خصصت للاستماع إلى سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط حول الوثيقة المتعلقة بالتوجهات العامة والأهداف التنموية بمشروع المخطط والوثيقة المتعلقة بالتنمية المجالية بمشروع المخطط والوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية بمشروع المخطط . ويذكر أنه من بين ما أشار إليه الوزير، أن مخطط التنمية هو بالأساس وثيقة إستراتيجية تحدد التوجهات التنموية الكبرى للدولة التي يتم تنزيلها عبر سياسات ومشاريع مع إمكانية المراجعة والتحيين بمناسبة إعداد الميزان الاقتصادي. وبين أن المشاريع تمثل جزء من هذا المخطط التي تم بناؤه انطلاقا من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم إلى جانب الاستراتيجيات القطاعية المعتمدة، كما أكد الوزير أن جميع الجهات معنية بالتنمية غير أن إكراهات المالية العمومية تفرض ترتيب الأولويات وهو ما تتعذر معه الاستجابة إلى جميع التطلعات في نفس الوقت وأوضح أن وثيقة المخطط لا يمكن أن تتضمن جميع المشاريع بالتفصيل وسيتم لاحقا استكمال برمجتها ومتابعة انجازها بالتوازي مع مواصلة تنفيذ المشاريع التي هي بصدد الانجاز والانطلاق في تنفيذ المشاريع الجديدة، فالمخطط حسب قوله ليس مجرد قائمة مشاريع جاهزة بل هو وثيقة استراتيجية تحدد الرؤية الوطنية والأهداف القطاعية والجهوية يتم تنزيلها تدريجيا عبر السياسات العمومية والبرامج الاستثمارية التي تخضع للتحيين المستمر وفق تطور الأولويات والظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية. ولاحظ أن الهدف المنتظر تحقيقه من خلال المخطط بلوغ معدل نمو اقتصادي في حدود 4 فاصل 2 بالمائة خلال فترة المخطط 2026ـ 2030 والحد من نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة وتحسين مؤشرات التنمية الجهوية والبشرية مع الرفع من مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمائة من المزيج الطاقي بحلول سنة 2030 وتحسين الكفاءة الطاقية والتوسيع في مجال استغلال المياه المعالجة. 

 

التوصيات المائة   

وإثر مناقشة وثائق المخطط التنموي وبناء على ما تم تقديمه من معطيات وتبعا للنقاش المستفيض خلال الجلسات التمهيدية للجان وجلسات الاستماع الموحّدة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط بحضور عدد من الإطارات العليا من مختلف الوزارات، توجه أعضاء مجلس نواب الشعب بجملة من التوصيات والمقترحات الرامية إلى مزيد تعزيز نجاعة هذا المخطط في الاستجابة للأولويات الوطنية والإقليمية والجهوية والمحلية بناء على تطلعات المواطنين واحتياجاتهم بما يضمن تحسين شروط التنفيذ ومرافقة مختلف مراحله ومتابعته في إطار الدور التشريعي والدور الرقابي للمجلس، بما يسهم في تحقيق الأهداف التنموية المنشودة.

وتم تقسيم التوصيات التي رفعها النواب والتي فاق عددها المائة إلى توصيات عامة تعلقت بالإطار العام للمخطط ومنهجيته وآليات تنفيذه ومتابعته، وتوصيات تهم مختلف المجالات والقطاعات التي تناولها مخطط التنمية 2026-2030 وهي تتوزع على خمسة محاور جوهرية تتمثّل في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة وتحقيق تنمية مجالية متوازنة واندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات وتعزيز النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام.

ومن بين هذه التوصيات التي قدمها النواب في علاقة بمحور التنمية الاجتماعية العادلة والشاملة، تفعيل مؤشرات قابلة للقياس في الملف الاجتماعي وربط تقليص الفقر بمنظومة الحماية الاجتماعية الفعلية وإدراج جدول زمني ملزم لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي يتضمن توسيع التغطية لفائدة العمال غير النظاميين والمستقلين والعاملات الفلاحيات، وضبط خارطة طريق لمناهضة الهشاشة الاجتماعية، وتحديد آليات التدخّل القابلة للتمويل في ميزانية الدولة وتمكين مختلف الجهات من البنية التحتية الصحية وإدراج الصحة الرقمية كرافد أساسي، مع تخصيص محور مستقل ضمن المخطط للصحة الرقمية والطب عن بعد ومزيد الرفع من أهمية الخدمات الاجتماعية في احتساب مؤشّر التنمية الجهوية ومراجعة قياس مؤشر التنمية الجهوية يأخذ بعين الاعتبار استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال والقيمة المضافة ونسبة الاستثمار الخاص ومناخ الأعمال وغيرها، وتوجيه الاستثمار العمومي نحو الخدمات الاجتماعية في الجهات الأقل تنمية من خلال تحديد نسبة دنيا ملزمة من الاستثمار العمومي في قطاعَي الصحة والشؤون الاجتماعية موجّهة للجهات التي لم تبلغ عتبة مؤشر التنمية الجهوية فيها صفر فاصل خمسة نقطة في إطار تكريس العدالة الشاملة بين الجهات والفئات، ورسم خارطة طريق لتدعيم حقوق ذوي الإعاقة، وتعزيز آليات حماية كبار السن ورعايتهم من خلال تطوير برامج ومشاريع تضمن رعايتهم الصحية والاجتماعية وتحسين جودة خدمات الإحاطة بهم وتعزيز إدماجهم بما يحفظ كرامتهم ويصون حقوقهم، وتعزيز الحق في الثقافة عبر ضمان النفاذ المتكافئ إلى الخدمات والفضاءات الثقافية ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية خاصة في الجهات الداخلية.

 

جودة التعليم 

وفي مجال التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والرياضة والشباب، فقد أوصى النواب بالخصوص بالإسراع باستكمال إصلاح المنظومة التربوية وتفعيل المجلس الأعلى للتربية في أقرب الآجال وحوكمة المنظومة التربوية من خلال تطوير آليات المتابعة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة واعتماد مؤشرات أداء دقيقة لقياس جودة التعليم ومردودية المؤسسات التربوية ورصد الاعتمادات المالية اللازمة لإنجاز المشاريع المبرمجة في قطاعات التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والشباب والرياضة، مع العمل على حل الإشكاليات العقارية ودعم البنية الأساسية والتجهيزات بالمؤسسات التربوية، خاصة بالمناطق الداخلية والريفية والتسريع في رقمنة المؤسسات التعليمية وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التكنولوجيا. كما أوصى النواب بالتصدي إلى ظاهرة الانقطاع المدرسي عبر اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الإحاطة الاجتماعية والنفسية وتحسين النقل المدرسي وتطوير الإقامة والإعاشة وتوسيع تجربة مدارس الفرصة الثانية ومراجعة منظومة التوجيه المدرسي والجامعي والتوجّه نحو الاختصاصات العلمية والتكنولوجية والمهن المستقبلية والارتقاء بمنظومة التكوين المهني من خلال تحديث الاختصاصات وتطوير التجهيزات وإرساء شراكة فعلية مع المؤسسات الاقتصادية وتوسيع نظام التكوين بالتداول والتكوين داخل المؤسسات، مع ربط برامج التكوين المهني والتعليم العالي بحاجيات سوق الشغل عبر مراجعة دورية للبرامج البيداغوجية وإعداد خارطة وطنية للمهن المستقبلية تُحيَّن بصفة منتظمة. 

ومن التوصيات الأخرى التي تضمنها التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية المنتظر عرضه اليوم على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب تعزيز البحث العلمي والابتكار وذلك بالرفع من الاعتمادات المخصصة له ودعم مشاريع البحث ذات الأولوية الوطنية وتثمين نتائج البحث العلمي وربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية، ووضع إستراتيجية وطنية للحدّ من هجرة الكفاءات والعمل على تحويلها إلى هجرة دائرية تمكّن من الاستفادة من كفاءات التونسيين المهاجرين سواء عبر تشجيع عودتهم أو عبر تشريكهم في مشاريع التنمية. 

ودعا نواب الشعب إلى التسريع بإنجاز المنشآت الشبابية والرياضية مع ضمان حسن توزيعها بين مختلف الجهات وإيلاء الأولوية للمناطق الداخلية والحدودية والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة ودعم الرياضة المدرسية والجامعية باعتبارها رافدا أساسيا لاكتشاف المواهب، مع تحسين البنية الأساسية الرياضية داخل المؤسسات التربوية والجامعية. 

وتم تضمين التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية توصيات أخرى بإحداث مسار للتعليم التقني يبدأ بالسنة السابعة إعدادي تقني، ويستهدف خاصة التلاميذ ذوي المهارات التقنية أو توجّهات حرفية، وإرساء منظومة إشهاد مرحلية تمكّن المتعلمين من الحصول على شهادات مهنية خلال مختلف مراحل التكوين، بما يسهل اندماجهم في سوق الشغل أو الانتصاب للحساب الخاص وإحداث باكالوريا للتعليم التقني تتيح للناجحين مواصلة الدراسة بالمعاهد التكنولوجية والجامعات التقنية إضافة إلى إدماج التربية الرقمية ضمن المناهج التعليمية لترسيخ ثقافة رقمية واعية وتعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا مع إدراج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية وفق مقاربة تربوية متوازنة بما يطوّر جودة التعليم دون المساس بتنمية التفكير النقدي والإبداعي لدى المتعلمين. كما أوصى النواب بمراجعة البرامج في اتجاه التركيز على اعتماد نظام تقويم مدرسي يقوم على اكتشاف المهارات. 

 

تنمية القطاعات

وتضمن التقرير عشرات التوصيات الأخرى الرامية إلى النهوض بقطاعات الصناعة والتجارة والمناجم والسياحة والنقل والفلاحة والهادفة إلى تحقيق الأمن الغذائي والمائي والانتقال الطاقي والتحول الرقمي والمحافظة على البيئة. وهناك توصيات عديدة من أجل تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام سواء تعلق الأمر بقطاع الوظيفة العمومية أو حوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية أو في علاقة بالدور التنموي للمؤسسة العسكرية وبالمنظومة الأمنية وبمنظومة الرقابة والتفقد والتقييم. 

وفي علاقة بالتعاون الدولي والتونسيين بالخارج تمثلت التوصيات التي تضمنها التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية في وضع سياسة وطنية متكاملة لتعزيز مساهمة التونسيين بالخارج في تحقيق أهداف التنمية ترتكز على تعبئة طاقات الجالية واستقطاب كفاءاتها وخبراتها وتشجيع استثماراتها وتبسيط الإجراءات الإدارية والخدمات المسداة لفائدتها وتطوير الخدمات القنصلية الرقمية وإشراك الكفاءات ورجال الأعمال في المشاريع الوطنية الكبرى ودعم مساهمة أبناء الجالية في التنمية المحلية وتعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا، إضافة إلى إرساء آليات للتواصل الدوري ومؤشرات لقياس مساهمة الجالية في تنفيذ مخطط التنمية وتحقيق أهدافه. كما تمت الدعوة إلى إحداث صندوق استثمار وشباك موحّد خاص بالتونسيين بالخارج، واعتماد سياسة خارجية داعمة لأهداف التنمية ترتكز على إرساء إستراتيجية وطنية للدبلوماسية الاقتصادية وتعزيز التنسيق بين وزارة الشؤون الخارجية ووزارة الاقتصاد والتخطيط وسائر الوزارات والهياكل المعنية، مع وضع مؤشرات أداء سنوية لقياس مساهمة البعثات الدبلوماسية في استقطاب الاستثمار وتنمية المبادلات الاقتصادية وإعداد تقرير سنوي يتولى تقييم إسهام السياسة الخارجية في تنفيذ مخطط التنمية ومدى تحقيق أهدافه، وتعزيز نجاعة التعاون الدولي وتوجيهه لخدمة أولويات مخطط التنمية من خلال توجيه التمويلات الخارجية نحو المشاريع ذات الأولوية الوطنية وتحسين نسب إنجاز المشاريع الممولة وتطوير الشراكات مع الدول الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب-جنوب ودعم التعاون اللامركزي بين الجهات بما يسهم في تحقيق تنمية مجالية متوازنة وتبادل الخبرات واستقطاب التمويلات والاستثمارات الداعمة للتنمية.

كما أوصى النواب بإرساء منظومة فعّالة لمتابعة وتقييم تنفيذ البعد الخارجي لمخطط التنمية، ترتكز على تكليف الحكومة بتقديم تقرير سنوي إلى مجلس نواب الشعب حول مدى تقدم تنفيذ هذا البعد، وإحداث آلية وطنية للتنسيق بين مختلف المتدخلين في السياسة الخارجية الاقتصادية وإدراج مؤشرات خاصة بالتعاون الدولي والتونسيين بالخارج ضمن منظومة متابعة المخطط وإجراء تقييم دوري لأثر الاستثمار الأجنبي على التنمية المجالية، إلى جانب تطوير قاعدة بيانات وطنية للمشاريع الدولية بما يعزز نجاعة المتابعة واتخاذ القرار المبني على المعطيات الدقيقة.

 

مراجعة مهن العدالة 

 أما بالنسبة إلى السياسة العدلية والحقوق والحريات فجاء في التقرير التأليفي للجان القارة حول مشروع المخطط التنموي أن التوصيات التي تقدم بها نواب الشعب تتمثل بالخصوص في القيام بمراجعة شاملة لمهن العدالة في إطار رؤية موحّدة لإصلاح مرفق العدالة وتطويره وفق المعايير الدولية، ومراجعة المجلة الجزائية في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة للحرية في المخالفات البسيطة ومواكبة الجرائم المستحدثة وتطوير مجلة الإجراءات الجزائية نحو تقليص آجال الاحتفاظ وغيرها وتأهيل الفضاءات السجنية والتركيز على برامج تعليمية وتكوينية لضمان إعادة الإدماج في المجتمع وتحسين ظروف الزيارات العائلية للمساجين ووضع خطة متكاملة لتقييم نجاعة آلية السوار الإلكتروني والعمل على توسيعها خاصة في ضل اكتظاظ السجون حيث تبلغ المساحة 1 فاصل 43 م2 للمودع وتم التأكيد على الانتقال إلى عدالة إعادة التأهيل وإدراج برامج ومؤشرات لتعزيز الحق في التقاضي والنفاذ إلى العدالة والربط البيني بين السجل العدلي والديوان الوطني للملكية العقارية والقباضات المالية وتعزيز آليات التصدّي للجرائم الرقمية والجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وإيلاء العناية اللازمة لقطاع الإعلام والاتصال ضمن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 باعتباره قطاعا استراتيجيا ومكونا أساسيا من مكونات التنمية المستدامة، وذلك من خلال إفراده بمحور مستقل يتضمّن برامج لتطوير الإعلام العمومي والخاص وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية ودعم الإعلام الجهوي والرقمي والارتقاء بالتكوين في المهن الإعلامية وترسيخ الحق في حرية التعبير والنفاذ إلى المعلومة بما يسهم في دعم المشاركة المواطنية والشفافية والحوكمة الرشيدة ومرافقة مختلف الإصلاحات التنموية.  

 

التنمية المجالية 

وفي علاقة بمحور التنمية المجالية أوصى نواب الشعب بإرساء منظومات اقتصادية جهوية متكاملة تستند إلى المزايا التفاضلية لكل جهة قادرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز التشغيل ودعم التنمية المستدامة بما يحقق التكامل بين مختلف الجهات والأقاليم ويحدّ من التفاوت التنموي ودعوا إلى دعم قدرات الجماعات المحلية وتمكينها من الاضطلاع بدور محوري في التنمية وفي تنفيذ المشاريع المحلية واقترحوا تحسين مناخ الاستثمار على المستوى الجهوي من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية ذات الصلة بالاستثمار وإحداث نافذة موحدة للمستثمرين بما ييسر إنجاز المشاريع ويختزل الآجال، فضلا عن توصيتهم بتطوير منظومة الحوافز وتوجيهها نحو تشجيع الاستثمار في الجهات الداخلية، بما يدعم التنمية الجهوية ويسهم في الحد من التفاوت بين الجهات وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة، إضافة إلى دعم الإدارة الجهوية والمحلية بالموارد البشرية واللوجستية اللازمة بما يمكّنها من المساهمة الفعلية في التنمية العادلة لمختلف شرائح المجتمع وفي تحسين الخدمات المسداة إلى المواطن بمختلف المناطق، كما طالبوا بالتسريع في مراجعة الأطر القانونية ذات العلاقة بالعمل التنموي على غرار القانون الأساسي للمجالس البلدية والأطر الـمتعلقة بالإدارة اللامحورية والأطر المنظمة لهياكل التنمية الجهوية ودعوا إلى مراجعة أمثلة التهيئة العمرانية بما يتلاءم مع الرؤية الجديدة لتقسيم المجال الترابي.

وخلصت اللجان القارة في تقريرها الموحد حول مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026ـ 2030 إلى التأكيد على مواصلة العمل على تفعيل هذه التوصيات ومتابعتها من قبل كل لجنة على حدة في حدود اختصاصاتها القطاعية وفي إطار الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس نواب الشعب التي نظمها الدستور. 

سعيدة بوهلال

 

 

 

 

 

في مجلس نواب الشعب..  اليوم جلسة عامة للنظر في مشروع مخطط التنمية

تونس-الصباح

يعقد مجلس نواب الشعب اليوم 9 جويلية 2026 بقصر باردو جلسة عامة للنظر في مشروع القانون المتعلّق بمخطّط التنمية 2026-2030. وتضمن هذا المشروع فصلا وحيدا نص على ما يلي : "تتم المصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030 الملحق بهذا القانون". 

وقبل الشروع في النقاش العام، من المنتظر عرض التقرير التأليفي الذي رفعته اللجان القارة إلى مكتب المجلس إثر تدارسها لمشروع المخطط في جلسات مشتركة انعقدت بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط وعديد الإطارات العليا من مختلف الوزارات. ويحتوي هذا التقرير على 137 صفحة تم توزيعها على ثلاثة أقسام كبرى، تعلق القسم الأول بالتقديم العام لمشروع المخطط، وتعلق القسم الثاني بمشروع مخطط التنمية بين التحليل والنقاش والتقييم في إطار جلسات الاستماع الموحدة للجان القارة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط حول الوثيقة المتعلقة بالتوجهات العامة والأهداف التنموية، والوثيقة المتعلقة بالتنمية المجالية، والوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية من المخطط، والمحاور التي شملتها مداخلات أعضاء اللجان خلال هذه الجلسات التي افتتحها واختتمها رئيس المجلس وحوصلة لأجوبة الوزير. في حين تم تخصيص القسم الثالث للتوصيات المنبثقة عن جلسات الاستماع الموحدة للجان القارة. 

 

  رسم السياسات العمومية

وجاء في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 أن التخطيط التنموي يمثل إحدى الوظائف الإستراتيجية للدولة الحديثة وأهم أدواتها في رسم السياسات العمومية وتوجيه الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره الإطار الذي تترجم من خلاله الرؤية الوطنية إلى برامج ومشاريع وإصلاحات قابلة للتنفيذ وفق منهج يقوم على التقييم والاستشراف وربط المسؤولية بالمحاسبة بما يضمن حسن استغلال الموارد وتحقيق التنمية المستدامة والعدالة بين الجهات. ويستند التخطيط إلى تشخيص شامل للواقع وتحليل الإمكانيات المتاحة، واستشراف التحديات والتحولات واستنباط الحلول بما يضمن توحيد الرؤية التنموية للدولة واتساق تدخلاتها العمومية ونجاعتها. وارتبط مفهوم التخطيط في التجربة التونسية بمسار بناء الدولة الوطنية وظل على امتداد أكثر من ستة عقود يشكل ركيزة أساسية في توجيه السياسات العمومية رغم اختلاف المقاربات والاختيارات الاقتصادية التي تعاقبت عليها البلاد. فمنذ ستينات القرن الماضي، اعتمدت تونس المخططات التنموية كآلية لتأطير العمل الحكومي وتحديد الأولويات الوطنية حيث ارتكزت المرحلة الأولى على التخطيط المركزي الموجه الهادف إلى بناء الاقتصاد الوطني وإرساء البنية الأساسية للدولة الحديثة. وبداية من سبعينيات القرن الماضي شهدت البلاد تحولا نحو اقتصاد أكثر انفتاحا على المبادرة الخاصة والاستثمار الخارجي مع المحافظة على دور الدولة في التخطيط والتوجيه. أما خلال الثمانينيات والتسعينيات فقد تأثر التخطيط ببرامج الإصلاح الهيكلي والتحولات الاقتصادية العالمية لتتحول تدريجيا من التخطيط الموجه إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يركز على تحديد التوجهات الكبرى والأهداف التنموية دون التدخل المباشر في مختلف الأنشطة الاقتصادية. 

 

تفاوت بين الجهات

كما تمت الإشارة في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية إلى أن التخطيط المركزي لئن ساهم في تأسيس بنية تحتية صناعية ومنظومة تعليمية وصحية تحسب لتونس مقارنة بالعديد من الدول، إلا أنه لم يلامس جوهر الانتظارات الحقيقية للشعب التونسي ولم يمكن من الاستجابة للخصوصيات الجهوية وأفرز تفاوتا تنمويا واختلالا عميقا في توزيع الثورة ولم يحقق العدالة الاجتماعية بما جعل من مراجعة المنظومة التخطيطية خيارا استراتيجيا. وجاء في التقرير الموحد للجان البرلمانية القارة أنه رغم التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد بعد سنة 2011، بقيت المخططات التنموية تمثل المرجع الأساسي لتجسيم السياسات العمومية وعرفت في بعض الفترات صعوبات حالت دون إعداد المخططات التنموية أو تنفيذها في الآجال، الأمر الذي انعكس على نسق الاستثمار العمومي وعلى وضوح الرؤية التنموية للدولة. 

 

توجهات جديدة للدولة 

وأشارت اللجان القارة في تقريرها الموحد المعروض على الجلسة العامة المبرمج عقدها اليوم تحت قبة البرلمان إلى أن مخطط التنموي 2026ـ 2030 يأتي في سياق وطني يتسم بجملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وفي ظل توجهات جديدة للدولة تقوم على إعادة بناء السياسات العمومية وفق مقاربة تركز على السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية المتوازنة وتعزيز دور الدولة في قيادة التنمية مع تثمين الإمكانيات الذاتية وحسن توظيف الموارد الوطنية وتقطع مع مقاربات التخطيط السابقة وتؤسس لمناول تنموي جديد يعيد الاعتبار لدور المواطن في صياغة السياسات العمومية في إطار مسار تشاركي قائم على مساهمة فعلية للمواطن انطلاقا من قناعة ثابتة بأن الديمقراطية لا تستقيم إلا إذا كانت مشفوعة بديمقراطية اقتصادية واجتماعية فعلية. وحيث يكتسي هذا المخطط أهمية خاصة باعتباره أول مخطط تنموي يتم النظر فيه في ظل المنظومة الدستورية والمؤسساتية الجديدة المنبثقة عن دستور 2022، وما أفرزه من إعادة تنظيم للسلطات العمومية وإرساء تصور جديد لممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية قائم على تعزيز المشاركة الشعبية وتكريس البناء القاعدي وفق منهج تصاعدي يعتمد لأول مرة في تونس ينطلق من المستوى المحلي فالجهوي ثم الإقليمي وصولا إلى المستوى الوطني حيث تسند في هذا الإطار للمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم أدوار محورية باعتبارها فضاءات للتشخيص وتحديد الأولويات وصياغة المقترحات التنموية وفق خصوصيات المجالات الترابية وهو ما يعزز البعد التشاركي للتخطيط ويكرس شرعية القرار التنموي على المستوى الترابي. 

وتمت الإشارة في التقديم العام لمشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030 إلى أن هذا المخطط يتركز على منظومة قانونية وترتيبية متكاملة تشمل دستور الجمهورية التونسية جويلية 2022 والقانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المؤرخ في 12 مارس 2025 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم والمرسوم عدد 1 لسنة 2024 المؤرخ في 13 سبتمبر 2024 المتعلق بتنظيم العلاقات بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، والأمر عدد 589 لسنة 2023 المؤرخ في 21 سبتمبر 2023 المتعلق بتحديد تراب أقاليم الجمهورية التونسية والولايات الراجعة بالنظر لكل إقليم والأمر عدد 177 لسنة 2025 المؤرخ في 4 أفريل 2025 المتعلق بتنظيم أعمال المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وطرق سيرها. 

 

دور المجلس النيابي 

وفي علاقة بدور مجلس نواب الشعب في مسار دراسة مخطط التنمية، جاء في التقرير التأليفي للجان القارة للمجلس أنه انطلاقا من مقتضيات الدستور الذي أولى التخطيط الأهمية التي يستحقها وجعله من أبرز الاختصاصات المشتركة بين غرفتي الوظيفة التشريعية، يضطلع مجلس نواب الشعب بدور محوري في مسار دراسة مشروع مخطط التنمية 2026ـ 2030، بما من شأنه أن يساهم في إثراء هذا المشروع وإنجاح مراحل مناقشته والمصادقة عليه باعتباره فضاء للتداول الديمقراطي حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة التي تعكس تطلعات المواطنين وانتظاراتهم. 

ويذكر في هذا السياق أنه إثر توصل مجلس نواب الشعب يوم 17 جوان 2026 بمشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026ـ 2030 والوثائق المرفقة به والمتمثلة في وثيقة التوجهات العامة والأهداف التنموية، ووثيقة التنمية المجالية، ووثيقة السياسات التنموية عقد مكتب مجلس نواب الشعب جلسة بتاريخ 22 جوان 2026 وقرر إحالة المشروع إلى جميع اللجان القارة ثم تم تنظيم جلسة تشاورية بين مكتب المجلس ورؤساء الكتل وممثلي النواب غير المنتمين إلى كتل خصصت للنزر في منهجية دراسة مشروع القانون وضبط روزنامة في الغرض، وتبعا لذلك باشرت اللجان أشغالها وعقدت جلسات تمهيدية شهدت نقاشات ثرية ونقدية وتم خلالها التعمق في مختلف محاور المخطط وتحليل خياراته التنموية وتقييم مدى انسجامها مع الحاجيات الفعلية للجهات والقطاعات، وجمعت الأشغال التمهيدية بين التقييم الفني والقراءة السياسية والاجتماعية للمخطط وتم تقديم جملة من الملاحظات والتوصيات الرامية إلى تعزيز نجاعة البرامج وتيسير ممارسة مجلس نواب الشعب لدوره الرقابي فهو يراقب مدى التزام مختلف الهياكل العمومية بتنفيذ المشاريع المبرمجة وتدعيم البعد الجهوي في توزيع الاستثمارات وتحسين آليات الحوكمة والمتابعة والتقييم مع التأكيد على مزيد إحكام التكامل في مختلف السياسات العمومية وضمان قابلية التنفيذ وتوفير مصادر التمويل بما يجعل المخطط إطارا مرجعيا فعليا خلال الفترة 2026ـ 2030.  

وإثر استكمال اللجان القارة جلساتها التمهيدية تمت برمجة سلسلة من جلسات الاستماع الموحدة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ تمت برئاسة رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة وهو ما أتاح مزيد التعمق في مختلف مضامين المخطط واستجلاء أهدافه والإصلاحات التي تضمنها وتم تقييم مدى استجابته للانتظارات ومدى مساهمته في حل الإشكاليات المطروحة في مختلف القطاعات. 

إمكانية المراجعة والتحيين 

وتم من خلال التقرير التأليفي للجان القارة حول مشروع مخطط التنمية عرض خلاصة المداخلات والنقاشات التي شهدتها الجلسات المشتركة لهذه اللجان أيام 30 جوان و1 و2 جويلية الجاري والتي خصصت للاستماع إلى سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط حول الوثيقة المتعلقة بالتوجهات العامة والأهداف التنموية بمشروع المخطط والوثيقة المتعلقة بالتنمية المجالية بمشروع المخطط والوثيقة المتعلقة بالسياسات التنموية بمشروع المخطط . ويذكر أنه من بين ما أشار إليه الوزير، أن مخطط التنمية هو بالأساس وثيقة إستراتيجية تحدد التوجهات التنموية الكبرى للدولة التي يتم تنزيلها عبر سياسات ومشاريع مع إمكانية المراجعة والتحيين بمناسبة إعداد الميزان الاقتصادي. وبين أن المشاريع تمثل جزء من هذا المخطط التي تم بناؤه انطلاقا من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم إلى جانب الاستراتيجيات القطاعية المعتمدة، كما أكد الوزير أن جميع الجهات معنية بالتنمية غير أن إكراهات المالية العمومية تفرض ترتيب الأولويات وهو ما تتعذر معه الاستجابة إلى جميع التطلعات في نفس الوقت وأوضح أن وثيقة المخطط لا يمكن أن تتضمن جميع المشاريع بالتفصيل وسيتم لاحقا استكمال برمجتها ومتابعة انجازها بالتوازي مع مواصلة تنفيذ المشاريع التي هي بصدد الانجاز والانطلاق في تنفيذ المشاريع الجديدة، فالمخطط حسب قوله ليس مجرد قائمة مشاريع جاهزة بل هو وثيقة استراتيجية تحدد الرؤية الوطنية والأهداف القطاعية والجهوية يتم تنزيلها تدريجيا عبر السياسات العمومية والبرامج الاستثمارية التي تخضع للتحيين المستمر وفق تطور الأولويات والظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية. ولاحظ أن الهدف المنتظر تحقيقه من خلال المخطط بلوغ معدل نمو اقتصادي في حدود 4 فاصل 2 بالمائة خلال فترة المخطط 2026ـ 2030 والحد من نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة وتحسين مؤشرات التنمية الجهوية والبشرية مع الرفع من مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمائة من المزيج الطاقي بحلول سنة 2030 وتحسين الكفاءة الطاقية والتوسيع في مجال استغلال المياه المعالجة. 

 

التوصيات المائة   

وإثر مناقشة وثائق المخطط التنموي وبناء على ما تم تقديمه من معطيات وتبعا للنقاش المستفيض خلال الجلسات التمهيدية للجان وجلسات الاستماع الموحّدة إلى وزير الاقتصاد والتخطيط بحضور عدد من الإطارات العليا من مختلف الوزارات، توجه أعضاء مجلس نواب الشعب بجملة من التوصيات والمقترحات الرامية إلى مزيد تعزيز نجاعة هذا المخطط في الاستجابة للأولويات الوطنية والإقليمية والجهوية والمحلية بناء على تطلعات المواطنين واحتياجاتهم بما يضمن تحسين شروط التنفيذ ومرافقة مختلف مراحله ومتابعته في إطار الدور التشريعي والدور الرقابي للمجلس، بما يسهم في تحقيق الأهداف التنموية المنشودة.

وتم تقسيم التوصيات التي رفعها النواب والتي فاق عددها المائة إلى توصيات عامة تعلقت بالإطار العام للمخطط ومنهجيته وآليات تنفيذه ومتابعته، وتوصيات تهم مختلف المجالات والقطاعات التي تناولها مخطط التنمية 2026-2030 وهي تتوزع على خمسة محاور جوهرية تتمثّل في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة وتحقيق تنمية مجالية متوازنة واندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات وتعزيز النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة وتحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام.

ومن بين هذه التوصيات التي قدمها النواب في علاقة بمحور التنمية الاجتماعية العادلة والشاملة، تفعيل مؤشرات قابلة للقياس في الملف الاجتماعي وربط تقليص الفقر بمنظومة الحماية الاجتماعية الفعلية وإدراج جدول زمني ملزم لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي يتضمن توسيع التغطية لفائدة العمال غير النظاميين والمستقلين والعاملات الفلاحيات، وضبط خارطة طريق لمناهضة الهشاشة الاجتماعية، وتحديد آليات التدخّل القابلة للتمويل في ميزانية الدولة وتمكين مختلف الجهات من البنية التحتية الصحية وإدراج الصحة الرقمية كرافد أساسي، مع تخصيص محور مستقل ضمن المخطط للصحة الرقمية والطب عن بعد ومزيد الرفع من أهمية الخدمات الاجتماعية في احتساب مؤشّر التنمية الجهوية ومراجعة قياس مؤشر التنمية الجهوية يأخذ بعين الاعتبار استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال والقيمة المضافة ونسبة الاستثمار الخاص ومناخ الأعمال وغيرها، وتوجيه الاستثمار العمومي نحو الخدمات الاجتماعية في الجهات الأقل تنمية من خلال تحديد نسبة دنيا ملزمة من الاستثمار العمومي في قطاعَي الصحة والشؤون الاجتماعية موجّهة للجهات التي لم تبلغ عتبة مؤشر التنمية الجهوية فيها صفر فاصل خمسة نقطة في إطار تكريس العدالة الشاملة بين الجهات والفئات، ورسم خارطة طريق لتدعيم حقوق ذوي الإعاقة، وتعزيز آليات حماية كبار السن ورعايتهم من خلال تطوير برامج ومشاريع تضمن رعايتهم الصحية والاجتماعية وتحسين جودة خدمات الإحاطة بهم وتعزيز إدماجهم بما يحفظ كرامتهم ويصون حقوقهم، وتعزيز الحق في الثقافة عبر ضمان النفاذ المتكافئ إلى الخدمات والفضاءات الثقافية ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية خاصة في الجهات الداخلية.

 

جودة التعليم 

وفي مجال التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والرياضة والشباب، فقد أوصى النواب بالخصوص بالإسراع باستكمال إصلاح المنظومة التربوية وتفعيل المجلس الأعلى للتربية في أقرب الآجال وحوكمة المنظومة التربوية من خلال تطوير آليات المتابعة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة واعتماد مؤشرات أداء دقيقة لقياس جودة التعليم ومردودية المؤسسات التربوية ورصد الاعتمادات المالية اللازمة لإنجاز المشاريع المبرمجة في قطاعات التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والشباب والرياضة، مع العمل على حل الإشكاليات العقارية ودعم البنية الأساسية والتجهيزات بالمؤسسات التربوية، خاصة بالمناطق الداخلية والريفية والتسريع في رقمنة المؤسسات التعليمية وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التكنولوجيا. كما أوصى النواب بالتصدي إلى ظاهرة الانقطاع المدرسي عبر اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الإحاطة الاجتماعية والنفسية وتحسين النقل المدرسي وتطوير الإقامة والإعاشة وتوسيع تجربة مدارس الفرصة الثانية ومراجعة منظومة التوجيه المدرسي والجامعي والتوجّه نحو الاختصاصات العلمية والتكنولوجية والمهن المستقبلية والارتقاء بمنظومة التكوين المهني من خلال تحديث الاختصاصات وتطوير التجهيزات وإرساء شراكة فعلية مع المؤسسات الاقتصادية وتوسيع نظام التكوين بالتداول والتكوين داخل المؤسسات، مع ربط برامج التكوين المهني والتعليم العالي بحاجيات سوق الشغل عبر مراجعة دورية للبرامج البيداغوجية وإعداد خارطة وطنية للمهن المستقبلية تُحيَّن بصفة منتظمة. 

ومن التوصيات الأخرى التي تضمنها التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية المنتظر عرضه اليوم على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب تعزيز البحث العلمي والابتكار وذلك بالرفع من الاعتمادات المخصصة له ودعم مشاريع البحث ذات الأولوية الوطنية وتثمين نتائج البحث العلمي وربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية، ووضع إستراتيجية وطنية للحدّ من هجرة الكفاءات والعمل على تحويلها إلى هجرة دائرية تمكّن من الاستفادة من كفاءات التونسيين المهاجرين سواء عبر تشجيع عودتهم أو عبر تشريكهم في مشاريع التنمية. 

ودعا نواب الشعب إلى التسريع بإنجاز المنشآت الشبابية والرياضية مع ضمان حسن توزيعها بين مختلف الجهات وإيلاء الأولوية للمناطق الداخلية والحدودية والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة ودعم الرياضة المدرسية والجامعية باعتبارها رافدا أساسيا لاكتشاف المواهب، مع تحسين البنية الأساسية الرياضية داخل المؤسسات التربوية والجامعية. 

وتم تضمين التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية توصيات أخرى بإحداث مسار للتعليم التقني يبدأ بالسنة السابعة إعدادي تقني، ويستهدف خاصة التلاميذ ذوي المهارات التقنية أو توجّهات حرفية، وإرساء منظومة إشهاد مرحلية تمكّن المتعلمين من الحصول على شهادات مهنية خلال مختلف مراحل التكوين، بما يسهل اندماجهم في سوق الشغل أو الانتصاب للحساب الخاص وإحداث باكالوريا للتعليم التقني تتيح للناجحين مواصلة الدراسة بالمعاهد التكنولوجية والجامعات التقنية إضافة إلى إدماج التربية الرقمية ضمن المناهج التعليمية لترسيخ ثقافة رقمية واعية وتعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا مع إدراج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية وفق مقاربة تربوية متوازنة بما يطوّر جودة التعليم دون المساس بتنمية التفكير النقدي والإبداعي لدى المتعلمين. كما أوصى النواب بمراجعة البرامج في اتجاه التركيز على اعتماد نظام تقويم مدرسي يقوم على اكتشاف المهارات. 

 

تنمية القطاعات

وتضمن التقرير عشرات التوصيات الأخرى الرامية إلى النهوض بقطاعات الصناعة والتجارة والمناجم والسياحة والنقل والفلاحة والهادفة إلى تحقيق الأمن الغذائي والمائي والانتقال الطاقي والتحول الرقمي والمحافظة على البيئة. وهناك توصيات عديدة من أجل تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام سواء تعلق الأمر بقطاع الوظيفة العمومية أو حوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية أو في علاقة بالدور التنموي للمؤسسة العسكرية وبالمنظومة الأمنية وبمنظومة الرقابة والتفقد والتقييم. 

وفي علاقة بالتعاون الدولي والتونسيين بالخارج تمثلت التوصيات التي تضمنها التقرير التأليفي حول مشروع مخطط التنمية في وضع سياسة وطنية متكاملة لتعزيز مساهمة التونسيين بالخارج في تحقيق أهداف التنمية ترتكز على تعبئة طاقات الجالية واستقطاب كفاءاتها وخبراتها وتشجيع استثماراتها وتبسيط الإجراءات الإدارية والخدمات المسداة لفائدتها وتطوير الخدمات القنصلية الرقمية وإشراك الكفاءات ورجال الأعمال في المشاريع الوطنية الكبرى ودعم مساهمة أبناء الجالية في التنمية المحلية وتعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا، إضافة إلى إرساء آليات للتواصل الدوري ومؤشرات لقياس مساهمة الجالية في تنفيذ مخطط التنمية وتحقيق أهدافه. كما تمت الدعوة إلى إحداث صندوق استثمار وشباك موحّد خاص بالتونسيين بالخارج، واعتماد سياسة خارجية داعمة لأهداف التنمية ترتكز على إرساء إستراتيجية وطنية للدبلوماسية الاقتصادية وتعزيز التنسيق بين وزارة الشؤون الخارجية ووزارة الاقتصاد والتخطيط وسائر الوزارات والهياكل المعنية، مع وضع مؤشرات أداء سنوية لقياس مساهمة البعثات الدبلوماسية في استقطاب الاستثمار وتنمية المبادلات الاقتصادية وإعداد تقرير سنوي يتولى تقييم إسهام السياسة الخارجية في تنفيذ مخطط التنمية ومدى تحقيق أهدافه، وتعزيز نجاعة التعاون الدولي وتوجيهه لخدمة أولويات مخطط التنمية من خلال توجيه التمويلات الخارجية نحو المشاريع ذات الأولوية الوطنية وتحسين نسب إنجاز المشاريع الممولة وتطوير الشراكات مع الدول الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب-جنوب ودعم التعاون اللامركزي بين الجهات بما يسهم في تحقيق تنمية مجالية متوازنة وتبادل الخبرات واستقطاب التمويلات والاستثمارات الداعمة للتنمية.

كما أوصى النواب بإرساء منظومة فعّالة لمتابعة وتقييم تنفيذ البعد الخارجي لمخطط التنمية، ترتكز على تكليف الحكومة بتقديم تقرير سنوي إلى مجلس نواب الشعب حول مدى تقدم تنفيذ هذا البعد، وإحداث آلية وطنية للتنسيق بين مختلف المتدخلين في السياسة الخارجية الاقتصادية وإدراج مؤشرات خاصة بالتعاون الدولي والتونسيين بالخارج ضمن منظومة متابعة المخطط وإجراء تقييم دوري لأثر الاستثمار الأجنبي على التنمية المجالية، إلى جانب تطوير قاعدة بيانات وطنية للمشاريع الدولية بما يعزز نجاعة المتابعة واتخاذ القرار المبني على المعطيات الدقيقة.

 

مراجعة مهن العدالة 

 أما بالنسبة إلى السياسة العدلية والحقوق والحريات فجاء في التقرير التأليفي للجان القارة حول مشروع المخطط التنموي أن التوصيات التي تقدم بها نواب الشعب تتمثل بالخصوص في القيام بمراجعة شاملة لمهن العدالة في إطار رؤية موحّدة لإصلاح مرفق العدالة وتطويره وفق المعايير الدولية، ومراجعة المجلة الجزائية في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة للحرية في المخالفات البسيطة ومواكبة الجرائم المستحدثة وتطوير مجلة الإجراءات الجزائية نحو تقليص آجال الاحتفاظ وغيرها وتأهيل الفضاءات السجنية والتركيز على برامج تعليمية وتكوينية لضمان إعادة الإدماج في المجتمع وتحسين ظروف الزيارات العائلية للمساجين ووضع خطة متكاملة لتقييم نجاعة آلية السوار الإلكتروني والعمل على توسيعها خاصة في ضل اكتظاظ السجون حيث تبلغ المساحة 1 فاصل 43 م2 للمودع وتم التأكيد على الانتقال إلى عدالة إعادة التأهيل وإدراج برامج ومؤشرات لتعزيز الحق في التقاضي والنفاذ إلى العدالة والربط البيني بين السجل العدلي والديوان الوطني للملكية العقارية والقباضات المالية وتعزيز آليات التصدّي للجرائم الرقمية والجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وإيلاء العناية اللازمة لقطاع الإعلام والاتصال ضمن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 باعتباره قطاعا استراتيجيا ومكونا أساسيا من مكونات التنمية المستدامة، وذلك من خلال إفراده بمحور مستقل يتضمّن برامج لتطوير الإعلام العمومي والخاص وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية ودعم الإعلام الجهوي والرقمي والارتقاء بالتكوين في المهن الإعلامية وترسيخ الحق في حرية التعبير والنفاذ إلى المعلومة بما يسهم في دعم المشاركة المواطنية والشفافية والحوكمة الرشيدة ومرافقة مختلف الإصلاحات التنموية.  

 

التنمية المجالية 

وفي علاقة بمحور التنمية المجالية أوصى نواب الشعب بإرساء منظومات اقتصادية جهوية متكاملة تستند إلى المزايا التفاضلية لكل جهة قادرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز التشغيل ودعم التنمية المستدامة بما يحقق التكامل بين مختلف الجهات والأقاليم ويحدّ من التفاوت التنموي ودعوا إلى دعم قدرات الجماعات المحلية وتمكينها من الاضطلاع بدور محوري في التنمية وفي تنفيذ المشاريع المحلية واقترحوا تحسين مناخ الاستثمار على المستوى الجهوي من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية ذات الصلة بالاستثمار وإحداث نافذة موحدة للمستثمرين بما ييسر إنجاز المشاريع ويختزل الآجال، فضلا عن توصيتهم بتطوير منظومة الحوافز وتوجيهها نحو تشجيع الاستثمار في الجهات الداخلية، بما يدعم التنمية الجهوية ويسهم في الحد من التفاوت بين الجهات وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة، إضافة إلى دعم الإدارة الجهوية والمحلية بالموارد البشرية واللوجستية اللازمة بما يمكّنها من المساهمة الفعلية في التنمية العادلة لمختلف شرائح المجتمع وفي تحسين الخدمات المسداة إلى المواطن بمختلف المناطق، كما طالبوا بالتسريع في مراجعة الأطر القانونية ذات العلاقة بالعمل التنموي على غرار القانون الأساسي للمجالس البلدية والأطر الـمتعلقة بالإدارة اللامحورية والأطر المنظمة لهياكل التنمية الجهوية ودعوا إلى مراجعة أمثلة التهيئة العمرانية بما يتلاءم مع الرؤية الجديدة لتقسيم المجال الترابي.

وخلصت اللجان القارة في تقريرها الموحد حول مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026ـ 2030 إلى التأكيد على مواصلة العمل على تفعيل هذه التوصيات ومتابعتها من قبل كل لجنة على حدة في حدود اختصاصاتها القطاعية وفي إطار الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس نواب الشعب التي نظمها الدستور. 

سعيدة بوهلال