إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الحضانة إلى الجامعة.. التعليم يستنزف ميزانيات الأسر التونسية

 

تونس - الصباح

كشف التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025 أن حجم إنفاق التونسيين على دراسة أبنائهم بالخارج بلغ 658 مليون دينار تونسي، بزيادة تناهز 30 % مقارنة بسنة 2024.

 

ريم سوودي

ويعود هذا الارتفاع، في جانب منه، إلى تزايد عدد الطلبة التونسيين الذين يتوجهون إلى الدراسة بالخارج، حيث تحوّل مشروع الدراسة خارج البلاد إلى استثمار أساسي بالنسبة إلى أغلب العائلات، التي تسعى من خلاله إلى فتح آفاق أوسع لأبنائها في مجالات الدراسة والبحث والتكوين، وتوفير فرص أفضل للعمل بعد التخرج.

وتستقطب دول، على غرار فرنسا وألمانيا وتركيا وإيطاليا وكندا ورومانيا، آلاف الطلبة التونسيين سنويا، بفضل تنوع اختصاصاتها الجامعية وفرص التشغيل التي توفرها بعد التخرج. وحسب ديوان التونسيين بالخارج، يقدّر عدد الطلبة التونسيين الذين يدرسون في الخارج بـ30 ألف طالب، وهو ما يمثل نسبة تتجاوز 10 % من العدد الجملي للطلبة التونسيين. ويفيد المصدر ذاته بأن 55% منهم يزاولون دراستهم في الجامعات الفرنسية.

وتأتي الجامعات الألمانية في المرتبة الثانية، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا واضحا في عدد الطلبة التونسيين، باعتبار مجانية التعليم في جامعاتها العمومية وتميزها في عدد من الاختصاصات. كما تشهد الجامعات الكندية والإيطالية بدورها ارتفاعا في عدد الطلبة التونسيين، إلى جانب رومانيا التي يتجه إليها الراغبون في دراسة اختصاصات مثل الطب وطب الأسنان والهندسة، نظرا إلى محدودية طاقة الاستيعاب في هذه الاختصاصات داخل تونس.

وأمام التراجع المتواصل لقيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية (الأورو والدولار)، تحوّل خيار الدراسة بالخارج إلى عبء ثقيل على العائلات التونسية، إذ تضطر الأسر، في كثير من الأحيان، إلى التفويت في بعض ممتلكاتها أو الحصول على قروض بنكية لتغطية تكاليف الترسيم والسكن والإقامة لأبنائها، وهي مصاريف يتم سدادها بعملات أجنبية.

 

استنزاف موارد الأسر

يستنزف التعليم موارد الأسر التونسية على امتداد المسار الدراسي، ليصبح تدريجيا الاستثمار الأول للعائلة، حيث تنفق الجزء الأكبر من مداخيلها لتغطية مصاريف أبنائها، انطلاقا من مرحلة الحضانة، مرورا بالتعليم الابتدائي والأساسي ثم الثانوي، بما يتطلبه ذلك من أدوات مدرسية ودروس خصوصية ومصاريف نقل وإعاشة، وصولا إلى التعليم العالي، حيث تعجز العديد من الأسر، وخاصة متوسطة ومحدودة الدخل، عن تغطية نفقاته.

 

مواد مدرسية ودروس خصوصية

ويقول رئيس جمعية أولياء التلاميذ، رضا الزهروني، إن حجم المعاملات المالية المرتبطة بالدروس الخصوصية ما انفك يرتفع، وأصبح يشكل أحد أكبر أوجه الإنفاق بالنسبة إلى العائلات التونسية. ويكشف أن التقديرات تشير إلى أن حجم المصاريف الموجهة للدروس الخصوصية يتراوح بين 1.5 و3 مليارات دينار سنويا، بما يجعلها، حسب رأيه، قد تحولت إلى ما يشبه "اقتصادا موازيا" داخل المنظومة التربوية.

وأضاف، في السياق ذاته، أن "أي وليّ اليوم يكاد يكون مضطرا إلى الإنفاق على الدروس الخصوصية"، سواء لتدارك النقائص التعليمية أو لتحقيق معدلات مرتفعة، مشيرا إلى أن العائلات تعيش ضغطا ماديا ونفسيا متواصلا بسبب نسق الدروس المكثف الذي يمتد طوال السنة الدراسية وحتى خلال العطل.

وتكشف دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تناولت موضوع النفقات المدرسية، أن أسعار المواد المدرسية ارتفعت، بين سنتي 2021 و2023، بنسبة بلغت نحو 45 %، في حين سجلت أسعار الكراسات، بمختلف أنواعها، زيادة تقارب 75 %، بينما بلغت نسبة الزيادة في أسعار الكتب المدرسية نحو 14 %. كما تختلف نسب الزيادة في أسعار الكتب المدرسية بحسب المستوى التعليمي، إذ كلما تدرج التلميذ في السلم التربوي ارتفعت نفقاته، وتعد المرحلة الثانوية الأعلى كلفة مقارنة بالمرحلتين الأساسية والابتدائية. كما تتباين تكلفة دراسة التلميذ بين المدارس الخاصة والمدارس العمومية.

 

قروض لتغطية تكاليف التعليم

وفي مرحلة متقدمة من التعليم، وبعد الحصول على الباكالوريا، تجد الأسر التونسية نفسها أمام مرحلة أكثر صعوبة، تتطلب مصاريف إضافية للسكن والأكل والنقل وتكاليف الدراسة، لذلك يتجه عدد كبير منها إلى الاقتراض.

ويحصل الطلبة في الجامعات التونسية على قروض بنكية بهدف استكمال دراستهم والتخفيف من الأعباء المالية عن أسرهم، مستفيدين من إمكانات الاقتراض التي توفرها البنوك لفائدة طلبة التعليم العالي. وتكشف معطيات رسمية نشرها البنك المركزي التونسي أن القروض الممنوحة لفائدة الطلبة تضاعفت بنحو 20 مرة خلال الأربعة عشر عاما الماضية، كما ارتفعت بنسبة 152 % خلال السنوات العشر الأخيرة.

وأظهرت البيانات ذاتها أن قيمة القروض الممنوحة من البنوك لفائدة الطلبة في الجامعات ارتفعت من 735 ألف دينار سنة 2011 إلى 14.3 مليون دينار بنهاية جوان 2025.

 

 

من الحضانة إلى الجامعة.. التعليم يستنزف ميزانيات الأسر التونسية

 

تونس - الصباح

كشف التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025 أن حجم إنفاق التونسيين على دراسة أبنائهم بالخارج بلغ 658 مليون دينار تونسي، بزيادة تناهز 30 % مقارنة بسنة 2024.

 

ريم سوودي

ويعود هذا الارتفاع، في جانب منه، إلى تزايد عدد الطلبة التونسيين الذين يتوجهون إلى الدراسة بالخارج، حيث تحوّل مشروع الدراسة خارج البلاد إلى استثمار أساسي بالنسبة إلى أغلب العائلات، التي تسعى من خلاله إلى فتح آفاق أوسع لأبنائها في مجالات الدراسة والبحث والتكوين، وتوفير فرص أفضل للعمل بعد التخرج.

وتستقطب دول، على غرار فرنسا وألمانيا وتركيا وإيطاليا وكندا ورومانيا، آلاف الطلبة التونسيين سنويا، بفضل تنوع اختصاصاتها الجامعية وفرص التشغيل التي توفرها بعد التخرج. وحسب ديوان التونسيين بالخارج، يقدّر عدد الطلبة التونسيين الذين يدرسون في الخارج بـ30 ألف طالب، وهو ما يمثل نسبة تتجاوز 10 % من العدد الجملي للطلبة التونسيين. ويفيد المصدر ذاته بأن 55% منهم يزاولون دراستهم في الجامعات الفرنسية.

وتأتي الجامعات الألمانية في المرتبة الثانية، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا واضحا في عدد الطلبة التونسيين، باعتبار مجانية التعليم في جامعاتها العمومية وتميزها في عدد من الاختصاصات. كما تشهد الجامعات الكندية والإيطالية بدورها ارتفاعا في عدد الطلبة التونسيين، إلى جانب رومانيا التي يتجه إليها الراغبون في دراسة اختصاصات مثل الطب وطب الأسنان والهندسة، نظرا إلى محدودية طاقة الاستيعاب في هذه الاختصاصات داخل تونس.

وأمام التراجع المتواصل لقيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية (الأورو والدولار)، تحوّل خيار الدراسة بالخارج إلى عبء ثقيل على العائلات التونسية، إذ تضطر الأسر، في كثير من الأحيان، إلى التفويت في بعض ممتلكاتها أو الحصول على قروض بنكية لتغطية تكاليف الترسيم والسكن والإقامة لأبنائها، وهي مصاريف يتم سدادها بعملات أجنبية.

 

استنزاف موارد الأسر

يستنزف التعليم موارد الأسر التونسية على امتداد المسار الدراسي، ليصبح تدريجيا الاستثمار الأول للعائلة، حيث تنفق الجزء الأكبر من مداخيلها لتغطية مصاريف أبنائها، انطلاقا من مرحلة الحضانة، مرورا بالتعليم الابتدائي والأساسي ثم الثانوي، بما يتطلبه ذلك من أدوات مدرسية ودروس خصوصية ومصاريف نقل وإعاشة، وصولا إلى التعليم العالي، حيث تعجز العديد من الأسر، وخاصة متوسطة ومحدودة الدخل، عن تغطية نفقاته.

 

مواد مدرسية ودروس خصوصية

ويقول رئيس جمعية أولياء التلاميذ، رضا الزهروني، إن حجم المعاملات المالية المرتبطة بالدروس الخصوصية ما انفك يرتفع، وأصبح يشكل أحد أكبر أوجه الإنفاق بالنسبة إلى العائلات التونسية. ويكشف أن التقديرات تشير إلى أن حجم المصاريف الموجهة للدروس الخصوصية يتراوح بين 1.5 و3 مليارات دينار سنويا، بما يجعلها، حسب رأيه، قد تحولت إلى ما يشبه "اقتصادا موازيا" داخل المنظومة التربوية.

وأضاف، في السياق ذاته، أن "أي وليّ اليوم يكاد يكون مضطرا إلى الإنفاق على الدروس الخصوصية"، سواء لتدارك النقائص التعليمية أو لتحقيق معدلات مرتفعة، مشيرا إلى أن العائلات تعيش ضغطا ماديا ونفسيا متواصلا بسبب نسق الدروس المكثف الذي يمتد طوال السنة الدراسية وحتى خلال العطل.

وتكشف دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تناولت موضوع النفقات المدرسية، أن أسعار المواد المدرسية ارتفعت، بين سنتي 2021 و2023، بنسبة بلغت نحو 45 %، في حين سجلت أسعار الكراسات، بمختلف أنواعها، زيادة تقارب 75 %، بينما بلغت نسبة الزيادة في أسعار الكتب المدرسية نحو 14 %. كما تختلف نسب الزيادة في أسعار الكتب المدرسية بحسب المستوى التعليمي، إذ كلما تدرج التلميذ في السلم التربوي ارتفعت نفقاته، وتعد المرحلة الثانوية الأعلى كلفة مقارنة بالمرحلتين الأساسية والابتدائية. كما تتباين تكلفة دراسة التلميذ بين المدارس الخاصة والمدارس العمومية.

 

قروض لتغطية تكاليف التعليم

وفي مرحلة متقدمة من التعليم، وبعد الحصول على الباكالوريا، تجد الأسر التونسية نفسها أمام مرحلة أكثر صعوبة، تتطلب مصاريف إضافية للسكن والأكل والنقل وتكاليف الدراسة، لذلك يتجه عدد كبير منها إلى الاقتراض.

ويحصل الطلبة في الجامعات التونسية على قروض بنكية بهدف استكمال دراستهم والتخفيف من الأعباء المالية عن أسرهم، مستفيدين من إمكانات الاقتراض التي توفرها البنوك لفائدة طلبة التعليم العالي. وتكشف معطيات رسمية نشرها البنك المركزي التونسي أن القروض الممنوحة لفائدة الطلبة تضاعفت بنحو 20 مرة خلال الأربعة عشر عاما الماضية، كما ارتفعت بنسبة 152 % خلال السنوات العشر الأخيرة.

وأظهرت البيانات ذاتها أن قيمة القروض الممنوحة من البنوك لفائدة الطلبة في الجامعات ارتفعت من 735 ألف دينار سنة 2011 إلى 14.3 مليون دينار بنهاية جوان 2025.