*الناطق الرسمي باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" لـ"الصباح": لا وجود لأي تمييز بين المرضى بداعي السن أو تقدم المرض، ولهذا يتم رفض بعض الأدوية
*رئيسة جمعية مرضى السرطان لـ"الصباح": ضرورة التقصي المبكر واتباع نظام حياة صحي للتقليص من عدد الإصابات
تونس - الصباح
يواجه مرضى السرطان منذ فترة صعوبات في الحصول على الأدوية العلاجية الخاصة بهم، وهو ما دفع عددا منهم إلى اللجوء إلى عدة وسائل، من بينها مواقع التواصل الاجتماعي، إما للبحث عن الأدوية أو لتقاسم قصص معاناتهم، كوسيلة للضغط من أجل الحصول على حقهم في العلاج، في حين يختار البعض الآخر الانتظار.
ريم سوودي
تقول سيرين، وهي فتاة ثلاثينية، إن التأخير الحاصل في حصولها على الدواء ليس الأول من نوعه، فقد تمكنت، بعد تقدمها بمطلب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، من الحصول على جزء فقط من العلاج. ثم، وفي مرحلة ثانية، وبعد إجابة الرفض التي تلقتها من الصندوق الوطني للتأمين على المرض بخصوص البروتوكول العلاجي الثاني للسرطان، تقدمت بشكاية أمام المحكمة، التي حكمت لفائدتها بالحصول على 6 جرعات من أصل 14 جرعة أقرها الطبيب.
وأضافت أن ذلك دفعها إلى التقدم بشكاية ثانية من أجل الحصول على الجرعات الثماني المتبقية، وتم إنصافها مرة أخرى من قبل القضاء، غير أن حصولها على الجرعات المتبقية تم بعد ثلاثة أشهر، وعلى خلفية نشرها للفيديو المذكور على صفحتها، حيث تمت دعوتها من قبل عدد من وسائل الإعلام.
وتضيف سيرين أن حياتها مهددة، وأن كل تأخير في الحصول على العلاج يعني خسارة فرصة للنجاة، باعتبار أن المرض لا يمكن إيقاف تقدمه أو انتشاره.
من جانبها، أفادت "الخالة فطيمة" في حديثها لـ"الصباح" أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض رفض مطلب التكفل الخاص بها، نظرا إلى كبر سنها وعدم إدراج علاجها ضمن قائمة أدوية الصندوق، مؤكدة أنها توجهت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية وإلى حد الآن لم تتحصل على رد.
معركة حياة
وللإشارة، فإن كل تأخير في الحصول على العلاج يمثل، بالنسبة إلى مريض السرطان، خسارة لفرصة نجاة، وتمديدا لمسارات علاج كان يمكن أن تكون أكثر راحة واستقرارا نفسيا للمريض وعائلته.
وقد أطلق عدد من الأطباء خلال السنة الأخيرة نداءات استغاثة متكررة، محذرين من تداعيات ذلك على صحة المرضى وفرص العلاج والشفاء. وأرجع الأطباء ومسؤولو قطاع الصحة هذا التأخير إلى أسباب متعددة، تشمل مشاكل لوجستية ومالية للصيدلية المركزية، وتعقيدات بيروقراطية يعتمدها الصندوق الوطني للتأمين على المرض في مسارات التكفل بأدوية مرضى السرطان.
وتقول طبيبة مختصة في معهد صالح عزيز، المركز التونسي الأول لعلاج الأورام السرطانية: "إنه من الغريب أن ينتظر مريض سرطان أسابيع أو أشهرا للحصول على الدواء أو العلاج الكيميائي، فكل يوم تأخير في الحصول على العلاج من شأنه أن يؤثر على الحالة الصحية للمريض ومستوى انتشار وتقدم المرض".
وتفسر في التصريح نفسه الأسباب قائلة: "مرض السرطان مرض خبيث لا ينتظر، والخلايا السرطانية لا تأخذ عطلة، والوقت بالنسبة إلى مريض السرطان يمكن أن يصنع الفرق بين مرض قابل للعلاج ومرض غير قابل للعلاج، ووراء كل ملف معطل عائلة تنتظر وشخص ينتظر فرصة لمواصلة الحياة وأملا في العيش على غرار بقية الأفراد".
وتضيف الطبيبة المختصة أن توفير علاجات الأورام السرطانية ليس منة أو ترفا، بل هو حق لكل مريض، وأن من حقه الانتفاع بالعلاج أو الوصول إلى الدواء في الوقت المناسب، باعتبار أن كل تأخير يمثل عبئا إضافيا على مرضى يخوضون أكبر معركة في حياتهم، وهي معركة الحق في الحياة.
"الكنام" يوضح
فسر إيهاب بن سالم، الناطق الرسمي باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، في تصريح لـ"الصباح"، أن إجابات الرفض التي تصدر عن لجنة النظر في مطالب التكفل بعلاج السرطان يعود سببها الرئيسي إلى كون هذه الأدوية غير مدرجة ضمن قائمة النظام القاعدي المعتمد من قبل الصندوق.
وكشف في التصريح نفسه أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مع كل إجابة رفض يقدمها لمريض بالسرطان، يؤكد وينصص بكل وضوح على إمكانية قيام المريض بمطلب إعادة نظر لدى اللجنة الموجودة بوزارة الشؤون الاجتماعية، مع المحافظة على نفس الدواء غير المدرج ضمن النظام القاعدي.
وأوضح أن اللجنة المتواجدة داخل وزارة الشؤون الاجتماعية لها صلاحية تقديم رد ثان بالموافقة، وعندها يتولى الصندوق الوطني للتأمين على المرض توفير الدواء للمريض.
وفي سؤال لـ"الصباح" حول إمكانية إدراج أدوية جديدة لعلاج السرطان ضمن النظام القاعدي الخاص بالصندوق الوطني للتأمين على المرض، بعد الموافقة الصادرة في شأنها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، أفاد إيهاب بن سالم بأن عددا من الأدوية التي يطلبها المرضى ويتم رفضها ثم قبولها من قبل لجنة وزارة الشؤون الاجتماعية، يقع بعد فترة إدراجها ضمن النظام القاعدي لـ"الكنام" من قبل اللجنة المختصة بمراجعة هذا النظام.
ولم يحدد الناطق باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض الفترة المعتمدة لتحيين قائمة الأدوية الموجودة في النظام القاعدي والمعتمدة من قبل لجنة التكفل بعلاجات السرطانات، مشيرا إلى أن الأمر مرتبط بقرارات اللجنة والأدوية المقترحة للإدراج.
وفي خصوص الأحكام القضائية الصادرة لفائدة عدد من المرضى، والتي كانت إيجابية وقضت بحصولهم على علاجاتهم كما وصفها الأطباء المتابعون لهم، أكد محدثنا أن "الصندوق الوطني للتأمين على المرض بصدد تنفيذ كل الأحكام الصادرة التي تلقاها من قبل المحاكم، ولم يتم، حسب تصريحه، على الإطلاق تعطيل أو رفض تطبيق حكم قضائي تم إعلامنا به من قبل مريض سرطان".
كما نفى إيهاب بن سالم وجود أي نوع من الأفضلية أو التمييز بين مرضى السرطان على أساس السن أو مستوى تقدم المرض، مشيرا إلى أن ملفات التكفل المقدمة يتم درسها من قبل الأطباء، وبالاعتماد على المعلومات المقدمة من الطبيب المباشر والأدوية المقترحة وقائمة النظام القاعدي، يتم ضبط طبيعة الردود وتمكين المرضى من بروتوكولاتهم العلاجية.
وشدد على أنه لا وجود لأي أفضلية مهما كان نوعها، ولا صحة لما تم تداوله حول رفض مطالب على أساس السن أو مستوى تقدم المرض. كما أكد عدم وجود حدود زمنية أو مالية لمطالب التكفل الخاصة بمرضى السرطان، ما دامت هناك نتائج إيجابية للبروتوكولات العلاجية المقدمة للمريض، حيث يواصل "الكنام" منح الموافقة على العلاجات.
بدأت تجليات أزمة نقص الأدوية في تونس بشكل عام، وأدوية السرطان بشكل خاص، تقريبا منذ سنة 2018، ما دفع حينها مجلس نواب الشعب إلى مساءلة وزير الصحة بشأن النقص الفادح في الدواء وتراجع خدمات المستشفيات العمومية.
وفي سنة 2020، تفاقم النقص المسجل، وأطلقت جمعيات طبية مثل "جمعية أطباء الأورام بالقطاع الخاص" نداءات استغاثة نظرا إلى الفقدان التام لعدة أصناف من أدوية السرطان.
وخلال السنة الأخيرة، تعمقت الأزمة بشكل غير مسبوق، لتتحول من نقص ظرفي إلى أزمة هيكلية مستمرة أثرت مباشرة على حق المرضى في الصحة والعلاج، ومسّت حتى المستشفيات الكبرى مثل معهد صالح عزيز المتخصص في علاج الأورام.
واقع مرض السرطان في تونس
تقول دراسة صادرة عن معهد صالح عزيز سنة 2024 إنّ عدد الإصابات الجديدة بالسرطان في تونس سيصل إلى حدود 41 ألف شخص في أفق سنة 2040، ليتضاعف تقريبًا مقارنة بالعدد المعلن من قبل المعهد، والذي أفاد بأن سنة 2023 شهدت تسجيل 22 ألفًا و201 إصابة جديدة بالسرطان، منها 11 ألفًا و773 إصابة لدى الذكور و10 آلاف و328 إصابة لدى الإناث، حسب ما أعلنه مستشفى صالح عزيز المختص في الأورام السرطانية.
ويمثل سرطان الرئة والمثانة والبروستات والقولون أكثر أنواع السرطان شيوعًا لدى الرجال، في حين يعد سرطان الثدي والقولون والرئة والغدة الدرقية وعنق الرحم الأكثر انتشارًا لدى النساء.
وتعدّ حالات الإصابة بالأورام السرطانية في تونس، باختلاف أصنافها، السبب الرئيسي للوفاة منذ سنة 2021، حسب إحصائيات وزارة الصحة، حيث تمثل ما يقارب 15.6 بالمائة من إجمالي الوفيات، تليها الوفيات الناجمة عن أمراض السكري التي تبلغ نسبتها 7.6 بالمائة، ثم أمراض القلب والشرايين التي تكون في حدود 6.8 بالمائة.
برنامج الصحة 2030 للتحكم والتقليص من الإصابات
تعتبر روضة زروق، رئيسة جمعية مرضى السرطان، أنّ مجابهة انتشار المرض ترتبط بتطبيق برنامج الصحة لسنة 2030، الذي من شأنه أن يجعلنا قادرين على التحكم في عدد الإصابات الجديدة بمرض السرطان والتقليص منها بشكل واضح، أو على الأقل اكتشافها بصفة مبكرة وتلافي كلفتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية بالنسبة للمريض والعائلة والدولة على حد سواء، باعتبار أنّ 10 بالمائة من الإصابات الجديدة تكون وراثية.
وتقول روضة زروق، في تصريحها لـ"الصباح"، إنّه يكفي أن يلتزم التونسيون بنظام غذائي متوازن وصحي، وأن يبتعدوا عن الضغط النفسي، وأن يقوموا بالتقصي والكشف المبكر عن السرطانات في حال ملاحظة أي علامة غير عادية، حتى يكونوا في منطقة أكثر أمانًا ويقللوا من عوامل الإصابة بالسرطان، على أن يصاحب ذلك التزام الدولة ببرنامجها للوقاية من انتشار مرض السرطان، بما يتضمنه من حملات تحسيسية وومضات وتقصٍ مبكر.
وبيّنت رئيسة جمعية مرضى السرطان أنّ نسق انتشار الإصابة بالأورام بمختلف أنواعها بصدد التوسع على المستوى العالمي، وهو ما يفسر الأرقام المقلقة التي باتت تسجلها تونس سنويًا.
وتُعتبر الجراحة والعلاج بالأشعة والعلاج الكيميائي من العلاجات المعتمدة في مختلف المؤسسات الصحية العمومية والخاصة في تونس، ويتم ضبطها وفق بروتوكول صحي يحدده أطباء الاختصاص حسب نوع السرطان ومرحلة تقدّمه.
ورغم النجاحات المنجزة في علاج مرض السرطان، ما تزال عمليات تشخيصه تمثل أمرًا صعبًا ولا تزال دون مستوى انتظارات برامج الصحة الوطنية. فإلى غاية اليوم، ما يزال التصوير الشعاعي للماموغرافي متاحًا للنساء اللاتي تتجاوز أعمارهن 40 سنة، كما أنّ نسب الإقبال عليه تعد ضعيفة للغاية.
كما تشكو البنية التحتية للمستشفيات العمومية من نقص واضح في توزيع الاختصاصات بين الجهات، حيث تتركّز الأقسام المختصة في الأورام أساسًا في تونس العاصمة وسوسة وصفاقس، وخاصة في معهد صالح عزيز، المركز الرئيسي للأبحاث وعلاج السرطان، إضافة إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة، ومستشفى الحبيب بورقيبة في صفاقس.
وتكون كلفة علاج السرطانات باهظة للغاية في المصحات الخاصة، رغم عدم توفر أغلبها، إلى حد اليوم، على الخبرة والتجهيزات المتوفرة في المستشفيات العمومية.
*الناطق الرسمي باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" لـ"الصباح": لا وجود لأي تمييز بين المرضى بداعي السن أو تقدم المرض، ولهذا يتم رفض بعض الأدوية
*رئيسة جمعية مرضى السرطان لـ"الصباح": ضرورة التقصي المبكر واتباع نظام حياة صحي للتقليص من عدد الإصابات
تونس - الصباح
يواجه مرضى السرطان منذ فترة صعوبات في الحصول على الأدوية العلاجية الخاصة بهم، وهو ما دفع عددا منهم إلى اللجوء إلى عدة وسائل، من بينها مواقع التواصل الاجتماعي، إما للبحث عن الأدوية أو لتقاسم قصص معاناتهم، كوسيلة للضغط من أجل الحصول على حقهم في العلاج، في حين يختار البعض الآخر الانتظار.
ريم سوودي
تقول سيرين، وهي فتاة ثلاثينية، إن التأخير الحاصل في حصولها على الدواء ليس الأول من نوعه، فقد تمكنت، بعد تقدمها بمطلب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، من الحصول على جزء فقط من العلاج. ثم، وفي مرحلة ثانية، وبعد إجابة الرفض التي تلقتها من الصندوق الوطني للتأمين على المرض بخصوص البروتوكول العلاجي الثاني للسرطان، تقدمت بشكاية أمام المحكمة، التي حكمت لفائدتها بالحصول على 6 جرعات من أصل 14 جرعة أقرها الطبيب.
وأضافت أن ذلك دفعها إلى التقدم بشكاية ثانية من أجل الحصول على الجرعات الثماني المتبقية، وتم إنصافها مرة أخرى من قبل القضاء، غير أن حصولها على الجرعات المتبقية تم بعد ثلاثة أشهر، وعلى خلفية نشرها للفيديو المذكور على صفحتها، حيث تمت دعوتها من قبل عدد من وسائل الإعلام.
وتضيف سيرين أن حياتها مهددة، وأن كل تأخير في الحصول على العلاج يعني خسارة فرصة للنجاة، باعتبار أن المرض لا يمكن إيقاف تقدمه أو انتشاره.
من جانبها، أفادت "الخالة فطيمة" في حديثها لـ"الصباح" أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض رفض مطلب التكفل الخاص بها، نظرا إلى كبر سنها وعدم إدراج علاجها ضمن قائمة أدوية الصندوق، مؤكدة أنها توجهت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية وإلى حد الآن لم تتحصل على رد.
معركة حياة
وللإشارة، فإن كل تأخير في الحصول على العلاج يمثل، بالنسبة إلى مريض السرطان، خسارة لفرصة نجاة، وتمديدا لمسارات علاج كان يمكن أن تكون أكثر راحة واستقرارا نفسيا للمريض وعائلته.
وقد أطلق عدد من الأطباء خلال السنة الأخيرة نداءات استغاثة متكررة، محذرين من تداعيات ذلك على صحة المرضى وفرص العلاج والشفاء. وأرجع الأطباء ومسؤولو قطاع الصحة هذا التأخير إلى أسباب متعددة، تشمل مشاكل لوجستية ومالية للصيدلية المركزية، وتعقيدات بيروقراطية يعتمدها الصندوق الوطني للتأمين على المرض في مسارات التكفل بأدوية مرضى السرطان.
وتقول طبيبة مختصة في معهد صالح عزيز، المركز التونسي الأول لعلاج الأورام السرطانية: "إنه من الغريب أن ينتظر مريض سرطان أسابيع أو أشهرا للحصول على الدواء أو العلاج الكيميائي، فكل يوم تأخير في الحصول على العلاج من شأنه أن يؤثر على الحالة الصحية للمريض ومستوى انتشار وتقدم المرض".
وتفسر في التصريح نفسه الأسباب قائلة: "مرض السرطان مرض خبيث لا ينتظر، والخلايا السرطانية لا تأخذ عطلة، والوقت بالنسبة إلى مريض السرطان يمكن أن يصنع الفرق بين مرض قابل للعلاج ومرض غير قابل للعلاج، ووراء كل ملف معطل عائلة تنتظر وشخص ينتظر فرصة لمواصلة الحياة وأملا في العيش على غرار بقية الأفراد".
وتضيف الطبيبة المختصة أن توفير علاجات الأورام السرطانية ليس منة أو ترفا، بل هو حق لكل مريض، وأن من حقه الانتفاع بالعلاج أو الوصول إلى الدواء في الوقت المناسب، باعتبار أن كل تأخير يمثل عبئا إضافيا على مرضى يخوضون أكبر معركة في حياتهم، وهي معركة الحق في الحياة.
"الكنام" يوضح
فسر إيهاب بن سالم، الناطق الرسمي باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، في تصريح لـ"الصباح"، أن إجابات الرفض التي تصدر عن لجنة النظر في مطالب التكفل بعلاج السرطان يعود سببها الرئيسي إلى كون هذه الأدوية غير مدرجة ضمن قائمة النظام القاعدي المعتمد من قبل الصندوق.
وكشف في التصريح نفسه أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مع كل إجابة رفض يقدمها لمريض بالسرطان، يؤكد وينصص بكل وضوح على إمكانية قيام المريض بمطلب إعادة نظر لدى اللجنة الموجودة بوزارة الشؤون الاجتماعية، مع المحافظة على نفس الدواء غير المدرج ضمن النظام القاعدي.
وأوضح أن اللجنة المتواجدة داخل وزارة الشؤون الاجتماعية لها صلاحية تقديم رد ثان بالموافقة، وعندها يتولى الصندوق الوطني للتأمين على المرض توفير الدواء للمريض.
وفي سؤال لـ"الصباح" حول إمكانية إدراج أدوية جديدة لعلاج السرطان ضمن النظام القاعدي الخاص بالصندوق الوطني للتأمين على المرض، بعد الموافقة الصادرة في شأنها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، أفاد إيهاب بن سالم بأن عددا من الأدوية التي يطلبها المرضى ويتم رفضها ثم قبولها من قبل لجنة وزارة الشؤون الاجتماعية، يقع بعد فترة إدراجها ضمن النظام القاعدي لـ"الكنام" من قبل اللجنة المختصة بمراجعة هذا النظام.
ولم يحدد الناطق باسم الصندوق الوطني للتأمين على المرض الفترة المعتمدة لتحيين قائمة الأدوية الموجودة في النظام القاعدي والمعتمدة من قبل لجنة التكفل بعلاجات السرطانات، مشيرا إلى أن الأمر مرتبط بقرارات اللجنة والأدوية المقترحة للإدراج.
وفي خصوص الأحكام القضائية الصادرة لفائدة عدد من المرضى، والتي كانت إيجابية وقضت بحصولهم على علاجاتهم كما وصفها الأطباء المتابعون لهم، أكد محدثنا أن "الصندوق الوطني للتأمين على المرض بصدد تنفيذ كل الأحكام الصادرة التي تلقاها من قبل المحاكم، ولم يتم، حسب تصريحه، على الإطلاق تعطيل أو رفض تطبيق حكم قضائي تم إعلامنا به من قبل مريض سرطان".
كما نفى إيهاب بن سالم وجود أي نوع من الأفضلية أو التمييز بين مرضى السرطان على أساس السن أو مستوى تقدم المرض، مشيرا إلى أن ملفات التكفل المقدمة يتم درسها من قبل الأطباء، وبالاعتماد على المعلومات المقدمة من الطبيب المباشر والأدوية المقترحة وقائمة النظام القاعدي، يتم ضبط طبيعة الردود وتمكين المرضى من بروتوكولاتهم العلاجية.
وشدد على أنه لا وجود لأي أفضلية مهما كان نوعها، ولا صحة لما تم تداوله حول رفض مطالب على أساس السن أو مستوى تقدم المرض. كما أكد عدم وجود حدود زمنية أو مالية لمطالب التكفل الخاصة بمرضى السرطان، ما دامت هناك نتائج إيجابية للبروتوكولات العلاجية المقدمة للمريض، حيث يواصل "الكنام" منح الموافقة على العلاجات.
بدأت تجليات أزمة نقص الأدوية في تونس بشكل عام، وأدوية السرطان بشكل خاص، تقريبا منذ سنة 2018، ما دفع حينها مجلس نواب الشعب إلى مساءلة وزير الصحة بشأن النقص الفادح في الدواء وتراجع خدمات المستشفيات العمومية.
وفي سنة 2020، تفاقم النقص المسجل، وأطلقت جمعيات طبية مثل "جمعية أطباء الأورام بالقطاع الخاص" نداءات استغاثة نظرا إلى الفقدان التام لعدة أصناف من أدوية السرطان.
وخلال السنة الأخيرة، تعمقت الأزمة بشكل غير مسبوق، لتتحول من نقص ظرفي إلى أزمة هيكلية مستمرة أثرت مباشرة على حق المرضى في الصحة والعلاج، ومسّت حتى المستشفيات الكبرى مثل معهد صالح عزيز المتخصص في علاج الأورام.
واقع مرض السرطان في تونس
تقول دراسة صادرة عن معهد صالح عزيز سنة 2024 إنّ عدد الإصابات الجديدة بالسرطان في تونس سيصل إلى حدود 41 ألف شخص في أفق سنة 2040، ليتضاعف تقريبًا مقارنة بالعدد المعلن من قبل المعهد، والذي أفاد بأن سنة 2023 شهدت تسجيل 22 ألفًا و201 إصابة جديدة بالسرطان، منها 11 ألفًا و773 إصابة لدى الذكور و10 آلاف و328 إصابة لدى الإناث، حسب ما أعلنه مستشفى صالح عزيز المختص في الأورام السرطانية.
ويمثل سرطان الرئة والمثانة والبروستات والقولون أكثر أنواع السرطان شيوعًا لدى الرجال، في حين يعد سرطان الثدي والقولون والرئة والغدة الدرقية وعنق الرحم الأكثر انتشارًا لدى النساء.
وتعدّ حالات الإصابة بالأورام السرطانية في تونس، باختلاف أصنافها، السبب الرئيسي للوفاة منذ سنة 2021، حسب إحصائيات وزارة الصحة، حيث تمثل ما يقارب 15.6 بالمائة من إجمالي الوفيات، تليها الوفيات الناجمة عن أمراض السكري التي تبلغ نسبتها 7.6 بالمائة، ثم أمراض القلب والشرايين التي تكون في حدود 6.8 بالمائة.
برنامج الصحة 2030 للتحكم والتقليص من الإصابات
تعتبر روضة زروق، رئيسة جمعية مرضى السرطان، أنّ مجابهة انتشار المرض ترتبط بتطبيق برنامج الصحة لسنة 2030، الذي من شأنه أن يجعلنا قادرين على التحكم في عدد الإصابات الجديدة بمرض السرطان والتقليص منها بشكل واضح، أو على الأقل اكتشافها بصفة مبكرة وتلافي كلفتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية بالنسبة للمريض والعائلة والدولة على حد سواء، باعتبار أنّ 10 بالمائة من الإصابات الجديدة تكون وراثية.
وتقول روضة زروق، في تصريحها لـ"الصباح"، إنّه يكفي أن يلتزم التونسيون بنظام غذائي متوازن وصحي، وأن يبتعدوا عن الضغط النفسي، وأن يقوموا بالتقصي والكشف المبكر عن السرطانات في حال ملاحظة أي علامة غير عادية، حتى يكونوا في منطقة أكثر أمانًا ويقللوا من عوامل الإصابة بالسرطان، على أن يصاحب ذلك التزام الدولة ببرنامجها للوقاية من انتشار مرض السرطان، بما يتضمنه من حملات تحسيسية وومضات وتقصٍ مبكر.
وبيّنت رئيسة جمعية مرضى السرطان أنّ نسق انتشار الإصابة بالأورام بمختلف أنواعها بصدد التوسع على المستوى العالمي، وهو ما يفسر الأرقام المقلقة التي باتت تسجلها تونس سنويًا.
وتُعتبر الجراحة والعلاج بالأشعة والعلاج الكيميائي من العلاجات المعتمدة في مختلف المؤسسات الصحية العمومية والخاصة في تونس، ويتم ضبطها وفق بروتوكول صحي يحدده أطباء الاختصاص حسب نوع السرطان ومرحلة تقدّمه.
ورغم النجاحات المنجزة في علاج مرض السرطان، ما تزال عمليات تشخيصه تمثل أمرًا صعبًا ولا تزال دون مستوى انتظارات برامج الصحة الوطنية. فإلى غاية اليوم، ما يزال التصوير الشعاعي للماموغرافي متاحًا للنساء اللاتي تتجاوز أعمارهن 40 سنة، كما أنّ نسب الإقبال عليه تعد ضعيفة للغاية.
كما تشكو البنية التحتية للمستشفيات العمومية من نقص واضح في توزيع الاختصاصات بين الجهات، حيث تتركّز الأقسام المختصة في الأورام أساسًا في تونس العاصمة وسوسة وصفاقس، وخاصة في معهد صالح عزيز، المركز الرئيسي للأبحاث وعلاج السرطان، إضافة إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة، ومستشفى الحبيب بورقيبة في صفاقس.
وتكون كلفة علاج السرطانات باهظة للغاية في المصحات الخاصة، رغم عدم توفر أغلبها، إلى حد اليوم، على الخبرة والتجهيزات المتوفرة في المستشفيات العمومية.