*رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بالبرلمان لـ"الصباح":
تعقيد الإجراءات الإدارية وطول آجال إنجاز الملفات أبرز الصعوبات التي تواجه جاليتنا بالخارج
*نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين لـ"الصباح":
الجالية التونسية.. المتنفس الوحيد للباعثين العقاريين أمام عزوف الطلب الداخلي
*رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لـ"الصباح":
تزايد طلب التونسيين بالخارج سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار لأنها حرة.. والحل في تسقيفها لحماية المشتري داخل تونس وخارجها
تونس - الصباح
يشهد سوق العقارات في تونس تحولات عميقة وتغيرات واضحة في سلوك التونسي. وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية، لا يزال العقار يمثل الهاجس الأكبر والملاذ الآمن للتونسيين. وقد تأثر سوق العقارات خلال السنوات الأخيرة بعدة عوامل، من أبرزها ارتفاع الأسعار، ونقص الأراضي الصالحة للبناء، والتغير الملحوظ في النماذج الهندسية للمشاريع العقارية.
وفاء بن محمد
غير أن ارتفاع الأسعار ظل العامل الأبرز والأكثر تأثيرا في القدرة الشرائية للتونسيين خلال السنوات الماضية. وتتعدد الأسباب التي تقف وراء تواصل ارتفاع أسعار العقارات من سنة إلى أخرى، ولعل أبرزها تزايد الطلب من قبل التونسيين المقيمين بالخارج، خاصة خلال هذه الفترة من السنة، تزامنا مع عودتهم الصيفية.
فالعقار لا يزال يستقطب عددا كبيرا من أبناء الجالية التونسية الذين يفضلون الاستثمار فيه، وهو ما يزيد من صعوبة الوضع بالنسبة إلى التونسيين المقيمين داخل البلاد، باعتبار أن الباعث العقاري يحرص على تسويق مخزونه العقاري في أسرع وقت وبأسعار تفاضلية، حتى يؤمن نفسه من ضغوطات البنوك والتداعيات المالية المرتبطة بالقروض.
نصف الجالية التونسية يهتم بالاستثمار في العقارات
وكشفت منصة عقارية مختصة في تونس أن 62 بالمائة من الجالية التونسية بالخارج تُبدي اهتماما بشراء العقارات خلال عودتها إلى تونس في فصل الصيف.
وأوضحت المنصة، عبر صفحتها الرسمية على موقع فايسبوك، أن 20 بالمائة من هؤلاء يفضلون اقتناء منازل فخمة، في حين يتجه 18 بالمائة نحو شراء الأراضي. وتبرز هذه المعطيات تزايد رغبة التونسيين المقيمين بالخارج في الاستثمار العقاري داخل البلاد، بما يعكس ارتباطهم بوطنهم واستعدادهم لضخ استثماراتهم في السوق العقارية التونسية.
ورغم هذه المؤشرات التي تؤكد إقبال الجالية التونسية على شراء العقارات، فإن هذا الإقبال عرف تراجعا طفيفا خلال الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع كلفة التمويلات السكنية وغلاء أسعار الشقق، إذ أصبح عدد من التونسيين بالخارج يفضلون الاستثمار في اقتناء مساكن بدول الإقامة، مدفوعين بالحوافز العديدة التي توفرها تلك الدول للراغبين في تملك مساكن.
وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين، جلال مزيو، في تصريح لـ"الصباح"، أن قطاع البعث العقاري فقد، بشكل فعلي، جزءا مهما من حرفائه من التونسيين المهاجرين، وهو ما انعكس على حجم مبيعات القطاع السكني.
وأوضح أن من أبرز أسباب عزوف التونسيين بالخارج عن اقتناء عقارات في بلدهم عدم توفر حوافز جبائية ومالية مماثلة لتلك التي يتمتعون بها في بلدان الإقامة.
وأضاف أن مهنيي القطاع ركزوا خلال الفترة الأخيرة على استقطاب التونسيين بالخارج من أجل تسويق العقارات الجاهزة للاستغلال، في ظل عزوف التونسيين المقيمين داخل البلاد، نتيجة عدم قدرتهم على الحصول على قروض بنكية مكلفة لا تتلاءم مع قدرتهم الشرائية.
وأشار نائب رئيس الغرفة إلى سلسلة التظاهرات والصالونات التي تم تنظيمها مؤخرا للترويج لسوق العقارات في تونس والموجهة أساسا إلى التونسيين بالخارج، باعتبار أن هذه الفئة "تمثل المتنفس الوحيد للباعثين العقاريين أمام ظاهرة الركود وعزوف الطلب الداخلي"، حسب تعبيره.
وحول مردودية هذه الحركية الترويجية، أفاد مزيو بأنها ما تزال محتشمة نسبيا، باعتبار أن "الجالية التونسية، رغم امتلاكها الإمكانيات اللازمة للاستثمار في العقارات، فإنها تواجه تعقيدات وتعطيلات تتعلق بعمليات تحويل الأموال والإجراءات الإدارية".
وفي ما يتعلق بالطلب الداخلي، أكد مزيو أن الغرفة قدمت عدة مقترحات لتمكين التونسي من اقتناء مسكن، من أهمها مقترح "مسكن لكل تونسي"، الذي يقوم على التقليص في نسبة الفائدة على القروض البنكية إلى حدود 3 بالمائة، مرة واحدة في حياة المنتفع، مبينا أن هذا المقترح لم يحظ بالقبول من قبل الدولة في مناسبات عديدة.
ولم يفت نائب رئيس الغرفة التأكيد على حجم تأثر قطاع البعث العقاري بحالة الركود الحالية، التي تسببت، وفق تقديره، في تراجع عدد الباعثين العقاريين ونقص كبير في الاستثمارات الجديدة، داعيا الدولة إلى تبني الحلول التي اقترحتها الغرفة "حتى يصبح المواطن قادرا على اقتناء المسكن، ويصبح الباعث العقاري قادرا على تطوير القطاع، فتكتمل بذلك الحلقة"، وفق تعبيره.
تشريعات في حاجة إلى تعديلات
وعلى المستوى التشريعي، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح"، أن اللجنة اشتغلت على هذا الملف، وتوصلت إلى أن الصعوبات التي يواجهها التونسيون بالخارج عند اقتناء عقار في تونس لا ترتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة من التحديات الإدارية والمالية والقانونية واللوجستية.
وأوضح جعيدان أن أبرز هذه الصعوبات تتمثل في تعقيد الإجراءات الإدارية، وتعدد المتدخلين، وطول آجال إنجاز الملفات، إضافة إلى صعوبة الحصول على التمويل العقاري في بعض الحالات، وارتفاع أسعار العقارات، فضلا عن الإشكاليات المتعلقة بتحويل الأموال وإنجاز الإجراءات القانونية عن بعد. كما أشار إلى أن عددا كبيرا من التونسيين بالخارج يتخوفون من كيفية تعاطي مصالح الجباية والضرائب في تونس مع اقتناءاتهم العقارية.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الإدارية، أوضح جعيدان أن المشتري التونسي المقيم بالخارج مطالب اليوم بتوفير عدد كبير من الوثائق الإدارية، في ظل تعدد الجهات المتدخلة، وطول آجال استخراج الوثائق واستكمال المعاملات، إضافة إلى غياب مسار إداري موحد وواضح خاص بالتونسي المقيم بالخارج.
وأضاف أن صعوبة إنجاز الإجراءات عن بعد، باعتبار أن العديد من المعاملات تستوجب الحضور الشخصي أو إعداد توكيلات قانونية، تمثل بدورها من أبرز العراقيل، إلى جانب محدودية الخدمات الرقمية، وهو ما يضطر التونسي إلى السفر أكثر من مرة لاستكمال مختلف الإجراءات.
أما في ما يتعلق بالتمويل العقاري، وخلافا لما هو شائع بشأن تمتع التونسيين بالخارج بامتيازات واسعة في هذا المجال، فقد أوضح رئيس اللجنة أن شروط القروض لا تراعي دائما خصوصية المقيمين بالخارج، بالنظر إلى اختلاف الأنظمة البنكية بين تونس وبلدان الإقامة، فضلا عن بطء دراسة الملفات وصعوبة إثبات الدخل بالنسبة إلى بعض الحالات.
وفي ما يخص ارتفاع أسعار العقارات، وهو العامل الذي يعتبره المقيمون بالخارج من أبرز الصعوبات التي تواجههم عند اقتناء مسكن في تونس، أشار أيضا إلى الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات القانونية والتسجيل، وما تتطلبه من طول آجال تسجيل العقود ونقل الملكية.
كما بين جعيدان أن بعض الإشكاليات المتعلقة بالملكية المشتركة أو بالعقارات غير المسواة قانونيا، إلى جانب التخوف من النزاعات العقارية أو من وجود عراقيل قانونية غير معلنة، تعد كذلك من بين أبرز الصعوبات التي تواجه الجالية التونسية بالخارج.
واعتبر رئيس اللجنة أن نقص المعلومة والشفافية، وصعوبة الحصول على معلومات دقيقة وموحدة حول المشاريع والأسعار والحقوق والواجبات، فضلا عن تفاوت مستوى الشفافية بين مختلف المتدخلين في القطاع، وضعف الثقة عموما في سوق العقارات، مثلت جميعها محاور تم التطرق إليها داخل اللجنة، بهدف حماية حقوق المشتري.
وأشار جعيدان إلى أن التونسيين بالخارج يمثلون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وأول مورد للعملة الصعبة في البلاد، معتبرا أن من حقهم أن يجدوا مسارا سهلا وآمنا لاقتناء مسكن أو عقار في تونس.
وختم بالتأكيد على أن الحل يكمن في تبسيط المسالك الإدارية، ورقمنة الخدمات، وإحداث شباك موحد يرافق التونسي المقيم بالخارج منذ بداية مشروعه إلى غاية تسجيل العقار، إلى جانب تطوير منتجات بنكية تتلاءم مع خصوصية هذه الفئة.
حماية المشتري التونسي في الداخل والخارج
من جانبه، أفاد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي رياحي، في تصريح لـ"الصباح"، بأن قطاع البعث العقاري اليوم ملزم بكراس شروط يضمن حماية المستهلك التونسي، سواء داخل البلاد أو خارجها، مبينا أن من أهم الضمانات في هذا المجال أن يكون مشتري العقار مؤمَّنا من قبل شركة تأمين، وأن يتم إبرام عقد البيع بحضور محام، حسب تعبيره.
كما أكد الرياحي، في السياق نفسه، على ضرورة تمكين مشتري العقار من شهادة رفع اليد مباشرة من الباعث العقاري، وتمكينه كذلك من المثال الهندسي، باعتباره وثيقة أساسية في ملف الشراء، تمكنه من معرفة حدود الفضاءات المشتركة، حسب تعبيره.
وفي ما يتعلق بتأثير تزايد الطلب على العقارات من قبل التونسيين بالخارج، اعتبر الرياحي أن ذلك سيؤدي، دون شك، إلى مزيد ارتفاع الأسعار، خاصة أنها تخضع لقاعدة الأسعار الحرة، داعيا إلى ضرورة تحديد سقف للأسعار مستقبلا، بما يحمي المشتري، سواء داخل تونس أو خارجها.
واعتبر الرياحي أن قطاع البعث العقاري متشعب، ويتطلب مزيدا من المتابعة والتأطير من قبل الدولة وجميع الهياكل المتدخلة، بما يضمن حماية التونسيين، سواء المقيمين داخل البلاد أو أبناء الجالية بالخارج، خاصة في ما يتعلق بحقيقة المخزون العقاري، والتمويل، وسائر الجوانب المرتبطة بعمليات الاقتناء.
وقد شهدت سوق العقارات خلال السنوات الأخيرة تغيرات على مستوى العرض والطلب، وكذلك في سلوك المستهلك والأسعار. ووفقا للبيانات العقارية الصادرة عن منصة مختصة في تونس، فقد ارتفع المعدل العام لأسعار العقارات بنسبة 7 بالمائة، تزامنا مع ارتفاع أسعار الكراء بنسبة 7.5 بالمائة.
وكشفت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء، عن تسجيل تطور ملحوظ في عدد المساكن في تونس، إذ تضاعف هذا العدد بنحو 4.9 مرات بين سنتي 1966 و2024، ليرتفع من 873.9 ألف مسكن إلى 4 ملايين و266.2 ألف مسكن، من بينها 826 ألفا و001 مسكن شاغر، أي ما يمثل 19 بالمائة من إجمالي المساكن في البلاد.
وتعود الزيادات في أسعار العقارات إلى عدة عوامل تضغط على السوق، من أبرزها ارتفاع كلفة التمويل، إذ يعاني الراغبون في اقتناء المساكن من الارتفاع الكبير في نسب الفائدة على القروض البنكية، مما يجعل شروط التمويل أكثر صعوبة، حيث تتراوح نسب الفائدة على القروض العقارية بين 10 و13 بالمائة.
كما يعد شح الأراضي المهيأة للبناء من أهم أسباب ارتفاع الأسعار، إذ تسجل تونس نقصا في المقاسم المعدة للبناء، خاصة في المدن الكبرى، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة اقتناء الأراضي بالنسبة إلى الباعثين العقاريين، وينعكس آليا على أسعار المنتج العقاري النهائي، سواء تعلق الأمر بالشقق أو الفيلات.
الدولة ودورها في تمكين التونسيين من مسكن
في المقابل، شهدت بلادنا خلال الفترة الأخيرة تعديلات جبائية على مستوى الأداء على القيمة المضافة (TVA). ورغم المخاوف التي أثيرت بشأن انعكاساتها على الأسعار، أقرت الدولة إجراءات تحفيزية من خلال خفض نسبة الأداء على القيمة المضافة إلى 7 بالمائة بالنسبة إلى العقارات الصالحة للسكن المقتناة لدى الباعثين العقاريين، شريطة ألا تتجاوز قيمتها 400 ألف دينار، وذلك في إطار التخفيف من الأعباء المسلطة على الطبقة المتوسطة ودعم قطاع البعث العقاري.
كما أطلقت الحكومة عدة مبادرات لمعالجة أزمة السكن، من بينها برنامج السكن الاجتماعي الموجه لذوي الدخل المحدود، وبرنامج "سكني" الهادف إلى التشجيع على امتلاك المساكن. غير أن هذه البرامج ما تزال تواجه عدة تحديات، من بينها البيروقراطية ومحدودية التمويل.
وتعمل الدولة، خلال الفترة الأخيرة، على مساندة المواطنين في امتلاك مساكنهم عبر حزمة من البرامج، خصص جانب مهم منها للسكن الاجتماعي لفائدة الفئات محدودة الدخل، فضلا عن توفير تحفيزات على مستوى التمويل البنكي من خلال اتفاقيات وبرامج تمويل مع البنوك العمومية والخاصة، بما يسهم في تسهيل حصول أكبر عدد ممكن من التونسيين على مساكن.
واليوم، يستثمر آلاف التونسيين المقيمين بالخارج سنويا في القطاع العقاري، بهدف تأمين عودتهم النهائية إلى أرض الوطن من خلال اقتناء مسكن لائق، وكذلك في إطار الاستثمار المالي عبر تكوين محفظة عقارية إيجارية، باعتبارها وسيلة لحماية المدخرات من تقلبات الأسواق، أو لتوفير مورد دخل مستقبلي.
ويمثل التونسيون المقيمون بالخارج ركيزة أساسية وديناميكية مهمة في إنعاش الحركة الاقتصادية والتجارية في تونس، كما يعدون أحد أبرز مصادر توفير العملة الصعبة للبلاد.
ويبقى العقار، على مر السنين، بمثابة "الابن البار" لكل عائلة تونسية، رغم ما يشهده القطاع من صعوبات، وفي مقدمتها ارتفاع الكلفة وصعوبة التمويل. كما لا يزال امتلاك مسكن يمثل الهاجس الأكبر بالنسبة إلى التونسي، وهو ما يستوجب من الدولة مواصلة مراجعة التشريعات المنظمة للقطاع، وإطلاق مزيد من الإجراءات التحفيزية لتسهيل اقتناء المساكن لفائدة التونسيين، سواء داخل الوطن أو خارجه.
*رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بالبرلمان لـ"الصباح":
تعقيد الإجراءات الإدارية وطول آجال إنجاز الملفات أبرز الصعوبات التي تواجه جاليتنا بالخارج
*نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين لـ"الصباح":
الجالية التونسية.. المتنفس الوحيد للباعثين العقاريين أمام عزوف الطلب الداخلي
*رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لـ"الصباح":
تزايد طلب التونسيين بالخارج سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار لأنها حرة.. والحل في تسقيفها لحماية المشتري داخل تونس وخارجها
تونس - الصباح
يشهد سوق العقارات في تونس تحولات عميقة وتغيرات واضحة في سلوك التونسي. وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية، لا يزال العقار يمثل الهاجس الأكبر والملاذ الآمن للتونسيين. وقد تأثر سوق العقارات خلال السنوات الأخيرة بعدة عوامل، من أبرزها ارتفاع الأسعار، ونقص الأراضي الصالحة للبناء، والتغير الملحوظ في النماذج الهندسية للمشاريع العقارية.
وفاء بن محمد
غير أن ارتفاع الأسعار ظل العامل الأبرز والأكثر تأثيرا في القدرة الشرائية للتونسيين خلال السنوات الماضية. وتتعدد الأسباب التي تقف وراء تواصل ارتفاع أسعار العقارات من سنة إلى أخرى، ولعل أبرزها تزايد الطلب من قبل التونسيين المقيمين بالخارج، خاصة خلال هذه الفترة من السنة، تزامنا مع عودتهم الصيفية.
فالعقار لا يزال يستقطب عددا كبيرا من أبناء الجالية التونسية الذين يفضلون الاستثمار فيه، وهو ما يزيد من صعوبة الوضع بالنسبة إلى التونسيين المقيمين داخل البلاد، باعتبار أن الباعث العقاري يحرص على تسويق مخزونه العقاري في أسرع وقت وبأسعار تفاضلية، حتى يؤمن نفسه من ضغوطات البنوك والتداعيات المالية المرتبطة بالقروض.
نصف الجالية التونسية يهتم بالاستثمار في العقارات
وكشفت منصة عقارية مختصة في تونس أن 62 بالمائة من الجالية التونسية بالخارج تُبدي اهتماما بشراء العقارات خلال عودتها إلى تونس في فصل الصيف.
وأوضحت المنصة، عبر صفحتها الرسمية على موقع فايسبوك، أن 20 بالمائة من هؤلاء يفضلون اقتناء منازل فخمة، في حين يتجه 18 بالمائة نحو شراء الأراضي. وتبرز هذه المعطيات تزايد رغبة التونسيين المقيمين بالخارج في الاستثمار العقاري داخل البلاد، بما يعكس ارتباطهم بوطنهم واستعدادهم لضخ استثماراتهم في السوق العقارية التونسية.
ورغم هذه المؤشرات التي تؤكد إقبال الجالية التونسية على شراء العقارات، فإن هذا الإقبال عرف تراجعا طفيفا خلال الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع كلفة التمويلات السكنية وغلاء أسعار الشقق، إذ أصبح عدد من التونسيين بالخارج يفضلون الاستثمار في اقتناء مساكن بدول الإقامة، مدفوعين بالحوافز العديدة التي توفرها تلك الدول للراغبين في تملك مساكن.
وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين، جلال مزيو، في تصريح لـ"الصباح"، أن قطاع البعث العقاري فقد، بشكل فعلي، جزءا مهما من حرفائه من التونسيين المهاجرين، وهو ما انعكس على حجم مبيعات القطاع السكني.
وأوضح أن من أبرز أسباب عزوف التونسيين بالخارج عن اقتناء عقارات في بلدهم عدم توفر حوافز جبائية ومالية مماثلة لتلك التي يتمتعون بها في بلدان الإقامة.
وأضاف أن مهنيي القطاع ركزوا خلال الفترة الأخيرة على استقطاب التونسيين بالخارج من أجل تسويق العقارات الجاهزة للاستغلال، في ظل عزوف التونسيين المقيمين داخل البلاد، نتيجة عدم قدرتهم على الحصول على قروض بنكية مكلفة لا تتلاءم مع قدرتهم الشرائية.
وأشار نائب رئيس الغرفة إلى سلسلة التظاهرات والصالونات التي تم تنظيمها مؤخرا للترويج لسوق العقارات في تونس والموجهة أساسا إلى التونسيين بالخارج، باعتبار أن هذه الفئة "تمثل المتنفس الوحيد للباعثين العقاريين أمام ظاهرة الركود وعزوف الطلب الداخلي"، حسب تعبيره.
وحول مردودية هذه الحركية الترويجية، أفاد مزيو بأنها ما تزال محتشمة نسبيا، باعتبار أن "الجالية التونسية، رغم امتلاكها الإمكانيات اللازمة للاستثمار في العقارات، فإنها تواجه تعقيدات وتعطيلات تتعلق بعمليات تحويل الأموال والإجراءات الإدارية".
وفي ما يتعلق بالطلب الداخلي، أكد مزيو أن الغرفة قدمت عدة مقترحات لتمكين التونسي من اقتناء مسكن، من أهمها مقترح "مسكن لكل تونسي"، الذي يقوم على التقليص في نسبة الفائدة على القروض البنكية إلى حدود 3 بالمائة، مرة واحدة في حياة المنتفع، مبينا أن هذا المقترح لم يحظ بالقبول من قبل الدولة في مناسبات عديدة.
ولم يفت نائب رئيس الغرفة التأكيد على حجم تأثر قطاع البعث العقاري بحالة الركود الحالية، التي تسببت، وفق تقديره، في تراجع عدد الباعثين العقاريين ونقص كبير في الاستثمارات الجديدة، داعيا الدولة إلى تبني الحلول التي اقترحتها الغرفة "حتى يصبح المواطن قادرا على اقتناء المسكن، ويصبح الباعث العقاري قادرا على تطوير القطاع، فتكتمل بذلك الحلقة"، وفق تعبيره.
تشريعات في حاجة إلى تعديلات
وعلى المستوى التشريعي، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح"، أن اللجنة اشتغلت على هذا الملف، وتوصلت إلى أن الصعوبات التي يواجهها التونسيون بالخارج عند اقتناء عقار في تونس لا ترتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة من التحديات الإدارية والمالية والقانونية واللوجستية.
وأوضح جعيدان أن أبرز هذه الصعوبات تتمثل في تعقيد الإجراءات الإدارية، وتعدد المتدخلين، وطول آجال إنجاز الملفات، إضافة إلى صعوبة الحصول على التمويل العقاري في بعض الحالات، وارتفاع أسعار العقارات، فضلا عن الإشكاليات المتعلقة بتحويل الأموال وإنجاز الإجراءات القانونية عن بعد. كما أشار إلى أن عددا كبيرا من التونسيين بالخارج يتخوفون من كيفية تعاطي مصالح الجباية والضرائب في تونس مع اقتناءاتهم العقارية.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الإدارية، أوضح جعيدان أن المشتري التونسي المقيم بالخارج مطالب اليوم بتوفير عدد كبير من الوثائق الإدارية، في ظل تعدد الجهات المتدخلة، وطول آجال استخراج الوثائق واستكمال المعاملات، إضافة إلى غياب مسار إداري موحد وواضح خاص بالتونسي المقيم بالخارج.
وأضاف أن صعوبة إنجاز الإجراءات عن بعد، باعتبار أن العديد من المعاملات تستوجب الحضور الشخصي أو إعداد توكيلات قانونية، تمثل بدورها من أبرز العراقيل، إلى جانب محدودية الخدمات الرقمية، وهو ما يضطر التونسي إلى السفر أكثر من مرة لاستكمال مختلف الإجراءات.
أما في ما يتعلق بالتمويل العقاري، وخلافا لما هو شائع بشأن تمتع التونسيين بالخارج بامتيازات واسعة في هذا المجال، فقد أوضح رئيس اللجنة أن شروط القروض لا تراعي دائما خصوصية المقيمين بالخارج، بالنظر إلى اختلاف الأنظمة البنكية بين تونس وبلدان الإقامة، فضلا عن بطء دراسة الملفات وصعوبة إثبات الدخل بالنسبة إلى بعض الحالات.
وفي ما يخص ارتفاع أسعار العقارات، وهو العامل الذي يعتبره المقيمون بالخارج من أبرز الصعوبات التي تواجههم عند اقتناء مسكن في تونس، أشار أيضا إلى الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات القانونية والتسجيل، وما تتطلبه من طول آجال تسجيل العقود ونقل الملكية.
كما بين جعيدان أن بعض الإشكاليات المتعلقة بالملكية المشتركة أو بالعقارات غير المسواة قانونيا، إلى جانب التخوف من النزاعات العقارية أو من وجود عراقيل قانونية غير معلنة، تعد كذلك من بين أبرز الصعوبات التي تواجه الجالية التونسية بالخارج.
واعتبر رئيس اللجنة أن نقص المعلومة والشفافية، وصعوبة الحصول على معلومات دقيقة وموحدة حول المشاريع والأسعار والحقوق والواجبات، فضلا عن تفاوت مستوى الشفافية بين مختلف المتدخلين في القطاع، وضعف الثقة عموما في سوق العقارات، مثلت جميعها محاور تم التطرق إليها داخل اللجنة، بهدف حماية حقوق المشتري.
وأشار جعيدان إلى أن التونسيين بالخارج يمثلون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وأول مورد للعملة الصعبة في البلاد، معتبرا أن من حقهم أن يجدوا مسارا سهلا وآمنا لاقتناء مسكن أو عقار في تونس.
وختم بالتأكيد على أن الحل يكمن في تبسيط المسالك الإدارية، ورقمنة الخدمات، وإحداث شباك موحد يرافق التونسي المقيم بالخارج منذ بداية مشروعه إلى غاية تسجيل العقار، إلى جانب تطوير منتجات بنكية تتلاءم مع خصوصية هذه الفئة.
حماية المشتري التونسي في الداخل والخارج
من جانبه، أفاد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي رياحي، في تصريح لـ"الصباح"، بأن قطاع البعث العقاري اليوم ملزم بكراس شروط يضمن حماية المستهلك التونسي، سواء داخل البلاد أو خارجها، مبينا أن من أهم الضمانات في هذا المجال أن يكون مشتري العقار مؤمَّنا من قبل شركة تأمين، وأن يتم إبرام عقد البيع بحضور محام، حسب تعبيره.
كما أكد الرياحي، في السياق نفسه، على ضرورة تمكين مشتري العقار من شهادة رفع اليد مباشرة من الباعث العقاري، وتمكينه كذلك من المثال الهندسي، باعتباره وثيقة أساسية في ملف الشراء، تمكنه من معرفة حدود الفضاءات المشتركة، حسب تعبيره.
وفي ما يتعلق بتأثير تزايد الطلب على العقارات من قبل التونسيين بالخارج، اعتبر الرياحي أن ذلك سيؤدي، دون شك، إلى مزيد ارتفاع الأسعار، خاصة أنها تخضع لقاعدة الأسعار الحرة، داعيا إلى ضرورة تحديد سقف للأسعار مستقبلا، بما يحمي المشتري، سواء داخل تونس أو خارجها.
واعتبر الرياحي أن قطاع البعث العقاري متشعب، ويتطلب مزيدا من المتابعة والتأطير من قبل الدولة وجميع الهياكل المتدخلة، بما يضمن حماية التونسيين، سواء المقيمين داخل البلاد أو أبناء الجالية بالخارج، خاصة في ما يتعلق بحقيقة المخزون العقاري، والتمويل، وسائر الجوانب المرتبطة بعمليات الاقتناء.
وقد شهدت سوق العقارات خلال السنوات الأخيرة تغيرات على مستوى العرض والطلب، وكذلك في سلوك المستهلك والأسعار. ووفقا للبيانات العقارية الصادرة عن منصة مختصة في تونس، فقد ارتفع المعدل العام لأسعار العقارات بنسبة 7 بالمائة، تزامنا مع ارتفاع أسعار الكراء بنسبة 7.5 بالمائة.
وكشفت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء، عن تسجيل تطور ملحوظ في عدد المساكن في تونس، إذ تضاعف هذا العدد بنحو 4.9 مرات بين سنتي 1966 و2024، ليرتفع من 873.9 ألف مسكن إلى 4 ملايين و266.2 ألف مسكن، من بينها 826 ألفا و001 مسكن شاغر، أي ما يمثل 19 بالمائة من إجمالي المساكن في البلاد.
وتعود الزيادات في أسعار العقارات إلى عدة عوامل تضغط على السوق، من أبرزها ارتفاع كلفة التمويل، إذ يعاني الراغبون في اقتناء المساكن من الارتفاع الكبير في نسب الفائدة على القروض البنكية، مما يجعل شروط التمويل أكثر صعوبة، حيث تتراوح نسب الفائدة على القروض العقارية بين 10 و13 بالمائة.
كما يعد شح الأراضي المهيأة للبناء من أهم أسباب ارتفاع الأسعار، إذ تسجل تونس نقصا في المقاسم المعدة للبناء، خاصة في المدن الكبرى، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة اقتناء الأراضي بالنسبة إلى الباعثين العقاريين، وينعكس آليا على أسعار المنتج العقاري النهائي، سواء تعلق الأمر بالشقق أو الفيلات.
الدولة ودورها في تمكين التونسيين من مسكن
في المقابل، شهدت بلادنا خلال الفترة الأخيرة تعديلات جبائية على مستوى الأداء على القيمة المضافة (TVA). ورغم المخاوف التي أثيرت بشأن انعكاساتها على الأسعار، أقرت الدولة إجراءات تحفيزية من خلال خفض نسبة الأداء على القيمة المضافة إلى 7 بالمائة بالنسبة إلى العقارات الصالحة للسكن المقتناة لدى الباعثين العقاريين، شريطة ألا تتجاوز قيمتها 400 ألف دينار، وذلك في إطار التخفيف من الأعباء المسلطة على الطبقة المتوسطة ودعم قطاع البعث العقاري.
كما أطلقت الحكومة عدة مبادرات لمعالجة أزمة السكن، من بينها برنامج السكن الاجتماعي الموجه لذوي الدخل المحدود، وبرنامج "سكني" الهادف إلى التشجيع على امتلاك المساكن. غير أن هذه البرامج ما تزال تواجه عدة تحديات، من بينها البيروقراطية ومحدودية التمويل.
وتعمل الدولة، خلال الفترة الأخيرة، على مساندة المواطنين في امتلاك مساكنهم عبر حزمة من البرامج، خصص جانب مهم منها للسكن الاجتماعي لفائدة الفئات محدودة الدخل، فضلا عن توفير تحفيزات على مستوى التمويل البنكي من خلال اتفاقيات وبرامج تمويل مع البنوك العمومية والخاصة، بما يسهم في تسهيل حصول أكبر عدد ممكن من التونسيين على مساكن.
واليوم، يستثمر آلاف التونسيين المقيمين بالخارج سنويا في القطاع العقاري، بهدف تأمين عودتهم النهائية إلى أرض الوطن من خلال اقتناء مسكن لائق، وكذلك في إطار الاستثمار المالي عبر تكوين محفظة عقارية إيجارية، باعتبارها وسيلة لحماية المدخرات من تقلبات الأسواق، أو لتوفير مورد دخل مستقبلي.
ويمثل التونسيون المقيمون بالخارج ركيزة أساسية وديناميكية مهمة في إنعاش الحركة الاقتصادية والتجارية في تونس، كما يعدون أحد أبرز مصادر توفير العملة الصعبة للبلاد.
ويبقى العقار، على مر السنين، بمثابة "الابن البار" لكل عائلة تونسية، رغم ما يشهده القطاع من صعوبات، وفي مقدمتها ارتفاع الكلفة وصعوبة التمويل. كما لا يزال امتلاك مسكن يمثل الهاجس الأكبر بالنسبة إلى التونسي، وهو ما يستوجب من الدولة مواصلة مراجعة التشريعات المنظمة للقطاع، وإطلاق مزيد من الإجراءات التحفيزية لتسهيل اقتناء المساكن لفائدة التونسيين، سواء داخل الوطن أو خارجه.