انطلقت أمس فعاليات «الأيام التونسية الروسية للسينما الطلابية» في فضاء البيت الروسي بتونس، لتعزز التبادل الثقافي عبر عرض أفلام طلابية تجمع المعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة، والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت، بالمعهد الوطني الروسي للسينما (VGIK). وتهدف هذه التظاهرة إلى خلق حوار فني بين الجيل الجديد من السينمائيين، واستكشاف قضايا مشتركة عبر أدوات الدبلوماسية الثقافية والسينما القصيرة.
وعلى امتداد خمسة أيام، من 2 إلى 6 جويلية الجاري، تتحول قاعات البيت الروسي إلى مساحة مفتوحة للعروض السينمائية والنقاشات الأكاديمية واللقاءات المباشرة بين الطلبة والأساتذة وصناع الأفلام الشباب من البلدين، في تجربة تتجاوز بعدها البيداغوجي لتطرح أسئلة أعمق حول دور الثقافة في بناء العلاقات الدولية، وقدرة السينما، وخاصة تلك التي يصنعها الطلبة، على فتح مسارات جديدة للحوار بين الشعوب في زمن تتغير فيه أدوات التأثير والنفوذ.
فالتظاهرة، وإن بدت في ظاهرها موعدا فنيا جامعيا، فإنها تندرج ضمن توجه عالمي متنام يجعل من الثقافة والفنون إحدى أهم وسائل «القوة الناعمة» التي تلجأ إليها الدول لتعزيز حضورها وصورتها في الخارج، إذ لم تعد العلاقات بين الدول تقاس فقط بحجم المبادلات التجارية أو الاتفاقيات الدبلوماسية، وإنما أيضا بقدرتها على خلق مساحات مشتركة للإبداع والمعرفة والتواصل الإنساني، وهو ما تمنحه السينما بامتياز، باعتبارها لغة كونية تتجاوز الحدود واللغات والأيديولوجيات.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تكتسب «الأيام التونسية الروسية للسينما الطلابية» أهميتها، لأنها لا تقوم على استضافة نجوم أو عروض تجارية ضخمة، وإنما تراهن على الشباب باعتبارهم صناع المستقبل، وعلى المؤسسات الأكاديمية باعتبارها الحاضنة الأولى للمواهب والأفكار الجديدة. فالأفلام التي تُعرض خلال هذه الدورة ليست أعمالا تبحث عن شباك التذاكر، بل هي مشاريع تخرج وتجارب أولى تحمل رؤى شخصية وأسئلة اجتماعية وجمالية، وتعكس اهتمامات جيل يعيش تحولات عالمية متسارعة. لذلك تبدو اللقاءات التي تجمع الطلبة التونسيين بنظرائهم الروس أكثر من مجرد تبادل تقني حول كتابة السيناريو أو التصوير أو المونتاج، إنها مناسبة لاكتشاف الآخر عبر الصورة.
ولعل العنصر الأكثر لفتا للانتباه في هذه الشراكة يتمثل في حضور المعهد الوطني الروسي للسينما بموسكو، المعروف اختصارا بـ»VGIK»، وهو اسم يحمل ثقلا تاريخيا استثنائيا داخل الذاكرة السينمائية العالمية. فهذا المعهد، الذي تأسس سنة 1919، يعد أقدم مدرسة متخصصة في السينما في العالم، وقد جاء ميلاده متزامنا مع إدراك الدولة الروسية المبكر لأهمية الفن السابع، باعتباره وسيلة للتثقيف والتأثير الجماهيري، قبل أن يتحول مع مرور العقود إلى واحدة من أبرز المؤسسات الأكاديمية التي صنعت تاريخ السينما العالمية. ومن بين جدرانه تخرج عدد كبير من كبار المخرجين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الصورة، وفي مقدمتهم سيرغي آيزنشتاين، صاحب نظرية المونتاج الشهيرة، وأحد أهم رواد السينما العالمية، وأندريه تاركوفسكي، الذي أصبح اسمه مرادفا للسينما الفلسفية والشاعرية، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في تشكيل مدارس بصرية ونقدية لا تزال تدرس في الجامعات والمعاهد السينمائية إلى اليوم.
ولا تكمن أهمية «VGIK» في عراقة تاريخه فقط، بل في فلسفته التعليمية أيضا، إذ حافظ منذ تأسيسه على الجمع بين التكوين النظري والتطبيق العملي، وعلى اعتبار السينما فنا قائما بذاته يحتاج إلى تكوين متكامل يشمل الإخراج والسيناريو والتصوير والصوت والتمثيل والمونتاج والنقد السينمائي. كما استطاع المعهد، رغم التحولات السياسية التي عرفتها روسيا والعالم، أن يحافظ على مكانته الدولية، وأن يستقطب طلبة من عشرات الدول، وأن يواصل تحديث برامجه دون أن يفقد هويته الأكاديمية. واليوم، حين يحضر هذا الاسم في تونس من خلال شراكة مع مؤسستين جامعيتين، هما المعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تعاون بروتوكولي، بل بفتح نافذة أمام الطلبة التونسيين للاحتكاك بإحدى أعرق التجارب التعليمية في مجال السينما، والاستفادة من خبرات تراكمت على مدى أكثر من قرن.
ول يمكن إغفال ما تمثله هذه التظاهرة بالنسبة للمؤسسات الجامعية التونسية المشاركة، فهي تؤكد انفتاحها على التعاون الدولي، وسعيها إلى تعزيز مكانتها داخل الفضاء الأكاديمي العالمي، خاصة في مجال السينما والوسائط المتعددة، الذي يشهد تطورا متسارعا بفعل التحولات الرقمية. فالمعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت راكما خلال السنوات الماضية تجارب مهمة في تكوين أجيال جديدة من السينمائيين، وأسهم خريجوها في إنتاج عدد من الأفلام التي وجدت طريقها إلى مهرجانات محلية ودولية، غير أن توسيع شبكة الشراكات مع مؤسسات عريقة مثل «VGIK» من شأنه أن يمنح هذا المسار بعدا جديدا، سواء عبر تبادل الطلبة والأساتذة، أو من خلال تنظيم ورشات مشتركة ومشاريع إنتاج مستقبلية.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية مضاعفة في ظل التحولات التي تعرفها السينما العالمية، حيث أصبحت الحدود بين السينما الوطنية والسينما الدولية أكثر مرونة، وأضحى التعاون العابر للحدود شرطا أساسيا لإنجاز كثير من المشاريع. لذلك فإن تعويد الطلبة منذ سنوات التكوين الأولى على العمل داخل بيئات متعددة الثقافات يمثل استثمارا بعيد المدى في مستقبلهم المهني، ويمنحهم أدوات أفضل لفهم متطلبات الصناعة العالمية، دون التفريط في خصوصياتهم الثقافية المحلية، التي تبقى مصدر تميزهم الحقيقي.
إيمان عبد اللطيف
انطلقت أمس فعاليات «الأيام التونسية الروسية للسينما الطلابية» في فضاء البيت الروسي بتونس، لتعزز التبادل الثقافي عبر عرض أفلام طلابية تجمع المعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة، والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت، بالمعهد الوطني الروسي للسينما (VGIK). وتهدف هذه التظاهرة إلى خلق حوار فني بين الجيل الجديد من السينمائيين، واستكشاف قضايا مشتركة عبر أدوات الدبلوماسية الثقافية والسينما القصيرة.
وعلى امتداد خمسة أيام، من 2 إلى 6 جويلية الجاري، تتحول قاعات البيت الروسي إلى مساحة مفتوحة للعروض السينمائية والنقاشات الأكاديمية واللقاءات المباشرة بين الطلبة والأساتذة وصناع الأفلام الشباب من البلدين، في تجربة تتجاوز بعدها البيداغوجي لتطرح أسئلة أعمق حول دور الثقافة في بناء العلاقات الدولية، وقدرة السينما، وخاصة تلك التي يصنعها الطلبة، على فتح مسارات جديدة للحوار بين الشعوب في زمن تتغير فيه أدوات التأثير والنفوذ.
فالتظاهرة، وإن بدت في ظاهرها موعدا فنيا جامعيا، فإنها تندرج ضمن توجه عالمي متنام يجعل من الثقافة والفنون إحدى أهم وسائل «القوة الناعمة» التي تلجأ إليها الدول لتعزيز حضورها وصورتها في الخارج، إذ لم تعد العلاقات بين الدول تقاس فقط بحجم المبادلات التجارية أو الاتفاقيات الدبلوماسية، وإنما أيضا بقدرتها على خلق مساحات مشتركة للإبداع والمعرفة والتواصل الإنساني، وهو ما تمنحه السينما بامتياز، باعتبارها لغة كونية تتجاوز الحدود واللغات والأيديولوجيات.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تكتسب «الأيام التونسية الروسية للسينما الطلابية» أهميتها، لأنها لا تقوم على استضافة نجوم أو عروض تجارية ضخمة، وإنما تراهن على الشباب باعتبارهم صناع المستقبل، وعلى المؤسسات الأكاديمية باعتبارها الحاضنة الأولى للمواهب والأفكار الجديدة. فالأفلام التي تُعرض خلال هذه الدورة ليست أعمالا تبحث عن شباك التذاكر، بل هي مشاريع تخرج وتجارب أولى تحمل رؤى شخصية وأسئلة اجتماعية وجمالية، وتعكس اهتمامات جيل يعيش تحولات عالمية متسارعة. لذلك تبدو اللقاءات التي تجمع الطلبة التونسيين بنظرائهم الروس أكثر من مجرد تبادل تقني حول كتابة السيناريو أو التصوير أو المونتاج، إنها مناسبة لاكتشاف الآخر عبر الصورة.
ولعل العنصر الأكثر لفتا للانتباه في هذه الشراكة يتمثل في حضور المعهد الوطني الروسي للسينما بموسكو، المعروف اختصارا بـ»VGIK»، وهو اسم يحمل ثقلا تاريخيا استثنائيا داخل الذاكرة السينمائية العالمية. فهذا المعهد، الذي تأسس سنة 1919، يعد أقدم مدرسة متخصصة في السينما في العالم، وقد جاء ميلاده متزامنا مع إدراك الدولة الروسية المبكر لأهمية الفن السابع، باعتباره وسيلة للتثقيف والتأثير الجماهيري، قبل أن يتحول مع مرور العقود إلى واحدة من أبرز المؤسسات الأكاديمية التي صنعت تاريخ السينما العالمية. ومن بين جدرانه تخرج عدد كبير من كبار المخرجين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الصورة، وفي مقدمتهم سيرغي آيزنشتاين، صاحب نظرية المونتاج الشهيرة، وأحد أهم رواد السينما العالمية، وأندريه تاركوفسكي، الذي أصبح اسمه مرادفا للسينما الفلسفية والشاعرية، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في تشكيل مدارس بصرية ونقدية لا تزال تدرس في الجامعات والمعاهد السينمائية إلى اليوم.
ولا تكمن أهمية «VGIK» في عراقة تاريخه فقط، بل في فلسفته التعليمية أيضا، إذ حافظ منذ تأسيسه على الجمع بين التكوين النظري والتطبيق العملي، وعلى اعتبار السينما فنا قائما بذاته يحتاج إلى تكوين متكامل يشمل الإخراج والسيناريو والتصوير والصوت والتمثيل والمونتاج والنقد السينمائي. كما استطاع المعهد، رغم التحولات السياسية التي عرفتها روسيا والعالم، أن يحافظ على مكانته الدولية، وأن يستقطب طلبة من عشرات الدول، وأن يواصل تحديث برامجه دون أن يفقد هويته الأكاديمية. واليوم، حين يحضر هذا الاسم في تونس من خلال شراكة مع مؤسستين جامعيتين، هما المعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تعاون بروتوكولي، بل بفتح نافذة أمام الطلبة التونسيين للاحتكاك بإحدى أعرق التجارب التعليمية في مجال السينما، والاستفادة من خبرات تراكمت على مدى أكثر من قرن.
ول يمكن إغفال ما تمثله هذه التظاهرة بالنسبة للمؤسسات الجامعية التونسية المشاركة، فهي تؤكد انفتاحها على التعاون الدولي، وسعيها إلى تعزيز مكانتها داخل الفضاء الأكاديمي العالمي، خاصة في مجال السينما والوسائط المتعددة، الذي يشهد تطورا متسارعا بفعل التحولات الرقمية. فالمعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت راكما خلال السنوات الماضية تجارب مهمة في تكوين أجيال جديدة من السينمائيين، وأسهم خريجوها في إنتاج عدد من الأفلام التي وجدت طريقها إلى مهرجانات محلية ودولية، غير أن توسيع شبكة الشراكات مع مؤسسات عريقة مثل «VGIK» من شأنه أن يمنح هذا المسار بعدا جديدا، سواء عبر تبادل الطلبة والأساتذة، أو من خلال تنظيم ورشات مشتركة ومشاريع إنتاج مستقبلية.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية مضاعفة في ظل التحولات التي تعرفها السينما العالمية، حيث أصبحت الحدود بين السينما الوطنية والسينما الدولية أكثر مرونة، وأضحى التعاون العابر للحدود شرطا أساسيا لإنجاز كثير من المشاريع. لذلك فإن تعويد الطلبة منذ سنوات التكوين الأولى على العمل داخل بيئات متعددة الثقافات يمثل استثمارا بعيد المدى في مستقبلهم المهني، ويمنحهم أدوات أفضل لفهم متطلبات الصناعة العالمية، دون التفريط في خصوصياتهم الثقافية المحلية، التي تبقى مصدر تميزهم الحقيقي.