تسعى الدولة اليوم إلى تحويل الموانئ التونسية إلى منصات لوجستية متكاملة، قادرة على استقطاب الاستثمارات ودعم الصادرات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية تراهن على استثمار الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتونس وتحويله إلى رافعة اقتصادية تواكب مختلف التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري والتجارة الدولية، خاصة وأن الموانئ أصبحت اليوم أحد أهم دعائم القدرة التنافسية للدول ومراكز لإنتاج القيمة المضافة.
ورغم ما يمتلكه هذا القطاع من مقومات، فقد ظل لسنوات يواجه تحديات هيكلية، وفي مقدمتها محدودية البنية التحتية، وطول الإجراءات الإدارية، وتعقّد مسالك إنجاز الخدمات، وهو ما أثر سلبًا على نجاعته وقدرته على مواكبة النسق المتسارع للمنافسة الإقليمية. غير أن الفترة الأخيرة شهدت حزمة من الإجراءات والإصلاحات التي تعكس في جوهرها توجهًا واضحًا نحو إعادة تأهيل المنظومة برمتها، إدراكًا من الدولة في أعلى هرمها بأن تطوير هذا القطاع يمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة تموقع تونس على خارطة التجارة الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة بين مختلف موانئ الضفة الجنوبية للمتوسط.
من هذا المنطلق، يندرج الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقطاع النقل، الذي خصّه في مناسبات عديدة بعديد الإجراءات، ضمن رؤية تتجاوز تحسين الأداء الإداري أو تحديث بعض الخدمات ليكون قاطرة لدفع الاقتصاد الوطني وأحد العوامل الأساسية لتحقيق السيادة الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يحتل قطاع الموانئ مكانة محورية باعتباره البوابة الرئيسية للتجارة الخارجية وحلقة الوصل بين الإنتاج الوطني والأسواق العالمية. لذلك، فإن ما تشهده الموانئ التونسية من مسار إصلاحي، تجلى في عديد الإجراءات التي تم إقرارها مؤخرًا والتي شملت الرقمنة وتبسيط الإجراءات وإحكام تنظيم مختلف المهن صلبه، يندرج في إطار توجه يهدف إلى تحويلها إلى منصات لوجستية قادرة على استقطاب الاستثمارات ودعم الصادرات وتعزيز تموقع تونس في شبكات التجارة والنقل البحري على المستويين الإقليمي والدولي.
وهذه الإجراءات تمثل ترجمة لتوجه سياسي يسعى إلى تحويل الموانئ إلى منصات لوجستية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز سيادة تونس الاقتصادية في محيط إقليمي يشهد سباقًا متسارعًا على استقطاب حركة التجارة البحرية.
وضمن هذا التمشي، تندرج المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، والتي تقوم على أهمية استعادة الدولة لدورها في إدارة القطاعات الاستراتيجية وتحويلها إلى محركات فعلية للتنمية، لا سيما وأن الدولة تدرك جيدًا أن الموقع الجغرافي الذي تتمتع به تونس في قلب البحر الأبيض المتوسط يمثل امتيازًا وعنصر قوة، غير أن هذا الامتياز الطبيعي لا يكتسب قيمته الاقتصادية إلا إذا رافقته بنية تحتية ناجعة وخدمات سريعة وإدارة حديثة وتشريعات تستجيب لمتطلبات التجارة العالمية. وبالتالي فإن نسق الإصلاحات الجارية يمثل جزءًا من رؤية شاملة تقوم على تحويل الموانئ إلى محرك فعلي للنمو الاقتصادي.
الرقمنة... والتنافسية
ولعل من أبرز المؤشرات إطلاق ديوان البحرية التجارية والموانئ مجموعة من الخدمات الرقمية التي تمكّن المتعاملين من استخراج الوثائق الإدارية ومتابعتها عن بعد. ورغم أن هذا الإجراء قد يبدو في ظاهره تقنيًا، فإنه يحمل في جوهره أبعادًا اقتصادية واستثمارية هامة.
فالرقمنة أصبحت اليوم معيارًا أساسيًا في تقييم كفاءة الموانئ، ولهذا فإن تبسيط المسارات الإدارية ورقمنتها يساهم في تقليص آجال المعالجة والحد من البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال، وهو ما يمثل أحد الشروط الأساسية لاستقطاب المستثمرين وشركات النقل البحري.
كما أن التحول الرقمي يعزز مبادئ الشفافية ويحد من الممارسات التي قد تفتح المجال أمام التعطيل أو التجاوزات، وهو ما ينسجم مع الخطاب الذي ما انفك يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والذي يعتبر أن تحديث الإدارة يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة الدولة لنجاعتها وتعزيز سيادتها الاقتصادية، بما يؤشر إلى أن تكون الرقمنة آلية من آليات دعم الاقتصاد الوطني.
تيسير العبور... بوابة لصورة تونس
ولم تقتصر الجهود على حركة البضائع، بل شملت أيضًا حركة المسافرين، خاصة عبر ميناء حلق الوادي الذي يستقبل خلال الموسم الصيفي آلافًا من التونسيين المقيمين بالخارج ومن السياح. فالعمل على تسريع الإجراءات الديوانية والأمنية، مع توفير خدمات التصريح الإلكتروني بالعملة والممتلكات، يعكس إدراكًا بأن جودة الخدمات التي تقدمها مختلف الموانئ أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صورة الدولة.
كما أن إطلاق الخدمات الرقمية الجديدة التي تمكن المتعاملين من استخراج الوثائق ومتابعتها عن بعد، إلى جانب العمل على تسريع إجراءات العبور بميناء حلق الوادي وتبسيط المسارات الديوانية والأمنية، يعكس توجهًا يتجاوز مجرد تحسين جودة الخدمات، ليؤسس لمنظومة مينائية أكثر نجاعة وكفاءة. فاختصار آجال المعالجة وتقليص زمن انتظار السفن والمسافرين، إلى جانب الاعتماد على الخدمات الرقمية، جميعها عناصر تُعد اليوم من أبرز معايير تنافسية الموانئ وقدرتها على استقطاب شركات الملاحة والاستثمارات اللوجستية. ومن هذا المنطلق، تمثل هذه الإجراءات خطوة في اتجاه تعزيز مكانة الموانئ التونسية كمنصات لوجستية قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري والإسهام في دعم الاقتصاد الوطني ورفع تنافسيته.
وضمن هذه المقاربة، يعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية أن إصلاح المرافق العمومية يمثل اليوم أحد الشروط الأساسية لبلوغ التنمية، وأن عصرنة الإدارة وتبسيط الإجراءات والقطع مع كل مظاهر التعطيل والبيروقراطية هي آليات أساسية لبناء اقتصاد أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ومقتضيات الاستثمار. وفي هذا الاتجاه تندرج الإصلاحات الجارية في عدد من القطاعات، ومنها قطاع النقل، ضمن رؤية شاملة تستهدف تعزيز السيادة الاقتصادية واستعادة الدولة لدورها في قيادة التنمية.
حصيلة إيجابية للموانئ
ويبدو أن الإصلاحات التي تقودها الدولة، في أعلى هرمها، بدأت اليوم تترجم تدريجيًا إلى مؤشرات ملموسة داخل مختلف الموانئ التونسية. فالرقمنة وتبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية لم تعد مجرد عناوين لبرامج إصلاحية، بل أصبحت تنعكس في النتائج التي سجلها القطاع خلال سنة 2025. وفي هذا السياق تكشف الأرقام الصادرة عن ديوان البحرية التجارية والموانئ عن نمو إيجابي في أغلب الأنشطة، بما يؤشر إلى بداية استعادة الموانئ التونسية لجزء من قدرتها التنافسية، وبما يؤكد أيضًا أن الإصلاحات الإدارية واللوجستية تمثل استثمارًا طويل المدى في نجاعة المرفق العمومي وقدرته على مواكبة متطلبات التجارة والنقل البحري.
ولا تقتصر هذه الانتعاشة على حركة البضائع، بل تمتد إلى قطاع الرحلات البحرية السياحية، الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 22 بالمائة خلال سنة 2025، مع استقبال نحو 272 ألف سائح مقابل 223 ألفًا خلال السنة الماضية. وتزداد أهمية هذه الإحصائيات في ظل توقعات تشير إلى استقبال ميناء حلق الوادي قرابة 160 ألف سائح إضافي مع موفى سنة 2026 عبر 34 رحلة بحرية جديدة، وهو ما يعكس عودة عدد من المجهزين البحريين إلى الوجهة التونسية بعد سنوات من التراجع. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد زيادة في عدد الوافدين، بل تعكس استعادة الثقة في الموانئ التونسية وفي قدرتها على توفير خدمات تستجيب للمعايير الدولية، كما تفتح آفاقًا أوسع أمام تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال دعم السياحة والخدمات والصناعات التقليدية والأنشطة المرتبطة بالموانئ.
وتؤكد الأرقام المسجلة أن الإصلاح لا يمكن أن يحقق أهدافه دون استثمار متواصل في تطوير المنظومة المينائية. فمواصلة ديوان البحرية التجارية والموانئ تنفيذ برنامجه الاستثماري، من خلال اقتناء جرارات بحرية متطورة، وتحديث البنية الأساسية، وتعزيز السلامة والأمن والنجاعة الطاقية ورقمنة الخدمات، إلى جانب إعداد المخطط المديري للموانئ في أفق 2040، يعكس انتقال الدولة من معالجة الإشكاليات الظرفية إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى. وفي حال تواصلت الجهود المبذولة على هذا النسق، فإن مختلف الموانئ التونسية ستكون أمام فرصة حقيقية للتحول من مجرد مرافق للنقل البحري إلى منصات لوجستية متكاملة قادرة على دعم الصادرات واستقطاب الاستثمارات وتعزيز تموقع تونس في سلاسل التجارة الإقليمية والدولية.
وهنا جدير بالذكر أن المحافظة على هذا النسق التصاعدي تظل رهينة القدرة على مواصلة مسار الإصلاح وتسريع وتيرته، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة التي تشهدها الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث استثمرت عدة دول خلال السنوات الأخيرة في تطوير موانئها وتحويلها إلى منصات لوجستية تستقطب خطوط الملاحة العالمية وحركة إعادة الشحن.
ويتنزل هذا التوجه ضمن الرؤية التي يؤكد عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في معظم خطاباته ولقاءاته الرسمية، والقائمة على أهمية بناء اقتصاد وطني قوي قادر على خلق الثروة وتعزيز استقلالية القرار الوطني من خلال تطوير القطاعات الاستراتيجية والارتقاء بأداء المرافق العمومية. وضمن هذا الإطار، فإن الرهان على الموانئ يمثل استثمارًا في أحد أهم مفاتيح التنافسية الاقتصادية، بما يجعلها رافعة لدعم الاستثمار والتصدير وتعزيز تموقع تونس كمنصة لوجستية إقليمية قادرة على مجاراة نسق التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
منصة لتدعيم القدرة التنافسية
وفي هذا الخضم، تكشف المؤشرات الحالية أن الدولة تتجه نحو إعادة تعريف وظيفة الميناء في الاقتصاد الوطني، بعد أن أصبح أداة محورية لتعزيز السيادة الاقتصادية ومنصة لتدعيم القدرة التنافسية وجسرًا استراتيجيًا يربط تونس بالأسواق العالمية. وإذا كانت النتائج الأولية بدأت تعكس أثر الإصلاحات المنجزة، فإن الرهان الفعلي هو المحافظة على هذا النسق واستكمال مختلف المشاريع المبرمجة، بما يرسخ مكانة الموانئ التونسية ضمن الخارطة اللوجستية الإقليمية كمحركات حقيقية للنمو ورافعة لدعم الصادرات وخلق الثروة، بما ينسجم مع رؤية الدولة لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية وانفتاحًا على محيطه الإقليمي والدولي.
منال حرزي
تسعى الدولة اليوم إلى تحويل الموانئ التونسية إلى منصات لوجستية متكاملة، قادرة على استقطاب الاستثمارات ودعم الصادرات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية تراهن على استثمار الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتونس وتحويله إلى رافعة اقتصادية تواكب مختلف التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري والتجارة الدولية، خاصة وأن الموانئ أصبحت اليوم أحد أهم دعائم القدرة التنافسية للدول ومراكز لإنتاج القيمة المضافة.
ورغم ما يمتلكه هذا القطاع من مقومات، فقد ظل لسنوات يواجه تحديات هيكلية، وفي مقدمتها محدودية البنية التحتية، وطول الإجراءات الإدارية، وتعقّد مسالك إنجاز الخدمات، وهو ما أثر سلبًا على نجاعته وقدرته على مواكبة النسق المتسارع للمنافسة الإقليمية. غير أن الفترة الأخيرة شهدت حزمة من الإجراءات والإصلاحات التي تعكس في جوهرها توجهًا واضحًا نحو إعادة تأهيل المنظومة برمتها، إدراكًا من الدولة في أعلى هرمها بأن تطوير هذا القطاع يمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة تموقع تونس على خارطة التجارة الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة بين مختلف موانئ الضفة الجنوبية للمتوسط.
من هذا المنطلق، يندرج الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقطاع النقل، الذي خصّه في مناسبات عديدة بعديد الإجراءات، ضمن رؤية تتجاوز تحسين الأداء الإداري أو تحديث بعض الخدمات ليكون قاطرة لدفع الاقتصاد الوطني وأحد العوامل الأساسية لتحقيق السيادة الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يحتل قطاع الموانئ مكانة محورية باعتباره البوابة الرئيسية للتجارة الخارجية وحلقة الوصل بين الإنتاج الوطني والأسواق العالمية. لذلك، فإن ما تشهده الموانئ التونسية من مسار إصلاحي، تجلى في عديد الإجراءات التي تم إقرارها مؤخرًا والتي شملت الرقمنة وتبسيط الإجراءات وإحكام تنظيم مختلف المهن صلبه، يندرج في إطار توجه يهدف إلى تحويلها إلى منصات لوجستية قادرة على استقطاب الاستثمارات ودعم الصادرات وتعزيز تموقع تونس في شبكات التجارة والنقل البحري على المستويين الإقليمي والدولي.
وهذه الإجراءات تمثل ترجمة لتوجه سياسي يسعى إلى تحويل الموانئ إلى منصات لوجستية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز سيادة تونس الاقتصادية في محيط إقليمي يشهد سباقًا متسارعًا على استقطاب حركة التجارة البحرية.
وضمن هذا التمشي، تندرج المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، والتي تقوم على أهمية استعادة الدولة لدورها في إدارة القطاعات الاستراتيجية وتحويلها إلى محركات فعلية للتنمية، لا سيما وأن الدولة تدرك جيدًا أن الموقع الجغرافي الذي تتمتع به تونس في قلب البحر الأبيض المتوسط يمثل امتيازًا وعنصر قوة، غير أن هذا الامتياز الطبيعي لا يكتسب قيمته الاقتصادية إلا إذا رافقته بنية تحتية ناجعة وخدمات سريعة وإدارة حديثة وتشريعات تستجيب لمتطلبات التجارة العالمية. وبالتالي فإن نسق الإصلاحات الجارية يمثل جزءًا من رؤية شاملة تقوم على تحويل الموانئ إلى محرك فعلي للنمو الاقتصادي.
الرقمنة... والتنافسية
ولعل من أبرز المؤشرات إطلاق ديوان البحرية التجارية والموانئ مجموعة من الخدمات الرقمية التي تمكّن المتعاملين من استخراج الوثائق الإدارية ومتابعتها عن بعد. ورغم أن هذا الإجراء قد يبدو في ظاهره تقنيًا، فإنه يحمل في جوهره أبعادًا اقتصادية واستثمارية هامة.
فالرقمنة أصبحت اليوم معيارًا أساسيًا في تقييم كفاءة الموانئ، ولهذا فإن تبسيط المسارات الإدارية ورقمنتها يساهم في تقليص آجال المعالجة والحد من البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال، وهو ما يمثل أحد الشروط الأساسية لاستقطاب المستثمرين وشركات النقل البحري.
كما أن التحول الرقمي يعزز مبادئ الشفافية ويحد من الممارسات التي قد تفتح المجال أمام التعطيل أو التجاوزات، وهو ما ينسجم مع الخطاب الذي ما انفك يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والذي يعتبر أن تحديث الإدارة يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة الدولة لنجاعتها وتعزيز سيادتها الاقتصادية، بما يؤشر إلى أن تكون الرقمنة آلية من آليات دعم الاقتصاد الوطني.
تيسير العبور... بوابة لصورة تونس
ولم تقتصر الجهود على حركة البضائع، بل شملت أيضًا حركة المسافرين، خاصة عبر ميناء حلق الوادي الذي يستقبل خلال الموسم الصيفي آلافًا من التونسيين المقيمين بالخارج ومن السياح. فالعمل على تسريع الإجراءات الديوانية والأمنية، مع توفير خدمات التصريح الإلكتروني بالعملة والممتلكات، يعكس إدراكًا بأن جودة الخدمات التي تقدمها مختلف الموانئ أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صورة الدولة.
كما أن إطلاق الخدمات الرقمية الجديدة التي تمكن المتعاملين من استخراج الوثائق ومتابعتها عن بعد، إلى جانب العمل على تسريع إجراءات العبور بميناء حلق الوادي وتبسيط المسارات الديوانية والأمنية، يعكس توجهًا يتجاوز مجرد تحسين جودة الخدمات، ليؤسس لمنظومة مينائية أكثر نجاعة وكفاءة. فاختصار آجال المعالجة وتقليص زمن انتظار السفن والمسافرين، إلى جانب الاعتماد على الخدمات الرقمية، جميعها عناصر تُعد اليوم من أبرز معايير تنافسية الموانئ وقدرتها على استقطاب شركات الملاحة والاستثمارات اللوجستية. ومن هذا المنطلق، تمثل هذه الإجراءات خطوة في اتجاه تعزيز مكانة الموانئ التونسية كمنصات لوجستية قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري والإسهام في دعم الاقتصاد الوطني ورفع تنافسيته.
وضمن هذه المقاربة، يعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية أن إصلاح المرافق العمومية يمثل اليوم أحد الشروط الأساسية لبلوغ التنمية، وأن عصرنة الإدارة وتبسيط الإجراءات والقطع مع كل مظاهر التعطيل والبيروقراطية هي آليات أساسية لبناء اقتصاد أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ومقتضيات الاستثمار. وفي هذا الاتجاه تندرج الإصلاحات الجارية في عدد من القطاعات، ومنها قطاع النقل، ضمن رؤية شاملة تستهدف تعزيز السيادة الاقتصادية واستعادة الدولة لدورها في قيادة التنمية.
حصيلة إيجابية للموانئ
ويبدو أن الإصلاحات التي تقودها الدولة، في أعلى هرمها، بدأت اليوم تترجم تدريجيًا إلى مؤشرات ملموسة داخل مختلف الموانئ التونسية. فالرقمنة وتبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية لم تعد مجرد عناوين لبرامج إصلاحية، بل أصبحت تنعكس في النتائج التي سجلها القطاع خلال سنة 2025. وفي هذا السياق تكشف الأرقام الصادرة عن ديوان البحرية التجارية والموانئ عن نمو إيجابي في أغلب الأنشطة، بما يؤشر إلى بداية استعادة الموانئ التونسية لجزء من قدرتها التنافسية، وبما يؤكد أيضًا أن الإصلاحات الإدارية واللوجستية تمثل استثمارًا طويل المدى في نجاعة المرفق العمومي وقدرته على مواكبة متطلبات التجارة والنقل البحري.
ولا تقتصر هذه الانتعاشة على حركة البضائع، بل تمتد إلى قطاع الرحلات البحرية السياحية، الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 22 بالمائة خلال سنة 2025، مع استقبال نحو 272 ألف سائح مقابل 223 ألفًا خلال السنة الماضية. وتزداد أهمية هذه الإحصائيات في ظل توقعات تشير إلى استقبال ميناء حلق الوادي قرابة 160 ألف سائح إضافي مع موفى سنة 2026 عبر 34 رحلة بحرية جديدة، وهو ما يعكس عودة عدد من المجهزين البحريين إلى الوجهة التونسية بعد سنوات من التراجع. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد زيادة في عدد الوافدين، بل تعكس استعادة الثقة في الموانئ التونسية وفي قدرتها على توفير خدمات تستجيب للمعايير الدولية، كما تفتح آفاقًا أوسع أمام تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال دعم السياحة والخدمات والصناعات التقليدية والأنشطة المرتبطة بالموانئ.
وتؤكد الأرقام المسجلة أن الإصلاح لا يمكن أن يحقق أهدافه دون استثمار متواصل في تطوير المنظومة المينائية. فمواصلة ديوان البحرية التجارية والموانئ تنفيذ برنامجه الاستثماري، من خلال اقتناء جرارات بحرية متطورة، وتحديث البنية الأساسية، وتعزيز السلامة والأمن والنجاعة الطاقية ورقمنة الخدمات، إلى جانب إعداد المخطط المديري للموانئ في أفق 2040، يعكس انتقال الدولة من معالجة الإشكاليات الظرفية إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى. وفي حال تواصلت الجهود المبذولة على هذا النسق، فإن مختلف الموانئ التونسية ستكون أمام فرصة حقيقية للتحول من مجرد مرافق للنقل البحري إلى منصات لوجستية متكاملة قادرة على دعم الصادرات واستقطاب الاستثمارات وتعزيز تموقع تونس في سلاسل التجارة الإقليمية والدولية.
وهنا جدير بالذكر أن المحافظة على هذا النسق التصاعدي تظل رهينة القدرة على مواصلة مسار الإصلاح وتسريع وتيرته، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة التي تشهدها الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث استثمرت عدة دول خلال السنوات الأخيرة في تطوير موانئها وتحويلها إلى منصات لوجستية تستقطب خطوط الملاحة العالمية وحركة إعادة الشحن.
ويتنزل هذا التوجه ضمن الرؤية التي يؤكد عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في معظم خطاباته ولقاءاته الرسمية، والقائمة على أهمية بناء اقتصاد وطني قوي قادر على خلق الثروة وتعزيز استقلالية القرار الوطني من خلال تطوير القطاعات الاستراتيجية والارتقاء بأداء المرافق العمومية. وضمن هذا الإطار، فإن الرهان على الموانئ يمثل استثمارًا في أحد أهم مفاتيح التنافسية الاقتصادية، بما يجعلها رافعة لدعم الاستثمار والتصدير وتعزيز تموقع تونس كمنصة لوجستية إقليمية قادرة على مجاراة نسق التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
منصة لتدعيم القدرة التنافسية
وفي هذا الخضم، تكشف المؤشرات الحالية أن الدولة تتجه نحو إعادة تعريف وظيفة الميناء في الاقتصاد الوطني، بعد أن أصبح أداة محورية لتعزيز السيادة الاقتصادية ومنصة لتدعيم القدرة التنافسية وجسرًا استراتيجيًا يربط تونس بالأسواق العالمية. وإذا كانت النتائج الأولية بدأت تعكس أثر الإصلاحات المنجزة، فإن الرهان الفعلي هو المحافظة على هذا النسق واستكمال مختلف المشاريع المبرمجة، بما يرسخ مكانة الموانئ التونسية ضمن الخارطة اللوجستية الإقليمية كمحركات حقيقية للنمو ورافعة لدعم الصادرات وخلق الثروة، بما ينسجم مع رؤية الدولة لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية وانفتاحًا على محيطه الإقليمي والدولي.