تزامنًا مع موسم الأعراس، تطرح بقوة مسألة التكلفة المرتفعة لمراسم الزواج اليوم، في ظل غلاء الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة عمومًا، إلى جانب اتساع دائرة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، والرغبة في تقليد صناع المحتوى والمؤثرين وما يقدمونه من نماذج لحفلات زواج ضخمة ومكلفة، تتضمن أحيانًا عادات ومراسم جديدة ووافدة.
في المقابل، يعتبر البعض أن الزواج في حد ذاته ليس بالضرورة مشروعا مكلفا، إذ يكتفي العديد من الأزواج بإبرام عقد الزواج دون تكاليف احتفالية كبيرة، باعتبار أن مظاهر البذخ ليست من شروط صحة الزواج.
ومن الطبيعي أن يؤثر نسق ارتفاع الأسعار وكلفة المعيشة في مصاريف احتفالات الزواج. ويكفي أن نشير إلى أن آخر المعطيات تؤكد أن سعر غرام الذهب من عيار 18 يتراوح حاليًا في الأسواق بين 450 و600 دينار، وفق تصريح رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ، حاتم بن يوسف.
وكشف رئيس الغرفة، في تصريح أدلى به الأسبوع الفارط، أن "أخف قطعة مصوغ «صياغة» متداولة اليوم في واجهات المحلات باتت تزن نحو 12 غرامًا، لتبلغ قيمتها وحدها قرابة 6 آلاف دينار، في حين أصبحت الكلفة الإجمالية لاقتناء طقم زواج تقليدي، يشمل خواتم العرس، في حدود 8 آلاف دينار".
وكانت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك قد قدرت، في وقت سابق، تكاليف الزواج في تونس بما لا يقل عن 50 ألف دينار، وتشمل هذه التقديرات مصاريف تجهيز عش الزوجية، وحفلة الزفاف، وثمن المصوغ، وكلفة الحلاقة، وكراء قاعة الأفراح، إلى جانب جملة من المصاريف الأخرى.
مصاريف مشطة
وأكدت المنظمة حينها أن هذه التقديرات وُضعت وفق مبدأ التقشف، لكنها قد تتجاوز هذا السقف بكثير تبعًا للخيارات التي يعتمدها المقبلون على الزواج.
واللافت أن دائرة هذه الخيارات تتسع من موسم إلى آخر، في ظل التأثير المتزايد لصناع المحتوى والمؤثرين الذين أصبحوا جزءًا من الحياة اليومية لمرتادي مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع بداية موسم الأفراح، يتجند صناع المحتوى، بل يتنافسون، في عرض مراسم أفراحهم الشخصية أو أفراح محيطهم القريب، مقدمين أصنافًا من الاحتفالات التي تجمع بين التقليدي والعصري، ويستعرضون من خلالها مختلف أنواع المراسم في إطار إشهارات مدفوعة الأجر مسبقًا.
ويلاحظ أن جزءًا كبيرًا من متابعي هؤلاء المؤثرين يسعون إلى تقليدهم، وهو ما يثقل كاهلهم بمصاريف مشطة.
ويقول رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريح سابق: "إن كلفة الزواج ارتفعت إلى مستويات قياسية تجاوزت عشرات الأضعاف لمتوسط الدخل الأسري في تونس، وإن ارتفاع كلفة الزواج لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى قضية مجتمعية شاملة تتطلب معالجة متكاملة من الدولة والمجتمع. كما أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يبدأ بدعم الأسرة وتسهيل تكوينها، من خلال جعل أسعار مستلزمات الزواج أقرب إلى الواقع الاقتصادي للشباب."
مبادرات
وتجدر الإشارة إلى أن بادرة سابقة أقدم عليها عدد من نواب البرلمان تمثلت في مقترح يقضي بإدراج فصل إضافي ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، يتعلق بإحداث خط تمويل بعنوان "قرض مساعدة على الزواج".
وينص الفصل المقترح على إحداث خط تمويل خاص تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية لإسناد قروض للشباب التونسي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، بقيمة تصل إلى 30 ألف دينار، دون فوائد، مع فترة سداد تمتد إلى سبع سنوات، إضافة إلى تمتيع المنتفعين بمهلة خلاص مدتها ستة أشهر.
غير أن الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب رفضت المقترح، وسقط الفصل بعد حصوله على 26 صوتًا بالموافقة، مقابل 87 صوتًا بالرفض و6 أصوات محتفظة.
ومن جهتها، بينت حينها وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، أن "معالجة الإشكاليات المتعلقة بالعنوسة أو بارتفاع كلفة الزواج لا يعد مشروع قانون المالية المجال المناسب لمعالجتها"، مؤكدة أن ذلك لا يكون عبر إلزام البنوك بإسناد هذا الصنف من القروض.
وفي سياق السعي إلى الحد من مصاريف الزواج، جاءت أيضًا مبادرة من المجتمع المدني، تمثلت في إطلاق مبادرة اجتماعية بعنوان "عرّسوا برك"، تهدف إلى مساعدة الشباب غير القادرين ماديًا على إتمام مراسم الزواج، في ظل ارتفاع التكاليف وتزايد عزوف الشباب عن الإقدام على هذه الخطوة.
وفي تصريح إذاعي، بين صاحب المبادرة، جمال محمد دورة، أن الفكرة تقوم على "تنظيم زواج جماعي يتم خلاله التكفل بكافة مستلزمات العرس، بما في ذلك القاعة، وعدل الإشهاد، والفرقة الموسيقية، والحلويات، إلى جانب اللباس وخدمات الحلاقة والتجميل، فضلًا عن توفير الشهادات الطبية والإجراءات الإدارية اللازمة."
وأضاف أن المبادرة "تستهدف أساسًا الفئات محدودة الدخل، والهدف منها ليس فقط تمكين الشباب من الزواج، بل أيضًا التشجيع على تكوين الأسر والتصدي لتراجع النمو الديمغرافي."
وأكد صاحب المبادرة أن هذه التجربة "انطلقت من مدينة مساكن، مع طموح لتعميمها على كامل تراب الجمهورية، من خلال إشراك المجتمع المدني والهياكل المحلية، بما يتيح تنظيم تظاهرات مماثلة بصفة دورية، عبر تضافر جهود عدد من المتدخلين، من أصحاب قاعات الأفراح والأطراف المهنية والمساهمين من المجتمع، مع بقاء باب التسجيل مفتوحًا للراغبين في الاستفادة من المبادرة أو المساهمة في إنجاحها."
م.ي
تزامنًا مع موسم الأعراس، تطرح بقوة مسألة التكلفة المرتفعة لمراسم الزواج اليوم، في ظل غلاء الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة عمومًا، إلى جانب اتساع دائرة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، والرغبة في تقليد صناع المحتوى والمؤثرين وما يقدمونه من نماذج لحفلات زواج ضخمة ومكلفة، تتضمن أحيانًا عادات ومراسم جديدة ووافدة.
في المقابل، يعتبر البعض أن الزواج في حد ذاته ليس بالضرورة مشروعا مكلفا، إذ يكتفي العديد من الأزواج بإبرام عقد الزواج دون تكاليف احتفالية كبيرة، باعتبار أن مظاهر البذخ ليست من شروط صحة الزواج.
ومن الطبيعي أن يؤثر نسق ارتفاع الأسعار وكلفة المعيشة في مصاريف احتفالات الزواج. ويكفي أن نشير إلى أن آخر المعطيات تؤكد أن سعر غرام الذهب من عيار 18 يتراوح حاليًا في الأسواق بين 450 و600 دينار، وفق تصريح رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ، حاتم بن يوسف.
وكشف رئيس الغرفة، في تصريح أدلى به الأسبوع الفارط، أن "أخف قطعة مصوغ «صياغة» متداولة اليوم في واجهات المحلات باتت تزن نحو 12 غرامًا، لتبلغ قيمتها وحدها قرابة 6 آلاف دينار، في حين أصبحت الكلفة الإجمالية لاقتناء طقم زواج تقليدي، يشمل خواتم العرس، في حدود 8 آلاف دينار".
وكانت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك قد قدرت، في وقت سابق، تكاليف الزواج في تونس بما لا يقل عن 50 ألف دينار، وتشمل هذه التقديرات مصاريف تجهيز عش الزوجية، وحفلة الزفاف، وثمن المصوغ، وكلفة الحلاقة، وكراء قاعة الأفراح، إلى جانب جملة من المصاريف الأخرى.
مصاريف مشطة
وأكدت المنظمة حينها أن هذه التقديرات وُضعت وفق مبدأ التقشف، لكنها قد تتجاوز هذا السقف بكثير تبعًا للخيارات التي يعتمدها المقبلون على الزواج.
واللافت أن دائرة هذه الخيارات تتسع من موسم إلى آخر، في ظل التأثير المتزايد لصناع المحتوى والمؤثرين الذين أصبحوا جزءًا من الحياة اليومية لمرتادي مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع بداية موسم الأفراح، يتجند صناع المحتوى، بل يتنافسون، في عرض مراسم أفراحهم الشخصية أو أفراح محيطهم القريب، مقدمين أصنافًا من الاحتفالات التي تجمع بين التقليدي والعصري، ويستعرضون من خلالها مختلف أنواع المراسم في إطار إشهارات مدفوعة الأجر مسبقًا.
ويلاحظ أن جزءًا كبيرًا من متابعي هؤلاء المؤثرين يسعون إلى تقليدهم، وهو ما يثقل كاهلهم بمصاريف مشطة.
ويقول رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريح سابق: "إن كلفة الزواج ارتفعت إلى مستويات قياسية تجاوزت عشرات الأضعاف لمتوسط الدخل الأسري في تونس، وإن ارتفاع كلفة الزواج لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى قضية مجتمعية شاملة تتطلب معالجة متكاملة من الدولة والمجتمع. كما أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يبدأ بدعم الأسرة وتسهيل تكوينها، من خلال جعل أسعار مستلزمات الزواج أقرب إلى الواقع الاقتصادي للشباب."
مبادرات
وتجدر الإشارة إلى أن بادرة سابقة أقدم عليها عدد من نواب البرلمان تمثلت في مقترح يقضي بإدراج فصل إضافي ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، يتعلق بإحداث خط تمويل بعنوان "قرض مساعدة على الزواج".
وينص الفصل المقترح على إحداث خط تمويل خاص تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية لإسناد قروض للشباب التونسي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، بقيمة تصل إلى 30 ألف دينار، دون فوائد، مع فترة سداد تمتد إلى سبع سنوات، إضافة إلى تمتيع المنتفعين بمهلة خلاص مدتها ستة أشهر.
غير أن الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب رفضت المقترح، وسقط الفصل بعد حصوله على 26 صوتًا بالموافقة، مقابل 87 صوتًا بالرفض و6 أصوات محتفظة.
ومن جهتها، بينت حينها وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، أن "معالجة الإشكاليات المتعلقة بالعنوسة أو بارتفاع كلفة الزواج لا يعد مشروع قانون المالية المجال المناسب لمعالجتها"، مؤكدة أن ذلك لا يكون عبر إلزام البنوك بإسناد هذا الصنف من القروض.
وفي سياق السعي إلى الحد من مصاريف الزواج، جاءت أيضًا مبادرة من المجتمع المدني، تمثلت في إطلاق مبادرة اجتماعية بعنوان "عرّسوا برك"، تهدف إلى مساعدة الشباب غير القادرين ماديًا على إتمام مراسم الزواج، في ظل ارتفاع التكاليف وتزايد عزوف الشباب عن الإقدام على هذه الخطوة.
وفي تصريح إذاعي، بين صاحب المبادرة، جمال محمد دورة، أن الفكرة تقوم على "تنظيم زواج جماعي يتم خلاله التكفل بكافة مستلزمات العرس، بما في ذلك القاعة، وعدل الإشهاد، والفرقة الموسيقية، والحلويات، إلى جانب اللباس وخدمات الحلاقة والتجميل، فضلًا عن توفير الشهادات الطبية والإجراءات الإدارية اللازمة."
وأضاف أن المبادرة "تستهدف أساسًا الفئات محدودة الدخل، والهدف منها ليس فقط تمكين الشباب من الزواج، بل أيضًا التشجيع على تكوين الأسر والتصدي لتراجع النمو الديمغرافي."
وأكد صاحب المبادرة أن هذه التجربة "انطلقت من مدينة مساكن، مع طموح لتعميمها على كامل تراب الجمهورية، من خلال إشراك المجتمع المدني والهياكل المحلية، بما يتيح تنظيم تظاهرات مماثلة بصفة دورية، عبر تضافر جهود عدد من المتدخلين، من أصحاب قاعات الأفراح والأطراف المهنية والمساهمين من المجتمع، مع بقاء باب التسجيل مفتوحًا للراغبين في الاستفادة من المبادرة أو المساهمة في إنجاحها."