انطلقت أمس الاثنين 29 جوان الجاري بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة فعاليات الدورة الثامنة من تظاهرة «تعبيرات مسرحية» التي ينظمها قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس، لتتواصل إلى غاية الخامس من جويلية المقبل، في موعد بات يرسخ حضوره ضمن الرزنامة الثقافية السنوية، باعتباره المحطة الختامية التي تتوج مسارا كاملا من التكوين المسرحي امتد على مدار الموسم الثقافي 2025 ـ 2026.
ولا تقتصر أهمية هذه التظاهرة على تقديم عروض جديدة أمام الجمهور، بل تكمن في كونها تنقل ثمرة أشهر طويلة من التدريب والبحث والتجريب من قاعات الورشات المغلقة إلى فضاء العرض الاحترافي، حيث يختبر المشاركون لأول مرة علاقتهم الحقيقية بالخشبة والجمهور، في تجربة تمثل بالنسبة إلى كثير منهم أول احتكاك فعلي بعالم المسرح في صورته المهنية.
وعلى امتداد سبعة أيام تحتضن قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة سلسلة من العروض التي أنجزها الهواة بإشراف نخبة من المكونين والمسرحيين، في دورة تقدم أربعة عشر عملا جديدا تتنوع بين المسرح الدرامي والكوميديا والارتجال والتجارب البصرية، لتؤكد مرة أخرى أن الورشة التكوينية ليست مجرد محطة تعليمية، بل فضاء للإبداع والإنتاج الفني.
ويفتتح البرنامج اليوم الأول بعرضي «Journée terminée» و»نحبك ياسمين» بإشراف الأستاذ أوس إبراهيم، قبل أن تتواصل البرمجة خلال الأيام اللاحقة مع عرض «Un jour» بإشراف الأستاذ ماهر مصدق، ثم عرضي «Mission Impossible» و»Casting» بإشراف الأستاذ محمد فهمي بوفادن، إلى جانب عرض «Mode Avion» بإشراف الأستاذة توماضر الزرلي، فضلا عن بقية المشاريع المسرحية التي توزعت على مختلف الورشات المشاركة. وتجمع هذه الأعمال بين تجارب مختلفة في الكتابة والإخراج والأداء، بما يعكس تنوع المقاربات الفنية التي اعتمدها المؤطرون، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف رؤى شبابية تتعامل مع المسرح باعتباره فضاء للتعبير عن الأسئلة اليومية والهواجس الفردية والجماعية، لا مجرد وسيلة للترفيه.
ورغم أن «تعبيرات مسرحية» تقدم في ظاهرها عروضا مسرحية متتالية، فإنها في جوهرها تمثل حصاد سنة كاملة من العمل المتواصل داخل الورشات التي يشرف عليها قطب المسرح والفنون الركحية. فطوال أشهر تلقى المشاركون تكوينا يجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، شمل تقنيات التمثيل والإلقاء والارتجال وإدارة الجسد على الركح وبناء الشخصية المسرحية، وصولا إلى إنجاز مشاريع متكاملة أصبحت اليوم جاهزة للعرض أمام الجمهور. وهنا تتجلى خصوصية هذه التظاهرة التي لا تقوم على استضافة عروض جاهزة، وإنما على إنتاجها من داخل المؤسسة الثقافية نفسها، لتتحول الورشة من فضاء للتدريب إلى مختبر للإبداع، ثم إلى منصة للعرض والتقييم.
ويكشف هذا التوجه عن فلسفة اعتمدها مسرح أوبرا تونس منذ سنوات، تقوم على اعتبار التكوين جزءا من العملية الإبداعية وليس نشاطا موازيا لها. فبدلا من الفصل بين التعلم والإنتاج، يتم دمجهما في مسار واحد يتيح للهواة أن يعيشوا مختلف مراحل صناعة العرض المسرحي، من الفكرة الأولى مرورا بالتدريب والبحث والتجريب وصولا إلى اللقاء بالجمهور. لذلك لا تمثل «تعبيرات مسرحية» مجرد احتفال بنهاية الموسم، بل إعلانا عن اكتمال دورة فنية كاملة يصبح فيها المتدرب فنانا قادرا على تقديم مشروعه أمام المتفرج في ظروف تقنية وفنية لا تختلف عن تلك التي توفرها العروض الاحترافية.
ومن بين أبرز ما يميز دورة هذا العام أن المشاركين لم يكتفوا بإعداد العروض المسرحية، بل انخرطوا كذلك في تصميم الملصقات الخاصة بأعمالهم، في تجربة تعكس رغبة واضحة في الإحاطة بجميع عناصر المشروع الفني. فقد جاءت المعلقات الغرافيكية التي أنجزها الهواة متنوعة في أساليبها البصرية ولغتها التعبيرية، بما يؤكد أن التكوين لم يقتصر على الأداء فوق الركح، بل امتد إلى بناء الهوية البصرية للعرض، وهو ما يمنح المشاركين وعيا أوسع بمختلف مكونات العمل المسرحي، باعتباره إنتاجا جماعيا تتداخل فيه الكتابة والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والتصميم البصري. وتكتسب هذه المبادرة دلالة إضافية لأنها تعكس تحولا في مفهوم التكوين المسرحي، إذ لم يعد الهدف إعداد ممثل يؤدي دورا فحسب، وإنما تكوين فنان قادر على استيعاب مختلف مراحل صناعة العرض. فالمسرح المعاصر لم يعد قائما على التخصص الضيق، بل أصبح يعتمد على فنان يمتلك أدوات متعددة، ويستطيع أن يشارك في التفكير البصري والدراماتورجي والجمالي للمشروع، وهو ما تحاول هذه الورشات ترسيخه لدى المشاركين منذ المراحل الأولى.
كما تتميز التظاهرة بطابعها الجامع لمختلف الفئات العمرية، إذ يشارك فيها الأطفال والناشئة والشباب والكهول في فضاء واحد، بما يعكس رؤية تؤمن بأن المسرح لا يرتبط بسن معينة، وإنما هو ممارسة ثقافية مفتوحة أمام كل من يرغب في اكتشاف إمكاناته التعبيرية. ويمنح هذا التنوع العمري ثراء خاصا للتجربة، إذ تتقاطع الخبرات والحساسيات المختلفة داخل الورشات، فتنتج عروضا تحمل رؤى متعددة وتستفيد من اختلاف التجارب الإنسانية للمشاركين. ومع بلوغ «تعبيرات مسرحية» دورتها الثامنة، تبدو التظاهرة قد تجاوزت مرحلة التجربة لتصبح موعدا سنويا ثابتا ينتظره المشاركون والجمهور معا. فاستمرارها على امتداد ثماني دورات متتالية يؤكد نجاح الرهان الذي وضعه قطب المسرح والفنون الركحية منذ إطلاقها، والمتمثل في جعل التكوين المسرحي عملية مستمرة تنتهي بإنتاج عرض حقيقي لا بمجرد شهادة مشاركة. كما يعكس هذا الاستمرار إيمان المؤسسة بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأكثر نجاعة لبناء مستقبل المسرح التونسي، إذ لا يمكن الحديث عن نهضة مسرحية من دون تكوين أجيال جديدة تمتلك المعرفة والمهارة والثقة في آن واحد.
إيمان عبد اللطيف
انطلقت أمس الاثنين 29 جوان الجاري بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة فعاليات الدورة الثامنة من تظاهرة «تعبيرات مسرحية» التي ينظمها قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس، لتتواصل إلى غاية الخامس من جويلية المقبل، في موعد بات يرسخ حضوره ضمن الرزنامة الثقافية السنوية، باعتباره المحطة الختامية التي تتوج مسارا كاملا من التكوين المسرحي امتد على مدار الموسم الثقافي 2025 ـ 2026.
ولا تقتصر أهمية هذه التظاهرة على تقديم عروض جديدة أمام الجمهور، بل تكمن في كونها تنقل ثمرة أشهر طويلة من التدريب والبحث والتجريب من قاعات الورشات المغلقة إلى فضاء العرض الاحترافي، حيث يختبر المشاركون لأول مرة علاقتهم الحقيقية بالخشبة والجمهور، في تجربة تمثل بالنسبة إلى كثير منهم أول احتكاك فعلي بعالم المسرح في صورته المهنية.
وعلى امتداد سبعة أيام تحتضن قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة سلسلة من العروض التي أنجزها الهواة بإشراف نخبة من المكونين والمسرحيين، في دورة تقدم أربعة عشر عملا جديدا تتنوع بين المسرح الدرامي والكوميديا والارتجال والتجارب البصرية، لتؤكد مرة أخرى أن الورشة التكوينية ليست مجرد محطة تعليمية، بل فضاء للإبداع والإنتاج الفني.
ويفتتح البرنامج اليوم الأول بعرضي «Journée terminée» و»نحبك ياسمين» بإشراف الأستاذ أوس إبراهيم، قبل أن تتواصل البرمجة خلال الأيام اللاحقة مع عرض «Un jour» بإشراف الأستاذ ماهر مصدق، ثم عرضي «Mission Impossible» و»Casting» بإشراف الأستاذ محمد فهمي بوفادن، إلى جانب عرض «Mode Avion» بإشراف الأستاذة توماضر الزرلي، فضلا عن بقية المشاريع المسرحية التي توزعت على مختلف الورشات المشاركة. وتجمع هذه الأعمال بين تجارب مختلفة في الكتابة والإخراج والأداء، بما يعكس تنوع المقاربات الفنية التي اعتمدها المؤطرون، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف رؤى شبابية تتعامل مع المسرح باعتباره فضاء للتعبير عن الأسئلة اليومية والهواجس الفردية والجماعية، لا مجرد وسيلة للترفيه.
ورغم أن «تعبيرات مسرحية» تقدم في ظاهرها عروضا مسرحية متتالية، فإنها في جوهرها تمثل حصاد سنة كاملة من العمل المتواصل داخل الورشات التي يشرف عليها قطب المسرح والفنون الركحية. فطوال أشهر تلقى المشاركون تكوينا يجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، شمل تقنيات التمثيل والإلقاء والارتجال وإدارة الجسد على الركح وبناء الشخصية المسرحية، وصولا إلى إنجاز مشاريع متكاملة أصبحت اليوم جاهزة للعرض أمام الجمهور. وهنا تتجلى خصوصية هذه التظاهرة التي لا تقوم على استضافة عروض جاهزة، وإنما على إنتاجها من داخل المؤسسة الثقافية نفسها، لتتحول الورشة من فضاء للتدريب إلى مختبر للإبداع، ثم إلى منصة للعرض والتقييم.
ويكشف هذا التوجه عن فلسفة اعتمدها مسرح أوبرا تونس منذ سنوات، تقوم على اعتبار التكوين جزءا من العملية الإبداعية وليس نشاطا موازيا لها. فبدلا من الفصل بين التعلم والإنتاج، يتم دمجهما في مسار واحد يتيح للهواة أن يعيشوا مختلف مراحل صناعة العرض المسرحي، من الفكرة الأولى مرورا بالتدريب والبحث والتجريب وصولا إلى اللقاء بالجمهور. لذلك لا تمثل «تعبيرات مسرحية» مجرد احتفال بنهاية الموسم، بل إعلانا عن اكتمال دورة فنية كاملة يصبح فيها المتدرب فنانا قادرا على تقديم مشروعه أمام المتفرج في ظروف تقنية وفنية لا تختلف عن تلك التي توفرها العروض الاحترافية.
ومن بين أبرز ما يميز دورة هذا العام أن المشاركين لم يكتفوا بإعداد العروض المسرحية، بل انخرطوا كذلك في تصميم الملصقات الخاصة بأعمالهم، في تجربة تعكس رغبة واضحة في الإحاطة بجميع عناصر المشروع الفني. فقد جاءت المعلقات الغرافيكية التي أنجزها الهواة متنوعة في أساليبها البصرية ولغتها التعبيرية، بما يؤكد أن التكوين لم يقتصر على الأداء فوق الركح، بل امتد إلى بناء الهوية البصرية للعرض، وهو ما يمنح المشاركين وعيا أوسع بمختلف مكونات العمل المسرحي، باعتباره إنتاجا جماعيا تتداخل فيه الكتابة والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والتصميم البصري. وتكتسب هذه المبادرة دلالة إضافية لأنها تعكس تحولا في مفهوم التكوين المسرحي، إذ لم يعد الهدف إعداد ممثل يؤدي دورا فحسب، وإنما تكوين فنان قادر على استيعاب مختلف مراحل صناعة العرض. فالمسرح المعاصر لم يعد قائما على التخصص الضيق، بل أصبح يعتمد على فنان يمتلك أدوات متعددة، ويستطيع أن يشارك في التفكير البصري والدراماتورجي والجمالي للمشروع، وهو ما تحاول هذه الورشات ترسيخه لدى المشاركين منذ المراحل الأولى.
كما تتميز التظاهرة بطابعها الجامع لمختلف الفئات العمرية، إذ يشارك فيها الأطفال والناشئة والشباب والكهول في فضاء واحد، بما يعكس رؤية تؤمن بأن المسرح لا يرتبط بسن معينة، وإنما هو ممارسة ثقافية مفتوحة أمام كل من يرغب في اكتشاف إمكاناته التعبيرية. ويمنح هذا التنوع العمري ثراء خاصا للتجربة، إذ تتقاطع الخبرات والحساسيات المختلفة داخل الورشات، فتنتج عروضا تحمل رؤى متعددة وتستفيد من اختلاف التجارب الإنسانية للمشاركين. ومع بلوغ «تعبيرات مسرحية» دورتها الثامنة، تبدو التظاهرة قد تجاوزت مرحلة التجربة لتصبح موعدا سنويا ثابتا ينتظره المشاركون والجمهور معا. فاستمرارها على امتداد ثماني دورات متتالية يؤكد نجاح الرهان الذي وضعه قطب المسرح والفنون الركحية منذ إطلاقها، والمتمثل في جعل التكوين المسرحي عملية مستمرة تنتهي بإنتاج عرض حقيقي لا بمجرد شهادة مشاركة. كما يعكس هذا الاستمرار إيمان المؤسسة بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأكثر نجاعة لبناء مستقبل المسرح التونسي، إذ لا يمكن الحديث عن نهضة مسرحية من دون تكوين أجيال جديدة تمتلك المعرفة والمهارة والثقة في آن واحد.