*مواقع التواصل الاجتماعي تحوّل بعضها إلى "فضاءات تسوّق" خارج القانون
*مراقبة ضعيفة وثقافة التبليغ عن الأضرار غائبة
مواد تجميل مغشوشة ومقلّدة ومجهولة المصدر تُباع على الأرصفة، وتجد إقبالًا، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تبيع "مراهم" وخلطات بمكونات غريبة، ودون أي ترخيص، وبعيدًا عن كل رقابة. كلها أصبحت اليوم تحتكر جزءًا كبيرًا من السوق الاستهلاكية لمواد التجميل، وتجد إقبالًا لافتًا من مختلف الفئات، مستفيدة في ذلك من الأسعار المنخفضة التي تعرض بها بضائعها مقارنة بمواد التجميل الموردة والمراقبة بشكل صارم من مصالح وزارتي الصحة والتجارة.
وفي غياب التوعية العميقة بمخاطر هذه المواد وانعكاساتها الكارثية على صحة المواطنين، ما زالت تحذيرات وزارة الصحة ووزارة التجارة غير كافية لردع المخالفين والمتلاعبين بصحة الحرفاء في ظل حالة الاستسهال الراهنة. وقد تجاوز الأمر مستوى مستحضرات التجميل إلى انتشار مراكز التجميل العشوائية التي يديرها أشخاص غير مختصين وغير مؤهلين، ومع ذلك يستعملون إجراءات طبية معقدة تتطلب خبرة واختصاصًا، وتحمّلًا للمسؤولية الطبية عن أي خطإ محتمل.
وتحاول النقابة التونسية لأطباء التجميل تكثيف حملات التوعية والتحذير، عبر وسائل الإعلام، من خطورة الانسياق وراء الإعلانات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تعرض خدمات تجميلية بأسعار منخفضة. إلا أن ذلك لم يُجدِ نفعًا إلى اليوم، حيث بات الأمر يحتاج إلى ردع قانوني صارم، وغلق فوري لهذه الفضاءات العشوائية، وحجب الصفحات المروجة لها، وكذلك الصفحات التي يقدّم أصحابها خلطات مجهولة التركيبة على مواقع التواصل الاجتماعي كحل سحري لمعالجة بعض مشاكل البشرة. فما زالت، إلى اليوم، وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها فضاءات للتسوق الإلكتروني، بعيدة عن رقابة الهياكل المعنية والمختصة، رغم كل ما تروّجه من مواد مضرة.
مراكز تجميل عشوائية
في مارس، أصدرت كل من وزارتي الصحة والتجارة وتنمية الصادرات بلاغًا مشتركًا، حذرتا فيه من تفشي ظاهرة عروض تبييض الأسنان "العشوائية" التي يتم الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أكدت الوزارتان أن هذه الخدمات تُقدَّم في فضاءات ومراكز غير مؤهلة طبيًا، وتعتمد على ادعاءات مضللة وأسعار زهيدة لاستقطاب المواطنين.
وقد شدد البلاغ المشترك على أن عمليات تبييض الأسنان تُصنف قانونًا "أعمالًا طبية" بحتة، ولا يجوز ممارستها إلا من قبل أطباء الأسنان، نظرًا لخطورة المواد الكيميائية المستخدمة في تبييض الأسنان، والتي يتطلب التعامل معها خبرة طبية دقيقة لتجنب حدوث مضاعفات صحية خطيرة أو أضرار جسدية للمرضى.
وأعلنت الوزارتان أنه يُمنع على مراكز التجميل غير الطبية ممارسة أي نشاط، مع تحذير المواطنين من عواقب التعامل مع هذه الفضاءات التي غالبًا ما تستخدم مواد مجهولة المصدر ومستلزمات غير مطابقة للمواصفات. كما دعتا إلى توخي الحذر والإبلاغ الفوري عن أي مراكز مخالفة، مؤكدتين أنهما ستتخذان كافة الإجراءات القانونية والتدابير الردعية اللازمة ضد المتجاوزين، حمايةً للسلامة العامة.
وفي السياق نفسه، تحذر الهيئات الطبية، بشدة، من ظاهرة مراكز التجميل العشوائية، حيث أطلقت النقابة التونسية لأطباء التجميل تحذيرات من تنامي الممارسات غير القانونية التي تقوم بها جهات غير مؤهلة، والتي تهدد صحة وسلامة المواطنين.
ورغم كل هذه التحذيرات الرسمية والطبية، واتخاذ بعض الإجراءات القانونية ضد المخالفين، فإنه ما زال إلى اليوم أشخاص ينتحلون الصفة الطبية، ويقومون بإجراءات طبية دقيقة، وأحيانًا باستعمال مواد مهرّبة ومغشوشة، حتى في ما يتعلق بمواد طبية حساسة مثل "الفيلر" و"البوتوكس" مجهولة المصدر، التي يتم جلبها عبر مسالك غير قانونية.
وتؤكد النقابة التونسية لأطباء التجميل أن عمليات الحقن التجميلي لا يجب أن تُجرى إلا من قبل أطباء مختصين داخل مصحات أو عيادات طبية تستجيب للشروط الصحية والقانونية. كما حذرت النقابة من تفاقم ظاهرة المراكز العشوائية التي تنشط دون ترخيص، وتعتمد على حملات إشهارية مضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي للترويج لحقن مواد طبية بأسعار منخفضة، وهو ما قد يعرّض صحة المواطنين إلى مخاطر جسيمة.
وقد دعت النقابة، في أفريل، إلى التحرك العاجل من قبل وزارتي الصحة والتجارة للتصدي لهذه التجاوزات، عبر غلق الفضاءات غير القانونية، ومراقبة مسالك توزيع المواد الطبية الحساسة، خاصة مع انتشار صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج لبيع "الفيلر" و"البوتوكس"، فضلًا عن غلق الصفحات الإلكترونية المروجة لهذه المواد.
كما طالبت رئيسة النقابة التونسية لأطباء التجميل النيابة العمومية بتطبيق القانون بصرامة على كل من ينتحل صفة طبيب أو يمارس الطب بطرق غير قانونية.
وفي تصريحات إعلامية سابقة، حذرت نائبة رئيس نقابة أطباء التجميل، الدكتورة وهيبة شيبوب، من تنامي الممارسات غير القانونية في قطاع طب التجميل بتونس، معتبرة أن انتشار المراكز العشوائية والإعلانات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين، مشددة على أن طب التجميل يُعد اختصاصًا طبيًا دقيقًا لا يمكن ممارسته إلا من قبل أطباء متحصلين على شهادة الدكتوراه ومسجلين بعمادة الأطباء، باعتبار أن القانون التونسي يمنع أي شخص غير مؤهل من القيام بتدخلات تخترق جلد الإنسان.
واليوم يواجه قطاع طب التجميل منافسة غير نزيهة وخطيرة من صفحات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً مفتوحًا للترويج لمواد تجميلية وحقن مجهولة المصدر، يتم استعمالها أحيانًا داخل مراكز غير مرخصة ومن قبل أشخاص لا يملكون أي تكوين طبي، وهو ما أدى إلى تشوهات جلدية، وحروق، وندوب دائمة، بالإضافة إلى أنواع من الحساسية الخطيرة التي قد تتطور إلى صدمة تحسسية مفرطة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة في حال غياب التدخل السريع.
وكل ذلك يفرض اليوم تعزيز الرقابة الإلكترونية على صفحات التواصل الاجتماعي والمراكز التجميلية العشوائية، خاصة وأنه يتم الترويج لمواد حساسة مثل البوتوكس، رغم أنها تخضع لترخيص صارم من وزارة الصحة، بالإضافة إلى بيع خلطات غريبة قد تحتوي على مواد في غاية الخطورة على البشرة وعلى الصحة عمومًا.
مستحضرات تجميل مجهولة المصدر
وحذر رئيس قسم مراقبة مستحضرات التجميل ومنتجات النظافة الشخصية بالوكالة الوطنية لتقييم المخاطر بوزارة الصحة، زياد السنوسي، في تصريح للإذاعة الوطنية في ديسمبر الماضي، من استعمال مستحضرات التجميل مجهولة المصدر، داعيًا إلى شراء مواد التجميل من المسالك القانونية، على غرار الصيدليات ومحلات بيع مواد التجميل والمساحات الكبرى، حيث أكد أن بعض مستحضرات التجميل تتسبب في حساسية مزمنة، خاصة على مستوى العين.
كما شدد رئيس قسم مراقبة مستحضرات التجميل ومنتجات النظافة الشخصية بالوكالة الوطنية لتقييم المخاطر على عدم شراء "الكحل" من الأسواق غير المراقبة، مشيرًا إلى أنه تسبب، في إحدى الدول المجاورة، في وفاة رضيع.
وكانت وزارة الصحة قد حذرت من خطر مستحضرات التجميل المخصصة للأطفال، خاصة وأن الكثير من مستحضرات التجميل المنتشرة في الأسواق التونسية تحتوي على مواد كيميائية خطيرة. كما حذرت المديرة العامة للوكالة الوطنية لتقييم المخاطر بوزارة الصحة، زهرة الجمالي، من اقتناء مواد ومستحضرات تجميل غير مراقبة.
ولم تعد مواد التجميل المغشوشة ومجهولة المصدر مجرد ظاهرة محلية، بل باتت اليوم سوقًا عالمية تدرّ أرباحًا طائلة، رغم مخالفتها للقانون، وتتسبب في أضرار اقتصادية لمصنّعي مواد التجميل المعترف بهم. وفي آخر تقارير المديرية العامة للمنافسة والاستهلاك ومكافحة الغش بفرنسا، أُكد أن أكثر من 140 نوعًا من مستحضرات التجميل يحتوي على مواد محظورة، تم اكتشافها إثر عمليات المراقبة، مشيرة إلى أن هذه المستحضرات تحتوي على مواد مثيرة للقلق، تتسبب في اضطرابات الغدد الصماء والحساسية، وأن 23 منتجًا منها يدرج في تركيبته مواد «ممنوعة منعًا باتًا»، ومع ذلك تُباع في الأسواق.
وكان رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، قد أكد، في وقت سابق، أن 77 بالمائة من التونسيين يقبلون على اقتناء المواد والمنتجات المقلدة وغير معروفة المصدر والتركيبة، وهو ما يمثل خطرًا كبيرًا على صحتهم، ويُحمّلهم تكاليف إضافية. وأضاف أن منتجات التجميل والعطور تمثل أغلب المنتجات التي يقبل التونسيون على شرائها في نسخ مقلدة. كما دعا إلى تفادي استهلاك أي مكملات غذائية أو أدوية للتنحيف أو زيادة الوزن يتم اقتناؤها دون وصفة طبية.
مخالفة القانون وثقافة التبليغ
تنتشر مستحضرات التجميل المقلدة في الأسواق، وتبدو شبيهة جدًا بالمستحضرات التجميلية الأصلية، ويصعب أحيانًا تمييزها. ويُعد شراؤها من المسالك القانونية، أي من الصيدليات أو الصيدليات المختصة في بيع المواد شبه الطبية والتجميلية، أحد أهم وسائل حماية المستهلك.
كما توجد ماركات تونسية متخصصة في بيع المستحضرات التجميلية والجلدية، تروّج لمنتجاتها عبر محلاتها الخاصة أو من خلال الصيدليات وشبه الصيدليات. وهذه الماركات لا تندرج ضمن المنتجات المقلدة، إلا أنه قد تثار أحيانًا إشكالات أخرى تتعلق بمدى خضوع بعض منتجاتها للمراقبة الدقيقة والكافية، بخلاف الماركات الموردة التي تخضع لاختبارات صارمة قبل حصولها على ترخيص البيع.
ولهذه المنتجات المقلدة تداعيات خطيرة على الصحة، إذ إن وضعها على البشرة أو العين أو الأظافر قد يعرّض المستهلك لمواد سامة، وهو ما قد يتسبب في حساسية جلدية أو حروق كيميائية أو تصبغات. كما قد تحتوي على مواد ضارة بصحة الإنسان، يمكن أن يمتصها الجسم فتتسبب في أمراض أو حالات تسمم. وقد تحتوي مستحضرات التجميل المقلدة أيضًا على مواد خطرة، مثل الرصاص، الذي ثبتت خطورته علميًا، وتم حظر استخدامه في مستحضرات التجميل، إلا أن بعض المستحضرات المقلدة قد تحتوي عليه، وهو ما قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى الإصابة ببعض أنواع السرطان، وفق المختصين. كما قد تحتوي بعض المستحضرات على مواد غير مسموح باستعمالها للحوامل والمرضعات، وقد يشكل استخدامها خطرًا على الأم والجنين.
وقانونيًا، يجب أن تتحصل مواد التجميل الموردة على ترخيص من إدارة الصيدلة قبل ترويجها في الأسواق، إلا أن بعض المواد المقلدة أو المستحضرات المحلية لا تخضع لإطار قانوني وتنظيمي واضح، وهو ما يزيد من خطورتها، نظرًا إلى أنها لا تخضع للمراقبة، كما أن ظروف تصنيعها وحفظها تبقى مجهولة، بما قد يشكل خطرًا كبيرًا على صحة المواطنين.
وينطبق الأمر نفسه على المستحضرات المستعملة في التقنيات التجميلية، مثل الفيلر والبوتوكس، إذ يتم توريد المواد الأصلية عبر مسالك قانونية، وتكون خاضعة لرقابة مسبقة، وتُوزع عبر الصيدليات أو عيادات أطباء الاختصاص. غير أن هذه المواد قد تكون مقلدة أيضًا، وغالبًا ما تُستعمل داخل محلات التجميل، وتُعرض بأسعار منخفضة جدًا، وهو ما يساهم في زيادة الإقبال عليها.
وفي المقابل، قد يؤدي استخدام هذه المواد من قبل أشخاص غير مختصين إلى عدة إشكالات صحية، إذ يمكن أن تتسبب طريقة الحقن الخاطئة في انسداد الشرايين الدموية، أو انتقال هذه المواد إلى أوعية دموية أخرى في الجسم، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، على غرار التجلط في أماكن الحقن على مستوى البشرة، أو حتى فقدان البصر في بعض الحالات، وفق ما يؤكده مختصون في طب التجميل.
ولتفادي كل هذه الأضرار الثابتة للمواد التجميلية المغشوشة ومجهولة المصدر، لا بد أن يكون لدى المواطن الوعي الكامل بخطورتها، وألا تغريه الأسعار المنخفضة فيجازف بصحته، ناهيك عن أن بعض هذه المنتجات قد
ؤدي إلى تشوهات وندوب يصعب إصلاحها لاحقًا، فضلًا عن أضرارها الخفية متى تسللت إلى داخل جسم الإنسان
منية العرفاوي
.
*مواقع التواصل الاجتماعي تحوّل بعضها إلى "فضاءات تسوّق" خارج القانون
*مراقبة ضعيفة وثقافة التبليغ عن الأضرار غائبة
مواد تجميل مغشوشة ومقلّدة ومجهولة المصدر تُباع على الأرصفة، وتجد إقبالًا، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تبيع "مراهم" وخلطات بمكونات غريبة، ودون أي ترخيص، وبعيدًا عن كل رقابة. كلها أصبحت اليوم تحتكر جزءًا كبيرًا من السوق الاستهلاكية لمواد التجميل، وتجد إقبالًا لافتًا من مختلف الفئات، مستفيدة في ذلك من الأسعار المنخفضة التي تعرض بها بضائعها مقارنة بمواد التجميل الموردة والمراقبة بشكل صارم من مصالح وزارتي الصحة والتجارة.
وفي غياب التوعية العميقة بمخاطر هذه المواد وانعكاساتها الكارثية على صحة المواطنين، ما زالت تحذيرات وزارة الصحة ووزارة التجارة غير كافية لردع المخالفين والمتلاعبين بصحة الحرفاء في ظل حالة الاستسهال الراهنة. وقد تجاوز الأمر مستوى مستحضرات التجميل إلى انتشار مراكز التجميل العشوائية التي يديرها أشخاص غير مختصين وغير مؤهلين، ومع ذلك يستعملون إجراءات طبية معقدة تتطلب خبرة واختصاصًا، وتحمّلًا للمسؤولية الطبية عن أي خطإ محتمل.
وتحاول النقابة التونسية لأطباء التجميل تكثيف حملات التوعية والتحذير، عبر وسائل الإعلام، من خطورة الانسياق وراء الإعلانات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تعرض خدمات تجميلية بأسعار منخفضة. إلا أن ذلك لم يُجدِ نفعًا إلى اليوم، حيث بات الأمر يحتاج إلى ردع قانوني صارم، وغلق فوري لهذه الفضاءات العشوائية، وحجب الصفحات المروجة لها، وكذلك الصفحات التي يقدّم أصحابها خلطات مجهولة التركيبة على مواقع التواصل الاجتماعي كحل سحري لمعالجة بعض مشاكل البشرة. فما زالت، إلى اليوم، وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها فضاءات للتسوق الإلكتروني، بعيدة عن رقابة الهياكل المعنية والمختصة، رغم كل ما تروّجه من مواد مضرة.
مراكز تجميل عشوائية
في مارس، أصدرت كل من وزارتي الصحة والتجارة وتنمية الصادرات بلاغًا مشتركًا، حذرتا فيه من تفشي ظاهرة عروض تبييض الأسنان "العشوائية" التي يتم الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أكدت الوزارتان أن هذه الخدمات تُقدَّم في فضاءات ومراكز غير مؤهلة طبيًا، وتعتمد على ادعاءات مضللة وأسعار زهيدة لاستقطاب المواطنين.
وقد شدد البلاغ المشترك على أن عمليات تبييض الأسنان تُصنف قانونًا "أعمالًا طبية" بحتة، ولا يجوز ممارستها إلا من قبل أطباء الأسنان، نظرًا لخطورة المواد الكيميائية المستخدمة في تبييض الأسنان، والتي يتطلب التعامل معها خبرة طبية دقيقة لتجنب حدوث مضاعفات صحية خطيرة أو أضرار جسدية للمرضى.
وأعلنت الوزارتان أنه يُمنع على مراكز التجميل غير الطبية ممارسة أي نشاط، مع تحذير المواطنين من عواقب التعامل مع هذه الفضاءات التي غالبًا ما تستخدم مواد مجهولة المصدر ومستلزمات غير مطابقة للمواصفات. كما دعتا إلى توخي الحذر والإبلاغ الفوري عن أي مراكز مخالفة، مؤكدتين أنهما ستتخذان كافة الإجراءات القانونية والتدابير الردعية اللازمة ضد المتجاوزين، حمايةً للسلامة العامة.
وفي السياق نفسه، تحذر الهيئات الطبية، بشدة، من ظاهرة مراكز التجميل العشوائية، حيث أطلقت النقابة التونسية لأطباء التجميل تحذيرات من تنامي الممارسات غير القانونية التي تقوم بها جهات غير مؤهلة، والتي تهدد صحة وسلامة المواطنين.
ورغم كل هذه التحذيرات الرسمية والطبية، واتخاذ بعض الإجراءات القانونية ضد المخالفين، فإنه ما زال إلى اليوم أشخاص ينتحلون الصفة الطبية، ويقومون بإجراءات طبية دقيقة، وأحيانًا باستعمال مواد مهرّبة ومغشوشة، حتى في ما يتعلق بمواد طبية حساسة مثل "الفيلر" و"البوتوكس" مجهولة المصدر، التي يتم جلبها عبر مسالك غير قانونية.
وتؤكد النقابة التونسية لأطباء التجميل أن عمليات الحقن التجميلي لا يجب أن تُجرى إلا من قبل أطباء مختصين داخل مصحات أو عيادات طبية تستجيب للشروط الصحية والقانونية. كما حذرت النقابة من تفاقم ظاهرة المراكز العشوائية التي تنشط دون ترخيص، وتعتمد على حملات إشهارية مضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي للترويج لحقن مواد طبية بأسعار منخفضة، وهو ما قد يعرّض صحة المواطنين إلى مخاطر جسيمة.
وقد دعت النقابة، في أفريل، إلى التحرك العاجل من قبل وزارتي الصحة والتجارة للتصدي لهذه التجاوزات، عبر غلق الفضاءات غير القانونية، ومراقبة مسالك توزيع المواد الطبية الحساسة، خاصة مع انتشار صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج لبيع "الفيلر" و"البوتوكس"، فضلًا عن غلق الصفحات الإلكترونية المروجة لهذه المواد.
كما طالبت رئيسة النقابة التونسية لأطباء التجميل النيابة العمومية بتطبيق القانون بصرامة على كل من ينتحل صفة طبيب أو يمارس الطب بطرق غير قانونية.
وفي تصريحات إعلامية سابقة، حذرت نائبة رئيس نقابة أطباء التجميل، الدكتورة وهيبة شيبوب، من تنامي الممارسات غير القانونية في قطاع طب التجميل بتونس، معتبرة أن انتشار المراكز العشوائية والإعلانات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين، مشددة على أن طب التجميل يُعد اختصاصًا طبيًا دقيقًا لا يمكن ممارسته إلا من قبل أطباء متحصلين على شهادة الدكتوراه ومسجلين بعمادة الأطباء، باعتبار أن القانون التونسي يمنع أي شخص غير مؤهل من القيام بتدخلات تخترق جلد الإنسان.
واليوم يواجه قطاع طب التجميل منافسة غير نزيهة وخطيرة من صفحات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً مفتوحًا للترويج لمواد تجميلية وحقن مجهولة المصدر، يتم استعمالها أحيانًا داخل مراكز غير مرخصة ومن قبل أشخاص لا يملكون أي تكوين طبي، وهو ما أدى إلى تشوهات جلدية، وحروق، وندوب دائمة، بالإضافة إلى أنواع من الحساسية الخطيرة التي قد تتطور إلى صدمة تحسسية مفرطة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة في حال غياب التدخل السريع.
وكل ذلك يفرض اليوم تعزيز الرقابة الإلكترونية على صفحات التواصل الاجتماعي والمراكز التجميلية العشوائية، خاصة وأنه يتم الترويج لمواد حساسة مثل البوتوكس، رغم أنها تخضع لترخيص صارم من وزارة الصحة، بالإضافة إلى بيع خلطات غريبة قد تحتوي على مواد في غاية الخطورة على البشرة وعلى الصحة عمومًا.
مستحضرات تجميل مجهولة المصدر
وحذر رئيس قسم مراقبة مستحضرات التجميل ومنتجات النظافة الشخصية بالوكالة الوطنية لتقييم المخاطر بوزارة الصحة، زياد السنوسي، في تصريح للإذاعة الوطنية في ديسمبر الماضي، من استعمال مستحضرات التجميل مجهولة المصدر، داعيًا إلى شراء مواد التجميل من المسالك القانونية، على غرار الصيدليات ومحلات بيع مواد التجميل والمساحات الكبرى، حيث أكد أن بعض مستحضرات التجميل تتسبب في حساسية مزمنة، خاصة على مستوى العين.
كما شدد رئيس قسم مراقبة مستحضرات التجميل ومنتجات النظافة الشخصية بالوكالة الوطنية لتقييم المخاطر على عدم شراء "الكحل" من الأسواق غير المراقبة، مشيرًا إلى أنه تسبب، في إحدى الدول المجاورة، في وفاة رضيع.
وكانت وزارة الصحة قد حذرت من خطر مستحضرات التجميل المخصصة للأطفال، خاصة وأن الكثير من مستحضرات التجميل المنتشرة في الأسواق التونسية تحتوي على مواد كيميائية خطيرة. كما حذرت المديرة العامة للوكالة الوطنية لتقييم المخاطر بوزارة الصحة، زهرة الجمالي، من اقتناء مواد ومستحضرات تجميل غير مراقبة.
ولم تعد مواد التجميل المغشوشة ومجهولة المصدر مجرد ظاهرة محلية، بل باتت اليوم سوقًا عالمية تدرّ أرباحًا طائلة، رغم مخالفتها للقانون، وتتسبب في أضرار اقتصادية لمصنّعي مواد التجميل المعترف بهم. وفي آخر تقارير المديرية العامة للمنافسة والاستهلاك ومكافحة الغش بفرنسا، أُكد أن أكثر من 140 نوعًا من مستحضرات التجميل يحتوي على مواد محظورة، تم اكتشافها إثر عمليات المراقبة، مشيرة إلى أن هذه المستحضرات تحتوي على مواد مثيرة للقلق، تتسبب في اضطرابات الغدد الصماء والحساسية، وأن 23 منتجًا منها يدرج في تركيبته مواد «ممنوعة منعًا باتًا»، ومع ذلك تُباع في الأسواق.
وكان رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، قد أكد، في وقت سابق، أن 77 بالمائة من التونسيين يقبلون على اقتناء المواد والمنتجات المقلدة وغير معروفة المصدر والتركيبة، وهو ما يمثل خطرًا كبيرًا على صحتهم، ويُحمّلهم تكاليف إضافية. وأضاف أن منتجات التجميل والعطور تمثل أغلب المنتجات التي يقبل التونسيون على شرائها في نسخ مقلدة. كما دعا إلى تفادي استهلاك أي مكملات غذائية أو أدوية للتنحيف أو زيادة الوزن يتم اقتناؤها دون وصفة طبية.
مخالفة القانون وثقافة التبليغ
تنتشر مستحضرات التجميل المقلدة في الأسواق، وتبدو شبيهة جدًا بالمستحضرات التجميلية الأصلية، ويصعب أحيانًا تمييزها. ويُعد شراؤها من المسالك القانونية، أي من الصيدليات أو الصيدليات المختصة في بيع المواد شبه الطبية والتجميلية، أحد أهم وسائل حماية المستهلك.
كما توجد ماركات تونسية متخصصة في بيع المستحضرات التجميلية والجلدية، تروّج لمنتجاتها عبر محلاتها الخاصة أو من خلال الصيدليات وشبه الصيدليات. وهذه الماركات لا تندرج ضمن المنتجات المقلدة، إلا أنه قد تثار أحيانًا إشكالات أخرى تتعلق بمدى خضوع بعض منتجاتها للمراقبة الدقيقة والكافية، بخلاف الماركات الموردة التي تخضع لاختبارات صارمة قبل حصولها على ترخيص البيع.
ولهذه المنتجات المقلدة تداعيات خطيرة على الصحة، إذ إن وضعها على البشرة أو العين أو الأظافر قد يعرّض المستهلك لمواد سامة، وهو ما قد يتسبب في حساسية جلدية أو حروق كيميائية أو تصبغات. كما قد تحتوي على مواد ضارة بصحة الإنسان، يمكن أن يمتصها الجسم فتتسبب في أمراض أو حالات تسمم. وقد تحتوي مستحضرات التجميل المقلدة أيضًا على مواد خطرة، مثل الرصاص، الذي ثبتت خطورته علميًا، وتم حظر استخدامه في مستحضرات التجميل، إلا أن بعض المستحضرات المقلدة قد تحتوي عليه، وهو ما قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى الإصابة ببعض أنواع السرطان، وفق المختصين. كما قد تحتوي بعض المستحضرات على مواد غير مسموح باستعمالها للحوامل والمرضعات، وقد يشكل استخدامها خطرًا على الأم والجنين.
وقانونيًا، يجب أن تتحصل مواد التجميل الموردة على ترخيص من إدارة الصيدلة قبل ترويجها في الأسواق، إلا أن بعض المواد المقلدة أو المستحضرات المحلية لا تخضع لإطار قانوني وتنظيمي واضح، وهو ما يزيد من خطورتها، نظرًا إلى أنها لا تخضع للمراقبة، كما أن ظروف تصنيعها وحفظها تبقى مجهولة، بما قد يشكل خطرًا كبيرًا على صحة المواطنين.
وينطبق الأمر نفسه على المستحضرات المستعملة في التقنيات التجميلية، مثل الفيلر والبوتوكس، إذ يتم توريد المواد الأصلية عبر مسالك قانونية، وتكون خاضعة لرقابة مسبقة، وتُوزع عبر الصيدليات أو عيادات أطباء الاختصاص. غير أن هذه المواد قد تكون مقلدة أيضًا، وغالبًا ما تُستعمل داخل محلات التجميل، وتُعرض بأسعار منخفضة جدًا، وهو ما يساهم في زيادة الإقبال عليها.
وفي المقابل، قد يؤدي استخدام هذه المواد من قبل أشخاص غير مختصين إلى عدة إشكالات صحية، إذ يمكن أن تتسبب طريقة الحقن الخاطئة في انسداد الشرايين الدموية، أو انتقال هذه المواد إلى أوعية دموية أخرى في الجسم، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، على غرار التجلط في أماكن الحقن على مستوى البشرة، أو حتى فقدان البصر في بعض الحالات، وفق ما يؤكده مختصون في طب التجميل.
ولتفادي كل هذه الأضرار الثابتة للمواد التجميلية المغشوشة ومجهولة المصدر، لا بد أن يكون لدى المواطن الوعي الكامل بخطورتها، وألا تغريه الأسعار المنخفضة فيجازف بصحته، ناهيك عن أن بعض هذه المنتجات قد
ؤدي إلى تشوهات وندوب يصعب إصلاحها لاحقًا، فضلًا عن أضرارها الخفية متى تسللت إلى داخل جسم الإنسان