تعيش تونس هذه الأيام على وقع الاحتفال بالذكرى السبعين لانبعاث الجيش الوطني التونسي، لتجدد اعتزاز التونسيين بإحدى أعرق مؤسسات الدولة الوطنية وأكثرها رسوخًا. فمنذ تأسيسه في الرابع والعشرين من جوان سنة 1956، بعد أشهر قليلة من الاستقلال، ظل الجيش الوطني رمزًا للسيادة والاستقلال، ومؤسسة جمهورية حافظت على عقيدتها القائمة على الانضباط والحياد والولاء المطلق للوطن، ونجحت في الجمع بين مهامها الدفاعية والأمنية وبين مساهمتها الفاعلة في التنمية الوطنية والإغاثة والنجدة، حتى أصبح حضوره ملازمًا لمختلف المحطات المفصلية التي عاشتها تونس على امتداد سبعة عقود.
ولا تقتصر أهمية هذه الذكرى على استحضار تاريخ مؤسسة عسكرية، بل تمثل مناسبة وطنية للتأكيد على الدور المحوري الذي يضطلع به الجيش الوطني في حماية الدولة وصون مؤسساتها، واستذكار تضحيات أجيال من العسكريين الذين بذلوا الغالي والنفيس دفاعًا عن الوطن. كما تتيح الفرصة لتقييم مسيرة طويلة من الإنجازات التي تجاوزت المجال العسكري لتشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومساندة الدولة في مختلف الظروف الاستثنائية.
ويمثل اشراف رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة قيس سعيد على موكب هذا الإحتفال الرسمي المكانة التي تحظى بها المؤسسة العسكرية صلب الدولة. وقد شهد الموكب حضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، إلى جانب استعراض عسكري أبرز مدى الجاهزية العالية التي بلغتها القوات المسلحة، وما تمتلكه من كفاءات بشرية وقدرات عملياتية وتجهيزات متطورة، عكست التطور المتواصل الذي عرفته المؤسسة العسكرية منذ تأسيسها.
ولم يكن الاحتفال مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حمل أبعادًا وطنية ورمزية حقيقية، خاصة بالتوازي مع تدشين رئيس الجمهورية قيس سعيد متحف الذاكرة الوطنية بالسيجومي، الذي يمثل مشروعًا ثقافيًا ووطنياً يهدف إلى حفظ الذاكرة العسكرية التونسية وصونها للأجيال القادمة. إذ يوثق المتحف العسكري مختلف مراحل تطور الجيش الوطني منذ نشأته، كما يعرض تضحيات العسكريين وإنجازاتهم، ويبرز مساهمة القوات المسلحة في الدفاع عن البلاد وفي بناء الدولة الحديثة، كما يرسّخ في الأذهان قيم الوطنية والانتماء، ويعرّف الشباب على تاريخ مؤسسة ظلت على امتداد سبعين عامًا وفية للجمهورية والشعب.
وفي كلمته، جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيد بالمناسبة التأكيد على أن الجيش الوطني كان وسيظل حصن الوطن المنيع، وسياجه الحامي، والمدافع الأول عن استقلال تونس وسيادتها ووحدة ترابها. وأكد أن القوات المسلحة لم تحِد يومًا عن رسالتها الأساسية، ولم تنخرط في التجاذبات السياسية، وإنما بقيت وفية لقسمها، ملتزمة بالدستور، واضعة مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما شدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن دور الجيش الوطني لا يقتصر على حماية الحدود والدفاع عن البلاد، بل يمتد إلى المساهمة في جهود التنمية الوطنية وإسناد مختلف مؤسسات الدولة في مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية والصحية.
وعموماً، فإن هذه التصريحات تنسجم مع ما دأب رئيس الجمهورية قيس سعيد على التأكيد عليه في مناسبات سابقة، حيث سبق أن اعتبر الجيش الوطني صمام أمان الدولة وأحد أهم ركائز استقرارها، مشيدًا بما يتحلى به العسكريون من انضباط وكفاءة واستعداد دائم للتضحية. كما شدد في أكثر من خطاب على ضرورة توفير كل الإمكانيات الكفيلة بتطوير قدرات المؤسسة العسكرية، حتى تظل قادرة على مواجهة مختلف التحديات الأمنية والإقليمية ومواصلة أداء مهامها بكفاءة واقتدار.
وعلى امتداد سبعين سنة، لم يكن الجيش الوطني مجرد قوة عسكرية تؤمّن الحدود وتحمي السيادة الوطنية، بل تحوّل إلى شريك أساسي في مسيرة البناء الوطني. كما أثبتت المؤسسة العسكرية أن مفهوم الأمن لا يقتصر على البعد العسكري، وإنما يشمل أيضًا دعم التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين، وهو ما تجسّد في عشرات المشاريع التي أنجزتها وحدات الهندسة العسكرية في مختلف جهات البلاد.
ويُعد مشروع إحياء الأراضي الصحراوية برجيم معتوق من أبرز النماذج التي تجسّد مساهمة الجيش في التنمية، فقد تولّت المؤسسة العسكرية منذ عقود تنفيذ مشروع طموح لاستصلاح الأراضي الصحراوية بهذه المنطقة الحدودية، عبر حفر الآبار العميقة، وإنجاز شبكات الري، وغراسة آلاف أشجار النخيل، وتوفير البنية الأساسية الضرورية لاستقرار السكان. ولم يساهم المشروع في تثمين الأراضي الصحراوية فحسب، بل ساعد أيضًا على خلق مواطن شغل، وتشجيع النشاط الفلاحي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحويل منطقة كانت قاحلة إلى واحة منتجة.
كما برزت قدرة وحدات الهندسة العسكرية في إنجاز العديد من المشاريع المدنية ذات البعد التنموي، ومن بينها إعادة تهيئة مسبح البلفيدير بالعاصمة، الذي أُنجز في فترة وجيزة وبمواصفات فنية عالية، ليؤكد مرة أخرى الإمكانيات الهندسية والفنية الكبيرة التي تمتلكها المؤسسة العسكرية، وقدرتها على إنجاز المشاريع العمومية بسرعة وجودة مع ترشيد النفقات واحترام الآجال.
وفي المجال الصحي، لعب الجيش الوطني دورًا بارزًا في تقريب الخدمات الطبية من المواطنين، خاصة عبر إنشاء المستشفيات العسكرية المتنقلة والمستشفيات الميدانية، التي وفّرت الرعاية الصحية في المناطق الداخلية والحدودية، وأسهمت في تخفيف الضغط على المؤسسات الاستشفائية العمومية، ولا سيما خلال جائحة كوفيد-19، حيث تولّت القوات المسلحة إقامة مستشفيات ميدانية، ونقل المعدات الطبية، وتأمين حملات التلقيح، والمشاركة في نقل المرضى، وتوفير الدعم اللوجستي للقطاع الصحي، في تجربة نالت تقدير مختلف مكونات المجتمع.
ولم تقتصر مساهمة الجيش على المجال الصحي، بل كان دائمًا في مقدمة المتدخلين عند وقوع الكوارث الطبيعية والفيضانات، حيث تدخلت وحداته في العديد من المناسبات لإنقاذ المواطنين، وإجلاء العائلات المتضررة، وفك العزلة عن المناطق المنكوبة، وإقامة الجسور المؤقتة، وإصلاح الطرقات، وتوزيع المساعدات، والمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، وهو ما جعل الجيش محل ثقة كبيرة لدى المواطنين.
أما على المستوى الأمني، فإن الجيش الوطني يمثل سدًا منيعًا في مواجهة الإرهاب، حيث خاض معارك حاسمة ضد الجماعات الإرهابية، خاصة في المرتفعات الغربية والمناطق الحدودية، وقدّم في سبيل ذلك شهداء أبرارًا سطروا بدمائهم صفحات مضيئة في تاريخ تونس. كما يواصل تأمين الحدود البرية والبحرية، وحماية المنشآت الحيوية، والمشاركة في عمليات الإنقاذ البحري، بما يعكس جاهزيته الدائمة وقدرته على التكيف مع مختلف التحديات الأمنية.
وعلى الصعيد الدولي، ساهم الجيش الوطني في العديد من بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حاملاً اسم تونس إلى مختلف أنحاء العالم، حيث شارك العسكريون التونسيون في عمليات حفظ الأمن، وحماية المدنيين، وتقديم الدعم الإنساني في عدد من مناطق النزاعات، وهو ما أكسب المؤسسة العسكرية سمعة طيبة واحترامًا دوليًا بفضل احترافيتها العالية والتزامها بالقيم الإنسانية.
ووفق وزارة الدفاع الوطني، فقد ساهمت تونس منذ حصولها على الاستقلال في 20 مارس 1956، وبداية من سنة 1960، في العديد من مهام حفظ السلام في العالم، سواء تحت راية الأمم المتحدة (16 مهمة) أو تحت راية الاتحاد الإفريقي (4 مهام)، ولا تزال تساهم في مهمتين، وهما بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، ومهمة الأمم المتحدة في كوت ديفوار (ONUCI).
وقد نجح الجيش الوطني، خلال سبعين عامًا، في العمل على ترسيخ نموذج فريد لمؤسسة عسكرية جمهورية، تجمع بين الصرامة العسكرية والانفتاح على المجتمع، وبين حماية الحدود والمشاركة في التنمية، وبين الدفاع عن الوطن وخدمة المواطن. فإن مؤسسة الجيش الوطني تحظى بمكانة عالية وثقة التونسيين، باعتبارها مؤسسة تعمل في صمت، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتثبت في كل محطة أن مفهوم الخدمة العسكرية لا ينحصر في حمل السلاح، بل يشمل كل عمل يسهم في حماية الإنسان، وبناء الدولة، وتحقيق التنمية.
وقد سبق أن قال رئيس الدولة قيس سعيّد: «إن العلاقة التي تربط جيشنا الوطني بشعبنا العظيم علاقة وجدانية، فما أكثر الصور التي سيحفظها التاريخ، ولعل أبهاها تلك المتعلقة بالورود التي قدّمتها زهور تونس إلى أبطال تونس الذين أنقذوا الدولة والوطن»، مضيفًا: «إننا جميعًا فداء لتونس، فلا عاش فيها من خانها، ولا عاش فيها من ليس من جندها، فإما النصر أو الاستشهاد».
وإذ تُعتبر الذكرى السبعون لانبعاث الجيش الوطني مناسبة للاحتفاء بتاريخ زاخر بالإنجازات، فإنها تمثل أيضًا محطة لاستشراف المستقبل، من خلال مواصلة تحديث المؤسسة العسكرية، وتعزيز قدراتها البشرية والتقنية، وتمكينها من الوسائل الكفيلة بمواجهة التحديات المتجددة، في ظل محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة.
يُشار إلى أن وزارة الدفاع الوطني نظّمت من 20 إلى 26 جوان الجاري معرض الجيش الوطني بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، وذلك في إطار الاحتفال بالذكرى السبعين لانبعاث الجيش الوطني.
وقدّم المعرض عبر أجنحته تاريخ ونشأة الجيش التونسي، ومهامه الرئيسية والتكميلية والظرفية، والجهود التي يبذلها العسكريون للدفاع عن الوطن والحفاظ على أمنه ومناعته واستقراره.
كما وثّق دور الجيش الوطني في دفع المجهود الوطني للتنمية، من خلال إحياء المناطق الصحراوية وتنمية الجنوب، على غرار نجاح تجربة مشروعي برجيم معتوق والمحدث، إضافة إلى ما توفره منظومة التكوين المهني العسكري من فرص لتنمية الموارد البشرية وتوفير اليد العاملة المختصة، مبرزًا ثراء تجربة الجيش التونسي وتشريفه للراية الوطنية من خلال مشاركة أكثر من 15 ألف عسكري تونسي من الجنسين في 26 مهمة أممية لحفظ السلام في العالم، علاوة على دور الصحة العسكرية في تعزيز المنظومة الوطنية للصحة.
ويبقى الجيش الوطني، بعد سبعين عامًا من الخدمة في سبيل الوطن، عنوانًا لمبادئ الوفاء والانضباط والتضحية، ورمزًا للوطنية ضمن مؤسسة جمهورية لم تدّخر أي جهد في المحافظة على استقلال البلاد وصون سيادتها، كما لم تتردد في مدّ يد العون للمواطنين والمساهمة في التنمية والبناء، باعتباره كان ولا يزال شريكًا أساسيًا في بناء الدولة.
أميرة الدريدي
تعيش تونس هذه الأيام على وقع الاحتفال بالذكرى السبعين لانبعاث الجيش الوطني التونسي، لتجدد اعتزاز التونسيين بإحدى أعرق مؤسسات الدولة الوطنية وأكثرها رسوخًا. فمنذ تأسيسه في الرابع والعشرين من جوان سنة 1956، بعد أشهر قليلة من الاستقلال، ظل الجيش الوطني رمزًا للسيادة والاستقلال، ومؤسسة جمهورية حافظت على عقيدتها القائمة على الانضباط والحياد والولاء المطلق للوطن، ونجحت في الجمع بين مهامها الدفاعية والأمنية وبين مساهمتها الفاعلة في التنمية الوطنية والإغاثة والنجدة، حتى أصبح حضوره ملازمًا لمختلف المحطات المفصلية التي عاشتها تونس على امتداد سبعة عقود.
ولا تقتصر أهمية هذه الذكرى على استحضار تاريخ مؤسسة عسكرية، بل تمثل مناسبة وطنية للتأكيد على الدور المحوري الذي يضطلع به الجيش الوطني في حماية الدولة وصون مؤسساتها، واستذكار تضحيات أجيال من العسكريين الذين بذلوا الغالي والنفيس دفاعًا عن الوطن. كما تتيح الفرصة لتقييم مسيرة طويلة من الإنجازات التي تجاوزت المجال العسكري لتشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومساندة الدولة في مختلف الظروف الاستثنائية.
ويمثل اشراف رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة قيس سعيد على موكب هذا الإحتفال الرسمي المكانة التي تحظى بها المؤسسة العسكرية صلب الدولة. وقد شهد الموكب حضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، إلى جانب استعراض عسكري أبرز مدى الجاهزية العالية التي بلغتها القوات المسلحة، وما تمتلكه من كفاءات بشرية وقدرات عملياتية وتجهيزات متطورة، عكست التطور المتواصل الذي عرفته المؤسسة العسكرية منذ تأسيسها.
ولم يكن الاحتفال مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حمل أبعادًا وطنية ورمزية حقيقية، خاصة بالتوازي مع تدشين رئيس الجمهورية قيس سعيد متحف الذاكرة الوطنية بالسيجومي، الذي يمثل مشروعًا ثقافيًا ووطنياً يهدف إلى حفظ الذاكرة العسكرية التونسية وصونها للأجيال القادمة. إذ يوثق المتحف العسكري مختلف مراحل تطور الجيش الوطني منذ نشأته، كما يعرض تضحيات العسكريين وإنجازاتهم، ويبرز مساهمة القوات المسلحة في الدفاع عن البلاد وفي بناء الدولة الحديثة، كما يرسّخ في الأذهان قيم الوطنية والانتماء، ويعرّف الشباب على تاريخ مؤسسة ظلت على امتداد سبعين عامًا وفية للجمهورية والشعب.
وفي كلمته، جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيد بالمناسبة التأكيد على أن الجيش الوطني كان وسيظل حصن الوطن المنيع، وسياجه الحامي، والمدافع الأول عن استقلال تونس وسيادتها ووحدة ترابها. وأكد أن القوات المسلحة لم تحِد يومًا عن رسالتها الأساسية، ولم تنخرط في التجاذبات السياسية، وإنما بقيت وفية لقسمها، ملتزمة بالدستور، واضعة مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما شدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن دور الجيش الوطني لا يقتصر على حماية الحدود والدفاع عن البلاد، بل يمتد إلى المساهمة في جهود التنمية الوطنية وإسناد مختلف مؤسسات الدولة في مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية والصحية.
وعموماً، فإن هذه التصريحات تنسجم مع ما دأب رئيس الجمهورية قيس سعيد على التأكيد عليه في مناسبات سابقة، حيث سبق أن اعتبر الجيش الوطني صمام أمان الدولة وأحد أهم ركائز استقرارها، مشيدًا بما يتحلى به العسكريون من انضباط وكفاءة واستعداد دائم للتضحية. كما شدد في أكثر من خطاب على ضرورة توفير كل الإمكانيات الكفيلة بتطوير قدرات المؤسسة العسكرية، حتى تظل قادرة على مواجهة مختلف التحديات الأمنية والإقليمية ومواصلة أداء مهامها بكفاءة واقتدار.
وعلى امتداد سبعين سنة، لم يكن الجيش الوطني مجرد قوة عسكرية تؤمّن الحدود وتحمي السيادة الوطنية، بل تحوّل إلى شريك أساسي في مسيرة البناء الوطني. كما أثبتت المؤسسة العسكرية أن مفهوم الأمن لا يقتصر على البعد العسكري، وإنما يشمل أيضًا دعم التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين، وهو ما تجسّد في عشرات المشاريع التي أنجزتها وحدات الهندسة العسكرية في مختلف جهات البلاد.
ويُعد مشروع إحياء الأراضي الصحراوية برجيم معتوق من أبرز النماذج التي تجسّد مساهمة الجيش في التنمية، فقد تولّت المؤسسة العسكرية منذ عقود تنفيذ مشروع طموح لاستصلاح الأراضي الصحراوية بهذه المنطقة الحدودية، عبر حفر الآبار العميقة، وإنجاز شبكات الري، وغراسة آلاف أشجار النخيل، وتوفير البنية الأساسية الضرورية لاستقرار السكان. ولم يساهم المشروع في تثمين الأراضي الصحراوية فحسب، بل ساعد أيضًا على خلق مواطن شغل، وتشجيع النشاط الفلاحي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحويل منطقة كانت قاحلة إلى واحة منتجة.
كما برزت قدرة وحدات الهندسة العسكرية في إنجاز العديد من المشاريع المدنية ذات البعد التنموي، ومن بينها إعادة تهيئة مسبح البلفيدير بالعاصمة، الذي أُنجز في فترة وجيزة وبمواصفات فنية عالية، ليؤكد مرة أخرى الإمكانيات الهندسية والفنية الكبيرة التي تمتلكها المؤسسة العسكرية، وقدرتها على إنجاز المشاريع العمومية بسرعة وجودة مع ترشيد النفقات واحترام الآجال.
وفي المجال الصحي، لعب الجيش الوطني دورًا بارزًا في تقريب الخدمات الطبية من المواطنين، خاصة عبر إنشاء المستشفيات العسكرية المتنقلة والمستشفيات الميدانية، التي وفّرت الرعاية الصحية في المناطق الداخلية والحدودية، وأسهمت في تخفيف الضغط على المؤسسات الاستشفائية العمومية، ولا سيما خلال جائحة كوفيد-19، حيث تولّت القوات المسلحة إقامة مستشفيات ميدانية، ونقل المعدات الطبية، وتأمين حملات التلقيح، والمشاركة في نقل المرضى، وتوفير الدعم اللوجستي للقطاع الصحي، في تجربة نالت تقدير مختلف مكونات المجتمع.
ولم تقتصر مساهمة الجيش على المجال الصحي، بل كان دائمًا في مقدمة المتدخلين عند وقوع الكوارث الطبيعية والفيضانات، حيث تدخلت وحداته في العديد من المناسبات لإنقاذ المواطنين، وإجلاء العائلات المتضررة، وفك العزلة عن المناطق المنكوبة، وإقامة الجسور المؤقتة، وإصلاح الطرقات، وتوزيع المساعدات، والمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، وهو ما جعل الجيش محل ثقة كبيرة لدى المواطنين.
أما على المستوى الأمني، فإن الجيش الوطني يمثل سدًا منيعًا في مواجهة الإرهاب، حيث خاض معارك حاسمة ضد الجماعات الإرهابية، خاصة في المرتفعات الغربية والمناطق الحدودية، وقدّم في سبيل ذلك شهداء أبرارًا سطروا بدمائهم صفحات مضيئة في تاريخ تونس. كما يواصل تأمين الحدود البرية والبحرية، وحماية المنشآت الحيوية، والمشاركة في عمليات الإنقاذ البحري، بما يعكس جاهزيته الدائمة وقدرته على التكيف مع مختلف التحديات الأمنية.
وعلى الصعيد الدولي، ساهم الجيش الوطني في العديد من بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حاملاً اسم تونس إلى مختلف أنحاء العالم، حيث شارك العسكريون التونسيون في عمليات حفظ الأمن، وحماية المدنيين، وتقديم الدعم الإنساني في عدد من مناطق النزاعات، وهو ما أكسب المؤسسة العسكرية سمعة طيبة واحترامًا دوليًا بفضل احترافيتها العالية والتزامها بالقيم الإنسانية.
ووفق وزارة الدفاع الوطني، فقد ساهمت تونس منذ حصولها على الاستقلال في 20 مارس 1956، وبداية من سنة 1960، في العديد من مهام حفظ السلام في العالم، سواء تحت راية الأمم المتحدة (16 مهمة) أو تحت راية الاتحاد الإفريقي (4 مهام)، ولا تزال تساهم في مهمتين، وهما بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، ومهمة الأمم المتحدة في كوت ديفوار (ONUCI).
وقد نجح الجيش الوطني، خلال سبعين عامًا، في العمل على ترسيخ نموذج فريد لمؤسسة عسكرية جمهورية، تجمع بين الصرامة العسكرية والانفتاح على المجتمع، وبين حماية الحدود والمشاركة في التنمية، وبين الدفاع عن الوطن وخدمة المواطن. فإن مؤسسة الجيش الوطني تحظى بمكانة عالية وثقة التونسيين، باعتبارها مؤسسة تعمل في صمت، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتثبت في كل محطة أن مفهوم الخدمة العسكرية لا ينحصر في حمل السلاح، بل يشمل كل عمل يسهم في حماية الإنسان، وبناء الدولة، وتحقيق التنمية.
وقد سبق أن قال رئيس الدولة قيس سعيّد: «إن العلاقة التي تربط جيشنا الوطني بشعبنا العظيم علاقة وجدانية، فما أكثر الصور التي سيحفظها التاريخ، ولعل أبهاها تلك المتعلقة بالورود التي قدّمتها زهور تونس إلى أبطال تونس الذين أنقذوا الدولة والوطن»، مضيفًا: «إننا جميعًا فداء لتونس، فلا عاش فيها من خانها، ولا عاش فيها من ليس من جندها، فإما النصر أو الاستشهاد».
وإذ تُعتبر الذكرى السبعون لانبعاث الجيش الوطني مناسبة للاحتفاء بتاريخ زاخر بالإنجازات، فإنها تمثل أيضًا محطة لاستشراف المستقبل، من خلال مواصلة تحديث المؤسسة العسكرية، وتعزيز قدراتها البشرية والتقنية، وتمكينها من الوسائل الكفيلة بمواجهة التحديات المتجددة، في ظل محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة.
يُشار إلى أن وزارة الدفاع الوطني نظّمت من 20 إلى 26 جوان الجاري معرض الجيش الوطني بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، وذلك في إطار الاحتفال بالذكرى السبعين لانبعاث الجيش الوطني.
وقدّم المعرض عبر أجنحته تاريخ ونشأة الجيش التونسي، ومهامه الرئيسية والتكميلية والظرفية، والجهود التي يبذلها العسكريون للدفاع عن الوطن والحفاظ على أمنه ومناعته واستقراره.
كما وثّق دور الجيش الوطني في دفع المجهود الوطني للتنمية، من خلال إحياء المناطق الصحراوية وتنمية الجنوب، على غرار نجاح تجربة مشروعي برجيم معتوق والمحدث، إضافة إلى ما توفره منظومة التكوين المهني العسكري من فرص لتنمية الموارد البشرية وتوفير اليد العاملة المختصة، مبرزًا ثراء تجربة الجيش التونسي وتشريفه للراية الوطنية من خلال مشاركة أكثر من 15 ألف عسكري تونسي من الجنسين في 26 مهمة أممية لحفظ السلام في العالم، علاوة على دور الصحة العسكرية في تعزيز المنظومة الوطنية للصحة.
ويبقى الجيش الوطني، بعد سبعين عامًا من الخدمة في سبيل الوطن، عنوانًا لمبادئ الوفاء والانضباط والتضحية، ورمزًا للوطنية ضمن مؤسسة جمهورية لم تدّخر أي جهد في المحافظة على استقلال البلاد وصون سيادتها، كما لم تتردد في مدّ يد العون للمواطنين والمساهمة في التنمية والبناء، باعتباره كان ولا يزال شريكًا أساسيًا في بناء الدولة.