إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في معرض الفنان التشكيلي منصف نوار بمدينة الثقافة..  أجساد تبحث عن الحرية وترسم «نشيد الثورة»  

 

◄ الفنان التشكيلي: الجسد عندي شاهد وشهيد، والفعل الإبداعي فعل ثوري يؤسس لواقع جديد

◄ الأزرق في أعمال الفنان منصف نوار يتحول إلى امتداد روحي، ورمز للصفاء والعمق والتأمل..

◄ الثقافة التشكيلية بالنسبة لصاحب معرض «نشيد الثورة» ليست ترفا بصريا، بل جزء من الحياة اليومية..

 

في بهو مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، حيث تتقاطع خطوات الزائرين مع إيقاع الحياة الثقافية اليومية، تنتصب سبع عشرة لوحة كبيرة الحجم للفنان التشكيلي منصف نوار، كأنها محطات في رحلة إنسانية طويلة، رحلة تبدأ من الجسد ولا تنتهي عنده، وتعبر من الذاكرة إلى الحلم، ومن الواقع المثقل بالحروب والانكسارات إلى فضاءات أكثر رحابة وانفتاحا.

هناك، في المعرض الذي افتتح يوم 12 جوان الجاري ويتواصل إلى غاية 28 من الشهر نفسه، لا تبدو اللوحات مجرد أعمال معلقة على الجدران، بل أشبه بكائنات حية تتنفس وتتحرك وتدعو المتلقي إلى الدخول في حوار صامت مع أشكالها وألوانها ومساراتها المتشابكة.

تحتضن أروقة المعرض، المُنتظم تحت شعار «نشيد الحياة» برواق «مقام» بالمدينة، تشكيلة بديعة من الأعمال الفنية التي تنبض بالحياة والألوان والرمزية السريالية التعبيرية. وتتجلّى في هذا الفضاء الإبداعي لوحات متميزة تأخذ الزائر في رحلة بصرية عميقة، ومن أبرزها لوحة «سيرورة»، ولوحة «نوافذ وأجساد»، اللتان تصدرتا المعرض بأحجامهما الكبيرة وقيمتهما الفنية، إلى جانب لوحة «قبلة» التي تفيض بالمشاعر المجرّدة.

المعرض يضم روائع أخرى تعبّر عن تقلبات الذات الإنسانية والقضايا الوجودية والوطنية، مثل لوحة «أمومة ثائرة»، ولوحة «الشهيد»، بالإضافة إلى لوحة «احتفال النصر». وتضاف إلى المشهدية التشكيلية داخل قاعات العرض لوحات ذات أبعاد فلسفية وتأملية، مثل لوحة «الكرسي وقطعة اللحم»، ولوحة «تأمل»، ولوحة «صراع»، فضلا عن المقاطع اللحنية البصرية التي تجسدت في لوحة «معزوفة حب»، والأجواء الحالمة والغامضة في لوحتي «حلم ضبابي» و»جدل أنثوي».

ولم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، بل امتدت الجدران لتستعرض قصصا بصرية أخرى من خلال لوحة «تفاحة ونافذة»، ولوحة «ذكرى»، مرورا بلوحة «جلسة زرقاء» التي تتماهى مع تدرجات اللون والضوء، وصولا إلى اللوحات الحوارية الشاعرية مثل لوحة «رسالة طير» ولوحة «لقاء».

ومن بعيد، يلفت اللون الأزرق الانتباه قبل أي شيء آخر. درجات متعددة تتوزع على المساحات التصويرية، من الأزرق العميق إلى الأزرق الشفاف، وكأن البحر قد ترك مياهه على القماش ورحل. لكن الاقتراب أكثر يكشف أن الأزرق ليس البطل الوحيد في هذه الأعمال، فهناك أجساد تتقافز بين الخطوط، وأخرى تتشابك أو تتعانق أو تتفتت، فيما تبدو بعض الشخصيات وكأنها تحاول الإفلات من ثقل الأرض. الحركة حاضرة في كل زاوية تقريبا، حتى إن العين لا تجد نقطة تستقر عندها طويلا. كل شيء في اللوحات يوحي بأن السكون مستحيل.

ووسط هذا العالم البصري، كان منصف نوار يتنقل بين أعماله بهدوء الأستاذ الذي يعرف جيدا تفاصيل تجربته. فالرجل الذي يدرّس الفن منذ سنوات طويلة لم يصل إلى هذه المرحلة من مسيرته صدفة. فيعود في حديثه لـ«الصباح» بالذاكرة إلى البدايات، إلى زمن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة، حين وجد في نادي الفنون الذي كان يشرف عليه الراحل نور الدين الخياشي فضاء أول لصقل الحس الفني. ثم جاءت الدراسة في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، حيث تخرج سنة 1994، لتفتح أمامه أبواب عالم واسع يصفه بأنه «بحر كبير» تتداخل فيه المعرفة التقنية مع الفلسفة والتاريخ والجماليات.

وبينما تتوالى النظرات على الأعمال المعروضة، يبدو واضحا أن الفنان لا يتعامل مع الرسم باعتباره مجرد تمثيل بصري للأشياء. فالجسد الذي يحتل مركز اللوحات ليس جسدا واقعيا أو وصفيا، بل جسد يحمل أثقال العصر وأسئلته. وحين سُئل عن سر هذا الحضور الكثيف للجسد، يجيب بأن مشروعه الفني يقوم على فكرة أساسية مفادها أن «الجسد شاهد وشهيد». شاهد لأنه يعيش الأحداث ويتأثر بها، وشهيد لأنه يتحمل نتائجها وآثارها. لذلك تظهر الأجساد في أعماله وكأنها سجلات مفتوحة على مآسي الإنسان المعاصر، من الحروب إلى العزلة والاغتراب والقلق الوجودي.

ويشرح منصف نوار لـ«الصباح» أن اهتمامه بالجسد تعزز مع تأثره بما يعرف بالتشخيصية الجديدة، وهي حركة أعادت الإنسان إلى صدارة المشهد التشكيلي. غير أن مقاربته الخاصة ذهبت أبعد من ذلك، إذ لم يعد معنيا بإعادة إنتاج الشكل الواقعي للجسد بقدر ما أصبح مهتما باستكشاف إمكاناته التعبيرية. لهذا السبب اختار خلال السنوات الأخيرة الابتعاد تدريجيا عن المحاكاة الأكاديمية، واتجه نحو التشويه المقصود للشكل. فالتمديد والتحوير والتفكيك ليست عمليات شكلية بحتة، بل أدوات لتكثيف المعنى وإبراز الانفعال الداخلي.

ولذلك يحمل المعرض عنوان «نشيد الثورة»، وهو عنوان لا يبدو منفصلا عن طبيعة الأعمال. غير أن الثورة هنا لا تُقرأ بالمعنى السياسي الضيق، بل كفعل تحرر دائم. ويقول الفنان في هذا السياق إن الإبداع نفسه يمثل شكلا من أشكال الثورة، لأنه يرفض التكرار والجمود ويبحث باستمرار عن إمكانيات جديدة للرؤية والتعبير. وربما لهذا السبب تبدو اللوحات كلها وكأنها في حالة تمرّد مستمر على الحدود والقوالب الجاهزة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو ذلك التوازن الدقيق بين البناء الأكاديمي والحرية التعبيرية. فالفنان الذي يمتلك معرفة تقنية راسخة لا يقع في فخ الاستعراض أو التعقيد. على العكس، تبدو أعماله منفتحة على المتلقي وقادرة على إثارة مشاعره وأسئلته دون أن تقدم له إجابات جاهزة. كل لوحة تترك مساحة للتأويل، وكل شكل يمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة.

ويأخذ الجسد الأنثوي في هذا العمل حضورا خاصا، إذ يمنحه الفنان طاقة تعبيرية مختلفة، تقوم على الانحناء والشاعرية والانسياب، في مقابل الجسد الذكوري الذي يُعالج ضمن دينامية بصرية أخرى، دون أن يفقد موقعه داخل المشروع العام الذي يضع الإنسان في مركز الرؤية.

ويمتد هذا المعرض باعتباره حلقة ضمن مسار بحثي طويل، لا يتوقف عند حدود تجربة واحدة، بل يتواصل كمسار مفتوح على أعمال لاحقة. فالفن، في تصور منصف نوار، ليس إنجازا نهائيا، بل منهج بحث دائم في الشكل والمعنى، وفي إمكانيات الجسد التعبيرية.

ضمن هذا البحث، لم يعد الجسد يحتفظ بصورته الكلاسيكية أو نسبه التقليدية، بل أصبح قابلا للتحول والتشويه المقصود، عبر التكبير أو التمديد أو التفكيك أو إعادة البناء، بهدف اكتشاف طاقته التعبيرية الكامنة. وهكذا يتحول الشكل الواقعي إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا بوصفه نسخة عن الواقع، بل بوصفه اقتراحا بصريا جديدا.

أما على مستوى الوسائط، فيتعامل الفنان مع التكنولوجيا الحديثة بحذر واضح، إذ يرى أنها يجب أن تبقى في خدمة الإنسان والإبداع، لا أن تحل محل اللمسة اليدوية التي تشكل جوهر العمل التشكيلي. فالرسم اليدوي، في نظره، يحمل طاقة تعبيرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، خاصة حين يتعلق الأمر ببناء فضاءات تتسم بالسريالية أو الانفعال الحسي.

ورغم انفتاحه على التصوير الفوتوغرافي والفيديو والتقنيات الرقمية، فإن هذه الوسائط تبقى، بالنسبة إليه، أدوات مساعدة ضمن مشروع إبداعي أوسع، لا بديلا عن التجربة المباشرة. وكما يقول في سياق رؤيته: قد تكون الصورة الفوتوغرافية قد ساهمت في إنقاذ الرسم، لكنها لا تعوض قدرته على خلق العوالم.

ويستمد الفنان التشكيلي منصف نوار إلهامه من الشعر والموسيقى والأدب والفلسفة، كما من الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه يوميا. ويعتبر أن نجاح هذا المعرض يرتبط أيضا بتفاعله مع الجمهور، الذي تباين بين النقاد والفنانين والزوار العاديين، في تجربة قرائية مفتوحة على أكثر من مستوى.

وفي العمق، يربط الفنان بين الصدق الفني وقدرة العمل على خلق جسر بينه وبين المتلقي، معتبرا أن الثقافة التشكيلية ليست ترفا بصريا، بل جزءا من الحياة اليومية، ينعكس في السلوك واللباس والعلاقة مع المحيط واحترام الطبيعة. أما اللون الأزرق، فيبقى علامة ثابتة داخل تجربته، بحكم علاقته الخاصة بالبحر والطبيعة. فهو يعيش في منطقة مطلة على البحر، وهي جهة المرسى. وهناك يتحول الأزرق إلى امتداد روحي، ورمز للصفاء والعمق والتأمل، لون بارد وسماوي في آن، يفتح المجال أمام التفكير والخيال، ويعود إليه الفنان في مختلف تدرجاته باعتباره جزءا من هويته البصرية والوجدانية التي لا تنفصل عن تجربته في الرسم.

إيمان عبد اللطيف

في معرض الفنان التشكيلي منصف نوار بمدينة الثقافة..   أجساد تبحث عن الحرية وترسم «نشيد الثورة»   

 

◄ الفنان التشكيلي: الجسد عندي شاهد وشهيد، والفعل الإبداعي فعل ثوري يؤسس لواقع جديد

◄ الأزرق في أعمال الفنان منصف نوار يتحول إلى امتداد روحي، ورمز للصفاء والعمق والتأمل..

◄ الثقافة التشكيلية بالنسبة لصاحب معرض «نشيد الثورة» ليست ترفا بصريا، بل جزء من الحياة اليومية..

 

في بهو مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، حيث تتقاطع خطوات الزائرين مع إيقاع الحياة الثقافية اليومية، تنتصب سبع عشرة لوحة كبيرة الحجم للفنان التشكيلي منصف نوار، كأنها محطات في رحلة إنسانية طويلة، رحلة تبدأ من الجسد ولا تنتهي عنده، وتعبر من الذاكرة إلى الحلم، ومن الواقع المثقل بالحروب والانكسارات إلى فضاءات أكثر رحابة وانفتاحا.

هناك، في المعرض الذي افتتح يوم 12 جوان الجاري ويتواصل إلى غاية 28 من الشهر نفسه، لا تبدو اللوحات مجرد أعمال معلقة على الجدران، بل أشبه بكائنات حية تتنفس وتتحرك وتدعو المتلقي إلى الدخول في حوار صامت مع أشكالها وألوانها ومساراتها المتشابكة.

تحتضن أروقة المعرض، المُنتظم تحت شعار «نشيد الحياة» برواق «مقام» بالمدينة، تشكيلة بديعة من الأعمال الفنية التي تنبض بالحياة والألوان والرمزية السريالية التعبيرية. وتتجلّى في هذا الفضاء الإبداعي لوحات متميزة تأخذ الزائر في رحلة بصرية عميقة، ومن أبرزها لوحة «سيرورة»، ولوحة «نوافذ وأجساد»، اللتان تصدرتا المعرض بأحجامهما الكبيرة وقيمتهما الفنية، إلى جانب لوحة «قبلة» التي تفيض بالمشاعر المجرّدة.

المعرض يضم روائع أخرى تعبّر عن تقلبات الذات الإنسانية والقضايا الوجودية والوطنية، مثل لوحة «أمومة ثائرة»، ولوحة «الشهيد»، بالإضافة إلى لوحة «احتفال النصر». وتضاف إلى المشهدية التشكيلية داخل قاعات العرض لوحات ذات أبعاد فلسفية وتأملية، مثل لوحة «الكرسي وقطعة اللحم»، ولوحة «تأمل»، ولوحة «صراع»، فضلا عن المقاطع اللحنية البصرية التي تجسدت في لوحة «معزوفة حب»، والأجواء الحالمة والغامضة في لوحتي «حلم ضبابي» و»جدل أنثوي».

ولم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، بل امتدت الجدران لتستعرض قصصا بصرية أخرى من خلال لوحة «تفاحة ونافذة»، ولوحة «ذكرى»، مرورا بلوحة «جلسة زرقاء» التي تتماهى مع تدرجات اللون والضوء، وصولا إلى اللوحات الحوارية الشاعرية مثل لوحة «رسالة طير» ولوحة «لقاء».

ومن بعيد، يلفت اللون الأزرق الانتباه قبل أي شيء آخر. درجات متعددة تتوزع على المساحات التصويرية، من الأزرق العميق إلى الأزرق الشفاف، وكأن البحر قد ترك مياهه على القماش ورحل. لكن الاقتراب أكثر يكشف أن الأزرق ليس البطل الوحيد في هذه الأعمال، فهناك أجساد تتقافز بين الخطوط، وأخرى تتشابك أو تتعانق أو تتفتت، فيما تبدو بعض الشخصيات وكأنها تحاول الإفلات من ثقل الأرض. الحركة حاضرة في كل زاوية تقريبا، حتى إن العين لا تجد نقطة تستقر عندها طويلا. كل شيء في اللوحات يوحي بأن السكون مستحيل.

ووسط هذا العالم البصري، كان منصف نوار يتنقل بين أعماله بهدوء الأستاذ الذي يعرف جيدا تفاصيل تجربته. فالرجل الذي يدرّس الفن منذ سنوات طويلة لم يصل إلى هذه المرحلة من مسيرته صدفة. فيعود في حديثه لـ«الصباح» بالذاكرة إلى البدايات، إلى زمن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة، حين وجد في نادي الفنون الذي كان يشرف عليه الراحل نور الدين الخياشي فضاء أول لصقل الحس الفني. ثم جاءت الدراسة في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، حيث تخرج سنة 1994، لتفتح أمامه أبواب عالم واسع يصفه بأنه «بحر كبير» تتداخل فيه المعرفة التقنية مع الفلسفة والتاريخ والجماليات.

وبينما تتوالى النظرات على الأعمال المعروضة، يبدو واضحا أن الفنان لا يتعامل مع الرسم باعتباره مجرد تمثيل بصري للأشياء. فالجسد الذي يحتل مركز اللوحات ليس جسدا واقعيا أو وصفيا، بل جسد يحمل أثقال العصر وأسئلته. وحين سُئل عن سر هذا الحضور الكثيف للجسد، يجيب بأن مشروعه الفني يقوم على فكرة أساسية مفادها أن «الجسد شاهد وشهيد». شاهد لأنه يعيش الأحداث ويتأثر بها، وشهيد لأنه يتحمل نتائجها وآثارها. لذلك تظهر الأجساد في أعماله وكأنها سجلات مفتوحة على مآسي الإنسان المعاصر، من الحروب إلى العزلة والاغتراب والقلق الوجودي.

ويشرح منصف نوار لـ«الصباح» أن اهتمامه بالجسد تعزز مع تأثره بما يعرف بالتشخيصية الجديدة، وهي حركة أعادت الإنسان إلى صدارة المشهد التشكيلي. غير أن مقاربته الخاصة ذهبت أبعد من ذلك، إذ لم يعد معنيا بإعادة إنتاج الشكل الواقعي للجسد بقدر ما أصبح مهتما باستكشاف إمكاناته التعبيرية. لهذا السبب اختار خلال السنوات الأخيرة الابتعاد تدريجيا عن المحاكاة الأكاديمية، واتجه نحو التشويه المقصود للشكل. فالتمديد والتحوير والتفكيك ليست عمليات شكلية بحتة، بل أدوات لتكثيف المعنى وإبراز الانفعال الداخلي.

ولذلك يحمل المعرض عنوان «نشيد الثورة»، وهو عنوان لا يبدو منفصلا عن طبيعة الأعمال. غير أن الثورة هنا لا تُقرأ بالمعنى السياسي الضيق، بل كفعل تحرر دائم. ويقول الفنان في هذا السياق إن الإبداع نفسه يمثل شكلا من أشكال الثورة، لأنه يرفض التكرار والجمود ويبحث باستمرار عن إمكانيات جديدة للرؤية والتعبير. وربما لهذا السبب تبدو اللوحات كلها وكأنها في حالة تمرّد مستمر على الحدود والقوالب الجاهزة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو ذلك التوازن الدقيق بين البناء الأكاديمي والحرية التعبيرية. فالفنان الذي يمتلك معرفة تقنية راسخة لا يقع في فخ الاستعراض أو التعقيد. على العكس، تبدو أعماله منفتحة على المتلقي وقادرة على إثارة مشاعره وأسئلته دون أن تقدم له إجابات جاهزة. كل لوحة تترك مساحة للتأويل، وكل شكل يمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة.

ويأخذ الجسد الأنثوي في هذا العمل حضورا خاصا، إذ يمنحه الفنان طاقة تعبيرية مختلفة، تقوم على الانحناء والشاعرية والانسياب، في مقابل الجسد الذكوري الذي يُعالج ضمن دينامية بصرية أخرى، دون أن يفقد موقعه داخل المشروع العام الذي يضع الإنسان في مركز الرؤية.

ويمتد هذا المعرض باعتباره حلقة ضمن مسار بحثي طويل، لا يتوقف عند حدود تجربة واحدة، بل يتواصل كمسار مفتوح على أعمال لاحقة. فالفن، في تصور منصف نوار، ليس إنجازا نهائيا، بل منهج بحث دائم في الشكل والمعنى، وفي إمكانيات الجسد التعبيرية.

ضمن هذا البحث، لم يعد الجسد يحتفظ بصورته الكلاسيكية أو نسبه التقليدية، بل أصبح قابلا للتحول والتشويه المقصود، عبر التكبير أو التمديد أو التفكيك أو إعادة البناء، بهدف اكتشاف طاقته التعبيرية الكامنة. وهكذا يتحول الشكل الواقعي إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا بوصفه نسخة عن الواقع، بل بوصفه اقتراحا بصريا جديدا.

أما على مستوى الوسائط، فيتعامل الفنان مع التكنولوجيا الحديثة بحذر واضح، إذ يرى أنها يجب أن تبقى في خدمة الإنسان والإبداع، لا أن تحل محل اللمسة اليدوية التي تشكل جوهر العمل التشكيلي. فالرسم اليدوي، في نظره، يحمل طاقة تعبيرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، خاصة حين يتعلق الأمر ببناء فضاءات تتسم بالسريالية أو الانفعال الحسي.

ورغم انفتاحه على التصوير الفوتوغرافي والفيديو والتقنيات الرقمية، فإن هذه الوسائط تبقى، بالنسبة إليه، أدوات مساعدة ضمن مشروع إبداعي أوسع، لا بديلا عن التجربة المباشرة. وكما يقول في سياق رؤيته: قد تكون الصورة الفوتوغرافية قد ساهمت في إنقاذ الرسم، لكنها لا تعوض قدرته على خلق العوالم.

ويستمد الفنان التشكيلي منصف نوار إلهامه من الشعر والموسيقى والأدب والفلسفة، كما من الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه يوميا. ويعتبر أن نجاح هذا المعرض يرتبط أيضا بتفاعله مع الجمهور، الذي تباين بين النقاد والفنانين والزوار العاديين، في تجربة قرائية مفتوحة على أكثر من مستوى.

وفي العمق، يربط الفنان بين الصدق الفني وقدرة العمل على خلق جسر بينه وبين المتلقي، معتبرا أن الثقافة التشكيلية ليست ترفا بصريا، بل جزءا من الحياة اليومية، ينعكس في السلوك واللباس والعلاقة مع المحيط واحترام الطبيعة. أما اللون الأزرق، فيبقى علامة ثابتة داخل تجربته، بحكم علاقته الخاصة بالبحر والطبيعة. فهو يعيش في منطقة مطلة على البحر، وهي جهة المرسى. وهناك يتحول الأزرق إلى امتداد روحي، ورمز للصفاء والعمق والتأمل، لون بارد وسماوي في آن، يفتح المجال أمام التفكير والخيال، ويعود إليه الفنان في مختلف تدرجاته باعتباره جزءا من هويته البصرية والوجدانية التي لا تنفصل عن تجربته في الرسم.

إيمان عبد اللطيف