إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  تواتر المشاورات والمبادرات..  تونس تتمسك بثوابتها.. لا حل إلا من داخل ليبيا    

بين مساعٍ إقليمية متجددة وجهود دولية متواصلة لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا، يعود الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدبلوماسي، فيما تواصل تونس التموقع كأحد أبرز الداعمين لمسار تسوية سياسية تنبع من الداخل الليبي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار ليبيا يظل شرطاً أساسياً وضرورياً لاستقرار المنطقة برمتها.

فبين تعدد المبادرات وتشعب المسارات السياسية، تواصل تونس التمسك برؤية تقوم على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبياً-ليبياً، نابعاً من إرادة الليبيين أنفسهم وبعيداً عن كل أشكال التدخل الخارجي. وهو المبدأ الذي ما انفكّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكد عليه في مختلف لقاءاته وتصريحاته، معتبراً أن ما شهدته ليبيا خلال السنوات الماضية أثبت أن أي تسوية لا تنطلق من توافق الليبيين أنفسهم لن تفضي إلى الاستقرار المنشود.

ومن هذا المنطلق، تتواصل التحركات الدبلوماسية التونسية على أكثر من واجهة دعماً لوحدة ليبيا وسيادتها، وسعياً إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف، في ترجمة لرؤية سياسية تعتبر أن أمن ليبيا واستقرارها ركيزة أساسية لأمن الفضاء المغاربي ومستقبل المنطقة بأسرها.

ومن هذا المنطلق، كلما تعقد المشهد الليبي وتشعّبت مسارات التسوية، عادت تونس لتطرح السؤال ذاته: لماذا لا يكون الحل ليبياً خالصاً؟ وهو تساؤل يشكل جوهر الرؤية التي يدافع عنها رئيس الدولة قيس سعيّد في مقاربته للملف الليبي، وهي رؤية تقوم على إعادة الأزمة إلى إطارها الطبيعي باعتبارها شأناً ليبياً بالأساس، بعيداً عن تقاطعات وحسابات الأجندات الدولية.

ومن خلال سلسلة من التحركات الدبلوماسية المتواصلة، تسعى تونس إلى تثبيت هذا التوجه وتحويله إلى أرضية سياسية قادرة على دعم مسار الاستقرار في ليبيا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن ليبيا ووحدتها يمثلان مصلحة مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا لتشمل مستقبل المنطقة بأكملها.

وقد برزت ملامح هذه الرؤية بوضوح من خلال اللقاءات والتحركات الدبلوماسية التي شهدتها تونس خلال الأيام الأخيرة، سواء عبر مشاركة تونس في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا، أو من خلال المواقف التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في لقائه بوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والتي أعاد فيها التأكيد على ثوابت السياسة التونسية تجاه الأزمة الليبية.

الحل الليبي-الليبي

منذ بداية الأزمة الليبية سنة 2011، حافظت تونس على موقف يقوم على احترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها ورفض أي تدخل في شؤونها الداخلية. وقد تجلى هذا الموقف بوضوح خلال السنوات الأخيرة، ليتحول إلى ما يشبه العقيدة السياسية في تعاطي تونس مع مختلف التطورات الليبية.

وفي هذا السياق، جاء تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن «الوضع في ليبيا ليس قضية دولية، وإنما هو قضية وطنية خالصة»، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تعدد المبادرات الخارجية وتنوع التدخلات الدولية لم ينجحا على مدار السنوات الماضية في تجاوز حالة الانقسام أو تحقيق الاستقرار المنشود، بل ساهم في أحيان كثيرة في تعقيد المشهد وإطالة الأزمة.

ومن هنا تبرز دعوة تونس المتكررة إلى حوار ليبي-ليبي شامل يجمع مختلف المكونات الوطنية الليبية دون إقصاء، ويمنح الليبيين وحدهم حق تحديد مستقبلهم السياسي واختيار المؤسسات التي تمثلهم. وهي دعوة لا تعكس فقط موقفاً مبدئياً من احترام سيادة الدول، وإنما تنطلق أيضاً من قراءة واقعية تعتبر أن أي تسوية لا تحظى بقبول الليبيين أنفسهم ستظل عرضة للفشل مهما حظيت بدعم خارجي.

ولعل إبداء تونس استعدادها لاحتضان مؤتمر جامع لليبيين، كما أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يندرج في هذا الإطار، على اعتبار أن هذه المبادرة تهدف أساساً إلى توفير فضاء للحوار والتوافق يسمح للأشقاء الليبيين بصياغة حلولهم بأنفسهم، في كنف الاحترام المتبادل والبحث عن أرضية مشتركة تؤسس لاستقرار دائم.

من الدعم السياسي إلى التحرك الدبلوماسي

ولا تقتصر المقاربة التونسية على التصريحات السياسية، بل تجد ترجمتها العملية في النشاط الدبلوماسي المكثف بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيّد.

فلقاء وزير الخارجية محمد علي النفطي مؤخراً بالمكلف بتسيير وزارة الخارجية الليبية الطاهر باعور في العاصمة الأردنية عمّان، مثّل مناسبة جديدة لتجديد موقف تونس الثابت الداعم لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها، مع التأكيد على تمسكها بمسار حل سياسي ليبي-ليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يستجيب لتطلعات الشعب الليبي ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويعكس هذا اللقاء حرص تونس على المحافظة على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف والمؤسسات الليبية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحوار يظل السبيل الأنجع لتقريب وجهات النظر وتجاوز سائر الخلافات.

وفي الاتجاه ذاته، جاء استقبال وزير الخارجية للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيته، على هامش ندوة المرأة في العمل الدبلوماسي، ليؤكد مرة أخرى أن تونس تعتبر أن الدور الأممي يمثل عاملاً مهماً ومساعداً على تقريب وجهات النظر ودعم الحل السياسي.

وقد شدد وزير الخارجية خلال اللقاء على أهمية الحوار الليبي-الليبي الجامع، وعلى ضرورة بناء مؤسسات موحدة ومستقرة تحفظ مقدرات الشعب الليبي، وهو ما يتقاطع بصورة كاملة مع التوجهات التي يدعو إليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

رهان على آلية دول الجوار

ومن بين أبرز الآليات التي تراهن عليها تونس لدعم الاستقرار في ليبيا، تبرز آلية التشاور الثلاثي لدول الجوار، التي تجمع تونس والجزائر ومصر.

ويعكس تمسك تونس بهذه الآلية قناعة بأن دول الجوار هي الأكثر تأثراً بالأوضاع داخل ليبيا، والأكثر إدراكاً لتعقيدات الواقع الليبي ومدى حاجته إلى تسوية سلمية متوازنة، بالنظر إلى أن استقرار ليبيا ينعكس مباشرة على الأمن والاستقرار والتنمية في كامل المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة تونس مؤخراً في الاجتماع الوزاري للآلية التشاورية الثلاثية في مصر تعكس رغبة واضحة في تنسيق المواقف الإقليمية وتوحيد الجهود الداعمة للحل السياسي، بعيداً عن التجاذبات الدولية التي كثيراً ما ألقت بظلالها على الملف الليبي، بما يؤشر إلى وجود إرادة مشتركة بين تونس والجزائر ومصر لتعزيز التنسيق بشأن مختلف القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية.

ومن جهة أخرى، يجدر بالذكر أن اهتمام تونس المتواصل بالملف الليبي يرتبط باعتبارات أمنية واستراتيجية تجعل من استقرار ليبيا مسألة ذات صلة مباشرة بأمن تونس واستقرارها.

فالعلاقات بين البلدين تتجاوز مسألة الحدود المشتركة الممتدة لمئات الكيلومترات لتشمل حركية اقتصادية وتجارية واسعة ومصالح متداخلة.

وبالتالي، فإن أي تدهور أمني أو سياسي في ليبيا ستنعكس تداعياته بصورة مباشرة على تونس، سواء على مستوى التحديات الأمنية المرتبطة بحماية الحدود ومكافحة مختلف أشكال الجريمة العابرة للحدود، أو من خلال تداعياته الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حركة المبادلات التجارية بين البلدين.

وضمن هذه المقاربة، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيّد ينظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً لا يتجزأ من استقرار تونس نفسها. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة في أعلى هرمها لا تتعامل مع الأزمة الليبية بوصفها ملفاً خارجياً فحسب، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن القومي التونسي في مفهومه الشامل.

وهو ما يفسر إصرار تونس على الدفع نحو تسوية سياسية دائمة تضع حداً لمختلف مظاهر الانقسام والصراع، وتسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية على أسس مستقرة.

وضمن هذا التمشي، تبرز المقاربة التونسية في التعاطي مع الملف الليبي كواحدة من النماذج التي نجحت في المحافظة على قدر من التوازن في التفاعل مع مختلف الأطراف الليبية، بعيداً عن منطق الاصطفاف وسياسة المحاور، الأمر الذي منح تونس رصيداً هاماً من الثقة والمصداقية يؤهلها للاضطلاع بدور داعم لجهود التقريب بين مختلف وجهات النظر والدفع نحو تسوية سياسية شاملة.

توجه نحو صياغة الحلول

وإذا كانت الجهود خلال السنوات الماضية قد انكبت على الحد من تداعيات الأزمة الليبية واحتواء انعكاساتها على المنطقة، فإن التحركات التونسية الراهنة تعكس توجهاً نحو الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في دعم مسار التسوية، من خلال المساهمة في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية الملائمة لتقريب وجهات النظر والدفع نحو حل دائم وشامل.

فإعلان تونس استعدادها لاحتضان مؤتمر جامع لليبيين لا يعكس فقط استعداداً لوجستياً أو دبلوماسياً، وإنما يبعث برسالة سياسية مفادها أن تونس ترى نفسها شريكاً فاعلاً في جهود دعم السلام والاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من علاقاتها التاريخية الضاربة في القدم مع ليبيا، ومن الثقة التي تحظى بها لدى مختلف الأطراف.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية سياسية يدافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على إعطاء الأولوية للحلول النابعة من إرادة الشعوب نفسها، بعيداً عن أي محاولات أو ضغوط لفرض خيارات من الخارج.

مستقبل ليبي مستقر

في هذا الخضم، تكشف مختلف المؤشرات أن الملف الليبي سيظل خلال المرحلة القادمة في صدارة أولويات السياسة الخارجية التونسية. فالمواقف التي طرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتحركات التي تقودها الدبلوماسية التونسية، إلى جانب التمسك بآلية دول الجوار والدعم المتواصل للجهود الأممية، جميعها آليات تندرج ضمن رؤية متكاملة هدفها الأساسي مساعدة ليبيا على استعادة استقرارها ووحدتها.

ولا يبدو أن تونس تسعى إلى لعب دور يتجاوز حدود إمكانياتها أو إلى منافسة أي طرف دولي أو إقليمي، بقدر ما تعمل على توظيف ما تمتلكه من رصيد ثقة وعلاقات تاريخية وموقع جغرافي متميز من أجل تقريب وجهات النظر وتشجيع الحوار.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتراجع فيه فرص التوافق، تواصل تونس التمسك بخيار واضح: لا استقرار فعلي في ليبيا إلا عبر حوار يجمع الليبيين أنفسهم، ولا سلام دائماً إلا عندما يكون نابعا من إرادة وطنية حرة ومستقلة. وبين تعقيدات المشهد وتشابك الحسابات الدولية، يظل هذا الموقف أحد أكثر الثوابت حضوراً في الدبلوماسية التونسية، وعنواناً لرؤية سياسية تقودها الدولة في أعلى هرمها، تعتبر أن أمن ليبيا واستقرارها ركيزة أساسية لأمن المنطقة برمتها.

منال حرزي

 

   تواتر المشاورات والمبادرات..   تونس تتمسك بثوابتها.. لا حل إلا من داخل ليبيا      

بين مساعٍ إقليمية متجددة وجهود دولية متواصلة لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا، يعود الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدبلوماسي، فيما تواصل تونس التموقع كأحد أبرز الداعمين لمسار تسوية سياسية تنبع من الداخل الليبي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار ليبيا يظل شرطاً أساسياً وضرورياً لاستقرار المنطقة برمتها.

فبين تعدد المبادرات وتشعب المسارات السياسية، تواصل تونس التمسك برؤية تقوم على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبياً-ليبياً، نابعاً من إرادة الليبيين أنفسهم وبعيداً عن كل أشكال التدخل الخارجي. وهو المبدأ الذي ما انفكّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكد عليه في مختلف لقاءاته وتصريحاته، معتبراً أن ما شهدته ليبيا خلال السنوات الماضية أثبت أن أي تسوية لا تنطلق من توافق الليبيين أنفسهم لن تفضي إلى الاستقرار المنشود.

ومن هذا المنطلق، تتواصل التحركات الدبلوماسية التونسية على أكثر من واجهة دعماً لوحدة ليبيا وسيادتها، وسعياً إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف، في ترجمة لرؤية سياسية تعتبر أن أمن ليبيا واستقرارها ركيزة أساسية لأمن الفضاء المغاربي ومستقبل المنطقة بأسرها.

ومن هذا المنطلق، كلما تعقد المشهد الليبي وتشعّبت مسارات التسوية، عادت تونس لتطرح السؤال ذاته: لماذا لا يكون الحل ليبياً خالصاً؟ وهو تساؤل يشكل جوهر الرؤية التي يدافع عنها رئيس الدولة قيس سعيّد في مقاربته للملف الليبي، وهي رؤية تقوم على إعادة الأزمة إلى إطارها الطبيعي باعتبارها شأناً ليبياً بالأساس، بعيداً عن تقاطعات وحسابات الأجندات الدولية.

ومن خلال سلسلة من التحركات الدبلوماسية المتواصلة، تسعى تونس إلى تثبيت هذا التوجه وتحويله إلى أرضية سياسية قادرة على دعم مسار الاستقرار في ليبيا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن ليبيا ووحدتها يمثلان مصلحة مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا لتشمل مستقبل المنطقة بأكملها.

وقد برزت ملامح هذه الرؤية بوضوح من خلال اللقاءات والتحركات الدبلوماسية التي شهدتها تونس خلال الأيام الأخيرة، سواء عبر مشاركة تونس في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا، أو من خلال المواقف التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في لقائه بوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والتي أعاد فيها التأكيد على ثوابت السياسة التونسية تجاه الأزمة الليبية.

الحل الليبي-الليبي

منذ بداية الأزمة الليبية سنة 2011، حافظت تونس على موقف يقوم على احترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها ورفض أي تدخل في شؤونها الداخلية. وقد تجلى هذا الموقف بوضوح خلال السنوات الأخيرة، ليتحول إلى ما يشبه العقيدة السياسية في تعاطي تونس مع مختلف التطورات الليبية.

وفي هذا السياق، جاء تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن «الوضع في ليبيا ليس قضية دولية، وإنما هو قضية وطنية خالصة»، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تعدد المبادرات الخارجية وتنوع التدخلات الدولية لم ينجحا على مدار السنوات الماضية في تجاوز حالة الانقسام أو تحقيق الاستقرار المنشود، بل ساهم في أحيان كثيرة في تعقيد المشهد وإطالة الأزمة.

ومن هنا تبرز دعوة تونس المتكررة إلى حوار ليبي-ليبي شامل يجمع مختلف المكونات الوطنية الليبية دون إقصاء، ويمنح الليبيين وحدهم حق تحديد مستقبلهم السياسي واختيار المؤسسات التي تمثلهم. وهي دعوة لا تعكس فقط موقفاً مبدئياً من احترام سيادة الدول، وإنما تنطلق أيضاً من قراءة واقعية تعتبر أن أي تسوية لا تحظى بقبول الليبيين أنفسهم ستظل عرضة للفشل مهما حظيت بدعم خارجي.

ولعل إبداء تونس استعدادها لاحتضان مؤتمر جامع لليبيين، كما أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يندرج في هذا الإطار، على اعتبار أن هذه المبادرة تهدف أساساً إلى توفير فضاء للحوار والتوافق يسمح للأشقاء الليبيين بصياغة حلولهم بأنفسهم، في كنف الاحترام المتبادل والبحث عن أرضية مشتركة تؤسس لاستقرار دائم.

من الدعم السياسي إلى التحرك الدبلوماسي

ولا تقتصر المقاربة التونسية على التصريحات السياسية، بل تجد ترجمتها العملية في النشاط الدبلوماسي المكثف بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيّد.

فلقاء وزير الخارجية محمد علي النفطي مؤخراً بالمكلف بتسيير وزارة الخارجية الليبية الطاهر باعور في العاصمة الأردنية عمّان، مثّل مناسبة جديدة لتجديد موقف تونس الثابت الداعم لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها، مع التأكيد على تمسكها بمسار حل سياسي ليبي-ليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يستجيب لتطلعات الشعب الليبي ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويعكس هذا اللقاء حرص تونس على المحافظة على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف والمؤسسات الليبية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحوار يظل السبيل الأنجع لتقريب وجهات النظر وتجاوز سائر الخلافات.

وفي الاتجاه ذاته، جاء استقبال وزير الخارجية للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيته، على هامش ندوة المرأة في العمل الدبلوماسي، ليؤكد مرة أخرى أن تونس تعتبر أن الدور الأممي يمثل عاملاً مهماً ومساعداً على تقريب وجهات النظر ودعم الحل السياسي.

وقد شدد وزير الخارجية خلال اللقاء على أهمية الحوار الليبي-الليبي الجامع، وعلى ضرورة بناء مؤسسات موحدة ومستقرة تحفظ مقدرات الشعب الليبي، وهو ما يتقاطع بصورة كاملة مع التوجهات التي يدعو إليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

رهان على آلية دول الجوار

ومن بين أبرز الآليات التي تراهن عليها تونس لدعم الاستقرار في ليبيا، تبرز آلية التشاور الثلاثي لدول الجوار، التي تجمع تونس والجزائر ومصر.

ويعكس تمسك تونس بهذه الآلية قناعة بأن دول الجوار هي الأكثر تأثراً بالأوضاع داخل ليبيا، والأكثر إدراكاً لتعقيدات الواقع الليبي ومدى حاجته إلى تسوية سلمية متوازنة، بالنظر إلى أن استقرار ليبيا ينعكس مباشرة على الأمن والاستقرار والتنمية في كامل المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة تونس مؤخراً في الاجتماع الوزاري للآلية التشاورية الثلاثية في مصر تعكس رغبة واضحة في تنسيق المواقف الإقليمية وتوحيد الجهود الداعمة للحل السياسي، بعيداً عن التجاذبات الدولية التي كثيراً ما ألقت بظلالها على الملف الليبي، بما يؤشر إلى وجود إرادة مشتركة بين تونس والجزائر ومصر لتعزيز التنسيق بشأن مختلف القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية.

ومن جهة أخرى، يجدر بالذكر أن اهتمام تونس المتواصل بالملف الليبي يرتبط باعتبارات أمنية واستراتيجية تجعل من استقرار ليبيا مسألة ذات صلة مباشرة بأمن تونس واستقرارها.

فالعلاقات بين البلدين تتجاوز مسألة الحدود المشتركة الممتدة لمئات الكيلومترات لتشمل حركية اقتصادية وتجارية واسعة ومصالح متداخلة.

وبالتالي، فإن أي تدهور أمني أو سياسي في ليبيا ستنعكس تداعياته بصورة مباشرة على تونس، سواء على مستوى التحديات الأمنية المرتبطة بحماية الحدود ومكافحة مختلف أشكال الجريمة العابرة للحدود، أو من خلال تداعياته الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حركة المبادلات التجارية بين البلدين.

وضمن هذه المقاربة، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيّد ينظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً لا يتجزأ من استقرار تونس نفسها. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة في أعلى هرمها لا تتعامل مع الأزمة الليبية بوصفها ملفاً خارجياً فحسب، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن القومي التونسي في مفهومه الشامل.

وهو ما يفسر إصرار تونس على الدفع نحو تسوية سياسية دائمة تضع حداً لمختلف مظاهر الانقسام والصراع، وتسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية على أسس مستقرة.

وضمن هذا التمشي، تبرز المقاربة التونسية في التعاطي مع الملف الليبي كواحدة من النماذج التي نجحت في المحافظة على قدر من التوازن في التفاعل مع مختلف الأطراف الليبية، بعيداً عن منطق الاصطفاف وسياسة المحاور، الأمر الذي منح تونس رصيداً هاماً من الثقة والمصداقية يؤهلها للاضطلاع بدور داعم لجهود التقريب بين مختلف وجهات النظر والدفع نحو تسوية سياسية شاملة.

توجه نحو صياغة الحلول

وإذا كانت الجهود خلال السنوات الماضية قد انكبت على الحد من تداعيات الأزمة الليبية واحتواء انعكاساتها على المنطقة، فإن التحركات التونسية الراهنة تعكس توجهاً نحو الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في دعم مسار التسوية، من خلال المساهمة في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية الملائمة لتقريب وجهات النظر والدفع نحو حل دائم وشامل.

فإعلان تونس استعدادها لاحتضان مؤتمر جامع لليبيين لا يعكس فقط استعداداً لوجستياً أو دبلوماسياً، وإنما يبعث برسالة سياسية مفادها أن تونس ترى نفسها شريكاً فاعلاً في جهود دعم السلام والاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من علاقاتها التاريخية الضاربة في القدم مع ليبيا، ومن الثقة التي تحظى بها لدى مختلف الأطراف.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية سياسية يدافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على إعطاء الأولوية للحلول النابعة من إرادة الشعوب نفسها، بعيداً عن أي محاولات أو ضغوط لفرض خيارات من الخارج.

مستقبل ليبي مستقر

في هذا الخضم، تكشف مختلف المؤشرات أن الملف الليبي سيظل خلال المرحلة القادمة في صدارة أولويات السياسة الخارجية التونسية. فالمواقف التي طرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتحركات التي تقودها الدبلوماسية التونسية، إلى جانب التمسك بآلية دول الجوار والدعم المتواصل للجهود الأممية، جميعها آليات تندرج ضمن رؤية متكاملة هدفها الأساسي مساعدة ليبيا على استعادة استقرارها ووحدتها.

ولا يبدو أن تونس تسعى إلى لعب دور يتجاوز حدود إمكانياتها أو إلى منافسة أي طرف دولي أو إقليمي، بقدر ما تعمل على توظيف ما تمتلكه من رصيد ثقة وعلاقات تاريخية وموقع جغرافي متميز من أجل تقريب وجهات النظر وتشجيع الحوار.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتراجع فيه فرص التوافق، تواصل تونس التمسك بخيار واضح: لا استقرار فعلي في ليبيا إلا عبر حوار يجمع الليبيين أنفسهم، ولا سلام دائماً إلا عندما يكون نابعا من إرادة وطنية حرة ومستقلة. وبين تعقيدات المشهد وتشابك الحسابات الدولية، يظل هذا الموقف أحد أكثر الثوابت حضوراً في الدبلوماسية التونسية، وعنواناً لرؤية سياسية تقودها الدولة في أعلى هرمها، تعتبر أن أمن ليبيا واستقرارها ركيزة أساسية لأمن المنطقة برمتها.

منال حرزي