أكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، أمس، خلال افتتاح الدورة الثانية والعشرين لمنتدى تونس للاستثمار، أن تونس تواصل تنفيذ مسار إصلاحي يهدف إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار وتحقيق تنمية شاملة تقوم على التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
وقالت رئيسة الحكومة إن المنتدى، المنعقد تحت شعار «تونس ديناميكية متجددة، فرص جديدة»، يمثل مناسبة لإبراز التحولات التي تشهدها البلاد والإصلاحات التي تم إطلاقها بهدف توفير فرص جديدة للمستثمرين، خاصة في ظل ظرف عالمي يتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية كبرى، إلى جانب التحديات المناخية والتكنولوجية المتسارعة.
وأبرزت أن الاقتصاد التونسي تمكن، رغم الصعوبات والضغوط الدولية، من الحفاظ على قدرته على الصمود، مشيرة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نموا بنسبة 2.6 بالمائة سنة 2025 مقابل 1.4 بالمائة سنة 2024، بفضل تحسن أداء القطاع الفلاحي والصناعات المعملية، إلى جانب التحكم في عجز الميزان التجاري والمحافظة على مستوى مقبول من العملة الأجنبية.
وأضافت أن المؤشرات الاقتصادية شهدت تحسنا على مستوى التضخم والبطالة، بالتوازي مع تطور الاستثمار الخارجي المباشر الذي ارتفع بأكثر من 30 بالمائة خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، حيث بلغ عدد المؤسسات الأجنبية المنتصبة في تونس4296 مؤسسة بقيمة استثمارات جملية تناهز 53 مليار دينار تونسي، معتبرة ذلك مؤشرا على استمرار ثقة المستثمرين في الوجهة التونسية.
وأوضحت رئيسة الحكومة أن الاستثمارات الخارجية أصبحت تتجه بشكل متزايد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، على غرار الصناعات الميكانيكية والإلكترونية، وصناعة مكونات السيارات والطائرات، والصناعات الدوائية، والنسيج الفني، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة.
إصلاح مناخ الأعمال ورقمنة الاستثمار
وفي ما يتعلق بتحسين مناخ الأعمال، أكدت رئيسة الحكومة أن الدولة تعمل على تبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنة الخدمات الموجهة للمستثمرين، مشيرة إلى دخول البوابة الوطنية للاستثمار حيز الاستغلال بهدف الحد من البيروقراطية وتوفير مسار أكثر سرعة ونجاعة لإنجاز المشاريع.
وأكدت أن الاستثمار الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، يمثل ركيزة أساسية لدفع التنمية وخلق الثروة وفرص العمل، مشددة على أن تونس تعمل على تطوير الإطار التشريعي والمؤسساتي وتحسين البنية التحتية والخدمات اللوجستية والتكوين المهني بما يتلاءم مع حاجيات القطاعات الاقتصادية الجديدة.
الانتقال الطاقي ورهان الطاقات المتجددة
وفي مجال الطاقة، أبرزت رئيسة الحكومة أهمية مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا «ELMED»، معتبرة أنه يمثل جسرا طاقيا استراتيجيا بين شمال إفريقيا وأوروبا، ويساهم في دعم الأمن الطاقي وتعزيز الاستثمار في الطاقات النظيفة.
وأشارت إلى إبرام 5 اتفاقيات لزمات في مجال الطاقات المتجددة بلغت قيمة استثماراتها حوالي 1640 مليون دينار تونسي، ومن المنتظر أن توفر عند دخولها مرحلة الإنتاج نحو 600 ميغاواط من الطاقة، بما يدعم هدف تونس المتمثل في بلوغ نسبة 35 بالمائة من الطاقات المتجددة ضمن مزيجها الطاقي بحلول سنة 2030.
الرقمنة والكفاءات البشرية رافعة للنمو
وفي محور التحول الرقمي، أكدت رئيسة الحكومة أن الذكاء الاصطناعي أصبح رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي، لما يوفره من إمكانيات لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.
وأضافت أن تونس تراهن على رأس مالها البشري باعتباره أهم ثرواتها، مشيرة إلى أن الجامعات ومراكز البحث العلمي أصبحت رافدا أساسيا للتنمية، خاصة مع تخرج أكثر من 7000 مهندس سنويا في اختصاصات تقنية حديثة مرتبطة بعلم البيانات وقطاعات المستقبل. وأوضحت أن قطاع الخدمات المتطورة والذكية أصبح من أبرز محركات التشغيل، حيث يستحوذ على نحو 59 بالمائة من إجمالي الوظائف المحدثة، مؤكدة أن الاستثمار في المعرفة والكفاءات يمثل محورًا أساسيا في استراتيجية تونس الاقتصادية.
مخطط التنمية وتعزيز الشراكات الدولية
كما تطرقت رئيسة الحكومة إلى مخطط التنمية 2026-2030، معتبرة أنه يمثل محطة جديدة في مسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره أُعد وفق مقاربة تشاركية تنطلق من المستوى المحلي والجهوي وصولا إلى المستوى الوطني، بهدف إرساء نموذج تنموي أكثر عدلا وتحقيق نمو شامل وتحسين ظروف عيش المواطنين. وأكدت أن تونس تعمل على تعزيز موقعها كوجهة استثمارية من خلال تنويع شراكاتها والانفتاح على الفضاءات الإفريقية والعربية والأورومتوسطية، إلى جانب استكشاف أسواق جديدة واعدة في آسيا وأمريكا.
موقع استراتيجي يدعم جاذبية تونس الاستثمارية
وأكدت رئيسة الحكومة أن الموقع الاستراتيجي لتونس يمثل أحد أهم عناصر قوتها وجاذبيتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن البلاد كانت عبر تاريخها ملتقى للحضارات ومنارة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو ما منحها دورا متميزا كجسر للتواصل بين مختلف الثقافات وفضاء يجمع بين الانفتاح والحداثة والأصالة والتسامح.
وأوضحت أن هذا الرصيد الحضاري والجغرافي يعزز مكانة تونس كوجهة استثمارية قادرة على ربط الأسواق وتوفير فرص جديدة للشراكات الاقتصادية، مؤكدة أن الدولة تعمل على دعم حضورها في مختلف الفضاءات الإقليمية والدولية عبر سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتوسيعها في إطار الثقة والاحترام المتبادل.
كما أبرزت أهمية انخراط تونس في المبادرات الاقتصادية الإقليمية، خاصة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF) والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (COMESA)، باعتبارها آليات لدعم الاندماج الاقتصادي وتعزيز التعاون والاستثمار مع القارة الإفريقية، بالتوازي مع مواصلة تطوير العلاقات مع الفضاء العربي والمنطقة الأورومتوسطية. وشددت رئيسة الحكومة على أن تونس تواصل العمل على ترسيخ موقعها كمنصة اقتصادية تربط بين المتوسط وإفريقيا والعالم، مستندة إلى موقعها الجغرافي وكفاءة مواردها البشرية وتنوع نسيجها الاقتصادي، بما يجعلها فضاء واعدا للشراكات والاستثمار. وأكدت رئيسة الحكومة في ختام كلمتها التزام الدولة بمواصلة الإصلاح ودعم المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، بهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة تونس كوجهة جاذبة للاستثمار والأعمال.
تحسن ثقة المستثمرين في تونس
وفي سياق متصل أكد وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، في تصريح إعلامي خلال منتدى الاستثمار، أن الاستثمار الخارجي المباشر في تونس سجل خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ارتفاعًا بحوالي 25 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، معتبرًا أن هذا التطور يمثل مؤشرًا مهمًا جدًا يعزز الثقة في مناخ الأعمال في تونس.
وأوضح الوزير أن الحاضرين تابعوا شهادات عدد من المستثمرين الكبار الذين أكدوا ثقتهم في تونس ومواصلتهم الاستثمار في البلاد، من خلال إنجاز مشاريع توسعة وإطلاق استثمارات جديدة، مشيرًا إلى أنه سيتم الإعلان عن استثمارات جديدة في تونس، وهو ما يعطي مزيدًا من الثقة في الخيارات الاقتصادية المعتمدة. وأضاف الوزير أن تونس تسير في الطريق الصحيح، مع التأكيد على ضرورة مواصلة العمل لتحسين مناخ الأعمال، خاصة في ظل المنافسة الدولية الكبيرة والحاجة إلى تحقيق نسب نمو أعلى تمكن من بلوغ مستويات تنمية أفضل، وهو ما يتحقق أساسًا عبر الاستثمار.
وبيّن أن هدف منتدى الاستثمار يتمثل في مزيد تحفيز الاستثمار، وتحسين الإنتاجية والجودة، مؤكدًا أنه في إطار مخطط التنمية 2026-2020 تسعى تونس إلى تحقيق مستويات نمو مرتفعة والرفع من نسبة الاستثمار التي تبلغ حاليًا حوالي 15.5 بالمائة، للوصول بها إلى حدود 20 بالمائة في نهاية فترة المخطط. وأشار الوزير إلى أن هذه التظاهرة تعد مهمة جدًا، وهي ليست المرة الأولى التي تنظمها وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ووزارة الاقتصاد والتخطيط، موضحًا أن المنتدى يهدف إلى الترويج للاستثمار وجلب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع الاستثمار الداخلي. وأكد أن المستثمر الوطني عندما يرى وجود ثقة من المستثمرين الأجانب في مناخ الأعمال في تونس، فإنه يكون أكثر تشجعًا على الاستثمار واتخاذ المخاطر، مضيفًا أن تحقيق النجاح الاقتصادي يتطلب الجرأة والمبادرة، لأن الاستثمار يرتبط دائمًا بالمخاطرة.
وشدد الرزير على أن المنتدى ليس مخصصًا للبحث عن تمويلات للمشاريع المدرجة في المخطط، بل هو فضاء للترويج للاستثمار المباشر، سواء كان أجنبيًا أو داخليًا.
كما أعلن أن المنتدى سيشهد إطلاق المنصة الوطنية للمستثمر، معتبرًا ذلك «إشارة قوية» توجهها الحكومة إلى المستثمرين، مؤكدًا أن دور الوزارة يتمثل في حلحلة الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات والتشريعات وتسهيل مسار الاستثمار. وأكد الوزير على أن النتائج المسجلة ما تزال دون مستوى الطموحات، وأن العمل متواصل لتحقيق نتائج أفضل تكون في مستوى تطلعات الشعب التونسي وتدعم مسار التنمية الاقتصادية.
الإعلان عن 13 مشروعًا استثماريًا جديدًا
ومن جانبه أكّد جلال بالطيب المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمارات الخارجية، في تصريح لـ «الصباح» أمس على هامش منتدى الاستثمار، أن هذه الدورة من التظاهرة تم تنظيمها بالشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية، في إطار دعم موقع تونس داخل محيطها الإقليمي والقاري، وتعزيز علاقاتها مع الشريك الأوروبي التقليدي، إلى جانب السعي نحو الانفتاح على شركاء اقتصاديين جدد.
وأوضح أن المنتدى شهد حضورًا دوليًا لافتًا، من خلال مشاركة عدد من الجنسيات ومؤسسات كبرى تنشط في قطاعات متنوعة، أبرزها مكونات الطائرات والسيارات والصناعات النسيجية والأحذية، مشيرًا إلى أنه تم خلال هذه الدورة تقديم عروض لنجاحات تونسية مهمة تعكس تطور هذه القطاعات وقدرتها التنافسية. وأضاف أن المشاركين عبّروا عن إعجابهم بالكفاءات التونسية وبالمستوى الذي بلغته البلاد في هذه المجالات الصناعية، ما يعزز من جاذبية تونس كوجهة استثمارية واعدة. وفي سياق متصل، كشف بالطيب أنه سيتم خلال فعاليات اليوم الإعلان عن نحو 13 مشروعًا جديدًا، بحجم استثمارات يتجاوز مليار دينار، ومن المتوقع أن توفر هذه المشاريع ما لا يقل عن 4 آلاف موطن شغل.
كما أشار إلى أن شركات من اليابان وأوروبا ستقوم بتوسعة استثماراتها داخل تونس، بالتوازي مع إطلاق مشاريع جديدة، بما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في السوق التونسية. وقال بالطيب بالإشارة إلى أنه سيتم الإعلان عن الانطلاق الرسمي لمنصة “المستثمر”، وهي مبادرة تهدف إلى توحيد جهود الهياكل المعنية بالاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يسهم في تحسين مناخ الأعمال في تونس.
المديرة القطرية للبنك الإفريقي للتنمية: الثقة والاندماج الإفريقي أساس جذب الاستثمار في تونس
وفي كلمتها خلال منتدى الاستثمار في تونس، شددت المديرة القطرية للبنك الإفريقي للتنمية مالين بلومبرغ، على أن هذا الحدث أصبح محطة أساسية لا يمكن تجاوزها في علاقة تونس بالمستثمرين، معتبرة أنه يمثل فضاء استراتيجيا لتعزيز الثقة وبناء شراكات اقتصادية مستدامة بين مختلف الفاعلين. وأوضحت بلومبرغ أن الاستثمار في السياق الدولي الحالي، الذي يتسم بتعدد الأزمات وتقلب الأسواق يقوم أساسا على عنصر الثقة، مشيرة إلى أن هذه الثقة تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي، وجودة المؤسسات، ووضوح الإطار القانوني، إضافة إلى القدرة على تحويل قرارات الاستثمار إلى مشاريع إنتاج فعلية وصادرات وفرص شغل دائمة.
وأكدت أن بناء هذه الثقة لا يمكن أن يتم بشكل ظرفي أو سريع، بل يتطلب مساراً مستمراً من الحوار المؤسسي بين الدولة والمستثمرين والمؤسسات المالية، وهو ما يسعى منتدى الاستثمار في تونس إلى ترسيخه من خلال دوراته المتتالية، باعتباره منصة للحوار والتقارب بين مختلف الأطراف الاقتصادية. وأضافت أن الاقتصاديات القادرة على الجمع بين الاستقرار والقدرة التنافسية وحسن التنفيذ والرؤية الإقليمية هي الأكثر استعداداً للنجاح وجذب الاستثمارات، معتبرة أن تونس تمتلك عدداً من المقومات التي تؤهلها للانخراط في هذا المسار وتعزيز مكانتها كوجهة استثمارية واعدة. وفي هذا السياق، أبرزت بلومبرغ ما تزخر به تونس من رأس مال بشري مؤهل، وبنية تحتية متطورة نسبياً، وتقاليد صناعية راسخة، إلى جانب نسيج اقتصادي متنوع وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يمنحها فرصاً إضافية لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
واستندت إلى المعطيات الأخيرة الصادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الأجنبي في تونس، والتي سجلت ارتفاعاً بنسبة 30 بالمائة في الاستثمارات الأجنبية خلال سنة 2025، فضلاً عن تصنيف تونس في المرتبة الرابعة إفريقيا في مجال التصنيع، ما يعكس قدرتها على استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة عالية.
وعرضت ممثلة البنك الإفريقي للتنمية ثلاث أولويات رئيسية تؤطر رؤيتها للعمل في تونس، حيث تتمثل الأولوية الأولى في جعل الاستثمار رافعة لتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وشمولية، من خلال دعم المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز التحول التكنولوجي وخلق فرص العمل، إلى جانب مواجهة تحديات الأمن المائي والغذائي والتحول الرقمي والانتقال الطاقي. وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن تونس تُعد من الدول الإفريقية الرائدة في مجال الانتقال الطاقي وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2026. أما الأولوية الثانية، فتتمثل في تعزيز الاندماج الإفريقي عبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، باعتبارها رافعة أساسية لفتح أسواق جديدة أمام تونس، وتمكينها من تعزيز موقعها كمركز إنتاج وتصدير يربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما يتيح الانتقال من دور الوسيط إلى فاعل اقتصادي إقليمي مؤثر. في حين ترتكز الأولوية الثالثة على بناء تحالف تنفيذي يجمع الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، بهدف تنسيق السياسات العمومية مع الاستثمار والابتكار وتمويل المشاريع وتقاسم المخاطر. كما شددت على أهمية تطوير أدوات التمويل المبتكر، مثل التمويل المختلط والضمانات والدعم الفني، بما يضمن الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشاريع وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.
جهاد الكلبوسي
أكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، أمس، خلال افتتاح الدورة الثانية والعشرين لمنتدى تونس للاستثمار، أن تونس تواصل تنفيذ مسار إصلاحي يهدف إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار وتحقيق تنمية شاملة تقوم على التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
وقالت رئيسة الحكومة إن المنتدى، المنعقد تحت شعار «تونس ديناميكية متجددة، فرص جديدة»، يمثل مناسبة لإبراز التحولات التي تشهدها البلاد والإصلاحات التي تم إطلاقها بهدف توفير فرص جديدة للمستثمرين، خاصة في ظل ظرف عالمي يتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية كبرى، إلى جانب التحديات المناخية والتكنولوجية المتسارعة.
وأبرزت أن الاقتصاد التونسي تمكن، رغم الصعوبات والضغوط الدولية، من الحفاظ على قدرته على الصمود، مشيرة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نموا بنسبة 2.6 بالمائة سنة 2025 مقابل 1.4 بالمائة سنة 2024، بفضل تحسن أداء القطاع الفلاحي والصناعات المعملية، إلى جانب التحكم في عجز الميزان التجاري والمحافظة على مستوى مقبول من العملة الأجنبية.
وأضافت أن المؤشرات الاقتصادية شهدت تحسنا على مستوى التضخم والبطالة، بالتوازي مع تطور الاستثمار الخارجي المباشر الذي ارتفع بأكثر من 30 بالمائة خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، حيث بلغ عدد المؤسسات الأجنبية المنتصبة في تونس4296 مؤسسة بقيمة استثمارات جملية تناهز 53 مليار دينار تونسي، معتبرة ذلك مؤشرا على استمرار ثقة المستثمرين في الوجهة التونسية.
وأوضحت رئيسة الحكومة أن الاستثمارات الخارجية أصبحت تتجه بشكل متزايد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، على غرار الصناعات الميكانيكية والإلكترونية، وصناعة مكونات السيارات والطائرات، والصناعات الدوائية، والنسيج الفني، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة.
إصلاح مناخ الأعمال ورقمنة الاستثمار
وفي ما يتعلق بتحسين مناخ الأعمال، أكدت رئيسة الحكومة أن الدولة تعمل على تبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنة الخدمات الموجهة للمستثمرين، مشيرة إلى دخول البوابة الوطنية للاستثمار حيز الاستغلال بهدف الحد من البيروقراطية وتوفير مسار أكثر سرعة ونجاعة لإنجاز المشاريع.
وأكدت أن الاستثمار الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، يمثل ركيزة أساسية لدفع التنمية وخلق الثروة وفرص العمل، مشددة على أن تونس تعمل على تطوير الإطار التشريعي والمؤسساتي وتحسين البنية التحتية والخدمات اللوجستية والتكوين المهني بما يتلاءم مع حاجيات القطاعات الاقتصادية الجديدة.
الانتقال الطاقي ورهان الطاقات المتجددة
وفي مجال الطاقة، أبرزت رئيسة الحكومة أهمية مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا «ELMED»، معتبرة أنه يمثل جسرا طاقيا استراتيجيا بين شمال إفريقيا وأوروبا، ويساهم في دعم الأمن الطاقي وتعزيز الاستثمار في الطاقات النظيفة.
وأشارت إلى إبرام 5 اتفاقيات لزمات في مجال الطاقات المتجددة بلغت قيمة استثماراتها حوالي 1640 مليون دينار تونسي، ومن المنتظر أن توفر عند دخولها مرحلة الإنتاج نحو 600 ميغاواط من الطاقة، بما يدعم هدف تونس المتمثل في بلوغ نسبة 35 بالمائة من الطاقات المتجددة ضمن مزيجها الطاقي بحلول سنة 2030.
الرقمنة والكفاءات البشرية رافعة للنمو
وفي محور التحول الرقمي، أكدت رئيسة الحكومة أن الذكاء الاصطناعي أصبح رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي، لما يوفره من إمكانيات لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.
وأضافت أن تونس تراهن على رأس مالها البشري باعتباره أهم ثرواتها، مشيرة إلى أن الجامعات ومراكز البحث العلمي أصبحت رافدا أساسيا للتنمية، خاصة مع تخرج أكثر من 7000 مهندس سنويا في اختصاصات تقنية حديثة مرتبطة بعلم البيانات وقطاعات المستقبل. وأوضحت أن قطاع الخدمات المتطورة والذكية أصبح من أبرز محركات التشغيل، حيث يستحوذ على نحو 59 بالمائة من إجمالي الوظائف المحدثة، مؤكدة أن الاستثمار في المعرفة والكفاءات يمثل محورًا أساسيا في استراتيجية تونس الاقتصادية.
مخطط التنمية وتعزيز الشراكات الدولية
كما تطرقت رئيسة الحكومة إلى مخطط التنمية 2026-2030، معتبرة أنه يمثل محطة جديدة في مسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره أُعد وفق مقاربة تشاركية تنطلق من المستوى المحلي والجهوي وصولا إلى المستوى الوطني، بهدف إرساء نموذج تنموي أكثر عدلا وتحقيق نمو شامل وتحسين ظروف عيش المواطنين. وأكدت أن تونس تعمل على تعزيز موقعها كوجهة استثمارية من خلال تنويع شراكاتها والانفتاح على الفضاءات الإفريقية والعربية والأورومتوسطية، إلى جانب استكشاف أسواق جديدة واعدة في آسيا وأمريكا.
موقع استراتيجي يدعم جاذبية تونس الاستثمارية
وأكدت رئيسة الحكومة أن الموقع الاستراتيجي لتونس يمثل أحد أهم عناصر قوتها وجاذبيتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن البلاد كانت عبر تاريخها ملتقى للحضارات ومنارة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو ما منحها دورا متميزا كجسر للتواصل بين مختلف الثقافات وفضاء يجمع بين الانفتاح والحداثة والأصالة والتسامح.
وأوضحت أن هذا الرصيد الحضاري والجغرافي يعزز مكانة تونس كوجهة استثمارية قادرة على ربط الأسواق وتوفير فرص جديدة للشراكات الاقتصادية، مؤكدة أن الدولة تعمل على دعم حضورها في مختلف الفضاءات الإقليمية والدولية عبر سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتوسيعها في إطار الثقة والاحترام المتبادل.
كما أبرزت أهمية انخراط تونس في المبادرات الاقتصادية الإقليمية، خاصة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF) والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (COMESA)، باعتبارها آليات لدعم الاندماج الاقتصادي وتعزيز التعاون والاستثمار مع القارة الإفريقية، بالتوازي مع مواصلة تطوير العلاقات مع الفضاء العربي والمنطقة الأورومتوسطية. وشددت رئيسة الحكومة على أن تونس تواصل العمل على ترسيخ موقعها كمنصة اقتصادية تربط بين المتوسط وإفريقيا والعالم، مستندة إلى موقعها الجغرافي وكفاءة مواردها البشرية وتنوع نسيجها الاقتصادي، بما يجعلها فضاء واعدا للشراكات والاستثمار. وأكدت رئيسة الحكومة في ختام كلمتها التزام الدولة بمواصلة الإصلاح ودعم المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، بهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة تونس كوجهة جاذبة للاستثمار والأعمال.
تحسن ثقة المستثمرين في تونس
وفي سياق متصل أكد وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، في تصريح إعلامي خلال منتدى الاستثمار، أن الاستثمار الخارجي المباشر في تونس سجل خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ارتفاعًا بحوالي 25 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، معتبرًا أن هذا التطور يمثل مؤشرًا مهمًا جدًا يعزز الثقة في مناخ الأعمال في تونس.
وأوضح الوزير أن الحاضرين تابعوا شهادات عدد من المستثمرين الكبار الذين أكدوا ثقتهم في تونس ومواصلتهم الاستثمار في البلاد، من خلال إنجاز مشاريع توسعة وإطلاق استثمارات جديدة، مشيرًا إلى أنه سيتم الإعلان عن استثمارات جديدة في تونس، وهو ما يعطي مزيدًا من الثقة في الخيارات الاقتصادية المعتمدة. وأضاف الوزير أن تونس تسير في الطريق الصحيح، مع التأكيد على ضرورة مواصلة العمل لتحسين مناخ الأعمال، خاصة في ظل المنافسة الدولية الكبيرة والحاجة إلى تحقيق نسب نمو أعلى تمكن من بلوغ مستويات تنمية أفضل، وهو ما يتحقق أساسًا عبر الاستثمار.
وبيّن أن هدف منتدى الاستثمار يتمثل في مزيد تحفيز الاستثمار، وتحسين الإنتاجية والجودة، مؤكدًا أنه في إطار مخطط التنمية 2026-2020 تسعى تونس إلى تحقيق مستويات نمو مرتفعة والرفع من نسبة الاستثمار التي تبلغ حاليًا حوالي 15.5 بالمائة، للوصول بها إلى حدود 20 بالمائة في نهاية فترة المخطط. وأشار الوزير إلى أن هذه التظاهرة تعد مهمة جدًا، وهي ليست المرة الأولى التي تنظمها وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ووزارة الاقتصاد والتخطيط، موضحًا أن المنتدى يهدف إلى الترويج للاستثمار وجلب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع الاستثمار الداخلي. وأكد أن المستثمر الوطني عندما يرى وجود ثقة من المستثمرين الأجانب في مناخ الأعمال في تونس، فإنه يكون أكثر تشجعًا على الاستثمار واتخاذ المخاطر، مضيفًا أن تحقيق النجاح الاقتصادي يتطلب الجرأة والمبادرة، لأن الاستثمار يرتبط دائمًا بالمخاطرة.
وشدد الرزير على أن المنتدى ليس مخصصًا للبحث عن تمويلات للمشاريع المدرجة في المخطط، بل هو فضاء للترويج للاستثمار المباشر، سواء كان أجنبيًا أو داخليًا.
كما أعلن أن المنتدى سيشهد إطلاق المنصة الوطنية للمستثمر، معتبرًا ذلك «إشارة قوية» توجهها الحكومة إلى المستثمرين، مؤكدًا أن دور الوزارة يتمثل في حلحلة الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات والتشريعات وتسهيل مسار الاستثمار. وأكد الوزير على أن النتائج المسجلة ما تزال دون مستوى الطموحات، وأن العمل متواصل لتحقيق نتائج أفضل تكون في مستوى تطلعات الشعب التونسي وتدعم مسار التنمية الاقتصادية.
الإعلان عن 13 مشروعًا استثماريًا جديدًا
ومن جانبه أكّد جلال بالطيب المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمارات الخارجية، في تصريح لـ «الصباح» أمس على هامش منتدى الاستثمار، أن هذه الدورة من التظاهرة تم تنظيمها بالشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية، في إطار دعم موقع تونس داخل محيطها الإقليمي والقاري، وتعزيز علاقاتها مع الشريك الأوروبي التقليدي، إلى جانب السعي نحو الانفتاح على شركاء اقتصاديين جدد.
وأوضح أن المنتدى شهد حضورًا دوليًا لافتًا، من خلال مشاركة عدد من الجنسيات ومؤسسات كبرى تنشط في قطاعات متنوعة، أبرزها مكونات الطائرات والسيارات والصناعات النسيجية والأحذية، مشيرًا إلى أنه تم خلال هذه الدورة تقديم عروض لنجاحات تونسية مهمة تعكس تطور هذه القطاعات وقدرتها التنافسية. وأضاف أن المشاركين عبّروا عن إعجابهم بالكفاءات التونسية وبالمستوى الذي بلغته البلاد في هذه المجالات الصناعية، ما يعزز من جاذبية تونس كوجهة استثمارية واعدة. وفي سياق متصل، كشف بالطيب أنه سيتم خلال فعاليات اليوم الإعلان عن نحو 13 مشروعًا جديدًا، بحجم استثمارات يتجاوز مليار دينار، ومن المتوقع أن توفر هذه المشاريع ما لا يقل عن 4 آلاف موطن شغل.
كما أشار إلى أن شركات من اليابان وأوروبا ستقوم بتوسعة استثماراتها داخل تونس، بالتوازي مع إطلاق مشاريع جديدة، بما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في السوق التونسية. وقال بالطيب بالإشارة إلى أنه سيتم الإعلان عن الانطلاق الرسمي لمنصة “المستثمر”، وهي مبادرة تهدف إلى توحيد جهود الهياكل المعنية بالاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يسهم في تحسين مناخ الأعمال في تونس.
المديرة القطرية للبنك الإفريقي للتنمية: الثقة والاندماج الإفريقي أساس جذب الاستثمار في تونس
وفي كلمتها خلال منتدى الاستثمار في تونس، شددت المديرة القطرية للبنك الإفريقي للتنمية مالين بلومبرغ، على أن هذا الحدث أصبح محطة أساسية لا يمكن تجاوزها في علاقة تونس بالمستثمرين، معتبرة أنه يمثل فضاء استراتيجيا لتعزيز الثقة وبناء شراكات اقتصادية مستدامة بين مختلف الفاعلين. وأوضحت بلومبرغ أن الاستثمار في السياق الدولي الحالي، الذي يتسم بتعدد الأزمات وتقلب الأسواق يقوم أساسا على عنصر الثقة، مشيرة إلى أن هذه الثقة تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي، وجودة المؤسسات، ووضوح الإطار القانوني، إضافة إلى القدرة على تحويل قرارات الاستثمار إلى مشاريع إنتاج فعلية وصادرات وفرص شغل دائمة.
وأكدت أن بناء هذه الثقة لا يمكن أن يتم بشكل ظرفي أو سريع، بل يتطلب مساراً مستمراً من الحوار المؤسسي بين الدولة والمستثمرين والمؤسسات المالية، وهو ما يسعى منتدى الاستثمار في تونس إلى ترسيخه من خلال دوراته المتتالية، باعتباره منصة للحوار والتقارب بين مختلف الأطراف الاقتصادية. وأضافت أن الاقتصاديات القادرة على الجمع بين الاستقرار والقدرة التنافسية وحسن التنفيذ والرؤية الإقليمية هي الأكثر استعداداً للنجاح وجذب الاستثمارات، معتبرة أن تونس تمتلك عدداً من المقومات التي تؤهلها للانخراط في هذا المسار وتعزيز مكانتها كوجهة استثمارية واعدة. وفي هذا السياق، أبرزت بلومبرغ ما تزخر به تونس من رأس مال بشري مؤهل، وبنية تحتية متطورة نسبياً، وتقاليد صناعية راسخة، إلى جانب نسيج اقتصادي متنوع وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يمنحها فرصاً إضافية لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
واستندت إلى المعطيات الأخيرة الصادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الأجنبي في تونس، والتي سجلت ارتفاعاً بنسبة 30 بالمائة في الاستثمارات الأجنبية خلال سنة 2025، فضلاً عن تصنيف تونس في المرتبة الرابعة إفريقيا في مجال التصنيع، ما يعكس قدرتها على استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة عالية.
وعرضت ممثلة البنك الإفريقي للتنمية ثلاث أولويات رئيسية تؤطر رؤيتها للعمل في تونس، حيث تتمثل الأولوية الأولى في جعل الاستثمار رافعة لتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وشمولية، من خلال دعم المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز التحول التكنولوجي وخلق فرص العمل، إلى جانب مواجهة تحديات الأمن المائي والغذائي والتحول الرقمي والانتقال الطاقي. وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن تونس تُعد من الدول الإفريقية الرائدة في مجال الانتقال الطاقي وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2026. أما الأولوية الثانية، فتتمثل في تعزيز الاندماج الإفريقي عبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، باعتبارها رافعة أساسية لفتح أسواق جديدة أمام تونس، وتمكينها من تعزيز موقعها كمركز إنتاج وتصدير يربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما يتيح الانتقال من دور الوسيط إلى فاعل اقتصادي إقليمي مؤثر. في حين ترتكز الأولوية الثالثة على بناء تحالف تنفيذي يجمع الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، بهدف تنسيق السياسات العمومية مع الاستثمار والابتكار وتمويل المشاريع وتقاسم المخاطر. كما شددت على أهمية تطوير أدوات التمويل المبتكر، مثل التمويل المختلط والضمانات والدعم الفني، بما يضمن الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشاريع وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.