مع رحيل المسرحي والمخرج والكاتب أحمد بن إبراهيم الكشباطي، فجر الثلاثاء 23 جوان 2026، يفقد المسرح التونسي واحدا من أبناء جيل المؤسسين الذين لم يكتفوا باعتلاء الركح أو كتابة النصوص، بل انخرطوا في بناء بيئة ثقافية كاملة حول المسرح، وجعلوا منه فعلا يوميا قادرا على تغيير حياة الأفراد والجهات. وبرحيل صاحب الثمانية والسبعين عاما، لا تُطوى فقط سيرة فنان امتدت لأكثر من ستة عقود، بل تُستعاد أيضا مرحلة كاملة من تاريخ المسرح التونسي، حين كانت المبادرات الفردية قادرة على خلق حراك ثقافي مستدام خارج حدود العاصمة ودوائر الضوء الإعلامي.
لم يكن أحمد الكشباطي من الأسماء التي ارتبطت بمسرحية واحدة أو بعمل فني بعينه، بل كان من ذلك الصنف النادر من المسرحيين الذين تتحول حياتهم كلها إلى مشروع مسرحي متواصل. فمنذ سنوات شبابه الأولى، اختار أن يضع الفن في قلب يومياته، فكتب وأخرج ومثّل واقتبس وترجم، متنقلا بين مختلف أوجه العملية المسرحية، ومؤمنا بأن المسرح لا يُبنى بنجم واحد، وإنما بمنظومة كاملة من المبدعين والهواة والجمهور والمؤسسات. لذلك يصعب الحديث عن تجربته من زاوية فنية خالصة، لأن أثره تجاوز حدود الأعمال التي أنجزها ليطال البنية الثقافية التي ساهم في تشييدها داخل ولاية باجة وخارجها.
وقد جاء نعي وزارة الشؤون الثقافية لهذا الفنان ليختصر جانبا من هذه المسيرة الاستثنائية، حين وصفته بأحد أبرز رواد الحركة المسرحية في ولاية باجة، وبصاحب الإسهامات الكبرى في إثراء الساحة الثقافية الوطنية. لكن خلف هذه العبارات الرسمية تختبئ حكاية طويلة لرجل آمن بأن المسرح يمكن أن يولد ويزدهر في الجهات مثلما يزدهر في العاصمة، وأن الموهبة لا ترتبط بالجغرافيا بقدر ما ترتبط بوجود من يؤمن بها ويمنحها فرصة الظهور.
في ستينات القرن الماضي، كانت الحياة الثقافية التونسية لا تزال في طور التشكل، وكانت أغلب الأنشطة الكبرى تتركز في العاصمة. غير أن الكشباطي اختار طريقا مختلفا، فساهم سنة 1967 في تأسيس فرقة «الشباب المسرحي» بباجة، قبل أن يشارك في إنشاء فرقة «اللجنة الثقافية الجهوية» سنة 1969، ثم الفرقة المسرحية «الحبيب الحداد» سنة 1974، وصولا إلى تأسيس جمعية «مسرح الأمل الجديد» سنة 1987، التي ستصبح إحدى المحطات البارزة في مسيرته. لم تكن هذه المحطات مجرد تواريخ إدارية في سيرته الذاتية، بل كانت حلقات متتالية في مشروع ثقافي طويل هدفه نقل المسرح من فضاء النخبة إلى فضاء المجتمع.
ومن خلال هذا المسار، نجح الكشباطي في تقديم نموذج مغاير للمثقف الجهوي. فلم يتعامل مع موقعه خارج العاصمة باعتباره عائقا، بل حوله إلى فرصة لصناعة تجربة مختلفة. وفي وقت كان فيه كثيرون يبحثون عن الاعتراف عبر الانتقال إلى المركز، كان هو يراهن على بناء مركزه الثقافي الخاص داخل مدينته. لذلك يمكن القول إن تجربته سبقت بسنوات طويلة الخطابات الرسمية حول اللامركزية الثقافية والتمييز الإيجابي للجهات، إذ مارس هذه المبادئ على الأرض قبل أن تتحول إلى شعارات ومفاهيم متداولة.
ولعل ما يمنح هذه التجربة قيمتها الحقيقية أنها لم تتوقف عند حدود إنتاج العروض المسرحية. فقد أدرك الكشباطي أن المسرح مشروع جماعي يحتاج إلى أجيال متعاقبة تضمن استمراريته. لذلك ركّز في جانب مهم من جهده على التكوين والتأطير واكتشاف المواهب الشابة. وخلال سنوات طويلة، تحولت الفرق والجمعيات التي أشرف عليها إلى مدارس غير معلنة للمسرح، تعلم فيها عشرات الشبان أصول التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية، كما تعلموا معنى الالتزام الثقافي والعمل الجماعي. أما على المستوى الإبداعي، فقد ترك الكشباطي رصيدا ضخما من الأعمال التي تنوعت بين التأليف والإخراج والتمثيل والاقتباس والترجمة. ويعكس هذا التنوع شخصية فنية شغوفة بالبحث والتجريب، رافضة للانغلاق داخل وظيفة واحدة. لقد كان يؤمن بأن المسرح حوار دائم بين الثقافات والتجارب، لذلك لم يتردد في الانفتاح على النصوص العالمية والعربية وإعادة تقديمها في سياقات محلية، بما يثري المشهد المسرحي ويمنحه آفاقا جديدة. كما ساهم هذا الانفتاح في تكوين جمهور أكثر قدرة على التفاعل مع مختلف المدارس والتيارات المسرحية. ولم يمر هذا المسار الطويل دون اعتراف أو تقدير. فقد نال الراحل العديد من الجوائز الفردية والجماعية في المهرجانات الوطنية والدولية، كما حظي بتكريمات عديدة تقديرا لإسهاماته في المسرح التونسي. وكان من أبرز هذه الالتفاتات أن تحمل الدورة العاشرة من «أيام فاقا العربية للمسرح» سنة 2023 اسمه، في إشارة إلى حجم المكانة التي احتلها داخل المشهد الثقافي بباجة وخارجها. وهو تكريم لم يكن موجها لشخصه فقط، بل أيضا لذلك النموذج الثقافي الذي مثّله طوال حياته؛ نموذج المثقف المنخرط في قضايا محيطه والمؤمن بأن الثقافة فعل بناء طويل المدى.
ومع رحيل أحمد الكشباطي، تعود إلى الواجهة أسئلة كثيرة حول مصير الذاكرة المسرحية في الجهات، وحول الحاجة إلى حفظ تجارب الرواد الذين صنعوا المشهد الثقافي التونسي بعيدا عن الأضواء. فالرجل لا يختزل في قائمة من الأعمال أو في مجموعة من التواريخ والمحطات، بل يمثل جزءا من تاريخ اجتماعي وثقافي كامل ارتبط بتطور المسرح الجهوي وبصعود العمل الجمعياتي الثقافي في تونس. ومن هنا تبدو أهمية استعادة سيرته اليوم، ليس فقط من باب الوفاء لذكرى مبدع راحل، وإنما أيضا من باب التفكير في الدروس التي يمكن أن تقدمها تجربته للأجيال الجديدة.
إيمان عبد اللطيف
مع رحيل المسرحي والمخرج والكاتب أحمد بن إبراهيم الكشباطي، فجر الثلاثاء 23 جوان 2026، يفقد المسرح التونسي واحدا من أبناء جيل المؤسسين الذين لم يكتفوا باعتلاء الركح أو كتابة النصوص، بل انخرطوا في بناء بيئة ثقافية كاملة حول المسرح، وجعلوا منه فعلا يوميا قادرا على تغيير حياة الأفراد والجهات. وبرحيل صاحب الثمانية والسبعين عاما، لا تُطوى فقط سيرة فنان امتدت لأكثر من ستة عقود، بل تُستعاد أيضا مرحلة كاملة من تاريخ المسرح التونسي، حين كانت المبادرات الفردية قادرة على خلق حراك ثقافي مستدام خارج حدود العاصمة ودوائر الضوء الإعلامي.
لم يكن أحمد الكشباطي من الأسماء التي ارتبطت بمسرحية واحدة أو بعمل فني بعينه، بل كان من ذلك الصنف النادر من المسرحيين الذين تتحول حياتهم كلها إلى مشروع مسرحي متواصل. فمنذ سنوات شبابه الأولى، اختار أن يضع الفن في قلب يومياته، فكتب وأخرج ومثّل واقتبس وترجم، متنقلا بين مختلف أوجه العملية المسرحية، ومؤمنا بأن المسرح لا يُبنى بنجم واحد، وإنما بمنظومة كاملة من المبدعين والهواة والجمهور والمؤسسات. لذلك يصعب الحديث عن تجربته من زاوية فنية خالصة، لأن أثره تجاوز حدود الأعمال التي أنجزها ليطال البنية الثقافية التي ساهم في تشييدها داخل ولاية باجة وخارجها.
وقد جاء نعي وزارة الشؤون الثقافية لهذا الفنان ليختصر جانبا من هذه المسيرة الاستثنائية، حين وصفته بأحد أبرز رواد الحركة المسرحية في ولاية باجة، وبصاحب الإسهامات الكبرى في إثراء الساحة الثقافية الوطنية. لكن خلف هذه العبارات الرسمية تختبئ حكاية طويلة لرجل آمن بأن المسرح يمكن أن يولد ويزدهر في الجهات مثلما يزدهر في العاصمة، وأن الموهبة لا ترتبط بالجغرافيا بقدر ما ترتبط بوجود من يؤمن بها ويمنحها فرصة الظهور.
في ستينات القرن الماضي، كانت الحياة الثقافية التونسية لا تزال في طور التشكل، وكانت أغلب الأنشطة الكبرى تتركز في العاصمة. غير أن الكشباطي اختار طريقا مختلفا، فساهم سنة 1967 في تأسيس فرقة «الشباب المسرحي» بباجة، قبل أن يشارك في إنشاء فرقة «اللجنة الثقافية الجهوية» سنة 1969، ثم الفرقة المسرحية «الحبيب الحداد» سنة 1974، وصولا إلى تأسيس جمعية «مسرح الأمل الجديد» سنة 1987، التي ستصبح إحدى المحطات البارزة في مسيرته. لم تكن هذه المحطات مجرد تواريخ إدارية في سيرته الذاتية، بل كانت حلقات متتالية في مشروع ثقافي طويل هدفه نقل المسرح من فضاء النخبة إلى فضاء المجتمع.
ومن خلال هذا المسار، نجح الكشباطي في تقديم نموذج مغاير للمثقف الجهوي. فلم يتعامل مع موقعه خارج العاصمة باعتباره عائقا، بل حوله إلى فرصة لصناعة تجربة مختلفة. وفي وقت كان فيه كثيرون يبحثون عن الاعتراف عبر الانتقال إلى المركز، كان هو يراهن على بناء مركزه الثقافي الخاص داخل مدينته. لذلك يمكن القول إن تجربته سبقت بسنوات طويلة الخطابات الرسمية حول اللامركزية الثقافية والتمييز الإيجابي للجهات، إذ مارس هذه المبادئ على الأرض قبل أن تتحول إلى شعارات ومفاهيم متداولة.
ولعل ما يمنح هذه التجربة قيمتها الحقيقية أنها لم تتوقف عند حدود إنتاج العروض المسرحية. فقد أدرك الكشباطي أن المسرح مشروع جماعي يحتاج إلى أجيال متعاقبة تضمن استمراريته. لذلك ركّز في جانب مهم من جهده على التكوين والتأطير واكتشاف المواهب الشابة. وخلال سنوات طويلة، تحولت الفرق والجمعيات التي أشرف عليها إلى مدارس غير معلنة للمسرح، تعلم فيها عشرات الشبان أصول التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية، كما تعلموا معنى الالتزام الثقافي والعمل الجماعي. أما على المستوى الإبداعي، فقد ترك الكشباطي رصيدا ضخما من الأعمال التي تنوعت بين التأليف والإخراج والتمثيل والاقتباس والترجمة. ويعكس هذا التنوع شخصية فنية شغوفة بالبحث والتجريب، رافضة للانغلاق داخل وظيفة واحدة. لقد كان يؤمن بأن المسرح حوار دائم بين الثقافات والتجارب، لذلك لم يتردد في الانفتاح على النصوص العالمية والعربية وإعادة تقديمها في سياقات محلية، بما يثري المشهد المسرحي ويمنحه آفاقا جديدة. كما ساهم هذا الانفتاح في تكوين جمهور أكثر قدرة على التفاعل مع مختلف المدارس والتيارات المسرحية. ولم يمر هذا المسار الطويل دون اعتراف أو تقدير. فقد نال الراحل العديد من الجوائز الفردية والجماعية في المهرجانات الوطنية والدولية، كما حظي بتكريمات عديدة تقديرا لإسهاماته في المسرح التونسي. وكان من أبرز هذه الالتفاتات أن تحمل الدورة العاشرة من «أيام فاقا العربية للمسرح» سنة 2023 اسمه، في إشارة إلى حجم المكانة التي احتلها داخل المشهد الثقافي بباجة وخارجها. وهو تكريم لم يكن موجها لشخصه فقط، بل أيضا لذلك النموذج الثقافي الذي مثّله طوال حياته؛ نموذج المثقف المنخرط في قضايا محيطه والمؤمن بأن الثقافة فعل بناء طويل المدى.
ومع رحيل أحمد الكشباطي، تعود إلى الواجهة أسئلة كثيرة حول مصير الذاكرة المسرحية في الجهات، وحول الحاجة إلى حفظ تجارب الرواد الذين صنعوا المشهد الثقافي التونسي بعيدا عن الأضواء. فالرجل لا يختزل في قائمة من الأعمال أو في مجموعة من التواريخ والمحطات، بل يمثل جزءا من تاريخ اجتماعي وثقافي كامل ارتبط بتطور المسرح الجهوي وبصعود العمل الجمعياتي الثقافي في تونس. ومن هنا تبدو أهمية استعادة سيرته اليوم، ليس فقط من باب الوفاء لذكرى مبدع راحل، وإنما أيضا من باب التفكير في الدروس التي يمكن أن تقدمها تجربته للأجيال الجديدة.