في إطار تعهدها بدراسة مقترح القانون المتعلق بالمجلس الوطني للتونسيين بالخارج، عقدت لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة أمس بمجلس نواب الشعب جلسة بحضور رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء الدكتورة ريم غشام وعميد المهندسين التونسيين المهندس محسن الغرسي وممثلين عن العمادتين. وتم التطرق خلالها إلى تداعيات ظاهرة «الهجرة الجماعية» للمهندسين والأطباء التونسيين خاصة من ذوي الخبرة والتباحث حول سبل دعم التواصل مع الكفاءات التونسية بالخارج والاستفادة من إشعاعها وتحفيز الراغبين منهم في العودة إلى أرض الوطن.
ومن بين التوصيات التي تمخضت عن هذه الجلسة التي شارك فيها عدد كبير من النواب إلى جانب رؤساء لجان الصحة والمالية والتربية، تركيز قاعدة بيانات دقيقة حول المهندسين والأطباء التونسيين المقيمين بالخارج وغيرهم من الكفاءات، وإنشاء شباك موحد بالمعابر الحدودية لتمكين الراغبين منهم في بعث مشاريع استثمارية في تونس من استيفاء جميع الإجراءات المستوجبة على عين المكان وتجنبيهم معاناة الترحال بين الإدارات للحصول على الوثائق المطلوبة لبعث مشروع، إضافة إلى الدعوة إلى التعجيل بإصدار أنظمة أساسية جديدة لفائدة الإطارات الطبية والهندسية من أجل تحسين أجورهم وتحفيزهم على البقاء في البلاد، كما تم التأكيد على أن المشاكل التي تعيق التونسيين بالخارج الراغبين في الاستثمار في تونس مردها بالأساس التشريعات البالية وفي مقدمتها قانون الصرف وقانون الاستثمار الأمر الذي يتطلب التعجيل بإصدار مجلة صرف جديدة وتنقيح قانون الاستثمار.
مساس بالأمن القومي
رئيس اللجنة رياض جعيدان أشار إلى أن ملف هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج يكتسي أهمية بالغة كما أنه يؤرق المجموعة الوطنية نظرا للنزيف الذي حصل في السنوات الأخيرة حيث هاجر عدد مهول من التونسيين من أصحاب الكفاءات العليا خاصة بالنسبة إلى الأطباء والمهندسين، وأضاف أنه لهذا السبب ارتأت اللجنة دعوة عمادتي الأطباء والمهندسين لفهم الأسباب الحقيقية لهذه الهجرة، إذ هناك من يقول إنه هاجر رغبة منه في تحسين ظروف العمل أو للبحث عن مستوى مهني أفضل.
وقال جعيدان إنه يجب العمل على بحث حلول لهذا النزيف الذي يمس بالأمن القومي لأن المجموعة الوطنية استثمرت كثيرا في تكوين المهندسين والأطباء ومن المفروض بعد هذا التكوين أن تكون هذه الكفاءات على ذمة البلاد. وأضاف أنه يجب تحسين بيئة العمل حتى تصبح جاذبة لهم وحتى يبقى المهندس والطبيب في وطنه. كما لاحظ رئيس اللجنة أن هناك من المهاجرين من يشغلون مناصب كبيرة في بلدان أجنبية ولديهم شبكات علاقات واسعة وبالإمكان الاستفادة منهم لأنهم قادرون على العطاء والإضافة لتونس. وبين أن اللجنة تشتغل حاليا على مقترح قانون يتعلق بالمجلس الوطني للتونسيين بالخارج لذلك فمن المهم جدا معرفة كيف يمكن لهذا المجلس أن يكون فضاء لتثمين قدرات هذه الكفاءات وإيجاد آليات شراكة معها، وأكد جعيدان على أهمية تطوير التشريعات التي تحفز على الاستثمار لأن العديد من الكفاءات التونسية بالخارج ترغب في الاستثمار في تونس. ولاحظ أن عديد البلدان استثمرت في دبلوماسية كفاءاتها بالخارج مثل الهند حيث ساهمت تلك الكفاءات في نقل التكنولوجيا إلى بلدانها.
وخلص رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب إلى ضرورة التفكير بكل عقلانية في وضع إستراتيجية شاملة تتعلق بالتونسيين بالخارج لأن التونسيين بالخارج حسب رأيه قادرون على تقديم الكثير لتونس.
تحسين الأجور
وقالت الدكتورة رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء ريم غشام إن العمادة تناولت بالدرس ملف هجرة الكفاءات منذ فترة طويلة لأنها لاحظت تنامي هذه الظاهرة في صفوف الأطباء وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على الأطباء الجدد وإنما أصبحت هناك هجرة أطباء كبار في السن ولديهم خبرة وأطباء لديهم عيادات خاصة، وسيؤدي هذا الأمر في غضون 2050 حسب الدراسة التي قامت بها العمادة سنة 2022 إلى حصول اختلال لأن عدد الأطباء الذين يهاجرون حاليا يصل إلى ألف طبيب في السنة والحال أن عددا من يتم تكوينهم في الطب سنويا لا يصل إلى الألف، حسب قولها.
ومن أهم المطالب التي قدمتها عميدة الأطباء لأعضاء مجلس نواب الشعب ما يتعلق بمراجعة إجراء الخدمة المدنية المطبق على الأطباء، وذكرت أنه بعد إنهاء فترة الإقامة يجب تمكين الأطباء من العمل بالمستشفى لمدة سنتين أو ثلاث سنوات. كما تحدثت الدكتورة غشام عن عدم الزيادة في أجور الأطباء العاملين بالقطاع الخاص منذ سنة 2019، وأضافت أن أجور الأطباء العاملين بالقطاع العام غير مناسبة، وتطرقت إلى تعرض الأطباء إلى العنف الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة، ولاحظت استشراء ظاهرة العنف المسلط على الإطارات الطبية منذ سنة 2011 ودعت إلى معالجة هذه المعضلة، وأكدت على ضرورة تحسين أجور الأطباء العاملين بالمستشفيات العمومية وتأهيل القطاع الصحي، وقالت يوجد من بين المهاجرين إلى فرنسا عدد من الأطباء الجامعيين ورؤساء الأقسام وخلصت إلى أن هجرة هذه الكفاءات تعتبر خسارة لا تعوض حسب وصفها وذلك بالنظر إلى أن الأطباء الجامعيين ورؤساء الأقسام يساهمون في تكوين الأطباء التونسيين وتأطيرهم.
ومن المعطيات الأخرى قدمها ممثلو عمادة الأطباء ما تعلق بإعداد العمادة مقترحا قانونيا من أجل تمكين الأطباء من العمل في إطار شركات وتضمن هذا المقترح وثيقة شرح أسباب، كما تحدثوا عن ظروف العمل الصعبة ومعاناة الأطباء التونسيين المهاجرين إلى فرنسا لكن ذلك لم يحل، حسب قولهم، دون تواصل نزيف هجرة الأطباء إلى فرنسا، ودعوا إلى عدم إجبار الطبيب على الخدمة المدنية مقابل الحرص على تحفيزه على العمل بالمناطق ذات الأولوية والبقاء فيها على أن يقع توفير مختلف الاختصاصات مع تحسين ظروف العمل بمستشفيات الجهات الداخلية وغيرها من المستشفيات العمومية، وهناك منهم من نبه إلى أن عدد العيادات الطبيبة الخاصة التي يقع غلقها سنويا أصبح يفوق عدد العيادات الجديدة التي يتم فتحها وهو ما سيطرح مشكلة كبيرة، وبينوا أنه كان يجب أن تكون هناك حالة استنفار تشريعي لمعالجة ظاهرة هجرة الأطباء لكن هذا لم يحدث إذ منذ عام ونصف تقريبا لم يصدر أي قانون لتحفيز الأطباء.
تثمين الكفاءات
وعلى غرار هجرة الأطباء، تعد هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج خاصة بالنسبة إلى المهندسين معضلة كبيرة حسب وصف المهندس محسن الغرسي عميد المهندسين التونسيين ولهذا السبب كثر الحديث عنها خلال السنوات الماضية، وأشار إلى أن الدولة تنفق نحو 100 ألف دينار لتخريج مهندس وفي المقابل هناك 45 ألف مهندس غادروا تونس خلال السنوات العشر الأخيرة، وهو ما يمثل 42 بالمائة من المهندسين المسجلين وأضاف أنه خلال سنة 2022 تم تسجيل مغادرة 8 آلاف مهندس دفعة واحدة.
ونبه الغرسي إلى أن ما وصفه بالخطر الكبير الذي لاحظته العمادة خلال السنتين الماضيتين والمتمثل في هجرة مهندسين لديهم خبرة تتراوح مدتها من 15 إلى 20 سنة فهم يعملون بالوزارات والشركات الكبرى، واستدل عميد المهندسين التونسيين بما جاء في تقرير صدر في جوان 2024 عن معهد الدراسات الإستراتيجية وتم الحديث في هذا التقرير عن معضلة الهجرة الجماعية للمهندسين وهي هجرة تمس الأمن القومي. وقال إن العمادة جاءت إلى لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة وهي محملة بعديد المقترحات والحلول التي تهم المهندسين التونسيين المقيمين بالخارج خاصة الراغبين في العودة إلى بلادهم فهم يريدون تمكينهم من بيئة عمل مناسبة ومن إمكانيات العمل عن بعد مثلما هو الشأن بالنسبة إلى عملهم بالبلدان الأوروبية كما يريدون أن تتم حلحلة الإشكاليات التي يواجهونها مع الديوانة في علاقة بصفة مقيم وفسر أنه في فترة جائحة كورونا هناك عدد من المهندسين التونسيين العاملين بألمانيا وجدوا أنفسهم حيال مشاكل مصرفية وهي في علاقة بصفة مقيم وكل هذه المشاكل تعود إلى تواصل تطبيق قوانين أكل عليها الدهر وشرب حسب وصفه. وأشار العميد إلى مساهمة المهندسين التونسيين بالخارج خلال سنتي 2024 و2025 في توفير العملة الصعبة وخلص إلى أن المهندس التونسي بالخارج يريد العودة إلى بلاده لكنه يرغب في حوافز تشجعه.
وفسر العميد سبب ارتفاع عدد المهندسين الذين هاجروا خلال السنوات الأخيرة خاصة خلال سنة 2022 بعدم تفعيل المنحة الخصوصية التي تم إقرارها تبعا لاجتماع مجلس الأمن القومي سنة 2018، وأشار في هذا السياق إلى أن المهندسين في الوظيفة العمومية حصلوا على منحة لكن المهندسين بالقطاع العام لم يحصلوا عليها، وأضاف أنه في سنة 2021 أقرت الحكومة إثر احتجاجات المهندسين الزيادة في المنحة الخصوصية كإجراء للحد من نزيف الهجرة لكن لم يقع تطبيقها الأمر الذي أدى إلى هجرة آلاف المهندسين منذ سنة 2022 وهم يعملون في مجالات الطاقة والطاقات المتجددة والرقمنة والأمن السيبراني والهندسة الطبية والصناعات المتقدمة. وبين أن من هاجروا إلى الخارج يحظون بمكانة مرموقة نظرا إلى الكفاءة العالية التي يتمتع بها المهندس التونسي، وعبر عن رغبته في بقاء المهندس في تونس لكن لا بد، حسب قوله، من ضمان تكافؤ الفرص في الأجور وتحسين ظروف العمل لأن هناك من المهندسين في القطاع الخاص من يتقاضون أجورا قدرها 700 أو 800 د.
وثمن العميد مقترح القانون المتعلق بتنقيح القانون المنظم للمجلس الوطني للتونسيين بالخارج المعروض حاليا على أنظار لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، وبين أن القانون في صيغته الأصلية لا يمنح المكانة اللازمة للكفاءات العلمية والهندسية بالخارج والحال أن المهندسين التونسيين بالخارج يحتلون مناصب هامة في البلدان التي هاجروا إليها، ودعا اللجنة إلى تناول ملف هجرة المهندسين التونسيين لا على أنها ظاهرة بل لأن المهندس التونسي بالخارج ثروة إستراتيجية وطالبها بالتنصيص بصفة صريحة صلب مقترح القانون على تشريك المهندسين التونسيين وتمثيلهم عبر عمادة المهندسين التونسيين صلب المجلس الوطني للتونسيين بالخارج وإحداث لجنة قارة صلب هذا المجلس الوطني وهي لجنة الكفاءات الهندسية والتكنولوجية بالخارج، كما اقترح العميد إحداث صفة قانونية جديدة وهي المهندس التونسي بالخارج المساهم في التنمية الوطنية، ودعا إلى تحفيز الاستثمار التكنولوجي والتسريع بمنح المهندسين التراخيص الإدارية ودعم المؤسسات الناشئة التي يقع بعثها من قبلهم وإحداث منصة وطنية للكفاءات التونسية بالخارج لتكون همزة وصل بينهم وبين مؤسسات الدولة وجامعاتها، واقترح إحداث مجلس استشاري يتكون من نخبة من المهندسين التونسيين بالخارج لتقديم الاستشارة للدولة وللمساهمة في دعم التحول الرقمي ونقل التكنولوجيا.
وقال العميد إنه لا بد من إصدار بطاقة المهندس التونسي بالخارج بما يمكنه من النفاذ إلى الخدمات الرقمية والاستفادة من برامج التعاون، وطالب بمراجعة الامتيازات الممنوحة للمهندسين التونسيين بالخارج على أن تتحول الـ «آف سي آر» من امتياز ظرفي إلى حق مكتسب، ودعا إلى الاستئناس بالتجارب الناجحة التي تمت بالبلدان التي حولت كفاءاتها بالخارج إلى سفراء للتنمية، وهو يرى أنه عندما يغادر المهندس التونسي حدود البلاد فإن تونس لا تخسر، وإنما هي تخسر عندما تفقد صلتها به خاصة وأنها استثمرت الكثير من أجل تكوينه وبالتالي من حق المجموعة الوطنية الاستفادة من خبراته وكفاءاته.
ومن بين الملاحظات التي أشار إليها ممثلو عمادة المهندسين التونسيين ضعف أجور المهندسين التونسيين العاملين بالقطاع العام، وهناك مهندس أكد للنواب أنه قبل سنوات قليلة أطلعته عاملة نظافة بالمنشأة العمومية التي يعمل بها على بطاقة خلاصها، وتبين أن أجر عاملة النظافة أرفع من أجر المهندس إذ كان آن ذاك يتقاضى 1400د في حين أن أجر عاملة النظافة كما هو منصوص عليه ببطاقة خلاصها كان في حدود 1700 د.
وخلال النقاش أطلق العديد من النواب صيحة فزع بسبب استفحال ظاهرة هجرة المهندسين والأطباء بسبب عدم توفر ظروف العمل الملائمة والأجور المناسبة إلى جانب وجود بيئة غير مشجعة على الاستثمار الخاص وبيروقراطية ونصوص جبائية متشعبة وإجراءات ديوانية معقدة وهناك منهم من أشار إلى عدم تجاوب الوظيفة التنفيذية مع مقترحات مجلس نواب الشعب الرامية إلى تنقيح النصوص القانونية البالية، في حين هناك من دعا لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة إلى تنظيم يوم دراسي بالأكاديمية البرلمانية حول ملف هجرة الكفاءات، وطالب آخر بالعمل على تحقيق المعادلة الصعبة بين المحافظة على العقل التونسي صاحب الكفاءة لكي يبقى في البلاد وبين عدم غلق الأبواب أمام الراغبين في تحسين وضعياتهم الاجتماعية.
سعيدة بوهلال
في إطار تعهدها بدراسة مقترح القانون المتعلق بالمجلس الوطني للتونسيين بالخارج، عقدت لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة أمس بمجلس نواب الشعب جلسة بحضور رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء الدكتورة ريم غشام وعميد المهندسين التونسيين المهندس محسن الغرسي وممثلين عن العمادتين. وتم التطرق خلالها إلى تداعيات ظاهرة «الهجرة الجماعية» للمهندسين والأطباء التونسيين خاصة من ذوي الخبرة والتباحث حول سبل دعم التواصل مع الكفاءات التونسية بالخارج والاستفادة من إشعاعها وتحفيز الراغبين منهم في العودة إلى أرض الوطن.
ومن بين التوصيات التي تمخضت عن هذه الجلسة التي شارك فيها عدد كبير من النواب إلى جانب رؤساء لجان الصحة والمالية والتربية، تركيز قاعدة بيانات دقيقة حول المهندسين والأطباء التونسيين المقيمين بالخارج وغيرهم من الكفاءات، وإنشاء شباك موحد بالمعابر الحدودية لتمكين الراغبين منهم في بعث مشاريع استثمارية في تونس من استيفاء جميع الإجراءات المستوجبة على عين المكان وتجنبيهم معاناة الترحال بين الإدارات للحصول على الوثائق المطلوبة لبعث مشروع، إضافة إلى الدعوة إلى التعجيل بإصدار أنظمة أساسية جديدة لفائدة الإطارات الطبية والهندسية من أجل تحسين أجورهم وتحفيزهم على البقاء في البلاد، كما تم التأكيد على أن المشاكل التي تعيق التونسيين بالخارج الراغبين في الاستثمار في تونس مردها بالأساس التشريعات البالية وفي مقدمتها قانون الصرف وقانون الاستثمار الأمر الذي يتطلب التعجيل بإصدار مجلة صرف جديدة وتنقيح قانون الاستثمار.
مساس بالأمن القومي
رئيس اللجنة رياض جعيدان أشار إلى أن ملف هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج يكتسي أهمية بالغة كما أنه يؤرق المجموعة الوطنية نظرا للنزيف الذي حصل في السنوات الأخيرة حيث هاجر عدد مهول من التونسيين من أصحاب الكفاءات العليا خاصة بالنسبة إلى الأطباء والمهندسين، وأضاف أنه لهذا السبب ارتأت اللجنة دعوة عمادتي الأطباء والمهندسين لفهم الأسباب الحقيقية لهذه الهجرة، إذ هناك من يقول إنه هاجر رغبة منه في تحسين ظروف العمل أو للبحث عن مستوى مهني أفضل.
وقال جعيدان إنه يجب العمل على بحث حلول لهذا النزيف الذي يمس بالأمن القومي لأن المجموعة الوطنية استثمرت كثيرا في تكوين المهندسين والأطباء ومن المفروض بعد هذا التكوين أن تكون هذه الكفاءات على ذمة البلاد. وأضاف أنه يجب تحسين بيئة العمل حتى تصبح جاذبة لهم وحتى يبقى المهندس والطبيب في وطنه. كما لاحظ رئيس اللجنة أن هناك من المهاجرين من يشغلون مناصب كبيرة في بلدان أجنبية ولديهم شبكات علاقات واسعة وبالإمكان الاستفادة منهم لأنهم قادرون على العطاء والإضافة لتونس. وبين أن اللجنة تشتغل حاليا على مقترح قانون يتعلق بالمجلس الوطني للتونسيين بالخارج لذلك فمن المهم جدا معرفة كيف يمكن لهذا المجلس أن يكون فضاء لتثمين قدرات هذه الكفاءات وإيجاد آليات شراكة معها، وأكد جعيدان على أهمية تطوير التشريعات التي تحفز على الاستثمار لأن العديد من الكفاءات التونسية بالخارج ترغب في الاستثمار في تونس. ولاحظ أن عديد البلدان استثمرت في دبلوماسية كفاءاتها بالخارج مثل الهند حيث ساهمت تلك الكفاءات في نقل التكنولوجيا إلى بلدانها.
وخلص رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب إلى ضرورة التفكير بكل عقلانية في وضع إستراتيجية شاملة تتعلق بالتونسيين بالخارج لأن التونسيين بالخارج حسب رأيه قادرون على تقديم الكثير لتونس.
تحسين الأجور
وقالت الدكتورة رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء ريم غشام إن العمادة تناولت بالدرس ملف هجرة الكفاءات منذ فترة طويلة لأنها لاحظت تنامي هذه الظاهرة في صفوف الأطباء وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على الأطباء الجدد وإنما أصبحت هناك هجرة أطباء كبار في السن ولديهم خبرة وأطباء لديهم عيادات خاصة، وسيؤدي هذا الأمر في غضون 2050 حسب الدراسة التي قامت بها العمادة سنة 2022 إلى حصول اختلال لأن عدد الأطباء الذين يهاجرون حاليا يصل إلى ألف طبيب في السنة والحال أن عددا من يتم تكوينهم في الطب سنويا لا يصل إلى الألف، حسب قولها.
ومن أهم المطالب التي قدمتها عميدة الأطباء لأعضاء مجلس نواب الشعب ما يتعلق بمراجعة إجراء الخدمة المدنية المطبق على الأطباء، وذكرت أنه بعد إنهاء فترة الإقامة يجب تمكين الأطباء من العمل بالمستشفى لمدة سنتين أو ثلاث سنوات. كما تحدثت الدكتورة غشام عن عدم الزيادة في أجور الأطباء العاملين بالقطاع الخاص منذ سنة 2019، وأضافت أن أجور الأطباء العاملين بالقطاع العام غير مناسبة، وتطرقت إلى تعرض الأطباء إلى العنف الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة، ولاحظت استشراء ظاهرة العنف المسلط على الإطارات الطبية منذ سنة 2011 ودعت إلى معالجة هذه المعضلة، وأكدت على ضرورة تحسين أجور الأطباء العاملين بالمستشفيات العمومية وتأهيل القطاع الصحي، وقالت يوجد من بين المهاجرين إلى فرنسا عدد من الأطباء الجامعيين ورؤساء الأقسام وخلصت إلى أن هجرة هذه الكفاءات تعتبر خسارة لا تعوض حسب وصفها وذلك بالنظر إلى أن الأطباء الجامعيين ورؤساء الأقسام يساهمون في تكوين الأطباء التونسيين وتأطيرهم.
ومن المعطيات الأخرى قدمها ممثلو عمادة الأطباء ما تعلق بإعداد العمادة مقترحا قانونيا من أجل تمكين الأطباء من العمل في إطار شركات وتضمن هذا المقترح وثيقة شرح أسباب، كما تحدثوا عن ظروف العمل الصعبة ومعاناة الأطباء التونسيين المهاجرين إلى فرنسا لكن ذلك لم يحل، حسب قولهم، دون تواصل نزيف هجرة الأطباء إلى فرنسا، ودعوا إلى عدم إجبار الطبيب على الخدمة المدنية مقابل الحرص على تحفيزه على العمل بالمناطق ذات الأولوية والبقاء فيها على أن يقع توفير مختلف الاختصاصات مع تحسين ظروف العمل بمستشفيات الجهات الداخلية وغيرها من المستشفيات العمومية، وهناك منهم من نبه إلى أن عدد العيادات الطبيبة الخاصة التي يقع غلقها سنويا أصبح يفوق عدد العيادات الجديدة التي يتم فتحها وهو ما سيطرح مشكلة كبيرة، وبينوا أنه كان يجب أن تكون هناك حالة استنفار تشريعي لمعالجة ظاهرة هجرة الأطباء لكن هذا لم يحدث إذ منذ عام ونصف تقريبا لم يصدر أي قانون لتحفيز الأطباء.
تثمين الكفاءات
وعلى غرار هجرة الأطباء، تعد هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج خاصة بالنسبة إلى المهندسين معضلة كبيرة حسب وصف المهندس محسن الغرسي عميد المهندسين التونسيين ولهذا السبب كثر الحديث عنها خلال السنوات الماضية، وأشار إلى أن الدولة تنفق نحو 100 ألف دينار لتخريج مهندس وفي المقابل هناك 45 ألف مهندس غادروا تونس خلال السنوات العشر الأخيرة، وهو ما يمثل 42 بالمائة من المهندسين المسجلين وأضاف أنه خلال سنة 2022 تم تسجيل مغادرة 8 آلاف مهندس دفعة واحدة.
ونبه الغرسي إلى أن ما وصفه بالخطر الكبير الذي لاحظته العمادة خلال السنتين الماضيتين والمتمثل في هجرة مهندسين لديهم خبرة تتراوح مدتها من 15 إلى 20 سنة فهم يعملون بالوزارات والشركات الكبرى، واستدل عميد المهندسين التونسيين بما جاء في تقرير صدر في جوان 2024 عن معهد الدراسات الإستراتيجية وتم الحديث في هذا التقرير عن معضلة الهجرة الجماعية للمهندسين وهي هجرة تمس الأمن القومي. وقال إن العمادة جاءت إلى لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة وهي محملة بعديد المقترحات والحلول التي تهم المهندسين التونسيين المقيمين بالخارج خاصة الراغبين في العودة إلى بلادهم فهم يريدون تمكينهم من بيئة عمل مناسبة ومن إمكانيات العمل عن بعد مثلما هو الشأن بالنسبة إلى عملهم بالبلدان الأوروبية كما يريدون أن تتم حلحلة الإشكاليات التي يواجهونها مع الديوانة في علاقة بصفة مقيم وفسر أنه في فترة جائحة كورونا هناك عدد من المهندسين التونسيين العاملين بألمانيا وجدوا أنفسهم حيال مشاكل مصرفية وهي في علاقة بصفة مقيم وكل هذه المشاكل تعود إلى تواصل تطبيق قوانين أكل عليها الدهر وشرب حسب وصفه. وأشار العميد إلى مساهمة المهندسين التونسيين بالخارج خلال سنتي 2024 و2025 في توفير العملة الصعبة وخلص إلى أن المهندس التونسي بالخارج يريد العودة إلى بلاده لكنه يرغب في حوافز تشجعه.
وفسر العميد سبب ارتفاع عدد المهندسين الذين هاجروا خلال السنوات الأخيرة خاصة خلال سنة 2022 بعدم تفعيل المنحة الخصوصية التي تم إقرارها تبعا لاجتماع مجلس الأمن القومي سنة 2018، وأشار في هذا السياق إلى أن المهندسين في الوظيفة العمومية حصلوا على منحة لكن المهندسين بالقطاع العام لم يحصلوا عليها، وأضاف أنه في سنة 2021 أقرت الحكومة إثر احتجاجات المهندسين الزيادة في المنحة الخصوصية كإجراء للحد من نزيف الهجرة لكن لم يقع تطبيقها الأمر الذي أدى إلى هجرة آلاف المهندسين منذ سنة 2022 وهم يعملون في مجالات الطاقة والطاقات المتجددة والرقمنة والأمن السيبراني والهندسة الطبية والصناعات المتقدمة. وبين أن من هاجروا إلى الخارج يحظون بمكانة مرموقة نظرا إلى الكفاءة العالية التي يتمتع بها المهندس التونسي، وعبر عن رغبته في بقاء المهندس في تونس لكن لا بد، حسب قوله، من ضمان تكافؤ الفرص في الأجور وتحسين ظروف العمل لأن هناك من المهندسين في القطاع الخاص من يتقاضون أجورا قدرها 700 أو 800 د.
وثمن العميد مقترح القانون المتعلق بتنقيح القانون المنظم للمجلس الوطني للتونسيين بالخارج المعروض حاليا على أنظار لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، وبين أن القانون في صيغته الأصلية لا يمنح المكانة اللازمة للكفاءات العلمية والهندسية بالخارج والحال أن المهندسين التونسيين بالخارج يحتلون مناصب هامة في البلدان التي هاجروا إليها، ودعا اللجنة إلى تناول ملف هجرة المهندسين التونسيين لا على أنها ظاهرة بل لأن المهندس التونسي بالخارج ثروة إستراتيجية وطالبها بالتنصيص بصفة صريحة صلب مقترح القانون على تشريك المهندسين التونسيين وتمثيلهم عبر عمادة المهندسين التونسيين صلب المجلس الوطني للتونسيين بالخارج وإحداث لجنة قارة صلب هذا المجلس الوطني وهي لجنة الكفاءات الهندسية والتكنولوجية بالخارج، كما اقترح العميد إحداث صفة قانونية جديدة وهي المهندس التونسي بالخارج المساهم في التنمية الوطنية، ودعا إلى تحفيز الاستثمار التكنولوجي والتسريع بمنح المهندسين التراخيص الإدارية ودعم المؤسسات الناشئة التي يقع بعثها من قبلهم وإحداث منصة وطنية للكفاءات التونسية بالخارج لتكون همزة وصل بينهم وبين مؤسسات الدولة وجامعاتها، واقترح إحداث مجلس استشاري يتكون من نخبة من المهندسين التونسيين بالخارج لتقديم الاستشارة للدولة وللمساهمة في دعم التحول الرقمي ونقل التكنولوجيا.
وقال العميد إنه لا بد من إصدار بطاقة المهندس التونسي بالخارج بما يمكنه من النفاذ إلى الخدمات الرقمية والاستفادة من برامج التعاون، وطالب بمراجعة الامتيازات الممنوحة للمهندسين التونسيين بالخارج على أن تتحول الـ «آف سي آر» من امتياز ظرفي إلى حق مكتسب، ودعا إلى الاستئناس بالتجارب الناجحة التي تمت بالبلدان التي حولت كفاءاتها بالخارج إلى سفراء للتنمية، وهو يرى أنه عندما يغادر المهندس التونسي حدود البلاد فإن تونس لا تخسر، وإنما هي تخسر عندما تفقد صلتها به خاصة وأنها استثمرت الكثير من أجل تكوينه وبالتالي من حق المجموعة الوطنية الاستفادة من خبراته وكفاءاته.
ومن بين الملاحظات التي أشار إليها ممثلو عمادة المهندسين التونسيين ضعف أجور المهندسين التونسيين العاملين بالقطاع العام، وهناك مهندس أكد للنواب أنه قبل سنوات قليلة أطلعته عاملة نظافة بالمنشأة العمومية التي يعمل بها على بطاقة خلاصها، وتبين أن أجر عاملة النظافة أرفع من أجر المهندس إذ كان آن ذاك يتقاضى 1400د في حين أن أجر عاملة النظافة كما هو منصوص عليه ببطاقة خلاصها كان في حدود 1700 د.
وخلال النقاش أطلق العديد من النواب صيحة فزع بسبب استفحال ظاهرة هجرة المهندسين والأطباء بسبب عدم توفر ظروف العمل الملائمة والأجور المناسبة إلى جانب وجود بيئة غير مشجعة على الاستثمار الخاص وبيروقراطية ونصوص جبائية متشعبة وإجراءات ديوانية معقدة وهناك منهم من أشار إلى عدم تجاوب الوظيفة التنفيذية مع مقترحات مجلس نواب الشعب الرامية إلى تنقيح النصوص القانونية البالية، في حين هناك من دعا لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة إلى تنظيم يوم دراسي بالأكاديمية البرلمانية حول ملف هجرة الكفاءات، وطالب آخر بالعمل على تحقيق المعادلة الصعبة بين المحافظة على العقل التونسي صاحب الكفاءة لكي يبقى في البلاد وبين عدم غلق الأبواب أمام الراغبين في تحسين وضعياتهم الاجتماعية.