-تونس تمتلك واحداً من أغنى المخزونات الأثرية في المنطقة المتوسطية، قادرة نظرياً على أن تتحول إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي طوال السنة.
-المواقع يمكن أن تتحول إلى محركات اقتصادية، والتجارب المقارنة، ومن بينها تجارب إيطاليا واليونان، تؤكد ذلك.
-مبادرة استدامة استغلال المواقع تواجه إشكالية تحول الاستثمار الثقافي أحياناً إلى عامل ضغط إضافي على معالم تعاني من هشاشة البنية ومحدودية الصيانة.
في كل صيف تقريباً تعود المواقع الأثرية التونسية إلى الواجهة، ليس باعتبارها فقط وجهات للزيارة أو محطات في المسارات السياحية، بل بوصفها فضاءات تستقبل الحفلات الموسيقية والعروض الفنية والتظاهرات الثقافية. ومع إعلان وزارة الشؤون الثقافية عن توجه جديد يرمي إلى تنظيم واستدامة العروض بالموقع الأثري بقرطاج خارج الفترة التقليدية لمهرجان قرطاج الدولي ضمن مشروع «Carthage OFF»، ومع التوجه نحو مزيد استغلال عدد من المعالم التاريخية على امتداد الموسم الصيفي على غرار رباط سوسة، يطفو مجدداً سؤال ظل يرافق السياسات الثقافية في تونس منذ عقود: هل يكفي فتح المواقع الأثرية أمام الأنشطة الفنية لتثمينها، أم أن الأمر يتطلب رؤية أعمق تجعل من التراث رافعة ثقافية واقتصادية مستدامة؟
الواقع أن تونس تمتلك واحداً من أغنى المخزونات الأثرية في المنطقة المتوسطية. فمن قرطاج إلى الجم ودقة وسبيطلة ورباط المنستير ورباط سوسة، تنتشر مواقع قادرة نظرياً على أن تتحول إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي طوال السنة. غير أن أغلب هذه المواقع بقي أسير مناسبات محدودة ومواسم ظرفية، بحيث يرتبط حضورها الإعلامي والجماهيري غالباً بالمهرجانات الكبرى، ثم تعود بعد ذلك إلى حالة من السكون النسبي. لذلك، من الناحية الثقافية، تبدو الفكرة مغرية إلى حد بعيد.
فالعروض الفنية التي تقام داخل المواقع الأثرية تمنح الأعمال الموسيقية والمسرحية بعداً جمالياً إضافياً يصعب توفيره داخل القاعات التقليدية. كما أن اللقاء بين الفن المعاصر والفضاء التاريخي يخلق نوعاً من الحوار بين الأزمنة، ويعيد تقديم المعالم الأثرية للأجيال الجديدة بصورة أكثر حيوية وجاذبية. فبدل أن تظل الآثار مجرد موضوع للدرس الأكاديمي أو محطة عابرة للسياح، تتحول إلى جزء من الحياة الثقافية اليومية وإلى فضاءات قادرة على استقطاب فئات جديدة من الجمهور.
لكن المكاسب الثقافية لا تنفصل عن رهانات اقتصادية وسياحية واضحة. ففتح المواقع الأثرية لاحتضان أنشطة متنوعة على مدار السنة يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد الثقافي المحلي وخلق موارد إضافية لفائدة المؤسسات المشرفة على التراث. كما يمكن أن يطيل الموسم السياحي ويخفف من الطابع الموسمي الذي يميز استغلال عدد كبير من المعالم التاريخية. فحين تصبح هذه المواقع قادرة على استقطاب جمهور الفن والثقافة إلى جانب جمهور السياحة التقليدية، فإنها تتحول إلى محركات اقتصادية قادرة على خلق ديناميكية جديدة في محيطها.
وتدعم التجارب الدولية هذا التوجه إلى حد كبير. ففي إيطاليا، تستضيف المسارح الرومانية القديمة سنوياً عشرات العروض الموسيقية والمسرحية ضمن برامج تخضع لمعايير دقيقة من حيث الطاقة الاستيعابية والتجهيزات المستعملة وطرق حماية البنية الأثرية. كما نجحت اليونان في تحويل عدد من مسارحها التاريخية إلى فضاءات ثقافية عالمية تستقطب كبار الفنانين دون أن تفقد قيمتها التراثية. وفي فرنسا وإسبانيا أيضاً أصبحت القلاع والحصون والمواقع التاريخية جزءاً من المشهد الثقافي الموسمي والدائم، مع اعتماد منظومات صارمة للمراقبة والتقييم.
غير أن نجاح هذه التجارب لم يكن نتيجة قرار إداري فقط، بل ثمرة عقود من العمل المشترك بين خبراء التراث والمهندسين والمنظمين الثقافيين والسلطات المحلية. وهنا تحديداً يبرز التحدي التونسي. فالمسألة لا تتعلق فقط بإقامة مزيد من الحفلات داخل المواقع الأثرية، بل بمدى قدرة المنظومة الوطنية على وضع قواعد علمية دقيقة تضمن ألا يتحول الاستثمار الثقافي إلى عامل ضغط إضافي على معالم تعاني أصلاً، في بعض الأحيان، من هشاشة البنية أو من محدودية عمليات الصيانة الدورية.
فالخبراء في مجال التراث يؤكدون أن أخطر ما يهدد المواقع الأثرية ليس فقط الزمن والعوامل الطبيعية، بل أيضاً الاستعمال المكثف وغير المدروس. فالتجهيزات الصوتية الثقيلة، والمنصات الضخمة، وحركة الشاحنات والمعدات التقنية، والتدفق الكبير للجماهير، كلها عناصر يمكن أن تؤثر تدريجياً في سلامة المنشآت التاريخية. وقد شهدت عدة دول حول العالم نقاشات كبيرة بخصوص حدود استغلال المواقع التراثية بعد تسجيل أضرار متفاوتة نتيجة الاستخدام المكثف لبعض الفضاءات التاريخية.
وفي الحالة التونسية تبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية بالنظر إلى واقع عدد من المواقع الأثرية التي تحتاج أصلاً إلى تدخلات متواصلة للحفاظ عليها. لذلك يكتسي ما ورد في مقترح وزارة الشؤون الثقافية بتاريخ 11 جوان الجاري أهمية خاصة، خصوصاً في ما يتعلق بإعداد كراسات شروط مرجعية واعتماد معايير صارمة للترخيص وتنظيم المسؤوليات بين مختلف المتدخلين. فهذه الإجراءات قد تمثل خطوة ضرورية نحو الانتقال من منطق الترخيص الظرفي إلى منطق الحوكمة المستدامة لاستغلال الفضاءات الأثرية.
غير أن الحماية التقنية وحدها لا تكفي. فالمواقع الأثرية لا تواجه فقط خطر التآكل المادي، بل أيضاً خطر التبسيط الرمزي. إذ يمكن أن تتحول بعض المعالم التاريخية إلى مجرد خلفيات جمالية للعروض الفنية دون أن يتم التعريف بقيمتها الحضارية أو بتاريخها. وهنا يطرح سؤال جوهري حول طبيعة الأنشطة المبرمجة ومدى انسجامها مع خصوصية المكان. فليست كل العروض مناسبة لكل فضاء أثري، كما أن نجاح أي سياسة لتثمين التراث يقتضي أن يتحول الموقع نفسه إلى جزء من التجربة الثقافية لا مجرد ديكور لها.
فالمشكلة تبدأ عندما يصبح النقاش مقتصراً على عدد العروض والحفلات دون التفكير في الوظيفة الثقافية للموقع نفسه. فالمعالم الأثرية ليست مجرد فضاءات متاحة للكراء أو للاستغلال الفني، بل هي حاملة لمعانٍ تاريخية وحضارية ينبغي أن تكون جزءاً من المشروع الثقافي المقدم للجمهور. وفي هذا السياق يبدو أن تونس لم تنجح بعد في بناء نموذج متكامل يربط بين الترفيه والمعرفة، وبين الفرجة واكتشاف التاريخ. وقد يكون التحدي الأكبر أمام وزارة الشؤون الثقافية هو الانتقال من منطق التظاهرة إلى منطق المشروع. فالتظاهرة تنتهي بانتهاء العرض، أما المشروع فيبني علاقة دائمة بين الجمهور والمكان.
وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل المعالم الأثرية التونسية: إما أن تظل فضاءات موسمية تستيقظ خلال الصيف ثم تعود إلى الصمت بقية السنة، أو أن تتحول إلى مؤسسات ثقافية حية قادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية والمعرفية في الآن نفسه. والمعادلة الأكبر ليست بين الثقافة والتراث فحسب، بل بين رؤية تعتبر هذا الأخير استثماراً حضارياً طويل الأمد يجب أن تكون لمؤسسات الدولة القدرة على حمايته وصونه.
إيمان عبد اللطيف
-تونس تمتلك واحداً من أغنى المخزونات الأثرية في المنطقة المتوسطية، قادرة نظرياً على أن تتحول إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي طوال السنة.
-المواقع يمكن أن تتحول إلى محركات اقتصادية، والتجارب المقارنة، ومن بينها تجارب إيطاليا واليونان، تؤكد ذلك.
-مبادرة استدامة استغلال المواقع تواجه إشكالية تحول الاستثمار الثقافي أحياناً إلى عامل ضغط إضافي على معالم تعاني من هشاشة البنية ومحدودية الصيانة.
في كل صيف تقريباً تعود المواقع الأثرية التونسية إلى الواجهة، ليس باعتبارها فقط وجهات للزيارة أو محطات في المسارات السياحية، بل بوصفها فضاءات تستقبل الحفلات الموسيقية والعروض الفنية والتظاهرات الثقافية. ومع إعلان وزارة الشؤون الثقافية عن توجه جديد يرمي إلى تنظيم واستدامة العروض بالموقع الأثري بقرطاج خارج الفترة التقليدية لمهرجان قرطاج الدولي ضمن مشروع «Carthage OFF»، ومع التوجه نحو مزيد استغلال عدد من المعالم التاريخية على امتداد الموسم الصيفي على غرار رباط سوسة، يطفو مجدداً سؤال ظل يرافق السياسات الثقافية في تونس منذ عقود: هل يكفي فتح المواقع الأثرية أمام الأنشطة الفنية لتثمينها، أم أن الأمر يتطلب رؤية أعمق تجعل من التراث رافعة ثقافية واقتصادية مستدامة؟
الواقع أن تونس تمتلك واحداً من أغنى المخزونات الأثرية في المنطقة المتوسطية. فمن قرطاج إلى الجم ودقة وسبيطلة ورباط المنستير ورباط سوسة، تنتشر مواقع قادرة نظرياً على أن تتحول إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي طوال السنة. غير أن أغلب هذه المواقع بقي أسير مناسبات محدودة ومواسم ظرفية، بحيث يرتبط حضورها الإعلامي والجماهيري غالباً بالمهرجانات الكبرى، ثم تعود بعد ذلك إلى حالة من السكون النسبي. لذلك، من الناحية الثقافية، تبدو الفكرة مغرية إلى حد بعيد.
فالعروض الفنية التي تقام داخل المواقع الأثرية تمنح الأعمال الموسيقية والمسرحية بعداً جمالياً إضافياً يصعب توفيره داخل القاعات التقليدية. كما أن اللقاء بين الفن المعاصر والفضاء التاريخي يخلق نوعاً من الحوار بين الأزمنة، ويعيد تقديم المعالم الأثرية للأجيال الجديدة بصورة أكثر حيوية وجاذبية. فبدل أن تظل الآثار مجرد موضوع للدرس الأكاديمي أو محطة عابرة للسياح، تتحول إلى جزء من الحياة الثقافية اليومية وإلى فضاءات قادرة على استقطاب فئات جديدة من الجمهور.
لكن المكاسب الثقافية لا تنفصل عن رهانات اقتصادية وسياحية واضحة. ففتح المواقع الأثرية لاحتضان أنشطة متنوعة على مدار السنة يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد الثقافي المحلي وخلق موارد إضافية لفائدة المؤسسات المشرفة على التراث. كما يمكن أن يطيل الموسم السياحي ويخفف من الطابع الموسمي الذي يميز استغلال عدد كبير من المعالم التاريخية. فحين تصبح هذه المواقع قادرة على استقطاب جمهور الفن والثقافة إلى جانب جمهور السياحة التقليدية، فإنها تتحول إلى محركات اقتصادية قادرة على خلق ديناميكية جديدة في محيطها.
وتدعم التجارب الدولية هذا التوجه إلى حد كبير. ففي إيطاليا، تستضيف المسارح الرومانية القديمة سنوياً عشرات العروض الموسيقية والمسرحية ضمن برامج تخضع لمعايير دقيقة من حيث الطاقة الاستيعابية والتجهيزات المستعملة وطرق حماية البنية الأثرية. كما نجحت اليونان في تحويل عدد من مسارحها التاريخية إلى فضاءات ثقافية عالمية تستقطب كبار الفنانين دون أن تفقد قيمتها التراثية. وفي فرنسا وإسبانيا أيضاً أصبحت القلاع والحصون والمواقع التاريخية جزءاً من المشهد الثقافي الموسمي والدائم، مع اعتماد منظومات صارمة للمراقبة والتقييم.
غير أن نجاح هذه التجارب لم يكن نتيجة قرار إداري فقط، بل ثمرة عقود من العمل المشترك بين خبراء التراث والمهندسين والمنظمين الثقافيين والسلطات المحلية. وهنا تحديداً يبرز التحدي التونسي. فالمسألة لا تتعلق فقط بإقامة مزيد من الحفلات داخل المواقع الأثرية، بل بمدى قدرة المنظومة الوطنية على وضع قواعد علمية دقيقة تضمن ألا يتحول الاستثمار الثقافي إلى عامل ضغط إضافي على معالم تعاني أصلاً، في بعض الأحيان، من هشاشة البنية أو من محدودية عمليات الصيانة الدورية.
فالخبراء في مجال التراث يؤكدون أن أخطر ما يهدد المواقع الأثرية ليس فقط الزمن والعوامل الطبيعية، بل أيضاً الاستعمال المكثف وغير المدروس. فالتجهيزات الصوتية الثقيلة، والمنصات الضخمة، وحركة الشاحنات والمعدات التقنية، والتدفق الكبير للجماهير، كلها عناصر يمكن أن تؤثر تدريجياً في سلامة المنشآت التاريخية. وقد شهدت عدة دول حول العالم نقاشات كبيرة بخصوص حدود استغلال المواقع التراثية بعد تسجيل أضرار متفاوتة نتيجة الاستخدام المكثف لبعض الفضاءات التاريخية.
وفي الحالة التونسية تبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية بالنظر إلى واقع عدد من المواقع الأثرية التي تحتاج أصلاً إلى تدخلات متواصلة للحفاظ عليها. لذلك يكتسي ما ورد في مقترح وزارة الشؤون الثقافية بتاريخ 11 جوان الجاري أهمية خاصة، خصوصاً في ما يتعلق بإعداد كراسات شروط مرجعية واعتماد معايير صارمة للترخيص وتنظيم المسؤوليات بين مختلف المتدخلين. فهذه الإجراءات قد تمثل خطوة ضرورية نحو الانتقال من منطق الترخيص الظرفي إلى منطق الحوكمة المستدامة لاستغلال الفضاءات الأثرية.
غير أن الحماية التقنية وحدها لا تكفي. فالمواقع الأثرية لا تواجه فقط خطر التآكل المادي، بل أيضاً خطر التبسيط الرمزي. إذ يمكن أن تتحول بعض المعالم التاريخية إلى مجرد خلفيات جمالية للعروض الفنية دون أن يتم التعريف بقيمتها الحضارية أو بتاريخها. وهنا يطرح سؤال جوهري حول طبيعة الأنشطة المبرمجة ومدى انسجامها مع خصوصية المكان. فليست كل العروض مناسبة لكل فضاء أثري، كما أن نجاح أي سياسة لتثمين التراث يقتضي أن يتحول الموقع نفسه إلى جزء من التجربة الثقافية لا مجرد ديكور لها.
فالمشكلة تبدأ عندما يصبح النقاش مقتصراً على عدد العروض والحفلات دون التفكير في الوظيفة الثقافية للموقع نفسه. فالمعالم الأثرية ليست مجرد فضاءات متاحة للكراء أو للاستغلال الفني، بل هي حاملة لمعانٍ تاريخية وحضارية ينبغي أن تكون جزءاً من المشروع الثقافي المقدم للجمهور. وفي هذا السياق يبدو أن تونس لم تنجح بعد في بناء نموذج متكامل يربط بين الترفيه والمعرفة، وبين الفرجة واكتشاف التاريخ. وقد يكون التحدي الأكبر أمام وزارة الشؤون الثقافية هو الانتقال من منطق التظاهرة إلى منطق المشروع. فالتظاهرة تنتهي بانتهاء العرض، أما المشروع فيبني علاقة دائمة بين الجمهور والمكان.
وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل المعالم الأثرية التونسية: إما أن تظل فضاءات موسمية تستيقظ خلال الصيف ثم تعود إلى الصمت بقية السنة، أو أن تتحول إلى مؤسسات ثقافية حية قادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية والمعرفية في الآن نفسه. والمعادلة الأكبر ليست بين الثقافة والتراث فحسب، بل بين رؤية تعتبر هذا الأخير استثماراً حضارياً طويل الأمد يجب أن تكون لمؤسسات الدولة القدرة على حمايته وصونه.