إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الناي إلى التشيلو..    أوركسترا قرطاج السيمفوني يعيد إحياء الرحابنة برؤية جديدة

تستعد مدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء اليوم الأربعاء 17 جوان 2026 لاحتضان أمسية موسيقية تحمل عنوان «بحبك يا لبنان: صدى الرحابنة»، في عرض يقدمه أوركسترا قرطاج السيمفوني بقيادة المايسترو حافظ مقني على ركح مسرح الأوبرا، في تجربة فنية تراهن على إعادة اكتشاف أعمال الأخوين رحباني برؤية سيمفونية معاصرة، تجمع بين حساسية الموسيقى الشرقية وثراء الكتابة الأوركسترالية الغربية.

ويكتسب الموعد خصوصيته من حضور عازفين منفردين يمثلان وجهين مختلفين للغة الموسيقى، هما حسين بن ميلود على آلة الناي، ووسيم مقني على آلة التشيلو، في حوار موسيقي يضع الآلتين في قلب المشهد ويمنحهما مساحة للتعبير الفردي داخل البناء الجماعي للأوركسترا.

ويأتي هذا العرض امتدادا للمسار الذي اختارته أوركسترا قرطاج السيمفوني منذ تأسيسها، والقائم على إعادة قراءة الذاكرة الموسيقية العربية بوسائل التأليف والتوزيع السيمفوني، بما يسمح بإبراز ثراء الألحان الشرقية وإمكانياتها في التفاعل مع القوالب الكلاسيكية العالمية.

فالرحابنة، الذين صنعوا مدرسة موسيقية قائمة بذاتها، يجدون في هذا المشروع مساحة جديدة للحياة، حيث تتحول الأغنيات التي ارتبطت بصوت فيروز إلى لوحات أوركسترالية تتداخل فيها الآلات الوترية والنفخية والإيقاعات في صياغة معاصرة تحافظ على روح الأصل وتفتح أمامه آفاقا جديدة.

ويشكل العزف المنفرد في هذا السياق ذروة التعبير الموسيقي، إذ لا يقتصر دوره على تقديم استعراض تقني، بل يتحول إلى صوت فردي يحاور المجموعة ويقودها أحيانا، ويمنحها بعدا دراميا وإنسانيا. ومن هذا المنطلق يحضر الفنان حسين بن ميلود بوصفه أحد أبرز عازفي الناي في تونس والعالم العربي، وصاحب تجربة عملت على تحرير هذه الآلة من دورها التقليدي كآلة مصاحبة داخل التخت الشرقي، لتصبح آلة قادرة على قيادة المشهد الموسيقي والتعبير عن أدق الانفعالات.

وتكوّن حسين بن ميلود أكاديميا بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة، قبل أن يطوّر أسلوبا خاصا يمزج بين رصانة المقامات الشرقية وحرية الارتجال المعاصر، وهو ما جعله يحظى بحضور لافت في عدد من المشاريع الموسيقية الكبرى، كما رافق كبار الفنانين العرب في فقرات عزف منفرد، من بينهم مي فاروق ولطفي بوشناق وزياد غرسة ورياض الفهري والفنان الاسباني لاخوسيه وغيرهم. ويتميز أداؤه بقدرته على تحويل الناي إلى صوت إنساني يكاد يغني، مستثمرا إمكانيات الآلة في التعبير عن الحنين والشجن والصفاء، وهي خصائص تجعل حضوره في أمسية مخصصة للرحابنة امتدادا طبيعيا لروح موسيقاهم التي قامت على الشعر والذاكرة والإحساس.

وإلى جانب بن ميلود، سيحضر وسيم مقني حاملا آلة التشيلو، أو الفيولونسيل، باعتبارها أحد أكثر الآلات قدرة على إنتاج الأصوات الدافئة والعميقة داخل الأوركسترا السيمفونية. ويعد مقني من الوجوه الشابة التي برزت في العزف المنفرد مع أوركسترا قرطاج السيمفونية، حيث يقدم أداء يقوم على الانضباط الأكاديمي الصارم واحترام البناء الهارموني المعقد للموسيقى الكلاسيكية، مع احتفاظه بمرونة كبيرة تسمح لآلته الغربية باستيعاب المقامات الشرقية والتفاعل معها دون أن تفقد هويتها الأصلية.

ولا يقتصر تميز وسيم مقني على التقنية العالية، بل يظهر أيضا في قدرته على تحويل التشيلو إلى طرف في حوار موسيقي حي مع الناي، فتلتقي النبرة الخشبية الحزينة للآلة الشرقية مع العمق المخملي للآلة الغربية، في تجربة تؤكد أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وصناعة فضاء مشترك بين مدارس مختلفة.

ومن خلال هذا اللقاء بين حسين بن ميلود ووسيم مقني، تقدم أوركسترا قرطاج السيمفوني نموذجا عمليا لفكرة المزج بين الشرق والغرب، حيث لا يكون التراث العربي مجرد مادة تقتبس داخل القالب الكلاسيكي، ولا تتحول الموسيقى السيمفونية إلى إطار جامد يفرض شروطه، بل ينشأ حوار متوازن يحافظ على خصوصية كل طرف ويمنح الجمهور تجربة سمعية جديدة.

وقد نجحت الأوركسترا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ حضورها ضمن المشهد الثقافي التونسي عبر مشاريع متنوعة أعادت تقديم أعمال عربية وعالمية بتوزيعات سيمفونية، لتصبح واحدة من أهم المبادرات التي تعمل على تقريب الموسيقى الكلاسيكية من الجمهور الواسع، وفي الوقت نفسه إعادة تقديم التراث الموسيقي العربي بلغة تتلاءم مع الذائقة المعاصرة.

كما أسهمت هذه التجارب في منح مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة ديناميكية متجددة، إذ لم يعد فضاء مخصصا للعروض الكلاسيكية التقليدية فقط، بل تحول إلى منصة تحتضن مشاريع موسيقية كبرى تجمع بين الأوبرا والموسيقى العربية والجاز والإبداع السيمفوني، بما يعزز مكانته كأحد أهم الفضاءات الثقافية في تونس، ويمنح الجمهور مواعيد فنية تراهن على الجودة والتجديد.

وفي عرض «بحبك يا لبنان: صدى الرحابنة» تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحا، حيث يلتقي إرث الأخوين رحباني مع الأداء السيمفوني، ويتحول الناي والتشيلو إلى بطلين يحكيان الحكاية نفسها بلغتين مختلفتين، بينما تتولى أوركسترا قرطاج السيمفوني مهمة بناء الجسر الذي يعبر عليه التراث العربي نحو فضاءات موسيقية أوسع، في أمسية تعد بأن تكون احتفاء بالجمال والحنين والقدرة الدائمة للموسيقى على جمع الثقافات في لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة.

إيمان عبد اللطيف

 

من الناي إلى التشيلو..      أوركسترا قرطاج السيمفوني يعيد إحياء الرحابنة برؤية جديدة

تستعد مدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء اليوم الأربعاء 17 جوان 2026 لاحتضان أمسية موسيقية تحمل عنوان «بحبك يا لبنان: صدى الرحابنة»، في عرض يقدمه أوركسترا قرطاج السيمفوني بقيادة المايسترو حافظ مقني على ركح مسرح الأوبرا، في تجربة فنية تراهن على إعادة اكتشاف أعمال الأخوين رحباني برؤية سيمفونية معاصرة، تجمع بين حساسية الموسيقى الشرقية وثراء الكتابة الأوركسترالية الغربية.

ويكتسب الموعد خصوصيته من حضور عازفين منفردين يمثلان وجهين مختلفين للغة الموسيقى، هما حسين بن ميلود على آلة الناي، ووسيم مقني على آلة التشيلو، في حوار موسيقي يضع الآلتين في قلب المشهد ويمنحهما مساحة للتعبير الفردي داخل البناء الجماعي للأوركسترا.

ويأتي هذا العرض امتدادا للمسار الذي اختارته أوركسترا قرطاج السيمفوني منذ تأسيسها، والقائم على إعادة قراءة الذاكرة الموسيقية العربية بوسائل التأليف والتوزيع السيمفوني، بما يسمح بإبراز ثراء الألحان الشرقية وإمكانياتها في التفاعل مع القوالب الكلاسيكية العالمية.

فالرحابنة، الذين صنعوا مدرسة موسيقية قائمة بذاتها، يجدون في هذا المشروع مساحة جديدة للحياة، حيث تتحول الأغنيات التي ارتبطت بصوت فيروز إلى لوحات أوركسترالية تتداخل فيها الآلات الوترية والنفخية والإيقاعات في صياغة معاصرة تحافظ على روح الأصل وتفتح أمامه آفاقا جديدة.

ويشكل العزف المنفرد في هذا السياق ذروة التعبير الموسيقي، إذ لا يقتصر دوره على تقديم استعراض تقني، بل يتحول إلى صوت فردي يحاور المجموعة ويقودها أحيانا، ويمنحها بعدا دراميا وإنسانيا. ومن هذا المنطلق يحضر الفنان حسين بن ميلود بوصفه أحد أبرز عازفي الناي في تونس والعالم العربي، وصاحب تجربة عملت على تحرير هذه الآلة من دورها التقليدي كآلة مصاحبة داخل التخت الشرقي، لتصبح آلة قادرة على قيادة المشهد الموسيقي والتعبير عن أدق الانفعالات.

وتكوّن حسين بن ميلود أكاديميا بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة، قبل أن يطوّر أسلوبا خاصا يمزج بين رصانة المقامات الشرقية وحرية الارتجال المعاصر، وهو ما جعله يحظى بحضور لافت في عدد من المشاريع الموسيقية الكبرى، كما رافق كبار الفنانين العرب في فقرات عزف منفرد، من بينهم مي فاروق ولطفي بوشناق وزياد غرسة ورياض الفهري والفنان الاسباني لاخوسيه وغيرهم. ويتميز أداؤه بقدرته على تحويل الناي إلى صوت إنساني يكاد يغني، مستثمرا إمكانيات الآلة في التعبير عن الحنين والشجن والصفاء، وهي خصائص تجعل حضوره في أمسية مخصصة للرحابنة امتدادا طبيعيا لروح موسيقاهم التي قامت على الشعر والذاكرة والإحساس.

وإلى جانب بن ميلود، سيحضر وسيم مقني حاملا آلة التشيلو، أو الفيولونسيل، باعتبارها أحد أكثر الآلات قدرة على إنتاج الأصوات الدافئة والعميقة داخل الأوركسترا السيمفونية. ويعد مقني من الوجوه الشابة التي برزت في العزف المنفرد مع أوركسترا قرطاج السيمفونية، حيث يقدم أداء يقوم على الانضباط الأكاديمي الصارم واحترام البناء الهارموني المعقد للموسيقى الكلاسيكية، مع احتفاظه بمرونة كبيرة تسمح لآلته الغربية باستيعاب المقامات الشرقية والتفاعل معها دون أن تفقد هويتها الأصلية.

ولا يقتصر تميز وسيم مقني على التقنية العالية، بل يظهر أيضا في قدرته على تحويل التشيلو إلى طرف في حوار موسيقي حي مع الناي، فتلتقي النبرة الخشبية الحزينة للآلة الشرقية مع العمق المخملي للآلة الغربية، في تجربة تؤكد أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وصناعة فضاء مشترك بين مدارس مختلفة.

ومن خلال هذا اللقاء بين حسين بن ميلود ووسيم مقني، تقدم أوركسترا قرطاج السيمفوني نموذجا عمليا لفكرة المزج بين الشرق والغرب، حيث لا يكون التراث العربي مجرد مادة تقتبس داخل القالب الكلاسيكي، ولا تتحول الموسيقى السيمفونية إلى إطار جامد يفرض شروطه، بل ينشأ حوار متوازن يحافظ على خصوصية كل طرف ويمنح الجمهور تجربة سمعية جديدة.

وقد نجحت الأوركسترا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ حضورها ضمن المشهد الثقافي التونسي عبر مشاريع متنوعة أعادت تقديم أعمال عربية وعالمية بتوزيعات سيمفونية، لتصبح واحدة من أهم المبادرات التي تعمل على تقريب الموسيقى الكلاسيكية من الجمهور الواسع، وفي الوقت نفسه إعادة تقديم التراث الموسيقي العربي بلغة تتلاءم مع الذائقة المعاصرة.

كما أسهمت هذه التجارب في منح مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة ديناميكية متجددة، إذ لم يعد فضاء مخصصا للعروض الكلاسيكية التقليدية فقط، بل تحول إلى منصة تحتضن مشاريع موسيقية كبرى تجمع بين الأوبرا والموسيقى العربية والجاز والإبداع السيمفوني، بما يعزز مكانته كأحد أهم الفضاءات الثقافية في تونس، ويمنح الجمهور مواعيد فنية تراهن على الجودة والتجديد.

وفي عرض «بحبك يا لبنان: صدى الرحابنة» تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحا، حيث يلتقي إرث الأخوين رحباني مع الأداء السيمفوني، ويتحول الناي والتشيلو إلى بطلين يحكيان الحكاية نفسها بلغتين مختلفتين، بينما تتولى أوركسترا قرطاج السيمفوني مهمة بناء الجسر الذي يعبر عليه التراث العربي نحو فضاءات موسيقية أوسع، في أمسية تعد بأن تكون احتفاء بالجمال والحنين والقدرة الدائمة للموسيقى على جمع الثقافات في لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة.

إيمان عبد اللطيف