إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

التعاون في التكوين المهني.. محطة جديدة لإشعاع تونس في إفريقيا

 

في ترجمة للتوجه العام الذي تنتهجه تونس في إطار تعزيز حضورها في العمق الإفريقي وتكثيف التعاون مع دول القارة، جاء لقاء وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، بسفير بوركينا فاسو بتونس، أبلينار صودوقة، ليؤكد مجددا أهمية البعد الإفريقي في دعم الشراكات القائمة على تبادل الخبرات ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات البشرية.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها التكوين المهني في السياسات التنموية الحديثة، بوصفه أحد أبرز آليات تأهيل الشباب وتحسين فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بما يعزز حضور البلاد كشريك موثوق ومساهم في جهود التنمية داخل القارة عبر تصدير المعرفة والخبرة والكفاءات.

علاقات ثنائية تتطور بثبات

على مدار السنوات الماضية، حافظت تونس وبوركينا فاسو على علاقات سياسية ودبلوماسية اتسمت بالاستقرار والاحترام المتبادل، غير أن البعد التنموي والاقتصادي بدأ يفرض نفسه بشكل لافت ضمن أجندة التعاون بين البلدين، ليبرز قطاع التكوين المهني والتشغيل كأحد أكثر المجالات التي شهدت حركية فعلية، نظرا لما تمتلكه تونس من تجربة متراكمة في هذا المجال، وما تبديه بوركينا فاسو من اهتمام بالاستفادة من هذه الخبرة لتطوير منظومتها الوطنية.

وفي هذا السياق، يعكس تأكيد وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، استعداد تونس لوضع خبرتها وتجربتها على ذمة بوركينا فاسو توجها ثابتا يقوم على تعزيز التعاون جنوب - جنوب وتكريس مبدأ التضامن الإفريقي من خلال نقل التجارب الناجحة وتبادل الخبرات الفنية والتقنية.

وضمن هذه المقاربة، أصبح قطاع التكوين المهني أحد أهم آليات الدبلوماسية التنموية التي تعتمدها الدول لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، خاصة وأن تونس قد راكمت في هذا المجال خبرة هامة على مدار عقود، سواء من حيث تطوير المناهج أو تكوين المكونين أو ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.

وبالتالي، فإن انفتاحها على محيطها الإفريقي في هذا المجال يندرج ضمن رؤية شاملة تقوم على تحويل المعرفة والخبرة إلى عنصر من عناصر الحضور الدبلوماسي والاقتصادي داخل القارة. كما أن تكوين المكونين من الجانب البوركيني في المؤسسات التونسية لا يقتصر أثره على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل المنظومة التكوينية في بوركينا فاسو بأكملها. وهنا تتجلى أهمية ما يعرف بـ»الدبلوماسية المعرفية»، حيث تتحول الخبرة الوطنية إلى جسر للتقارب بين الدول ووسيلة لتعزيز التعاون الإيجابي القائم على الكفاءة والعمل المشترك.

واللافت في هذا التعاون أنه يعتمد أيضا على اختصاصات ذات قدرة تشغيلية عالية ومرتبطة مباشرة بالاحتياجات الاقتصادية. فالمجالات التي تم التطرق إليها خلال اللقاء، على غرار البناء والأشغال العامة والجلود والأحذية والنسيج والإكساء والكهرباء والإلكترونيك والاتصالات والصناعات الغذائية والخدمات، تمثل قطاعات حيوية بالنسبة إلى الاقتصادين التونسي والبوركيني على حد سواء.

ويعكس اختيار هذه الاختصاصات توجها عمليا يهدف إلى توفير مهارات قابلة للتوظيف المباشر داخل سوق الشغل، بما يساهم في الحد من البطالة وتعزيز الإنتاجية وتدعيم تنافسية المؤسسات الاقتصادية.

كما أن التركيز على التكوين المستمر إلى جانب التكوين الأساسي يعكس إدراكا بأهمية مواكبة التطورات التكنولوجية والمهنية المتسارعة. ومن شأن هذا التوجه أن يساعد بوركينا فاسو على تعزيز قدراتها الوطنية في مجالات حيوية تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة، كما يفتح، في المقابل، آفاقا جديدة أمام المؤسسات التكوينية التونسية لتوسيع إشعاعها داخل الفضاء الإفريقي.

إشعاع تونس في العمق الإفريقي

من جانب آخر، يكتسب هذا التعاون بعدا استراتيجيا بالنسبة إلى تونس التي تعمل خلال السنوات الأخيرة على تعزيز انفتاحها على القارة الإفريقية وتنويع شراكاتها الاقتصادية والتنموية. فإفريقيا لم تعد مجرد فضاء جغرافي مجاور، بل أصبحت اليوم تمثل إحدى أهم الفرص المستقبلية للنمو والاستثمار والتبادل التجاري.

وفي هذا الإطار، يشكل تصدير الخبرة التونسية في مجالات التكوين المهني والتعليم والصحة والخدمات الهندسية أحد المسارات الواعدة لتعزيز الحضور التونسي داخل الأسواق الإفريقية. كما أن نجاح التعاون مع بوركينا فاسو يمكن أن يشكل نموذجا قابلا للتوسيع نحو دول إفريقية أخرى تبحث بدورها عن تطوير منظوماتها التكوينية والاستفادة من التجارب الناجحة داخل القارة.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في التعاون البشري والمعرفي جزءا من الدبلوماسية الاقتصادية التونسية التي تراهن على بناء شراكات مستدامة قائمة على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.

وبالتالي، فإن تعاون تونس مع بوركينا فاسو في مجال التكوين المهني ينسجم في جوهره مع الأهداف الكبرى للقارة الإفريقية الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة.

كما ينسجم هذا التعاون أيضا مع توجهات الاتحاد الإفريقي الرامية إلى تطوير رأس المال البشري وتعزيز المهارات المهنية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التحول الاقتصادي المنشود داخل القارة.

من التعاون الفني إلى الشراكة الاستراتيجية

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الإشادة التي عبّر عنها سفير بوركينا فاسو فيما يهم الدعم الفني والتقني الذي قدمته تونس للمكونين والمستشارين البيداغوجيين تعكس حجم الثقة التي أصبحت تحظى بها التجربة التونسية في هذا المجال، كما تكشف في الوقت نفسه عن وجود أرضية صلبة يمكن البناء عليها للانتقال من التعاون الفني التقليدي إلى شراكة أكثر شمولية واتساعا.

فالمستقبل قد يفتح المجال أمام مشاريع جديدة تشمل إحداث برامج تكوين مشتركة، وتبادل الخبراء، وتطوير منصات رقمية للتكوين عن بعد، وتنظيم دورات متخصصة لفائدة الكفاءات الإفريقية، فضلا عن تعزيز التعاون مع القطاع الخاص بما يضمن مواءمة التكوين مع احتياجات المؤسسات الاقتصادية.

ولا يستبعد أيضا أن يمتد هذا التعاون إلى مجالات أخرى مرتبطة بسوق الشغل وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر، وهي قطاعات أصبحت تحتل مكانة متقدمة ضمن السياسات التنموية الحديثة. ليخلص اللقاء بين وزير التشغيل والتكوين المهني وسفير بوركينا فاسو إلى التأكيد على أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة أكثر نضجا، عنوانها الاستثمار في الإنسان والمعرفة والكفاءة.

ومع تزايد الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه القارة السمراء، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد تعاون قطاعي، إذ تمثل لبنة إضافية في بناء فضاء إفريقي قائم على التضامن وتبادل الخبرات وتحقيق التنمية المشتركة.

منال حرزي

 

التعاون في التكوين المهني.. محطة جديدة لإشعاع تونس في إفريقيا

 

في ترجمة للتوجه العام الذي تنتهجه تونس في إطار تعزيز حضورها في العمق الإفريقي وتكثيف التعاون مع دول القارة، جاء لقاء وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، بسفير بوركينا فاسو بتونس، أبلينار صودوقة، ليؤكد مجددا أهمية البعد الإفريقي في دعم الشراكات القائمة على تبادل الخبرات ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات البشرية.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها التكوين المهني في السياسات التنموية الحديثة، بوصفه أحد أبرز آليات تأهيل الشباب وتحسين فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بما يعزز حضور البلاد كشريك موثوق ومساهم في جهود التنمية داخل القارة عبر تصدير المعرفة والخبرة والكفاءات.

علاقات ثنائية تتطور بثبات

على مدار السنوات الماضية، حافظت تونس وبوركينا فاسو على علاقات سياسية ودبلوماسية اتسمت بالاستقرار والاحترام المتبادل، غير أن البعد التنموي والاقتصادي بدأ يفرض نفسه بشكل لافت ضمن أجندة التعاون بين البلدين، ليبرز قطاع التكوين المهني والتشغيل كأحد أكثر المجالات التي شهدت حركية فعلية، نظرا لما تمتلكه تونس من تجربة متراكمة في هذا المجال، وما تبديه بوركينا فاسو من اهتمام بالاستفادة من هذه الخبرة لتطوير منظومتها الوطنية.

وفي هذا السياق، يعكس تأكيد وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، استعداد تونس لوضع خبرتها وتجربتها على ذمة بوركينا فاسو توجها ثابتا يقوم على تعزيز التعاون جنوب - جنوب وتكريس مبدأ التضامن الإفريقي من خلال نقل التجارب الناجحة وتبادل الخبرات الفنية والتقنية.

وضمن هذه المقاربة، أصبح قطاع التكوين المهني أحد أهم آليات الدبلوماسية التنموية التي تعتمدها الدول لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، خاصة وأن تونس قد راكمت في هذا المجال خبرة هامة على مدار عقود، سواء من حيث تطوير المناهج أو تكوين المكونين أو ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.

وبالتالي، فإن انفتاحها على محيطها الإفريقي في هذا المجال يندرج ضمن رؤية شاملة تقوم على تحويل المعرفة والخبرة إلى عنصر من عناصر الحضور الدبلوماسي والاقتصادي داخل القارة. كما أن تكوين المكونين من الجانب البوركيني في المؤسسات التونسية لا يقتصر أثره على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل المنظومة التكوينية في بوركينا فاسو بأكملها. وهنا تتجلى أهمية ما يعرف بـ»الدبلوماسية المعرفية»، حيث تتحول الخبرة الوطنية إلى جسر للتقارب بين الدول ووسيلة لتعزيز التعاون الإيجابي القائم على الكفاءة والعمل المشترك.

واللافت في هذا التعاون أنه يعتمد أيضا على اختصاصات ذات قدرة تشغيلية عالية ومرتبطة مباشرة بالاحتياجات الاقتصادية. فالمجالات التي تم التطرق إليها خلال اللقاء، على غرار البناء والأشغال العامة والجلود والأحذية والنسيج والإكساء والكهرباء والإلكترونيك والاتصالات والصناعات الغذائية والخدمات، تمثل قطاعات حيوية بالنسبة إلى الاقتصادين التونسي والبوركيني على حد سواء.

ويعكس اختيار هذه الاختصاصات توجها عمليا يهدف إلى توفير مهارات قابلة للتوظيف المباشر داخل سوق الشغل، بما يساهم في الحد من البطالة وتعزيز الإنتاجية وتدعيم تنافسية المؤسسات الاقتصادية.

كما أن التركيز على التكوين المستمر إلى جانب التكوين الأساسي يعكس إدراكا بأهمية مواكبة التطورات التكنولوجية والمهنية المتسارعة. ومن شأن هذا التوجه أن يساعد بوركينا فاسو على تعزيز قدراتها الوطنية في مجالات حيوية تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة، كما يفتح، في المقابل، آفاقا جديدة أمام المؤسسات التكوينية التونسية لتوسيع إشعاعها داخل الفضاء الإفريقي.

إشعاع تونس في العمق الإفريقي

من جانب آخر، يكتسب هذا التعاون بعدا استراتيجيا بالنسبة إلى تونس التي تعمل خلال السنوات الأخيرة على تعزيز انفتاحها على القارة الإفريقية وتنويع شراكاتها الاقتصادية والتنموية. فإفريقيا لم تعد مجرد فضاء جغرافي مجاور، بل أصبحت اليوم تمثل إحدى أهم الفرص المستقبلية للنمو والاستثمار والتبادل التجاري.

وفي هذا الإطار، يشكل تصدير الخبرة التونسية في مجالات التكوين المهني والتعليم والصحة والخدمات الهندسية أحد المسارات الواعدة لتعزيز الحضور التونسي داخل الأسواق الإفريقية. كما أن نجاح التعاون مع بوركينا فاسو يمكن أن يشكل نموذجا قابلا للتوسيع نحو دول إفريقية أخرى تبحث بدورها عن تطوير منظوماتها التكوينية والاستفادة من التجارب الناجحة داخل القارة.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في التعاون البشري والمعرفي جزءا من الدبلوماسية الاقتصادية التونسية التي تراهن على بناء شراكات مستدامة قائمة على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.

وبالتالي، فإن تعاون تونس مع بوركينا فاسو في مجال التكوين المهني ينسجم في جوهره مع الأهداف الكبرى للقارة الإفريقية الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة.

كما ينسجم هذا التعاون أيضا مع توجهات الاتحاد الإفريقي الرامية إلى تطوير رأس المال البشري وتعزيز المهارات المهنية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التحول الاقتصادي المنشود داخل القارة.

من التعاون الفني إلى الشراكة الاستراتيجية

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الإشادة التي عبّر عنها سفير بوركينا فاسو فيما يهم الدعم الفني والتقني الذي قدمته تونس للمكونين والمستشارين البيداغوجيين تعكس حجم الثقة التي أصبحت تحظى بها التجربة التونسية في هذا المجال، كما تكشف في الوقت نفسه عن وجود أرضية صلبة يمكن البناء عليها للانتقال من التعاون الفني التقليدي إلى شراكة أكثر شمولية واتساعا.

فالمستقبل قد يفتح المجال أمام مشاريع جديدة تشمل إحداث برامج تكوين مشتركة، وتبادل الخبراء، وتطوير منصات رقمية للتكوين عن بعد، وتنظيم دورات متخصصة لفائدة الكفاءات الإفريقية، فضلا عن تعزيز التعاون مع القطاع الخاص بما يضمن مواءمة التكوين مع احتياجات المؤسسات الاقتصادية.

ولا يستبعد أيضا أن يمتد هذا التعاون إلى مجالات أخرى مرتبطة بسوق الشغل وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر، وهي قطاعات أصبحت تحتل مكانة متقدمة ضمن السياسات التنموية الحديثة. ليخلص اللقاء بين وزير التشغيل والتكوين المهني وسفير بوركينا فاسو إلى التأكيد على أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة أكثر نضجا، عنوانها الاستثمار في الإنسان والمعرفة والكفاءة.

ومع تزايد الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه القارة السمراء، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد تعاون قطاعي، إذ تمثل لبنة إضافية في بناء فضاء إفريقي قائم على التضامن وتبادل الخبرات وتحقيق التنمية المشتركة.

منال حرزي