إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ذوو صعوبات التعلّم في تونس.. تحديات متواصلة وجهود لتعزيز الإدماج المدرسي

◄ تلاميذ الباكالوريا من هذه الفئة قادرون على النجاح وتحقيق نتائج إيجابية متى توفرت لهم الظروف المناسبة

يمثّل التعليم حقًا أساسيًا لكل طفل، وركيزة جوهرية لتحقيق التنمية الفردية والاجتماعية، إذ تسعى المنظومات التربوية الحديثة إلى ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين مهما اختلفت قدراتهم وخصائصهم النفسية والمعرفية. غير أن الواقع التربوي يكشف وجود فئة من التلاميذ تواجه صعوبات حقيقية في اكتساب المهارات الأساسية للتعلم، كالقراءة والكتابة والحساب والفهم والاستيعاب، رغم تمتعها بقدرات عقلية عادية أو قريبة من المعدل الطبيعي، كما تُعرف هذه الفئة بالتلاميذ ذوي صعوبات التعلم.

وتعد صعوبات التعلم من القضايا التربوية والنفسية التي حظيت باهتمام متزايد خلال العقود الأخيرة، لما لها من تأثير مباشر في المسار الدراسي للتلميذ وفي توافقه النفسي والاجتماعي. فالتلميذ الذي يعاني من هذه الصعوبات يجد نفسه عاجزًا عن مجاراة أقرانه داخل القسم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدني نتائجه الدراسية وفقدانه الثقة في نفسه، بل وقد يصل أحيانًا إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة. كما أن هذه الصعوبات لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، وإنما تمتد لتؤثر في شخصية المتعلم وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على الاندماج داخل المحيط المدرسي والأسري.

وفي تونس، أصبح موضوع صعوبات التعلم من بين الإشكاليات التربوية المطروحة بقوة، خاصة مع تزايد عدد الحالات المشخصة وارتفاع الوعي بأهمية الكشف المبكر عنها.

وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة مهمة من التلاميذ تعاني بدرجات متفاوتة من صعوبات أو اضطرابات التعلم، وهو ما يفرض على المؤسسات التربوية تطوير آليات التدخل والإحاطة والمرافقة النفسية والبيداغوجية الملائمة لهذه الفئة. كما تؤكد عدة تقارير وتصريحات مختصين أن العديد من التلاميذ ذوي صعوبات التعلم ما زالوا يواجهون تحديات تتعلق بضعف التشخيص المبكر، ونقص الوسائل البيداغوجية المتخصصة، وصعوبة تطبيق مبادئ الدمج المدرسي بصورة فعالة.

وتتعدد أشكال صعوبات التعلم لتشمل عسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب، إضافة إلى اضطرابات الانتباه والتركيز والذاكرة والإدراك.

وتختلف درجة تأثير هذه الصعوبات من تلميذ إلى آخر، مما يستوجب اعتماد مقاربات تربوية فردية تراعي خصوصية كل حالة وتساعد المتعلم على تجاوز العوائق التي تعترض مسيرته الدراسية. وانطلاقًا من أهمية هذا الموضوع وما يطرحه من تحديات تربوية ونفسية واجتماعية، يسلط ملف «الصباح» الضوء على هذه الفئة من التلاميذ من خلال التعرف إلى مفهوم صعوبات التعلم وأنواعها وأسبابها وخصائص التلاميذ الذين يعانون منها، إضافة إلى بيان دور الأسرة والمدرسة والأخصائيين في التشخيص المبكر والتكفل التربوي والنفسي بهذه الفئة، بما يضمن حقها في تعليم عادل وشامل.

وفي إطار حرصها على ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، اتخذت وزارة التربية التونسية خلال دورة الباكالوريا الرئيسية لسنة 2026 جملة من الإجراءات الاستثنائية لفائدة التلاميذ الذين يعانون من اضطرابات خصوصية في التعلم أو من إعاقات مختلفة.

وشملت هذه الإجراءات منح وقت إضافي يساوي ثلث الزمن القانوني للاختبارات للتلاميذ الذين يعانون صعوبات في الكتابة أو بطءا في الإنجاز، وتخصيص قاعات امتحان خاصة، إضافة إلى تكبير خط مواضيع الامتحان لفائدة ضعاف البصر، والسماح بالاستعانة بكاتب أو قارئ في بعض الحالات التي تستوجب ذلك، وفق الملفات الطبية والقرارات التربوية المعتمدة.

كما تعمل الوزارة على تهيئة الظروف اللوجستية والبيداغوجية الملائمة لكل مترشح حسب طبيعة حالته، بما يضمن له اجتياز الاختبارات في ظروف تراعي خصوصياته واحتياجاته. وتندرج هذه التدابير ضمن سياسة الدمج التربوي التي تنتهجها الدولة لفائدة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية، بهدف تعزيز اندماجهم داخل المنظومة التعليمية وتمكينهم من مواصلة مسارهم الدراسي في أفضل الظروف.

المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي محمد الهيشري:

هذه الفئة ما تزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والإحاطة

أكد المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي محمد الهيشري، في تصريح لـ«الصباح»، أن الحديث يتعلق بفئة تُعرف رسميًا بـ»ذوي الاحتياجات التربوية الخصوصية»، باعتبار أن احتياجاتها تختلف من حالة إلى أخرى، إذ تضم تلاميذ من ذوي الإعاقة وآخرين من ذوي اضطرابات التعلم، مشيرًا إلى وجود منشور مشترك بين وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية يؤطر التعامل مع هذه الفئة.

وأوضح الهيشري أن دور مستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي لا يقتصر على عملية التوجيه فقط، بل يشمل كذلك المرافقة والإحاطة النفسية والتربوية من خلال برمجة حصص للإنصات والمتابعة، إضافة إلى إحالة بعض الحالات التي تستوجب تدخل أطراف أخرى، على غرار الأطباء النفسانيين أو مندوبي حماية الطفولة وغيرهم.

وأضاف محدثنا أن المستشار يعتمد المرونة عند التعامل مع هذه الفئة، خاصة في ما يتعلق بالتوجيه الدراسي، حيث يتم الحرص على تمكين التلميذ من الاختيارات التي تتلاءم مع إمكاناته وقدراته، بما يساعده على بناء مشروعه الشخصي والنجاح في مساره الدراسي.

وأشار محدثنا إلى أن الإشكاليات التي تواجه هذه الشريحة تبرز على ثلاثة مستويات، يجب الانتباه لها...

ويتمثل المستوى الأول في التعلمات داخل القسم، حيث توجد صعوبات في تطبيق بعض النصوص الترتيبية بسبب نقص التكوين لدى الإطار التربوي، إلى جانب الإشكاليات اللوجستية المرتبطة بفضاءات التدريس والاكتظاظ داخل الأقسام.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالتقييم، إذ يتمتع هؤلاء التلاميذ قانونيًا بجملة من الإجراءات الاستثنائية، غير أن تطبيقها يواجه أحيانًا بعض الصعوبات بسبب عدم توفر الظروف الملائمة أو عدم اعتماد التكييفات البيداغوجية اللازمة، مثل تمكين التلميذ من الوقت الإضافي أو تكبير الخط في الاختبارات. وبيّن محدثنا أن المستوى الثالث يتعلق بالارتقاء من سنة دراسية إلى أخرى، حيث توجد مناشير تسمح باتخاذ إجراءات استثنائية تراعي خصوصية هذه الفئة. وفي ما يخص امتحان الباكالوريا، أكد الهيشري أن وزارة التربية تحرص على تطبيق الإجراءات الاستثنائية واحترام التوصيات الواردة في المناشير الصادرة عن الوزارة والمندوبيات الجهوية للتربية، إلا أن هذه الإجراءات تبقى، وفق تقديره، غير كافية في بعض الحالات بسبب عدد من الإشكاليات اللوجستية والتنظيمية.

وختم المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي تصريحه بالتأكيد على أن هذه الفئة ما تزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والاهتمام والإحاطة، داعيًا إلى تعزيز دور مختلف المتدخلين من أخصائيين نفسانيين ومستشاري إعلام وتوجيه، إلى جانب تدعيم الإطار التربوي الذي يعمل في علاقة مباشرة مع هؤلاء التلاميذ.

صاحبة معهد خاص مختص في الاحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية:

النجاح ممكن عندما تتوفر الإحاطة والتأطير المناسبان..

اكدت صاحبة مؤسسة تربوية خاصة مختصة في الاحاطة بالتلاميذ ذوي صعوبات التعلم فرحة حنافي، في تصريح لـ«الصباح»، أن المؤسسة تستقبل حصريًا التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم، وتوفر لهم رعاية خاصة عبر فريق متعدد الاختصاصات يضم مختصين في تقويم النطق، وأخصائيين نفسانيين، وإطارًا تربويًا مكونًا للتعامل مع هذه الحالات.

وأضافت أن المؤسسة تطبق البرنامج الرسمي لوزارة التربية مثل بقية المؤسسات التعليمية، مع توفير التكييفات الضرورية التي يحتاجها كل تلميذ وفق ملفه الطبي.

ويشار إلى أن هذه المؤسسة تعد أول مدرسة في تونس مخصصة للتلاميذ ذوي صعوبات التعلم، مثل عسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب وعسر الأداء الحركي واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، إضافة إلى بعض الحالات التي تعاني من رهاب المدرسة.

وأكدت محدثتنا أن المؤسسة تضم مختلف المراحل التعليمية من الابتدائي إلى الثانوي، وتعمل على توفير كل الإجراءات الاستثنائية التي يوصي بها الأطباء المختصون، على غرار الوقت الإضافي أو الاستعانة بقارئ أو كاتب أثناء الاختبارات.

وأضافت صاحبة المعهد الخاص الابتدائي والثانوي المختص في الإحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية أن المؤسسة سجلت ثلاث دفعات من تلاميذ الباكالوريا، وأن جميع الاحتياجات المطلوبة لفائدة التلاميذ تم توفيرها بالتنسيق مع الجهات المعنية، مشيرة إلى أن عدد تلاميذ الباكالوريا بالمؤسسة خلال السنة الحالية يبلغ 12 تلميذًا. وأكدت محدثتنا أن النتائج المحققة كانت مشجعة، حيث بلغت نسبة النجاح خلال السنة الماضية حوالي 50 بالمائة، مع توقعات بتحقيق نتائج إيجابية خلال الدورة الحالية. وأوضحت أن المؤسسة تعتمد أقسامًا محدودة العدد لا يتجاوز فيها عدد التلاميذ عشرة في القسم الواحد، كما يتم تكوين المدرسين وتدريبهم على خصوصيات التعامل مع التلاميذ ذوي صعوبات التعلم وكيفية تقييمهم ومراعاة احتياجاتهم أثناء التدريس والإصلاح.

وبيّنت أن المؤسسة لا تستقبل حالات التوحد التي تتطلب إطارًا متخصصًا مختلفًا، بل تركز على التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم واضطرابات الانتباه وفرط الحركة وبعض الحالات ذات القدرات الذهنية المرتفعة.

وفي ختام تصريحها، وجهت صاحبة المعهد الخاص الابتدائي والثانوي المختص في الإحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية رسالة إلى الأولياء قائلة: «ما تغمضوش عينيكم على صغاركم على أمل التحسن مستقبلًا، بل يجب الانتباه إلى المؤشرات الأولى والتوجه إلى المختصين في الوقت المناسب، لأن التدخل المبكر يساعد الطفل على تجاوز العديد من الصعوبات». كما أكدت محدثتنا أن تلاميذ الباكالوريا من هذه الفئة قادرون على النجاح وتحقيق نتائج إيجابية متى توفرت لهم الظروف المناسبة، مشددة على أن المطلوب ليس تغيير البرامج التعليمية، وإنما تكييفها بما يتلاءم مع احتياجاتهم وقدراتهم.

المختص في علم نفس الطفل والمراهق وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم محمد الحناشي:

فهم صعوبات التعلم يقتضي اعتماد رؤية شاملة

ومن جهته، قال المتخصص في علم نفس الطفل والمراهق والخبير لدى المنظمات الدولية بتونس وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم محمد الحناشي، في تصريح لـ«الصباح»، إن صعوبات التعلم تُعد من أكثر القضايا التي تثير القلق لدى الأولياء والمربين، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على التحصيل الدراسي، وإنما أيضًا بسبب ما تتركه من آثار نفسية وانفعالية قد تمتد إلى مختلف جوانب شخصية الطفل ونموه النفسي والاجتماعي.

وأوضح محدثنا أن الخطأ الأكثر شيوعًا يتمثل في اختزال هذه الصعوبات في مجرد ضعف في الدراسة أو نقص في الجهد أو الإرادة، فالأبحاث الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب أكدت أن التعلم عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عصبية ومعرفية وانفعالية واجتماعية، وأن أي خلل في أحد هذه المكونات قد ينعكس بصورة مباشرة على المسار الدراسي للطفل. كما أنه من الضروري التمييز بين اضطرابات التعلم النمائية، مثل عسر القراءة (Dyslexie) وعسر الكتابة وعسر الحساب، وهي اضطرابات ذات أساس عصبي نمائي، وبين صعوبات التعلم بمعناها الواسع التي قد تنجم أيضًا عن عوامل نفسية أو أسرية أو تربوية أو اجتماعية. ولذلك فإن فهم صعوبات التعلم يقتضي اعتماد رؤية شمولية تنظر إلى الطفل باعتباره كيانًا نفسيًا ومعرفيًا واجتماعيًا متكاملًا، لا مجرد متعلم داخل القسم.

أما بالنسبة إلى العوامل النفسية التي قد تساهم في ظهور أو تفاقم صعوبات التعلم لدى التلاميذ، فقد أفاد محدثنا بأنه: من منظور علم النفس العصبي، يعتمد التعلم على مجموعة من الوظائف المعرفية الأساسية التي تعمل بصورة متكاملة، من أهمها الانتباه والذاكرة العاملة وسرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية. فالطفل الذي يعاني من ضعف في الذاكرة العاملة (على سبيل المثال) قد يواجه صعوبة في الاحتفاظ بالمعلومات أثناء القراءة أو أثناء حل المسائل الرياضية متعددة الخطوات. أما الطفل الذي يعاني من بطء في سرعة المعالجة المعرفية، فقد يحتاج إلى وقت أطول لفهم التعليمات أو إنجاز التمارين مقارنة بأقرانه. وتكمن المشكلة في أن هذه الصعوبات غالبًا ما تُفسَّر من قبل المحيط على أنها كسل أو تهاون أو نقص في الدافعية، في حين أنها تعكس في الواقع اختلافًا في طريقة اشتغال الدماغ ومعالجة المعلومات.

ولتبسيط الصورة، يقول محدثنا إنه يمكن القول إن بعض الأطفال يصلون إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها أقرانهم، لكنهم يحتاجون إلى جهد معرفي أكبر بكثير. ومع مرور الوقت يؤدي هذا الجهد المستمر إلى حالة من الإرهاق المعرفي والانفعالي تجعل التعلم أكثر صعوبة.

العوامل الانفعالية.. أثر القلق والتوتر على التعلم..

يُعد القلق من أكثر العوامل النفسية تأثيرًا في الأداء المدرسي، وفق تصريح محدثنا. فالدماغ لا يعمل بالطريقة نفسها عندما يكون في حالة أمان مقارنة بوجود حالة من التهديد أو الخوف. وعندما يعيش الطفل تحت ضغط مستمر مرتبط بالخوف من الفشل أو العقاب أو السخرية أو المقارنة بالآخرين، فإن جزءًا مهمًا من موارده النفسية والمعرفية يُستهلك في محاولة التكيف مع هذه المشاعر السلبية. وقد بينت الدراسات العصبية أن التوتر المزمن يؤدي إلى تنشيط البنى الدماغية المرتبطة بالاستجابة للخطر، مما يحد من كفاءة العمليات العقلية العليا المسؤولة عن الانتباه والتذكر وحل المشكلات.

ولهذا السبب نجد أحيانًا طفلًا يمتلك المعارف اللازمة ويستطيع الإجابة بشكل صحيح داخل المنزل، لكنه يعجز عن استرجاعها أثناء الاختبارات. فالمشكلة هنا ليست في نقص التعلم، وإنما في تأثير القلق على القدرة على استدعاء المعلومات واستثمارها. ومن هنا يصبح القلق عاملًا مضاعفًا للصعوبة الأصلية، إذ لا يكتفي بالتأثير على الأداء المدرسي، بل يحد أيضًا من الاستفادة من فرص التعلم الجديدة.

الجرح النفسي الخفي لصعوبات التعلم...

هذا ويوضح المتخصص في علم نفس الطفل والمراهق والخبير لدى المنظمات الدولية بتونس وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم أن الطفل لا يتعلم المهارات الأكاديمية فقط داخل المدرسة، بل يبني أيضًا صورة عن نفسه وعن قدراته. ومن خلال النجاح والإخفاق المتكررين يبدأ الطفل في الإجابة عن أسئلة نفسية عميقة من قبيل: هل أنا قادر على النجاح؟ هل أستطيع النجاح مثل الآخرين؟ هل أنا ذكي أم أقل قيمة منهم؟ وعندما تتكرر الإخفاقات دون تفسير واضح أو دعم مناسب، يبدأ الطفل تدريجيًا في بناء صورة سلبية عن ذاته، وهنا تتحول الصعوبة الأكاديمية إلى أزمة نفسية تمس الشعور بالكفاءة والثقة بالنفس.

وتشير الأدبيات النفسية، حسب تصريح محدثنا، إلى أن العديد من الأطفال ذوي صعوبات التعلم لا يعانون فقط من ضعف في القراءة أو الكتابة أو الحساب، بل يعانون أيضًا من شعور مزمن بالفشل والعجز وانخفاض تقدير الذات. والخطير في الأمر أن الطفل قد ينتقل من الاعتقاد بأنه يواجه صعوبة محددة إلى الاعتقاد بأنه شخص غير قادر على النجاح في الحياة بصفة عامة.

العجز المكتسب للتعلم..

ومن المفاهيم الأساسية في علم النفس التربوي مفهوم «عجز التعلم المكتسب»، وينشأ هذا النمط عندما يتعرض الطفل لسلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة رغم الجهد المبذول. ومع تكرار التجربة يبدأ في الاعتقاد أن النجاح خارج نطاق قدراته، وأن المحاولة نفسها لم تعد ذات معنى. وفي هذه المرحلة لا يعود الطفل يتجنب النشاط المدرسي بسبب الصعوبة فقط، بل بسبب اقتناع داخلي بأن الفشل نتيجة حتمية. وهنا تظهر بعض السلوكيات التي يُساء فهمها كثيرًا، مثل اللامبالاة أو الرفض المدرسي أو ضعف الدافعية، بينما تكون في الحقيقة تعبيرًا عن حالة نفسية من اليأس وفقدان الأمل في النجاح. كما لا يمكن فهم صعوبات التعلم بمعزل عن السياق الأسري والتربوي، فالطفل الذي يعيش في بيئة يغلب عليها النقد المستمر أو المقارنات أو الضغط المفرط لتحقيق نتائج مرتفعة يصبح أكثر عرضة للقلق وتدني تقدير الذات، حيث إن بعض الممارسات التربوية قد تؤدي إلى تفاقم الصعوبة، مثل التركيز على الأخطاء دون إبراز نقاط القوة أو اعتماد أساليب تدريس موحدة لا تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. وفي المقابل، تشكل البيئة الداعمة عاملًا وقائيًا مهمًا، حيث تساعد الطفل على تطوير الشعور بالأمان النفسي والثقة في قدرته على التعلم رغم الصعوبات.

التشخيص المبكر يمنع تراكم الفشل المدرسي..

وفيما يتعلق بأهمية التشخيص المبكر، أوضح محدثنا أنه كلما تم اكتشاف الصعوبة في مرحلة مبكرة أمكن التدخل قبل أن تتوسع آثارها الأكاديمية والنفسية، فالطفل لا يتأثر بالصعوبة الأصلية فقط، بل يتأثر أيضًا بعدد سنوات المعاناة المرتبطة بها. ولذلك فإن السنوات الأولى من التمدرس تمثل فترة حاسمة للتعرف على المؤشرات المبكرة والتدخل السريع.

التشخيص المبكر يكشف نقاط القوة قبل التركيز على نقاط الضعف..

ومن أهم أهداف التقييم النفسي العصبي تحديد الملمح (profil) المعرفي/الذهني الخاص بكل طفل. فنادرًا ما نجد طفلًا يعاني من قصور شامل في جميع المجالات. ففي أغلب الحالات توجد جوانب قوة يمكن استثمارها لدعم جوانب الضعف، وهذا التحول من البحث عن العجز إلى البحث عن الإمكانات يمثل أحد الأسس الحديثة للتدخل النفسي والتربوي.

أهمية التدخل النفسي المبكر..

كما تؤكد الدراسات أن العديد من الاضطرابات الانفعالية التي تظهر لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم ليست اضطرابات أولية، بل نتائج ثانوية للفشل المتكرر وسوء الفهم والوصم الاجتماعي. لذلك فإن التدخل النفسي المبكر لا يهدف فقط إلى تحسين الأداء الدراسي، بل أيضًا إلى حماية الطفل من القلق والاكتئاب وتدني تقدير الذات والانسحاب الاجتماعي.

ويوضح محدثنا بأن دماغ الطفل يتميز بدرجة عالية من المرونة العصبية، وهي القدرة على إعادة تنظيم الشبكات العصبية واكتساب استراتيجيات جديدة للتعلم. ولهذا السبب تكون التدخلات المبكرة أكثر فاعلية من التدخلات المتأخرة، لأن الدماغ في السنوات الأولى يكون أكثر قابلية للتعويض والتكيف وإعادة بناء المهارات المتأثرة.

التشخيص المبكر يسمح ببناء خطة تدخل متعددة الاختصاصات..

كما يفيد بأن المقاربات الحديثة تؤكد أن التعامل مع صعوبات التعلم لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة، فالنجاح يتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والأخصائي النفسي والأخصائي في تقويم النطق واللغة والطبيب عند الحاجة. ويهدف هذا التعاون إلى توفير تدخل متكامل يشمل التأهيل المعرفي والدعم النفسي والتكييفات البيداغوجية المناسبة.

وتكشف المعارف العلمية المعاصرة، وفق محدثنا، أن صعوبات التعلم ليست مجرد تعثر أكاديمي عابر، بل هي ظاهرة نمائية معقدة تتفاعل فيها العوامل العصبية والمعرفية والانفعالية والتربوية والاجتماعية. وغالبًا ما تكون المعاناة النفسية الناتجة عنها أشد خطورة من الصعوبة الأكاديمية نفسها. فالطفل الذي لا يتمكن من القراءة أو الكتابة أو الحساب لا يحتاج فقط إلى تعلم المهارة المفقودة، بل يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على ثقته بنفسه وشعوره بالكفاءة وقدرته على الحلم بالنجاح. ومن هنا تبرز أهمية التشخيص المبكر والتدخل النفسي المبكر باعتبارهما استثمارًا في الصحة النفسية للطفل بقدر ما هما استثمار في نجاحه الدراسي.

إعداد: أميرة الدريدي

 ذوو صعوبات التعلّم في تونس..   تحديات متواصلة وجهود لتعزيز الإدماج المدرسي

◄ تلاميذ الباكالوريا من هذه الفئة قادرون على النجاح وتحقيق نتائج إيجابية متى توفرت لهم الظروف المناسبة

يمثّل التعليم حقًا أساسيًا لكل طفل، وركيزة جوهرية لتحقيق التنمية الفردية والاجتماعية، إذ تسعى المنظومات التربوية الحديثة إلى ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين مهما اختلفت قدراتهم وخصائصهم النفسية والمعرفية. غير أن الواقع التربوي يكشف وجود فئة من التلاميذ تواجه صعوبات حقيقية في اكتساب المهارات الأساسية للتعلم، كالقراءة والكتابة والحساب والفهم والاستيعاب، رغم تمتعها بقدرات عقلية عادية أو قريبة من المعدل الطبيعي، كما تُعرف هذه الفئة بالتلاميذ ذوي صعوبات التعلم.

وتعد صعوبات التعلم من القضايا التربوية والنفسية التي حظيت باهتمام متزايد خلال العقود الأخيرة، لما لها من تأثير مباشر في المسار الدراسي للتلميذ وفي توافقه النفسي والاجتماعي. فالتلميذ الذي يعاني من هذه الصعوبات يجد نفسه عاجزًا عن مجاراة أقرانه داخل القسم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدني نتائجه الدراسية وفقدانه الثقة في نفسه، بل وقد يصل أحيانًا إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة. كما أن هذه الصعوبات لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، وإنما تمتد لتؤثر في شخصية المتعلم وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على الاندماج داخل المحيط المدرسي والأسري.

وفي تونس، أصبح موضوع صعوبات التعلم من بين الإشكاليات التربوية المطروحة بقوة، خاصة مع تزايد عدد الحالات المشخصة وارتفاع الوعي بأهمية الكشف المبكر عنها.

وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة مهمة من التلاميذ تعاني بدرجات متفاوتة من صعوبات أو اضطرابات التعلم، وهو ما يفرض على المؤسسات التربوية تطوير آليات التدخل والإحاطة والمرافقة النفسية والبيداغوجية الملائمة لهذه الفئة. كما تؤكد عدة تقارير وتصريحات مختصين أن العديد من التلاميذ ذوي صعوبات التعلم ما زالوا يواجهون تحديات تتعلق بضعف التشخيص المبكر، ونقص الوسائل البيداغوجية المتخصصة، وصعوبة تطبيق مبادئ الدمج المدرسي بصورة فعالة.

وتتعدد أشكال صعوبات التعلم لتشمل عسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب، إضافة إلى اضطرابات الانتباه والتركيز والذاكرة والإدراك.

وتختلف درجة تأثير هذه الصعوبات من تلميذ إلى آخر، مما يستوجب اعتماد مقاربات تربوية فردية تراعي خصوصية كل حالة وتساعد المتعلم على تجاوز العوائق التي تعترض مسيرته الدراسية. وانطلاقًا من أهمية هذا الموضوع وما يطرحه من تحديات تربوية ونفسية واجتماعية، يسلط ملف «الصباح» الضوء على هذه الفئة من التلاميذ من خلال التعرف إلى مفهوم صعوبات التعلم وأنواعها وأسبابها وخصائص التلاميذ الذين يعانون منها، إضافة إلى بيان دور الأسرة والمدرسة والأخصائيين في التشخيص المبكر والتكفل التربوي والنفسي بهذه الفئة، بما يضمن حقها في تعليم عادل وشامل.

وفي إطار حرصها على ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، اتخذت وزارة التربية التونسية خلال دورة الباكالوريا الرئيسية لسنة 2026 جملة من الإجراءات الاستثنائية لفائدة التلاميذ الذين يعانون من اضطرابات خصوصية في التعلم أو من إعاقات مختلفة.

وشملت هذه الإجراءات منح وقت إضافي يساوي ثلث الزمن القانوني للاختبارات للتلاميذ الذين يعانون صعوبات في الكتابة أو بطءا في الإنجاز، وتخصيص قاعات امتحان خاصة، إضافة إلى تكبير خط مواضيع الامتحان لفائدة ضعاف البصر، والسماح بالاستعانة بكاتب أو قارئ في بعض الحالات التي تستوجب ذلك، وفق الملفات الطبية والقرارات التربوية المعتمدة.

كما تعمل الوزارة على تهيئة الظروف اللوجستية والبيداغوجية الملائمة لكل مترشح حسب طبيعة حالته، بما يضمن له اجتياز الاختبارات في ظروف تراعي خصوصياته واحتياجاته. وتندرج هذه التدابير ضمن سياسة الدمج التربوي التي تنتهجها الدولة لفائدة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية، بهدف تعزيز اندماجهم داخل المنظومة التعليمية وتمكينهم من مواصلة مسارهم الدراسي في أفضل الظروف.

المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي محمد الهيشري:

هذه الفئة ما تزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والإحاطة

أكد المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي محمد الهيشري، في تصريح لـ«الصباح»، أن الحديث يتعلق بفئة تُعرف رسميًا بـ»ذوي الاحتياجات التربوية الخصوصية»، باعتبار أن احتياجاتها تختلف من حالة إلى أخرى، إذ تضم تلاميذ من ذوي الإعاقة وآخرين من ذوي اضطرابات التعلم، مشيرًا إلى وجود منشور مشترك بين وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية يؤطر التعامل مع هذه الفئة.

وأوضح الهيشري أن دور مستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي لا يقتصر على عملية التوجيه فقط، بل يشمل كذلك المرافقة والإحاطة النفسية والتربوية من خلال برمجة حصص للإنصات والمتابعة، إضافة إلى إحالة بعض الحالات التي تستوجب تدخل أطراف أخرى، على غرار الأطباء النفسانيين أو مندوبي حماية الطفولة وغيرهم.

وأضاف محدثنا أن المستشار يعتمد المرونة عند التعامل مع هذه الفئة، خاصة في ما يتعلق بالتوجيه الدراسي، حيث يتم الحرص على تمكين التلميذ من الاختيارات التي تتلاءم مع إمكاناته وقدراته، بما يساعده على بناء مشروعه الشخصي والنجاح في مساره الدراسي.

وأشار محدثنا إلى أن الإشكاليات التي تواجه هذه الشريحة تبرز على ثلاثة مستويات، يجب الانتباه لها...

ويتمثل المستوى الأول في التعلمات داخل القسم، حيث توجد صعوبات في تطبيق بعض النصوص الترتيبية بسبب نقص التكوين لدى الإطار التربوي، إلى جانب الإشكاليات اللوجستية المرتبطة بفضاءات التدريس والاكتظاظ داخل الأقسام.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالتقييم، إذ يتمتع هؤلاء التلاميذ قانونيًا بجملة من الإجراءات الاستثنائية، غير أن تطبيقها يواجه أحيانًا بعض الصعوبات بسبب عدم توفر الظروف الملائمة أو عدم اعتماد التكييفات البيداغوجية اللازمة، مثل تمكين التلميذ من الوقت الإضافي أو تكبير الخط في الاختبارات. وبيّن محدثنا أن المستوى الثالث يتعلق بالارتقاء من سنة دراسية إلى أخرى، حيث توجد مناشير تسمح باتخاذ إجراءات استثنائية تراعي خصوصية هذه الفئة. وفي ما يخص امتحان الباكالوريا، أكد الهيشري أن وزارة التربية تحرص على تطبيق الإجراءات الاستثنائية واحترام التوصيات الواردة في المناشير الصادرة عن الوزارة والمندوبيات الجهوية للتربية، إلا أن هذه الإجراءات تبقى، وفق تقديره، غير كافية في بعض الحالات بسبب عدد من الإشكاليات اللوجستية والتنظيمية.

وختم المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي تصريحه بالتأكيد على أن هذه الفئة ما تزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والاهتمام والإحاطة، داعيًا إلى تعزيز دور مختلف المتدخلين من أخصائيين نفسانيين ومستشاري إعلام وتوجيه، إلى جانب تدعيم الإطار التربوي الذي يعمل في علاقة مباشرة مع هؤلاء التلاميذ.

صاحبة معهد خاص مختص في الاحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية:

النجاح ممكن عندما تتوفر الإحاطة والتأطير المناسبان..

اكدت صاحبة مؤسسة تربوية خاصة مختصة في الاحاطة بالتلاميذ ذوي صعوبات التعلم فرحة حنافي، في تصريح لـ«الصباح»، أن المؤسسة تستقبل حصريًا التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم، وتوفر لهم رعاية خاصة عبر فريق متعدد الاختصاصات يضم مختصين في تقويم النطق، وأخصائيين نفسانيين، وإطارًا تربويًا مكونًا للتعامل مع هذه الحالات.

وأضافت أن المؤسسة تطبق البرنامج الرسمي لوزارة التربية مثل بقية المؤسسات التعليمية، مع توفير التكييفات الضرورية التي يحتاجها كل تلميذ وفق ملفه الطبي.

ويشار إلى أن هذه المؤسسة تعد أول مدرسة في تونس مخصصة للتلاميذ ذوي صعوبات التعلم، مثل عسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب وعسر الأداء الحركي واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، إضافة إلى بعض الحالات التي تعاني من رهاب المدرسة.

وأكدت محدثتنا أن المؤسسة تضم مختلف المراحل التعليمية من الابتدائي إلى الثانوي، وتعمل على توفير كل الإجراءات الاستثنائية التي يوصي بها الأطباء المختصون، على غرار الوقت الإضافي أو الاستعانة بقارئ أو كاتب أثناء الاختبارات.

وأضافت صاحبة المعهد الخاص الابتدائي والثانوي المختص في الإحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية أن المؤسسة سجلت ثلاث دفعات من تلاميذ الباكالوريا، وأن جميع الاحتياجات المطلوبة لفائدة التلاميذ تم توفيرها بالتنسيق مع الجهات المعنية، مشيرة إلى أن عدد تلاميذ الباكالوريا بالمؤسسة خلال السنة الحالية يبلغ 12 تلميذًا. وأكدت محدثتنا أن النتائج المحققة كانت مشجعة، حيث بلغت نسبة النجاح خلال السنة الماضية حوالي 50 بالمائة، مع توقعات بتحقيق نتائج إيجابية خلال الدورة الحالية. وأوضحت أن المؤسسة تعتمد أقسامًا محدودة العدد لا يتجاوز فيها عدد التلاميذ عشرة في القسم الواحد، كما يتم تكوين المدرسين وتدريبهم على خصوصيات التعامل مع التلاميذ ذوي صعوبات التعلم وكيفية تقييمهم ومراعاة احتياجاتهم أثناء التدريس والإصلاح.

وبيّنت أن المؤسسة لا تستقبل حالات التوحد التي تتطلب إطارًا متخصصًا مختلفًا، بل تركز على التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم واضطرابات الانتباه وفرط الحركة وبعض الحالات ذات القدرات الذهنية المرتفعة.

وفي ختام تصريحها، وجهت صاحبة المعهد الخاص الابتدائي والثانوي المختص في الإحاطة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية التربوية رسالة إلى الأولياء قائلة: «ما تغمضوش عينيكم على صغاركم على أمل التحسن مستقبلًا، بل يجب الانتباه إلى المؤشرات الأولى والتوجه إلى المختصين في الوقت المناسب، لأن التدخل المبكر يساعد الطفل على تجاوز العديد من الصعوبات». كما أكدت محدثتنا أن تلاميذ الباكالوريا من هذه الفئة قادرون على النجاح وتحقيق نتائج إيجابية متى توفرت لهم الظروف المناسبة، مشددة على أن المطلوب ليس تغيير البرامج التعليمية، وإنما تكييفها بما يتلاءم مع احتياجاتهم وقدراتهم.

المختص في علم نفس الطفل والمراهق وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم محمد الحناشي:

فهم صعوبات التعلم يقتضي اعتماد رؤية شاملة

ومن جهته، قال المتخصص في علم نفس الطفل والمراهق والخبير لدى المنظمات الدولية بتونس وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم محمد الحناشي، في تصريح لـ«الصباح»، إن صعوبات التعلم تُعد من أكثر القضايا التي تثير القلق لدى الأولياء والمربين، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على التحصيل الدراسي، وإنما أيضًا بسبب ما تتركه من آثار نفسية وانفعالية قد تمتد إلى مختلف جوانب شخصية الطفل ونموه النفسي والاجتماعي.

وأوضح محدثنا أن الخطأ الأكثر شيوعًا يتمثل في اختزال هذه الصعوبات في مجرد ضعف في الدراسة أو نقص في الجهد أو الإرادة، فالأبحاث الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب أكدت أن التعلم عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عصبية ومعرفية وانفعالية واجتماعية، وأن أي خلل في أحد هذه المكونات قد ينعكس بصورة مباشرة على المسار الدراسي للطفل. كما أنه من الضروري التمييز بين اضطرابات التعلم النمائية، مثل عسر القراءة (Dyslexie) وعسر الكتابة وعسر الحساب، وهي اضطرابات ذات أساس عصبي نمائي، وبين صعوبات التعلم بمعناها الواسع التي قد تنجم أيضًا عن عوامل نفسية أو أسرية أو تربوية أو اجتماعية. ولذلك فإن فهم صعوبات التعلم يقتضي اعتماد رؤية شمولية تنظر إلى الطفل باعتباره كيانًا نفسيًا ومعرفيًا واجتماعيًا متكاملًا، لا مجرد متعلم داخل القسم.

أما بالنسبة إلى العوامل النفسية التي قد تساهم في ظهور أو تفاقم صعوبات التعلم لدى التلاميذ، فقد أفاد محدثنا بأنه: من منظور علم النفس العصبي، يعتمد التعلم على مجموعة من الوظائف المعرفية الأساسية التي تعمل بصورة متكاملة، من أهمها الانتباه والذاكرة العاملة وسرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية. فالطفل الذي يعاني من ضعف في الذاكرة العاملة (على سبيل المثال) قد يواجه صعوبة في الاحتفاظ بالمعلومات أثناء القراءة أو أثناء حل المسائل الرياضية متعددة الخطوات. أما الطفل الذي يعاني من بطء في سرعة المعالجة المعرفية، فقد يحتاج إلى وقت أطول لفهم التعليمات أو إنجاز التمارين مقارنة بأقرانه. وتكمن المشكلة في أن هذه الصعوبات غالبًا ما تُفسَّر من قبل المحيط على أنها كسل أو تهاون أو نقص في الدافعية، في حين أنها تعكس في الواقع اختلافًا في طريقة اشتغال الدماغ ومعالجة المعلومات.

ولتبسيط الصورة، يقول محدثنا إنه يمكن القول إن بعض الأطفال يصلون إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها أقرانهم، لكنهم يحتاجون إلى جهد معرفي أكبر بكثير. ومع مرور الوقت يؤدي هذا الجهد المستمر إلى حالة من الإرهاق المعرفي والانفعالي تجعل التعلم أكثر صعوبة.

العوامل الانفعالية.. أثر القلق والتوتر على التعلم..

يُعد القلق من أكثر العوامل النفسية تأثيرًا في الأداء المدرسي، وفق تصريح محدثنا. فالدماغ لا يعمل بالطريقة نفسها عندما يكون في حالة أمان مقارنة بوجود حالة من التهديد أو الخوف. وعندما يعيش الطفل تحت ضغط مستمر مرتبط بالخوف من الفشل أو العقاب أو السخرية أو المقارنة بالآخرين، فإن جزءًا مهمًا من موارده النفسية والمعرفية يُستهلك في محاولة التكيف مع هذه المشاعر السلبية. وقد بينت الدراسات العصبية أن التوتر المزمن يؤدي إلى تنشيط البنى الدماغية المرتبطة بالاستجابة للخطر، مما يحد من كفاءة العمليات العقلية العليا المسؤولة عن الانتباه والتذكر وحل المشكلات.

ولهذا السبب نجد أحيانًا طفلًا يمتلك المعارف اللازمة ويستطيع الإجابة بشكل صحيح داخل المنزل، لكنه يعجز عن استرجاعها أثناء الاختبارات. فالمشكلة هنا ليست في نقص التعلم، وإنما في تأثير القلق على القدرة على استدعاء المعلومات واستثمارها. ومن هنا يصبح القلق عاملًا مضاعفًا للصعوبة الأصلية، إذ لا يكتفي بالتأثير على الأداء المدرسي، بل يحد أيضًا من الاستفادة من فرص التعلم الجديدة.

الجرح النفسي الخفي لصعوبات التعلم...

هذا ويوضح المتخصص في علم نفس الطفل والمراهق والخبير لدى المنظمات الدولية بتونس وخبير الإعاقة وصعوبات التعلم أن الطفل لا يتعلم المهارات الأكاديمية فقط داخل المدرسة، بل يبني أيضًا صورة عن نفسه وعن قدراته. ومن خلال النجاح والإخفاق المتكررين يبدأ الطفل في الإجابة عن أسئلة نفسية عميقة من قبيل: هل أنا قادر على النجاح؟ هل أستطيع النجاح مثل الآخرين؟ هل أنا ذكي أم أقل قيمة منهم؟ وعندما تتكرر الإخفاقات دون تفسير واضح أو دعم مناسب، يبدأ الطفل تدريجيًا في بناء صورة سلبية عن ذاته، وهنا تتحول الصعوبة الأكاديمية إلى أزمة نفسية تمس الشعور بالكفاءة والثقة بالنفس.

وتشير الأدبيات النفسية، حسب تصريح محدثنا، إلى أن العديد من الأطفال ذوي صعوبات التعلم لا يعانون فقط من ضعف في القراءة أو الكتابة أو الحساب، بل يعانون أيضًا من شعور مزمن بالفشل والعجز وانخفاض تقدير الذات. والخطير في الأمر أن الطفل قد ينتقل من الاعتقاد بأنه يواجه صعوبة محددة إلى الاعتقاد بأنه شخص غير قادر على النجاح في الحياة بصفة عامة.

العجز المكتسب للتعلم..

ومن المفاهيم الأساسية في علم النفس التربوي مفهوم «عجز التعلم المكتسب»، وينشأ هذا النمط عندما يتعرض الطفل لسلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة رغم الجهد المبذول. ومع تكرار التجربة يبدأ في الاعتقاد أن النجاح خارج نطاق قدراته، وأن المحاولة نفسها لم تعد ذات معنى. وفي هذه المرحلة لا يعود الطفل يتجنب النشاط المدرسي بسبب الصعوبة فقط، بل بسبب اقتناع داخلي بأن الفشل نتيجة حتمية. وهنا تظهر بعض السلوكيات التي يُساء فهمها كثيرًا، مثل اللامبالاة أو الرفض المدرسي أو ضعف الدافعية، بينما تكون في الحقيقة تعبيرًا عن حالة نفسية من اليأس وفقدان الأمل في النجاح. كما لا يمكن فهم صعوبات التعلم بمعزل عن السياق الأسري والتربوي، فالطفل الذي يعيش في بيئة يغلب عليها النقد المستمر أو المقارنات أو الضغط المفرط لتحقيق نتائج مرتفعة يصبح أكثر عرضة للقلق وتدني تقدير الذات، حيث إن بعض الممارسات التربوية قد تؤدي إلى تفاقم الصعوبة، مثل التركيز على الأخطاء دون إبراز نقاط القوة أو اعتماد أساليب تدريس موحدة لا تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. وفي المقابل، تشكل البيئة الداعمة عاملًا وقائيًا مهمًا، حيث تساعد الطفل على تطوير الشعور بالأمان النفسي والثقة في قدرته على التعلم رغم الصعوبات.

التشخيص المبكر يمنع تراكم الفشل المدرسي..

وفيما يتعلق بأهمية التشخيص المبكر، أوضح محدثنا أنه كلما تم اكتشاف الصعوبة في مرحلة مبكرة أمكن التدخل قبل أن تتوسع آثارها الأكاديمية والنفسية، فالطفل لا يتأثر بالصعوبة الأصلية فقط، بل يتأثر أيضًا بعدد سنوات المعاناة المرتبطة بها. ولذلك فإن السنوات الأولى من التمدرس تمثل فترة حاسمة للتعرف على المؤشرات المبكرة والتدخل السريع.

التشخيص المبكر يكشف نقاط القوة قبل التركيز على نقاط الضعف..

ومن أهم أهداف التقييم النفسي العصبي تحديد الملمح (profil) المعرفي/الذهني الخاص بكل طفل. فنادرًا ما نجد طفلًا يعاني من قصور شامل في جميع المجالات. ففي أغلب الحالات توجد جوانب قوة يمكن استثمارها لدعم جوانب الضعف، وهذا التحول من البحث عن العجز إلى البحث عن الإمكانات يمثل أحد الأسس الحديثة للتدخل النفسي والتربوي.

أهمية التدخل النفسي المبكر..

كما تؤكد الدراسات أن العديد من الاضطرابات الانفعالية التي تظهر لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم ليست اضطرابات أولية، بل نتائج ثانوية للفشل المتكرر وسوء الفهم والوصم الاجتماعي. لذلك فإن التدخل النفسي المبكر لا يهدف فقط إلى تحسين الأداء الدراسي، بل أيضًا إلى حماية الطفل من القلق والاكتئاب وتدني تقدير الذات والانسحاب الاجتماعي.

ويوضح محدثنا بأن دماغ الطفل يتميز بدرجة عالية من المرونة العصبية، وهي القدرة على إعادة تنظيم الشبكات العصبية واكتساب استراتيجيات جديدة للتعلم. ولهذا السبب تكون التدخلات المبكرة أكثر فاعلية من التدخلات المتأخرة، لأن الدماغ في السنوات الأولى يكون أكثر قابلية للتعويض والتكيف وإعادة بناء المهارات المتأثرة.

التشخيص المبكر يسمح ببناء خطة تدخل متعددة الاختصاصات..

كما يفيد بأن المقاربات الحديثة تؤكد أن التعامل مع صعوبات التعلم لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة، فالنجاح يتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والأخصائي النفسي والأخصائي في تقويم النطق واللغة والطبيب عند الحاجة. ويهدف هذا التعاون إلى توفير تدخل متكامل يشمل التأهيل المعرفي والدعم النفسي والتكييفات البيداغوجية المناسبة.

وتكشف المعارف العلمية المعاصرة، وفق محدثنا، أن صعوبات التعلم ليست مجرد تعثر أكاديمي عابر، بل هي ظاهرة نمائية معقدة تتفاعل فيها العوامل العصبية والمعرفية والانفعالية والتربوية والاجتماعية. وغالبًا ما تكون المعاناة النفسية الناتجة عنها أشد خطورة من الصعوبة الأكاديمية نفسها. فالطفل الذي لا يتمكن من القراءة أو الكتابة أو الحساب لا يحتاج فقط إلى تعلم المهارة المفقودة، بل يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على ثقته بنفسه وشعوره بالكفاءة وقدرته على الحلم بالنجاح. ومن هنا تبرز أهمية التشخيص المبكر والتدخل النفسي المبكر باعتبارهما استثمارًا في الصحة النفسية للطفل بقدر ما هما استثمار في نجاحه الدراسي.

إعداد: أميرة الدريدي